|
الصـراع العربي الصهيوني : حاضراً ومستقبلاً
لماذا يكون الصراع العربي- الصهيوني صراع وجود؟!ولماذا لا تنحصر تصفية القضية الفلسطينية بالفلسطينيين وحدهم أو بجزء منهم، فيتمركز الحل حول عرفات الذي أصبح بديلاً لهم وللقضية على نحو ما ؟! ولماذا هذا الإصرار من عرب ومثقفين عرب على رفض الحلول التي تؤدي إلى اعتراف بحق للعدو الصهيوني في فلسطين وتطبيع للعلاقات معه، في حين تُقبل أنظمة وسياسات عربية على ذلك، ويضيّق على أنظمة وتنظيمات وسياسات عربية من أجل القبول بذلك؟!.
أسئلة ليست جديدة على الإطلاق، ولكنها تتجدد مع تجدد المحاولات في اتجاهين:
- اتجاه تصفية القضية وإنهاء الصراع بما يحقق مصالح العدو وبقاءه محتلاً لفلسطين، سيداً فيها، مالكاً لها.
- واتجاه مقاومة هذه التصفية والتمسك بالثوابت والحقوق العربية والنضال من أجل تحقيقها.
واليوم يرتفع الصوت من جديد : لماذا ؟!
وفي مقاربة للموضوع من جديد، وسعي نحو تعميق المفاهيم وجلاء بعض الحدود وتوضيحها وتعزيز لوضوح الرؤية في أزمنة تكاثف الضباب، نتوقف عند الحقائق والمعطيات الآتية:
1 ـ أن الصراع على فلسطين ليس جديداً في التاريخ، وقد مرّت فترات من الزمن كان هو أساس تصادم القوى الكبرى، وأحد أشد مراكز الاختصام. ولكن فلسطين لم تكن في يوم من الأيام هي الجغرافية التي حددها اتفاق" سايكس - بيكو " ، ولم تكن منطلقاً لمشروع عنصري- توسعي يرمي إلى إعادة رسم الجغرافية السياسية للمنطقة كلها، وفرض الهيمنة الأجنبية الشاملة عليها، وإعادة تكوين المفاهيم والثقافات والقيم والعلاقات فيها وفيما حولها، على نحو يعزز المشروع المعادي لتطلعات أهلها ويفرض رؤيته عليهم، كما هو الحال اليوم؟.
فلسطين كانت، منذ بدأت خطوات الحضارة والعمران الأولى في هذه الأرض/ الألف العاشرة قبل الميلاد في سهل نطوف، قرب أريحا جزءاً من الحضارة العربية التي أقامها العموريون العرب في حوضهم الحضاري الكبير، وشاد الفخذ اليبوسي من الكنعانيين العرب فيها مدينة القدس/ 3200 ق.م/ وبقيت وبقوا جزءاً من أمتهم العربية، ومن سورية الطبيعية جغرافياً، التي حملت اسم بلاد الشام، ولكنها لم تعرف نسيان اسمها وتقليصه وتمزيق جغرافيته إلى دول أربع إلاّ على عتبة المشروع الصهيوني، ومن أجل إقامته وترسيخه انطلاقاً من " سايكس - بيكو" ووعد بلفور، والحماية البريطانية - الفرنسية التي باركتها عصبة الأمم.!؟!
والمشروع الذي يقام في فلسطين اليوم لا يستهدف جغرافيتها السياسية الحديثة ومن يسكنها من العرب وحسب، وإنما ينطلق من تلك المواقع بداية ليستهدف العرب كلهم: حاضراً ومستقبلاً ومشروعاً حضارياً منشوداً، ولا يعتق ماضيهم من حقده وتخريبه وممارساته العدوانية، لأن ذلك الماضي هو جذر الشجرة السامقة المخضرة، التي يحاول اجتثاثها من الوجود. وإذا كانت السياسات العربية المعاصرة قد ابتلعت طعم التجزئة والتقسيم ، وتمثلته على أحسن ما يكون التمثُّل، وأخذت تدافع عنه باستماتة، كما لم تدافع عن الأمة والعقيدة والجذور والأصول من قبل؛ فإنها مدعوة لمواجهة حقيقة أن هذا الذي تتمسك به وترى فيه قارب نجاة هو الذي يؤسس لخرابها وضعفها وتآكلها وغرقها، ومن ثم انهزامها أمام المشروع الصهيوني الذي أخذ يستوعب تطلعاتها وأحلامها ويقيم حولها أسوار الأوهام لتركع في محرابه طالبة العون والحماية والرضا.
