صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

احتفالات الألفية الثالثة!؟!

أود أن أسأل بداية : هل مرور الزمن على هذا النحو أو ذاك، في هذا العقد أو ذاك، على هذا البلد أو ذاك، يشكل مفصلاً تتغير عنده الأشياء والمعطيات والمواقف والمواقع والنظرات، ليقوم من بعد شيء ذو جدة كلية، تستحق أن يتوقف عندها المرء بوصفها مفصلاً في التاريخ البشري يشكل نهاية وبداية من نوع ما، تؤثر تأثيراً جذرياً في مقومات الحياة ومعطياتها وفي استخداماتها على هذا النحو أو ذاك في أرض البشر، مما يصبغ حياتهم وعلاقاتهم ومواقيتهم بصبغة خاصة ويجعل من ذلك الحدث المفصل بداية مواقيت ونهاية لها على نحو لا شك فيه !؟‏

أقول: إن هذا ممكن فقط في مواقيت البشر ومقاييسهم ونظرتهم، أمَّا فيما يتعلق بدوائر مما يقع خارج حدود إدراكهم وسلطتهم ونفاذ عقولهم وعلومهم وأدواتهم فلا.. إذ من المؤكد أن مرور تيار الزمن في مدى الكون، بين قرن وقرن مما قدرنا وأرخنا، هو مجرد جريان روتيني عادي لنهر الوقت، الذي لا يعرف التوقف والتغير والمناسبات والطفرات، ولا يهتم مطلقاً بما نُشيد أو نهدم، ولا بمن يفرَح أو يغضب ولا بمن يحتفل أو يرتحل من بني البشر، المأخوذين دوماً بما تهيئ لهم أنفسهم من غرور يخالون معه أن الكون توقف عند عتبات أفعالهم ليستمع إليهم أو ليأتمر بأوامرهم، وليبدأ تاريخاً أو يحتفل بتاريخ مما يصنعون !؟!‏

الوقت عندي استمرار لسرمدية لم تعرف التوقف ولن تعرفه، سرمدية لا تأبه بعبثنا نحن الذين نصرخ بوجه السماء معتقدين أننا نهز أركانها، وندق بكعوب أقدامنا الأرض مفترضين أننا نخرقها أو نزلزلها أو نزحزحها عن مواقعها ونجعلها تخضع لما نريد أن نمليه عليها!!. الزمن محيط بالكون المحيط الذي نحن نقطة فيه أو نكاد أن نكون.. خضمٌ ساج ساحر ساهر ساحق، ليس له لون أو قياس أو مدى أو حدود.. مداه يسخر بكل مدى وأفقه بلا ضفاف أو قيود.. لا روح فيه ليحيا أو يموت ، وليس فيه من مشاعرنا شيء يجعله يأبه بنا ولنا، أو يستشعر ما نستشعره في أثناء الحياة والمعاناة، ونحن محمولون على تيار الوقت هباب ذرات متناهية الصغر يتدفق بها الضوء والهواء والخواء، وتبقى في الدوامة الصاخبة عشوائية الحركة كثيرة الصخب كبيرة الادعاء.. الزمن بلا أبعاد.. بلا أعياد.. بلا أوتاد، إنما نحن الذين نحتفي بأزمنتنا ونحتفل بتواريخنا التي أرخنا بها أو أرخناها أو بدأنا بها التأريخ على نحو اتفقنا عليه أو فرضه في حياتنا حدث على أحداث وفئة منا على فئة وحضارة على حضارة وقوة على قوة؛ فكان " الزمن" الميلادي أو الهجري ، والتقويم الغريغوري أو القمري ، والسنة العربية بشهورها والفارسية بشهورها والصينية بشهورها..إلخ. والوقت بهذا المعنى يغدو رسالة أمة إلى أمة أو أمم من أهل الأرض ، ويغدو على نحو ما صيغة من صيغ الفهم لمعطى أو حدث حياتي وتأثيره ومرماه، في ظل سريان وقت تضاف إليه الأوقات أو تبنى عليه وتنسب إليه، ويغدو أيضاً نوعاً من مواقيت التعامل والتواصل والتفاهم بين الأحياء والأحياء وبين الأحياء وما فات من وقت الأحياء والأموات والموات، تبنى على أرضية فهم للطبيعة وحوادث الحياة ينسجه البشر لحمة للتاريخ أو سدى له.‏