مرحلة " الشرق أوسطية " العائدة مع بيريس وحزب العمل/ حكومة ايهود باراك/ أقنعت العرب بالانقسام إلى قسمين، أو فرضت ذلك الانقسام عليهم فصاروا في المفاهيم السياسية التي تروج ويتم تداولها : "شمال إفريقية - والشرق الأوسط" وبينهما برزخ لا يلتقيان. ومن موريتانيا حتى مصر، مروراً بالمغرب وتونس وأخيراً الجزائر، يعترف العرب " بإسرائيل" ويقيمون علاقات معها أو يرحبون بإقامة علاقات ، ويضعون أنفسهم في خدمة " سلام إسرائيلي" يبتلع فلسطين ويؤسس لمرحلة جديدة في المشروع الصهيوني، هي أشد خطورة من سابقاتها .
وفي الشرق الأوسط العربي يكتسح سلامُ باراك" العواصم المنهكة أو المنتهكة، ويحاصر من لم يستسلموا بعد:
1 ـ بالقوة التدميرية الكافية لتحقيق انتصارين ونصف، في أي احتمال مواجهة بين البلدان العربية كلها، ومن يمكن أن يساعدها من الجوار الإسلامي وبين الكيان الصهيوني، كما قال باراك في تصريح له .
2 ـ وباللاءات الأربع(1) ، وسياسة القفاز الحريري الذي يغطي قبضة الحديد المغموسة بالسم والحقد، وابتسامة قنفذية تفيض لؤماً تاريخياً مركزاً وحقداً على الآخرين، ترسم على وجه مجرم تلطخت يداه بدماء أطفال العرب ومبدعيهم ومناضليهم.
3 ـ وبتخطيط مستقبلي لجيش نخبوي يراد له أن يمتلك أحدث التقنيات وأشدها فتكاً وأوسعها سيطرة ؛ ليفرض في المستقبل قرار الصهيونية وإرادتها وهيمنتها ومشروعها على المنطقة بكاملها؛ عبر تحالفات ترعاها، وتشارك فيها وتدعمها الولايات المتحدة الأميركية.
المشروع الصهيوني لا يتوقف عند فلسطين المعاصرة ، أرضاً وشعباً ، بل يستهدف سورية الطبيعية كلها انطلاقاً من فلسطين " سايكس - بيكو"، كما يستهدف الأمة العربية انطلاقاً من سورية الطبيعية.
ولأنه يسير حسب مرحليّات منذ البداية ، فإن هذه المرحلة / مرحلة الانتصار الكامل للصهيونية بفرض "سلام الاستسلام" على العرب/ هي الأخطر من حيث هي مفصل بين مراحل التأسيس وامتلاك القوة، ومراحل السيطرة والتوسع والتخريب من خلال الهيمنة، والفتك من الداخل بكل الوسائل ومنها القوة!؟.
وإذا كان العرب قد حافظوا على وجودهم وهويتهم ومشروعهم بمقاومة مشاريع الغير ورد عدوانيتهم، منذ بدايات التاريخ القديم حتى اليوم؛ وإذا كانوا يرغبون في المحافظة على هذا الوجود؛ فإن عليهم أن ينظروا إلى حقيقة أن المشروع الصهيوني يستهدفهم بوصفهم هوية وحقيقة تاريخية، ووجوداً حيوياً حياً، وأن الرد عليه لا يكون بالاستسلام له والاسترخاء أمامه على أرضية أوهام " السلام" وأحلامه، وما يشاع من كلام الانبهار الذي تحمله وعود الازدهار الذي سوف يحققه ذلك " السلام" من جهة، وما يقال بشأن الاستسلام الذي لا بد منه نظراً للتردي القائم و " الأفق الدولي المسدود" ؛ أخذاً بـ " واقعية الانهزاميين، ومن يريدون إلحاق الهزيمة بنا باسم الواقعية الانهزامية"، ممن يوظفهم أعداء الأمة لتخريب قيمها ومقومات صمودها من جهة أخرى!؟!.
وحين يتم النظر إلى استهدافات المشروع الصهيوني وتطلعاته وما يؤسس له على أرضية " ما يسمي السلام" ؛ وتحسَب الحسابات بدقة : ابتداء من التسلّح بأنواعه، والتحالفات، والتخطيط الصهيوني التوسعي بأبعاده ، ومحاولات كسب الوقت وتوظيفه لتحقيق:
-مراحل الإعداد والاستعداد الصهيوني من جهة .
-إنهاك الخصم وتيئيسه بالحصار، والضغط المعنوي، وحرق الأوراق، واستنزاف روافد الصمود ومقوماته من جهة أخرى.