وعلى هذا أود أن أقول : إن الألفية الثالثة التي غدت صراخاً يومياً منذ سنوات وهو يتصاعد منذ شهور ليصل ذروته بعد أسابيع، أمر لا تعنيني في شيء من حيث الاحتفاء والفرح والابتهاج، بل إنني أحاذر مقاربة هذا التاريخ بهذا اللفظ وعلى النحو الذي يراد لمضمونه ومرماه أن يغزوا عقلي ومشاعري ويكتسحاهما ، وذلك للاعتبارات البشرية والإنسانية والقومية في ضوء المعطيات الآتية:‏

أولاً: يحاول اليهود إسباغ ثوب أسطورة من أساطيرهم وكذبة كبرى من أكاذيبهم على الوقت والتاريخ والبشر والحوادث، فيقولون بالاحتفال بالألفية الثالثة ـ وهو التعبير الذي أخذ يشيع في الإعلام وعلى ألسنة الناس حتى في وطن العرب والمسلمين ـ وهم يقصدون الاحتفال بمرور ثلاثة آلاف سنة على تأسيس ما يسمونه "الدولة العبرية الأولى" في فلسطين، حين ضم داود الذي خلف شاؤول، ما يسمونه: "اليهودية والسامرة " إلى مملكته وحكمهما أربعين سنة انطلاقاً من "مدينة داود"، أي من حصن اليبوسيين في القدس الذي احتله بعد أن غلب أهله اليبوسيين العرب، وكان ذلك حوالي عام 1000 قبل الميلاد. وتلت فترة حكمه تلك أربعون سنة أخرى مدة حكم ابنه سليمان، الذي انتهت بانتهاء عهده المدة التي حكم فيها يهود جزءا كبيراً من فلسطين انطلاقاً من القدس ، لمدة ثمانين سنة تقريباً ـ هذا إذا صدق ما يؤرخون أصلاً ـ لم يخرج خلالها اليبوسيون العرب من القدس ولا توقفت حرب العرب الفلسطينيين لاسترجاعها. وهذا يجعلهم يعتقدون أن مرور ذلك المقدار من السنين/ ثمانون سنة على حكم داود وسليمان و أربعون سنة على بناء هيكل سليمان فيها‏

عام 68 ق . م على بيدر أرونة اليبوسي،كما يؤرخون/ يكرِّس القدس بوصفها "مدينة داود": "عاصمة مستقبلية موحدة" لإسرائيل كما يتخيلون ويدعون ويجبُّ تاريخها العربي الإسلامي الممتد منذ تأسيسها على أيدي اليبوسيين العرب، وهم فخذ من الكنعانيين العرب، عام 3400 قبل الميلاد إلى يوم الناس هذا!!. وهم يتخذون من الاحتفاء ذي الصبغة العالمية وسيلة من الوسائل الإعلامية والسياسية والثقافية ليرسخوا في أذهان الناس ما يسمونه: حقاً تاريخياً لهم في : "وطن الآباء"، يساعدهم في ذلك تبني المتعصبين من أتباع الكنيسة الإنجيلية لأفكارهم، وأولئك من القائلين بـ " عودة المسيَّا = المسيح" والمؤمنين بالمسيحية اليهودية والآخذين بالمقولات الصهيونية على تعصب شديد منهم، ومعظمهم من العنصريين ذوي النفوذ في الولايات المتحدة الأميركية.‏

والاحتفاء بنهاية الألفية الثالثة عند هؤلاء فعل عقائدي سياسي ـ ديني يدخل في دائرة ترسيخ العدوان والاحتلال والاستيطان، وتجسيد الفكر الصهيوني العنصري والمشروع الاستيطاني الإسرائيلي المستمر في فلسطين المحتلة، كما يدخل في باب تكثيف العمل من أجل تهويد القدس كلياً وإعادة بناء الهيكل ـ بني الهيكل الأول كما يزعمون عام 68 ق . م. ـ على أنقاض المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة اللذين يخطط اليهود لتدميرهما. وقد جرت محاولات عدة لتحقيق ذلك، وتم حفر نفق " الحشمونيين" وإقامة هيكل تحت باحة المسجد الأقصى في القدس، وتم أكثر من اعتداء على الأقصى؛ وهناك مجموعات إرهابية صهيونية تعمل على هذا المشروع بجدية مطلقة، كما أن هناك مجموعات عمل تقيم في القدس وتخطط لتنفيذ هذا الفعل الإجرامي في الوقت الذي تراه ملائماً.‏

ثانياً: يحتفل المسيحيون في العالم ، على مختلف طوائفهم ، في هذه المناسبة بمرور ألفي عام على ميلاد السيد المسيح عليه السلام. واحتفالهم حسب طوائفهم يمتد سنوياً من الأسبوع الأخير من شهر كانون الأول ـ ديسمبر وحتى الأسبوع الثاني من شهر كانون الثاني ـ يناير من كل عام، حسب تحديد تاريخ الميلاد. ولكن التوجه الذي يأخذ به المؤرخون ويثبته قاموس الكتاب المقدس أن ميلاد السيد المسيح كان في الخامس والعشرين من شهر كانون الأول ـ ديسمبر في نهاية السنة الخامسة أو بداية السنة الرابعة قبل الميلاد في التقويم المعمول به الآن ـ وهو عام 750 على بناء مدينة روما، التقويم الذي كان معتمداً في ذلك الوقت ـ وأن معموديته في 1/1 من عام 27م وانتقاله إلى الملأ الأعلى في 7 نيسان من عام 30 م. وعلى ذلك فليس في أي من التواريخ التي يحتفى فيها بألفية ما صلة دقيقة بميلاد المسيح، ذلك التقليد الذي بدئ العمل به بعد أربعة قرون على انتقال المسيح إلى الرفيق الأعلى!؟.‏

ثالثاً: في كل من المناسبتين السابقتين والتأسيس لهما : منطقياً وتاريخياً، أجد أنهما مما يتصل باعتقاد جزء من بني البشر واجتهادهم وتأريخهم للحوادث وتوظيفهم لها، أو فهمهم لتاريخ وتسخيرهم له خدمة لأهداف دينية أو سياسية!؟. أي أن ذلك ليس مما يتصل باعتقاد البشر وإجماعهم واتفاقهم وتوجههم العام!!‏