حين يتم النظر في ذلك على أرضية من العلم وبُعد النظر والمسؤولية القومية، واستقراء التاريخ الماضي للصراع استقراء واعياً لأهدافه؛ نجد أن الصراع في حقيقته لا يتوقف عند حدود انتزاع فلسطين / كلياً أو جزئياً/ من جسم الوطن العربي وإقامة دولة صهيونية فيها؛ وإنما يمتد انطلاقاً من ذلك لمواجهة أي شكل من الأشكال التي تحقق القوة للعرب عامة وللسوريين خاصة، سواء أكان ذلك بالتقدم العلمي وامتلاك التقنيات العالية والقدرة على تجسيدها في إنتاج صناعات مدنية وعسكرية متقدمة، أم في تضامن عربي يؤدي إلى القوة ، أو في تقارب الأهداف والرؤى والمشاريع على صعيد عربي- إسلامي يحقق منظوراً مستقبلياً للنهضة والقوة.
ونظراً لكون المشروع الصهيوني يتضاد كلياً مع أي مشروع نهضوي عربي، ويرى فيه بداية توجه نحو امتلاك قوة قد تستخدم للتحرير، فإن العدو الصهيوني سوف يقاوم كل شكل من أشكال النهضة والتقارب العربيين ، سواء أجاء ذلك عن طريق الاتحاد أو الوحدة ، أو عن طريق التقارب الثنائي الجاد.. وسيقوم العدو الصهيوني بضرب ذلك، ولو باستخدام القوة مباشرة لأنه يسوغ دائماً الضربات الاستباقية في إطار ما يسميه : الدفاع عن النفس حيال قوى تهديد محتملة،. وهذا يجعل الصدام مستقبلاً حتمياً مع الكيان الصهيوني عند ظهور أية بادرة تقدم نحو أي هدف قومي أو نهضة قومية؛ لأنه يرى في ذلك " عدواناً محتملاً" وقوة لا يأمن جانبها كما أسلفت. وهذا يضع العرب أمام واحد من اختيارين:
- إمّا أن ينظروا إلى الكيان الصهيوني على أنه القوة المعادية التي اغتصبت منهم أرضاً، ولا تزال أطماعها قائمة في أرضهم ، والجهة ذات المصلحة في شن عدوان محتمل عليهم في أي وقت، حتى بعد اعترافهم به؛ كما ينظر هو إليهم من خلال استقراء تاريخه ومشروعه وخططه واستعداداته وتصريحاته وتربيته لأجياله.
- وإمّا أن ينظروا إليه على أنه " الجار والصديق والبلد الذي يملك قوة قاهرة، استلبت منهم وطناً وقراراً"؛ فيسلموا له القياد ويحاولوا مراعاة رغباته ومصالحه وأوامره في المستقبل حتى لا يستفزوه ضدهم.
في الحالة الأولى، أو عند التقاط الاختيار الأول، يكون العرب مع حقائق النظر إلى الصراع بوصفه صراع وجود بأبعاده واستهدافاته والاحتمالات التي يقيمها والتبعات التي يرتبها. وهذا يقتضي إعداداً واستعداداً واستراتيجية ملائمة تحقق نوعاً من الدفاع الناجع عن النفس والحقوق والمصالح، وتتطلع إلى حسم الصراع لمصلحة الأمة بالوسائل الممكنة.
وعند عتبة هذه الرؤية لا يكون " السلام خياراً استراتيجياً" وإنما هو نوع من الهدنة، لأن العدو ينظر إليه بوصفه مرحلة من مراحل مشروعه التوسعي- العنصري المستمر الأهداف، فلم لا ننظر إليه نحن على أنه هدنة!؟.
وهذا يقتضي من العرب منهجاً تربوياً وتعليمياً وتثقيفياً عاماً يؤسس لبقاء مقومات الصراع وأهدافه حية في الذاكرة والوجدان ، ويؤسس أيضاً لامتلاك مقومات النهضة والقوة اللتين تحققان نجاحاً في مراحل المواجهة المحتملة على الصُّعد والمستويات كافة، امتلاك ذلك على أرضية العلم والإيمان والعمل بهما.