وعلى ذلك فإنها مناسبة لا يعنيني الاحتفاء بها لسببين:‏

1 ـ لأنها بالنسبة لليهود والصهيونية توظيف للأساطير والأكاذيب والناس في خدمة مشروع استعماري ـ استيطاني يستهدف شعبي وأمتي ومقدساتي وعقيدتي وثقافتي في آن معاً، فالمشروع الصهيوني يستهدف دار العروبة والإسلام جغرافياً، والهوية الثقافية العربية والعقيدة الإسلامية مادياً وروحياً، ويرمي إلى فرض الهيمنة والاستعمار والهزيمة والتخلف على الأمة العربية؛ ويشرد الملايين من الفلسطينيين ، ويحتل أرضاً عربية، ويرتكب المذابح بحق الأبرياء : أطفالاً ونساء وشيوخاً وشباباً من أبناء أمتنا في كل يوم ، ولا يكف عن ممارسة العدوان ولن يكف عن ممارسته حتى لو كنا إلى جانبهم نصلي معهم .. في الساعة التي يقومون فيها باحتفالاتهم المشار إليها.. فنحن من "الغوييم" الذين يحل لليهود حسب التلمود: دمهم وأرضهم وعرضهم وما يملكون، لأنهم يروننا مجرد مؤتمنين على ما هو في الأصل حق لليهود كلفت بحفظه الأمم، من غير اليهود، إلى أن يحين موعد رده، وعليها أن ترده إليهم حين يطلبون ذلك. وأن أبناء الأمم هم في جوهر خلقهم ، كما يعتقد اليهود وكما ينص على ذلك تلمودهم: قردة وحيوانات أخر.. إنما خلقوا على صورة البشر لكي يكونوا بمظهر لائق عندما يخدمون اليهود!؟!. فهل هذا اعتقاد إنساني أخلاقي مما تجدر المشاركة فيه على أي مستوى وصعيد، وتحت أية ذريعة وسبب؟!. وهل الصهيونية وأهدافها الاستعمارية وممارساتها العنصرية وتاريخها الأسود، مما يليق بالعرب، الذين يستهدفهم مشروعها الاستيطاني منذ قرن من الزمان، مما يمكن أن يحتفى به؟!.‏

2 ـ لأنها بالنسبة للغرب الاستعماري / الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وأوربا الغربية والشرقية "العائدة إلى المسيحية" بعد سقوط الشيوعية/ مناسبة تلبس لبوس المسيح وتتنكر عملياً لرسالته وسلوكه وأدائه ولكل القيم التي جاء بها، ولا تسجل عملياً تاريخ ميلاده الحق ، ولا مفصلاً تاريخياً يتصل بتلك الرسالة كما تفهمها وتؤديها المسيحية المشرقية، التي أكن لها الاحترام وأعتبر، ما لم يُعْطَبْ منها بفعل الولاء لمصالح الغرب وسياساته، هو الممثل الحقيقي لروح المسيحية والمطالَب بالدفاع عن جوهرها الأصيل.. فالغرب الاستعماري فتك بكثير من الشعوب ، وفتك بالإنسانية وقيمها فتكاً ذريعاً، حتى باسم المسيحية ومن أجلها كما قال.. ولم ننس بعد الحروب الصليبية ورسيسها المتجدد وحقها الساري في الفعل السياسي حتى اليوم!؟ والغرب كان هو المسؤول عن معاناة الكثير من الشعوب جراء الاستعمار، وعن حربين عالميتين على الأقل كلفتا البشرية أكثر من سبعين مليوناً من الضحايا.. وعن قمع وإرهاب وفقر بلا ضفاف ونهب لخيرات العالم بلا حدود؛ فأين المسيحية ورسالة المسيح من كل ذلك؟!‏

ولأن الغرب يشن الآن، وفي ظلال دعاواه العريضة القائلة بالدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان والممارسة الديموقراطية، يشن حرباً على عقائد الآخرين ومصالحهم وثقافاتهم، ويتحالف مع الصهيونية في ممارساتها ضد العرب والمسلمين على الخصوص ، ويتبادل هدايا الصمت وكأنها " أنخاب" المجاملات في احتفالات مسائية بينه وبين المعتدين.. إنه يشن حروباً ضد عقائديين يخالفونه الرأي والعقيدة ، لا سيما من المسلمين.. أو يشن حروباً عليهم تحت ذرائع وشعارات متنوعة.. إنه يسكت على حروب إبادة أو يشن حروب إبادة، وفي الحالتين يربح ويحمِّل الآخرين أفدح الخسائر ويمن عليهم بأنه حماهم أو تدخل من أجلهم ، ويتبجح دائماً بأنه يدافع عن القيم والناس.. يقوم بذلك تحت اسم مكافحة الإرهاب أحياناً ومجاملة للقوة الجائرة التي لا يريد أن يتصادم معها أو يريد أن يتبادل معها المصالح في كثير من الأحيان / من أمثلة ذلك ما جرى وما يجري في: فلسطين ـ لبنان ـ العراق ـ البوسنة والهرسك ـ كوسوفا ـ كشمير ـ الصومال ـ وما تقوم به روسيا في الشيشان ...إلخ/‏