وفي هذا المجال نحن أمام استمرار صراع وجود بمعطياته ووقائعه ومتطلباته، وأمام احتمالات صراع مفتوح على الزمن، ويحتاج إلى تكثيف الوعي والقوة والإمكانيات لحسمه، سواء أطال الزمن أم قصر؛ وحسمه يعني تفوق قوة بشكل نهائي وتام على أخرى وتصفيتها. وما أظن إلا أن قوة العدو الصهيوني هي المرشحة للتصفية على هذا الأساس ؛ لأن العرب يملكون ، كما قال الرئيس حافظ الأسد، ما لا يمكن أن يملكه العدو في المستقبل مطلقا:ً "الحق الساطع والشعب الواسع"، فإذا زود هذا الحق بقوة شعب لا حدود لها على الصمود والمقاومة وبكل طاقات الإبداع العلمي والمعرفي، وبالتضحية والشهادة، فإن المستقبل سيكون للأمة العربية في صراعها مع الصهيونية وأعوانها. واستقراء التاريخ يفيد بقدرة الأمة العربية على تحقيق نصر متجدد على أعدائها منذ مواجهات الكنعانيين إلى مواجهات عرب اليوم، مروراً بمواجهات المسلمين للحملات الصليبية وتحريرهم فلسطين منها وقضائهم على مشروعها بعد ما يقرب من مئتي سنة من الاحتلال والاستعمار الاستيطاني الذي يشبه إلى حد ما المشروع الصهيوني اليوم.
أمَّا إذا اختار العرب الاختيار الثاني فإنهم عملياً يعلنون حسماً للصراع مع العدو الصهيوني لمصلحة ذلك العدو، ليس على فلسطين وحدها، وإنما على المستقبل وعلى نتائج تضاد المشروعين القومي العربي- والصهيوني الاستعماري. لأن معنى القبول بالعدو الصهيوني: " جاراً وصديقاً وحليفاً وشريكاً في مصير المنطقة" هو قبول بالهزيمة وتسليم بنتائج غزو القوة، وما يفرضه من قهر، وتراجع عن كل مسوغات بناء مشروع قومي مضاد، ورضا بتفاقم التورّم القطري الذي سيأتي على الوضع القومي ومستقبله وقيمه ومقوماته وطروحاته وتطلعاته: وحدة - اتحاد- مشروع نهضوي- هوية- حضارة .. الخ./ كما يأتي مستقبلاً على الاستقلال القطري ذاته وعلى آفاق التطور في هذا النطاق.
فضلاً عن أن هذا النوع من الاختيارات / التسليمية أو الاستسلامية/ يقود إلى التراخي التام، على الصعيدين الرسمي والشعبي ، في الإعداد والاستعداد على المستويات: الفردية والجماعية، الثقافية والسياسية، في الإطارين: القطري والقومي.كما يقود إلى نوع مغاير من التطلعات والتربية والاهتمامات والتوجهات؛ وقد يؤدي عملياً ، كما هو حاصل الآن بين بعض الأقطار العربية والكيان الصهيوني- الأردن ومصر وشرائح الفلسطينيين في الضفة وغزة - إلى أن يعمل العرب مباشرة في خدمة المشروع الصهيوني واستراتيجيته في كل المجالات../ هناك عشرة آلاف مصري يعملون في الكيان الصهيوني ومنهم من يعمل في خدمة جيش العدو، وهناك الذين يبنون المستوطنات للصهاينة وهم بالدرجة الأولى طاقة عمل فلسطينية، وكذلك الذين يعملون في المنطقة الصناعية بإربد وفي المزارع اليهودية في فلسطين من فلسطينيين وأردنيين وسواهم من العرب ، وهناك من هم على قوائم الاستخدام الإسرائيلية بالاتفاق مع جهات عربية في إيلات وغيرها من المرافق التي هي في طريقها إلى الإنشاء بجهود مشتركة/.
إن الاختيار الثاني هو الاختيار الذي يؤدي عملياً إلى تآكل الروح المعنوية، والوجود الحيوي للأمة، وإلى تسميم بطيء للإرادة العربية . ومما لا شك فيه عندي، أن أي اتفاق سلام بين العرب والكيان الصهيوني ، منذ "كامب ديفيد" حتى آخر مراحل اتفاقيات "أوسلو:" في مذكرة واي بلانتيشن" كان يؤدي إلى خدمة المشروع الصهيوني وتقويته وتراجع الوضع العربي وترديه.
وإذا ما وصل العرب إلى اتفاق " سلام" نهائي وشامل مع العدو على أساس هذه الاتفاقيات ومثيلاتها ونهجها فإنهم سيصلون إلى ضعف مطلق لهم حياله: أمةً وأقطاراً، وإلى زرع عداوات ومناحرات فيما بينهم تجعلهم ينتظرون مصير ملوك الطوائف، ومصير أجدادهم في الأندلس.
إنني أقول بحقيقة أن الصراع العربي- الصهيوني صراع وجود ، لم يكن في يوم من الأيام نزاعاً على حدود ولن يكون كذلك في يوم من الأيام ، فالخطر الصهيوني الذي بدأ من فلسطين وانطلق منها لن يتوقف عند حدودها ، وهو يستهدف الأمة كلها- بدرجات- من موريتانيا إلى العراق، ولذلك كانت قضية فلسطين قضية قومية وستبقى كذلك. والخطر الذي يمثله الكيان الصهيوني المتحالف مع الاستعمار الأميركي الجديد/ هيمنة على القرار الدولي والاقتصاد والإعلام والسياسة والقوة والمعلوماتية والمال.. الخ/ لن يقف عند حدود، ولن يردعه إلا نوع من الوقوف الحازم والقادر في وجهه بقوة رادعة، وعدم التسليم بأنه قهر الظاهر والباطن في وطننا وانتهى إلى هزيمة الأمة بصورة شاملة.!؟
ومن حقيقة صراع الوجود هذه بأبعاده : الحضارية والتاريخية والعقائدية ، العسكرية والاقتصادية والثقافية، وحقائقه والاستحقاقات التي تتطلبها المواجهة ينطلق أكثر من سؤال:
1 ـ هل نحن قادرون على مواجهة التحالف الصهيوني - الأميركي وأجنحته، في ظل تراخ عربي وهرولة واستسلام وتآمر مكشوف في بعض الحالات أو في أكثر الحالات؟!.
2 ـ هل عدم " الاستسلام" للعدو يقينا من الانهزام أمام القوة التي يملكها هو وحلفاؤه؛ ويجعلنا أكثر حظاً في المستقبل؟!؟
3 -ألا يؤدي الاعتراف به وتطبيع العلاقات معه، على أرضية اتفاقيات" السلام"، إلى نوع من الهدوء النسبي والاطمئنان والكف عن سباق التسلح، وتوفير الأموال للتنمية التي نحتاج إليها؛ تلك التي لا بد من الحصول عليها والانطلاق منها إذا ما أردنا البناء الحق في أي مجال وفي أي وقت؟!.
4 ـ أليس المغالاة في الرفض ، وعدم الإقبال على التعاون والتفاهم و " السلام"، في ظل اختلال موازين القوى لمصلحة العدو الصهيوني وحلفائه؛ يقود إلى مواجهة في ظروف وشروط وأوقات ليست في مصلحة العرب أو أي من أقطارهم ، وسوف تكون نتائجها كارثة أخرى عليهم ؟!.
5 ـ ألا يمكن إقامة بعض جسور الثقة والتفاهم مع الأمريكيين على الخصوص لكي يكونوا أكثر موضوعية في ضوء تقديم أنفسنا إليهم بطريقة سليمة ومقنِعة وودية؟!.
ومن ثم ألا يوفر " السلام" والتعاون فرصاً أفضل لمثل هذا التقديم المنشود؟!
ـ هل الحرب وأسئلتها مما هو وارد اليوم في القاموس العصري للسياسة؟!.
كل تلك الأسئلة مفيدة ويمكن طرحها، وهي لا تكف عن رفع رؤوسها من آن لآخر أمام كل من يقف متأملاً الوضع راغباً في الخروج من المآزق إلى فسحة الأمن والسلام الحقيقيين، وإلى دائرة حوار الحضارات الذي يقود إلى نمو الحضارة البشرية بدلاً من تدمير كل فرص العيش في ظل معطياتها الإيجابية ؟!
لكن .. بكل الأسف أجد أن الإجابات على الأسئلة السابقة تصب في دوائر سلبية ، لأن الأمر لا يتوقف على العرب ولا عند العرب وحدهم.
فالعدو الصهيوني يستفيد من كل كلمة يقولها، وخطوة يخطوها تحت شعار " السلام" والرغبة في المصالحة، لتعزيز ترسانته العسكرية بكل أنواع الأسلحة، ولتأكيد مشروعه التوسعي ونزوعه العدواني ، مع إخفاء الأنياب والأظفار تحت طلاء وقناع براقين وفي قفازات حريرية زاهية نوعاً ما.
وهو الذي سيقاتلنا ويفرض العدوان والحرب علينا يوم يملك مقومات ذلك وشروطه، والتوقيت الملائم والظرف الدولي المناسب له، لأنه هو صاحب المشروع العدواني المستمر المستنبَت في أرضنا وضد أمتنا وهويتنا وعقيدتنا ومصالحنا . وهو الذي يرسم الخطط ويعد العدة لتفّوق مطلق علينا، حاضراً ومستقبلاً، وهو الذي يفرض علينا الحصار المطلق حتى لا نملك تقدماً ولا قوة ولا نهضة من أي نوع.
إن معنى هذا واضح تماماً: نحن في القفص ويطلب إلينا أن نركن للهدوء ونقبل المصير.ونستسلم لموت بطيء في ظل تآكل الإرادة وتراكم الإحباط. وربما كانت جائزتنا أن نحظى بابتسامة احتقار وبجملة إعلامية ساخرة تقول : لقد تصرفتم بشكل حضاري!؟ وترجمة ذلك عملياً : لقد ترديتم وهلكتم بشكل مقبول.!!