3 ـ لأنني من أمة ذات شخصية ثقافية وعقيدة إسلامية وهوية قومية وحضور حضاري مؤثر ومتمايز عبر التاريخ، أمة تملك أعيادها القومية ومناسباتها الإنسانية الكبرى، التي لم يتعاطف معها الغرب، بشمول كلمة التعاطف لمداه: جغرافياً وثقافياً وعقائدياً، ولا يتعاطف معها.. لم يهلل لها ولا يهلل لها ولا يشارك فيها، وهو حتى لا يهتم بتغطيتها أو بذكرها في وسائل إعلامه التي تغطي العالم. مع أنه في كل سنة يشارك العرب والمسلمون الغرب احتفالاته بأعياده الدينية وبعيد برأس السنة الميلادية، ولقد أصبحت تلك المناسب، مناسبة عيد رأس السنة الميلادية، في بعض البلدان، طقساً داخلياً عاماً وحميماً، يُحتفى به أكثر بكثير من رأس السنة الهجرية وعيد المولد النبوي ، والأعياد الدينية والقومية والوطنية الأخرى مجتمعة؛ ولكننا لم نشعر بأي اهتمام غربي في مقابل ذلك، ولو من باب المجاملة، فيشاركنا بعض مناسباتنا تلك ـ ولا ينسحب هذا على أشقائنا من المسيحيين المشرقيين الذين نشاركهم ويشاركوننا الاحتفاء والاحتفال بكل المناسبات العزيزة ومنها أعياد الميلاد ورأس السنة، على أساس من الاحترام عميق فهم منا ونحن منهم في كل شيء ـ وقبل عقد ونيف من السنين احتفل العالم الإسلامي بمرور أربعة عشر قرناً على الهجرة النبوية، بداية التقويم الهجري، ولم نلمس مشاركة واسعة من أي نوع وعلى أي نطاق يذكر، في هذا الحدث العزيز على نفوسنا، ذي الانعكاسات الكبرى على الحضارة البشرية في طول العالم وعرضه. لقد صمت الغرب وصم أذنيه لأن الحدث لا يعنيه لا دينياً ولا حضارياً ولا سياسياً ...إلخ وربما لأنه لا يقيم لأهله وزناً.. فكلمة القوة وحدها ذات وزن وإيقاع لافت وصوت مسموع؛ ولعل للغرب مسوِّغاته وأسبابه الأخرى المتصلة بعدائه الذي لم ينقطع للعروبة والإسلام معاً!؟. وهو ليس ملوماً على أية حال.. لا في عدم اهتماماته بما نهتم به ولا في دفعنا إلى الاهتمام بما يهتم به إلى أقصى درجات الاهتمام؛ لأننا نحن الذين نُسأل عن ذلك أولاً وآخراً.. نحن العرب المهرولين في كل المناسبات على أبواب الغرب إمَّا لنستسلم وإمَّا لنسلِّم، وفي كلتا الحالتين نفقد هيبة ونخسر احتراماً ونوضع من ضمن الحاشية ، ونلام من بعد إن لم نكن في طليعتها وإذا لم نهرول في كل المناسبات الخاصة والعامة، التي تعنيه أو تلك التي يريد منا أن نُعنى بها؛ لا سيما تلك التي تخص العدو الصهيوني، الذي يحتل أرضنا ويقتل شعبنا ويحتل مقدساتنا ويهودها.. فترانا حضوراً وقوفاً حاسري الرؤوس.. في الموت والفرح، وفي حالات المناصرة ضد المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية اللتين تقاومانه بصفته محتلاً للأرض ويمارس العدوان يومياً ضد السكان العزَّل.. وخصوصاً في الاحتفالات "المقدسة" / أوسلو، وادي عربة، واي بلانتيشن، شرم الشيخ، واي ريفر..إلخ../ بتوقيع هنا يُنقض قبل أن يجف حبره، وآخر هناك يكرِّس للتآمر على ما تبقى لنا من حقوق وتضامن وكرامة وحضور بين الأمم!؟‏

واليوم لا يختلف الوضع، أو لا يكاد يختلف على الإطلاق، عن كل المناسبات الغربية والصهيونية التي يتقدم العرب ليكونوا في الصفوف الأولى منها : مشاركين ومباركين ومهيئين ومهنئين..إلخ وها هم يستعدون اليوم للاحتفال بالألفية الثالثة لاحتلال اليهود لقلعتهم الأولى قلعة اليبوسيين التي سميت : " مدينة داود" وكانت القدس العربية الأولى المستمرة الحضور؛ ويمهدون أرصفة رضاهم، بفرح غير مستور، لقيام اليهود بما يسمونه: "إعادة بناء الهيكل الرابع"، حسب ما يؤرخون زوراً وبهتاناً؛ ذاك الذي سوف يقام على "أنقاض المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة" إن هم استطاعوا إلى تدميرهما سبيلا.. لا سمح الله ولا قدَّر.؟! هل هذا غريب أو عجيب !؟ ربما ولكن عالم أمتنا العربية والإسلامية اليوم ممتلئ حتى محاجر العيون، بالغرائب والعجائب والمصائب؛ فلا تضحكوا ولا تبكوا يا رعاكم الله بل تبصروا بما هو قائم وبما هو آتٍ أيها العقلاء.. فالآتي يبدو أعظم من كل ما فات!؟.‏

بقي أن أشير، بكل التقدير والاهتمام والاحترام، إلى أن الاحتفالات التي سوف تقام بما أفضل أن أسميه بداية القرن الميلادي الجديد، ذات بعد ثقافي وحضاري من جهة ، وتضع عالمنا أمام تحديات علمية : نظرياً وعملياً، وأمام عصر تتقدم فيه ثورة المعلومات والمعلوماتية والهندسة الوراثية وعلوم الفضاء والذرة والعَوْلَمَة من جهة أخرى، بما لا يترك مجالاً للشك في أننا دخلنا مفصلاً زمنياً حقق نقلة نوعية تستحق أن تكون نهاية تاريخ وبداية تاريخ مما يهتم به البشر ويؤرخون له ويفصلون به موجات بحر الزمن المتلاطمة بعضها عن بعض.. أفلا يستحق هذا الكثير من الاهتمام والاحتفاء!؟ أقول " نعم ثم نعم.. إن هذه حقيقة ساطعة وهي تطرح علينا وعلى أمتنا وثقافتنا تحديات كبيرة وأسئلة كثيرة.‏

التحدي و الخطاب :‏

هللت صحيفة بريطانية لما أسمته انهزام الإسلام الراديكالي في الوطن العربي والعالم، ورأت أن الارتياح يعم أوربا على الخصوص التي ترى في هذه النتيجة انتصاراً للخط المعتدل وللأنظمة العربية والإسلامية التي لم يرض أي نظام منها عن وجود حكم من هذا النوع في بلده. قد يكون هذا الذي ترتاح إليه الحكومات الغربية وتهلل له صحافتها قائماً وصحيحاً؛ فكثير من الدول العربية تلاحق تنظيمات إسلامية متطرفة، ولكنها في تقديري لا تريد أن تلاحق الإسلام، ولا تستطيع أن تفعل ذلك حتى لو أرادت؛ وهو ما يتطلع إليه الغرب ويشجعه في تلميحاته الملتوية عن الراديكالية، ويعمل على حدوثه ليضعف الإسلام بأيدي المسلمين.‏