والسؤال هو هل نقبل ذلك ونستسلم له؟!هل في الرفض إمكانيات أفضل لمستقبل أفضل؟!.
أنا أقول نعم للثاني: لأن وضعنا لأنفسنا أمام الحقائق المرة سيجعلنا نفكر جدياً بالمواجهة وسيتيح لنا فرصة أن نبحث عن مخارج لأن حياتنا ومستقبلنا مهددان. والعالم ليست نهايته المطلقة" إسرائيل"، والولايات المتحدة الأمريكية ليست الدولة التي سوف تبقى قطباً مسيطراً على العالم إلى أبد الآبدين؛ وهي ليست قدر العالم ومصيره ونهايته في آن معاً، ولا توجد نهاية للتاريخ ما دام هناك عزم وهمم وإرادات وأمم حية تكتب تاريخها بالدم والشهادة وتصر على حضورها فيه.
وفي أسوأ الأحوال: إذا كان لا بد من الموت فليكن بكرامة تطلعاً إلى الحرية والتحرير وليس في مستنقع آسن من الذل تصب فيه الصهيونية حمض الكبريت على الأجساد المترامية فيه لتزيلها من طريق مشروع العصر الصهيوني العنصري الذي تعمل من أجله.
إن الأمل موجود، والإرادة تفتح الطريق أمام الإنسان ، والأمة التي تقرر أن تكتب تاريخها، أو أن تستعيد تاريخها بالتضحيات على أرضية العلم والإيمان والعمل بهما، أمة لا يمكن أن تموت ، وسيكتب لها النصر.
- 2 -
هــل ينتـهي الصراع العربي الصهيوني؟!؟
لو سلمنا جدلاً بأن المفاوضات على المسار السوري اللبناني -الإسرائيلي توصلت إلى اتفاق، ووصلت مفاوضات الوضع النهائي الفلسطيني -الإسرائيلي إلى نتائج مرضية للسلطة الفلسطينية، وقامت دولة فلسطينية على مساحة 40% أو 60% من أراضي الضفة وغزة، وأصبحت قرية أبو ديس عاصمة لعرفات، ووافقت الدول العربية على ما وافق عليه المتفاوضون، وأعلنوا اعترافاً بالكيان الصهيوني دولة من دول المنطقة؛ فهل يضع ذلك حداً للصراع العربي الصهيوني وينهيه كلياً؟!
المنطق الرسمي والعرف الدولي يقولان نعم وإلاّ ما معنى كل هذا الركض في ممرات التفاوض وما معنى التواقيع والاحتفالات الرسمية والشهود و"الهيصة" التي يقيمها الإعلام في طول العالم وعرضه؟! ولكن ما أتوقعه وأراه وأؤمن به، وأعمل من أجله على أرضية الإيمان هو أنه لم ينته شيء، وأن الصراع مستمر، للأسباب الآتية:
1-لأن القدس سوف تكون موضوع تنازع مستمر، فالكيان الصهيوني يسعى إلى تهويدها كلياً، وطرد العرب منها إن أمكنه ذلك، وينظر إليها على أنها عاصمة له وحده، وهي بهذه الصفة التي يراها ويؤكد عليها، ينبغي أن تكون صافية وآمنة على المدى البعيد كما يفهم هو الصفاء والأمن؛ وهذا لن يتم ببساطة لأن العرب المقدسيين، مسلمين ومسيحيين، لن يقبلوا المصير الذي ترسمه لهم "إسرائيل"، ولأن الدول العربية، بما في ذلك ظلال الدولة الشاحبة في غزة والضفة، لن تتمكن من البقاء صامتة ومحايدة ومتفرِّجة في الوقت الذي تُخلى فيه القدس من بقايا أهلها الأصليين وتهوَّد بالكامل.
ومعنى هذا أن سبباً عميقاً وقوياً من أسباب الصراع العربي الصهيوني لن يزول، وأن حالة من الاحتكاك الساخن سوف تولّد شرار الحريق من آن لآخر.