وهذا الوضع الذي تم التعبير عنه يطرح سؤالاً كان وما زال قائماً منذ بدأت شرارة الاحتكاك الأولى بين العالم المسيحي والعالم الإسلامي هو: هل المطلوب ملاحقة الإسلام أم ملاحقة نوع من المسلمين؟! وهل تنجح الصهيونية التي تفعل فعلها في الغرب وينجح هو في توظيف مسلمين لتدمير الإسلام أو تشويه صورته؟! سواء أكان ذلك بتوظيف أداء سلبي لمسلمين يشوه صورة الإسلام ويُحسب فعلهم، الذي قد يكون شائناً ومداناً، على الإسلام ذاته؛ أم كان ذلك بأداء قمعي يتم ضد أية صحوة لمسلمين ترمي إلى إحياء الإسلام: عقيدة نقية صافية في النفوس، والتشبث بقيمه وتعاليمه السليمة واستعادة شريعته وتألقه، بعد الذي أُلحِق بجذوته من ذبول جرَّاء توظيف جهد أنظمة عربية وإسلامية وشخصيات وتنظيمات خضعت للاستعمار ووالت الغرب كلياً، وعملت في خدمة سياسته وأيديولوجيته واستراتيجيته طوال عقود طويلة من الزمن، توظيف أولئك لتحقيق هذه الغاية؛ وقيام أيديولوجيات بلعب دور كبير وخطير في الوصول إلى النتيجة ذاتها، لا سيما من داخل البيت!؟‏

يبدو لي أن الغرب يحاول، منذ بدأ ذلك الاحتكاك، القضاء على الدين الذي انتشر بسرعة لا تصدق، وأطاح بالإمبراطوريتين الكبريين في زمن الرسالة: البيزنطية والفارسية؛ ويرى أن الوقت الراهن وقت ملائم للانقضاض على عرب ومسلمين لا يملكون القوة التي يملكها في شتى المجالات، لا سيما في المجالين: العسكري والتقني، وهم في حالة تخلف وضعف وتشتت وخمول من جهة وفي حالة تقليد وتبعية وانبهار بالغرب وكل ما يقول به ويجيء منه، من جهة أخرى.‏

كما يبدو لي أن هذا من طبائع الأمور بالنسبة لعدو أو خصم أو منافس، ولا يتعلق الأمر بتطرف فقط مارسه بعض المسلمين أو الموظفين منهم لهذا الغرض، هنا وهناك، لخلق مناخ يؤدي إلى الهجوم على الإسلام والنيل ممن يحاولون إنعاشه في النفوس، والأخذ بتعاليمه الصحيحة في الحياة، واستعادة حضوره الفاعل في المستويات جميعاً .‏

وأياً كان موقف الغرب وهدفه وأسلوبه ـ ونحن في حوار معه حول كثير من الأمور ـ فإنه يبقى المستعمر القديم الذي يجدد أساليبه ليعود إلى مواقعه بطرق شتى، ويبقى صاحب المصالح والأطماع والتطلعات التي لن يوقفها عند حد إلا قوة معنوية وروحية ومادية، قوة في كل المجالات ، تحقق نديَّة في التعامل معه، وتشكل رادعاً لا بد من وجوده، حتى لا يشكل ضعف الطرف المقابل ـ عالم المسلمين هنا ـ إغراء باستمرار العدوان والسيطرة والابتلاع، أو إغراء بشن حروب تبدو سهلة ثم تغدو صعبة مكلفة للطرفين ولا تنقصنا النماذج الكثيرة والمثيرة في هذا المجال.‏

ويبقى السؤال ملقى على المسلمين وأنظمتهم وتنظيماتهم ومثقفيهم ومفكريهم ومؤمنيهم: هل يريدون علاقات متوازنة وسليمة وقوية مع الآخرين في عالم اليوم، الذي انفتحت كل الممرات والقنوات في أرضه وفضائه بعضها على بعض، وتشابكت مصالح أهله، وغدت القوة المستندة إلى العلم وتطبيقاته هي الأساس في علاقاته وتوازناته، على الرغم من كل التمويه الذي يحيط بهذه الحقيقة؛ أم أنهم يعتقدون بإمكانية القوقعة والانطواء على الذات وإعطاء الظهر للشرور، والتخلص من تكاليف تواصل مع الآخرين قد لا تعود عليهم إلا بالمزيد من القلق والرهق والخسارة؛ والاكتفاء بالدعاء على الخصم والتضرّع من أجل الخلاص، من دون فعل يصنع الخلاص!؟!‏

لا أظن أن هناك من يفكر بالانطواء على نفسه وبالانزواء عن الآخرين في عالم اليوم، فذاك أمر غير ممكن حتى لو أراده من أراده؛ ولا أظن أن المسلمين كانوا في يوم من الأيام ممن يعطي ظهره للحياة والأزمات، ويقيم حول نفسه وبلده والناس من حوله سوراً مثل سور الصين الحجري أو سور ستالين الحديدي، ولا ممن أهمل شأن الإعداد والاستعداد لكل أمر؛ بل العكس هو الصحيح لأنهم كانوا يرون أنهم مكلفون بالتبليغ، وبأن يصدعوا بما يؤمرون، وبأن يكونوا مع الحق والضعيف والمظلوم وليس عليه؛ وكان تاجرهم مثل مفكرهم ومقاتلهم يحمل رسالة الإسلام ويطوف بها الأرض مبشراً وداعياً ومضحياً في سبيل ذلك. ولكنه كان يعد نفسه لذلك إعداداً ملائماً ويستعد لكل ما قد يترتب على فعله ذاك من تضحيات وتبعات.‏

وأرى أن الإعداد والاستعداد، وتوطين النفس على تحمل المصاعب والتبعات التي تترتب على ذلك والوعي بالذات والعصر وأدواته، هو ما ينقصنا، أو هو ما نحن بأمس الحاجة إليه اليوم. وأن زاد السالك في طرق عصرنا هذا يختلف عن زاد السالك في عصور مضت. صحيح أن الإيمان ضرورة وجوهر الإيمان لا يتغير ، ولكن أشياء كثيرة في منتهى الأهمية قد تغيرت من حول المسلم عن القرن الأول للهجرة، وما تغير يتصل بزاوية الرؤية وبأسلوب التفسير والتعبير والتوصيل، وبالأدوات التي يستخدمها السالك للانتقال الآمن والتوصيل الأمين والدفاع عن الذات والمقدسات عند الضرورة باقتدار وبما يضمن نجاحاً وانتصاراً.‏

وهذا يقودنا إلى طرح سؤال لغة العصر ، ونوع الخطاب الملائم ولغة ذلك الخطاب، التي ينبغي ، فيما أرى ، أن تنطوي على مرونة لا تفرط بالثوابت والعقيدة والأصول، وتمتلك قدرة على التوجه إلى ألف شريحة اجتماعية وشريحة، تختلف بعضها عن بعض، والتوجه إليها بمنطق وحجة وبرهان، لنتمكن من الإقناع والإمتاع وكسب المخاطب وتحريك أعماقه ليكون مستجيباً أو مستعداً للاستجابه لداعي الحوار والعقل والإيمان، بمنطق يستند إلى الأخلاق والقيم، وتهذيب يجسّده السلوك والعمل والتعامل، ووضوح رؤية ينسكب في النفوس وعياً ونوراً انسكاب غيث الربيع على عشب ظمئ!! فهل نحن قادرون على هذا النوع من الأداء والتواصل والتعامل مع العصر وأناسه؟!‏

إنه التحدي الذي يفرض علينا أن نحسن اقتباس الجواهر الأصلية من مكامنها الأصيلة. فالرسول عليه الصلاة والسلام كاد أن يلخص الإسلام في حديثين اثنين: " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. " و " الدين المعاملة.". أما سبله إلى التواصل والتفاعل والإقناع بإمتاع فلخصته الآية الكريمة:‏

" ..ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضُّوا من حولك.."/ آل عمران 159/‏

صدق الله العظيم.‏

دمشق في 17/9/1999‏

دمشق في يوم الجمعة،‏

19 تشرين الثاني، 1999‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244