2-لأن الشعب الفلسطيني الذي أُخرج من أرضه بالقوة وتحت وقع رعب عمليات الإبادة والمذابح الجماعية التي اجتاحت مدن فلسطين وقراها عام 1948، وسمي بـ "اللاجئين"، وكذلك القسم الذي شُرِّد من وطنه تحت وقع الحرب وأنواع الاجتياح، والتهجير القسري والتهديد والرعب أيضاً عامي 1956و 1967 وسمي بـ "النازحين"، لن تتاح له العودة إلى وطنه الأصلي بموجب ما تم التوقيع عليه من اتفاقيات بين السلطة الفلسطينية وقوة الاحتلال، تعرف بسلسلة نسل أوسلو من 13 أيلول 1993 حتى شرم الشيخ/ أيلول 1999/، وهي اتفاقيات غدت مرجعية لدى الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية وكل المرجعيات الأخرى غدت هامشية أو لا يعتد بها، ومنها مرجعية مدريد، على الرغم من كلام أبي مازن المتشدد في احتفال حاجز إريتس /12 أيلول/ بمناسبة البدء بمفاوضات الوضع النهائي(2) .. لأن أربعة ملايين فلسطيني سيبقون خارج وطنهم، ويرفضون التوطين فيما أقدر- اللهم إلا قلة ما وطنها الدولار أو هي على استعداد لبيع أي وطن بالدولار، وهي قلة مما يوجد نظير لها في كل شعب - فإن أساس الصراع سيبقى قائماً كما هو. وستكون هناك صيغة عربية جديدة مناظِرة لعبارة صهيونية قديمة كانت تعبيراً عن تزييف فاضح لحقائق واضحة، وربما كانت تلك الصيغة العربية الجديدة: "شعب بلا وطن لوطنه المغتصب". وتلك حالة كفيلة ببعث الصراع من مثواه، فيما إذا قدّر دفنه "وطي صفحاته" باتفاقيات الإذعان. ومعنى هذا أن الشعب الفلسطيني الحي المتعلق بوطنه، الملتصق بأمته العربية، لن يترك النضال من أجل وطنه
فلسطين وحقوقه التاريخية فيها، وسينجح في شد الجزء الأعظم
من أمته لهذا الصراع.
3-لأن دولة أوسلو التي يمكن أن تقوم في نهاية فترات التفاوض النهائي، بموافقة الكيان الصهيوني وتحت جناحه، لن تكون قادرة على ممارسة سيادة من أي نوع لا على أرض فلسطين ولا على الشعب الفلسطيني بالمعنى الواسع والشامل للكلمة. وتلك الدولة التي تفقد اتصالها المباشر بمحيطها العربي، وبالشعب الفلسطيني المشرد، لن يكون بمقدورها الادعاء بأنها دولة كل الفلسطينيين لأنها لن تتمكن من منح الفلسطيني الجنسية، أو السماح له بدخول أرض فلسطين؛ بَلْهَ العيش فيها؛ ولا تملك حتى أن توجه الفلسطينيين الذين يخضعون لسلطتها نحو أداء مستقل عما يرسمه الكيان الصهيوني ويريده. فهذه الأمور تدخل فيما يسميه الكيان الصهيوني "الجانب الأمني" الذي يحرص عليه حرصاً مطلقاً، ويرى أن من مقوماته ومن شروط اتفاقيات أوسلو التي تنص عليه: ألا يعود أحد على الإطلاق من فلسطينيي 1948 إلى فلسطين سلطة الحكم الذاتي، وألا يعود أحد من فلسطينيي 1967 إلا بعد موافقته، وألا يخرج أو يدخل شخص من فلسطينيي غزة والضفة الذين تتولى السلطة الفلسطينية شؤونهم، بمن في ذلك رجال السلطة أنفسهم، إلا بموافقة "إسرائيل" وتحت رقابتها وصلصلة حراب جنودها؛ وألا يحدث شيء داخل محمية السلطة إلا بمعرفتها وبموافقة ومباركة منها، وإلا فهو ضد أمنها .. وأمنها فوق كل اعتبار!!؟.
ولا يذهبن الظن أبداً إلى أن وجود مطار وميناء بحري وطريق " آمنة" تربط غزة بالضفة أو تربط الضفة بالأردن، يمكن أن تسهل دخول الفلسطينيين وسواهم إلى دولة أوسلو بمجرد موافقتها أو بحدود ما "تفرضه سيادتها" على تلك المرافق، لأن حقيقة الأمر أن أمن هذه المنافذ جميعاً والسيطرة الشاملة عليها هو مسؤولية "إسرائيلية" تامة، وأن التحكم بحركة الخروج والدخول سيبقى شأناً صهيونياً، حتى بعد أن قدمت سلطة عرفات أسماء الشرطة الفلسطينية إلى الكيان الصهيوني بعد اتفاق شرم الشيخ اسماً اسماً ووظيفة وظيفة؛ لأن هذه القائمة لا تكفي لوضع هؤلاء الفلسطينيين بإمرة "إسرائيل" حتى لو كان توجه السلطة هو ذلك، ففيهم من قد يفور دمه العربي ويشهر بندقيته في لحظة غضب/ حادث نفق القدس / ولأن اليهودي الصهيوني لا يثق إلاّ بسلاحه ويريد تلك العناصر أدوات بيده وليس بدائل له.
ولأن الوضع سوف يكون على هذا النحو من الوصاية "الإسرائيلية" على دولة أوسلو وفرض تبعية تلك الدولة بصورة مطلقة " لإسرائيل"، فإن سلطة الحكم الذاتي لن يكون بمقدورها أن تقنع الشعب الفلسطيني بأنها دولته التي تمثله وتدافع عن حقوقه وتصون كرامته.. ليس لأنها لا تريد بل لأنها لا تملك أن تكون كذلك حتى لو أرادت. وسوف يولّد هذا غضباً واعتراضاً وتحريضاً مستمراً، وسيكون الغضب والاعتراض والتحريض وقود النار التي تبقي الصراع العربي- الصهيوني قائماً، واشتعاله بل انفجاره ممكناً في أي وقت.
4-لأن الاستيطان الصهيوني لن يتوقف مع توقيع اتفاقيات أو معاهدات الوضع النهائي، بل على العكس من ذلك فإنه ستبدأ على أرضية "السلام" مرحلة جديدة من التوسع الاستيطاني المحموم لعدة أسباب:
أ- لن تملك "إسرائيل"، حتى لو أرادت، أن توقف الهجرة اليهودية التي تشرف عليها وتمولها المنظمات الصهيونية؛ فكيف وتلك الهجرة في صلب مشروعها الأساس الذي أنشئت من أجله، وهو مشروع مستمر؟! ومعنى استمرار الهجرة استمرار الحاجة إلى الأرض والسكن.. وهو ما يفرض التوسع الاستيطاني ويستدعيه: أفقياً وشاقولياً، في المدن والمستوطنات القائمة وفي الأراضي التي يمكن تملّكها أو الاستيلاء عليها، أو احتلالها لتلبية هذه الحاجة، التي ستغدو مصلحة حيوية للكيان الصهيوني يسوِّغ الدفاع عنها بكل الوسائل.
ب-لن توقف "إسرائيل" نموها السكاني، وهذا معناه حاجة إلى التوسع حتى من دون ضغط الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
حـ- ولأن مساحة الأرض محدودة، وأرض الفلسطينيين مطموع بها، وهي في الأصل موضوع إقامة المشروع العدواني الاستعماري الصهيوني ومنطلقه نحو الأرض العربية، فإن التوسع سوف يكون على حساب الشعب الفلسطيني وأرضه أولاً، وعلى حساب الشعب العربي خارج فلسطين وأرضه ومصالحه ثانياً.
وحين يتم ذلك بالوسائل المختلفة، ومنها شراء الأرض عن طريق طرف ثالث قد يكون عربياً عميلاً، فإن الأمور ستنذر بالتفجر، وسوف تشتعل نار الصراع على الأرض، ومن ثم على بقية المصالح والوجود والمصير. وهذا يعني أن الصراع العربي- الصهيوني سوف يبقى قائماً بشكل مستمر، وأن مقوماته ومحركاته ومثيراته موجودة.
5-ولأن المشروع الصهيوني في الأصل هو مشروع نقيض لكل مشروع نهضوي، أو وحدوي أو تقدمي عربي ومتصادم معه، وهو لم يقم أصلاً إلاّ على أساس تفتيت كل تطلع عربي مشترك نحو امتلاك قوة من أي نوع تحمي حقوقه ووجوده، وتدافع عن ذلك الوجود. ولأنه مشروع يستهدف الأمة انطلاقاً من فلسطين وليس مشروعاً لاغتصاب لفلسطين وحدها؛ فهو بهذه الصفات والتطلعات يستهدف الأمة العربية أيضاً، أرضاً وشعباً. ولأن فلسطين عربية تاريخاً وانتماء، ولأن لقضية فلسطين بعداً عربياً لا يجوز القفز فوقه ولا يمكن القفز فوقه أصلاً، فإن الصدام بين المشروع الصهيوني والوجود العربي الواعي لمصالحه وحقوقه وتطلعاته سوف يتجدد؛ والصدام بين المشروع الصهيوني الساعي إلى الهيمنة والتوسع سوف يصطدم هو الآخر، خارج حدود فلسطين، مع المشروع النهضوي العربي في حال ارتفاع درجة الوعي بضرورة قيام المشروع العربي واستنهاضه.
فالصراع الصهيوني في هذه الحالة واقع حتماً، طال الزمن أم قصر، والتأسيس لاستئنافه ينبع من صراع قوتين على موضوعات واحدة تشكل مصالح حيوية دائمة هي بحد ذاتها موضوع صراع منها: الأرض، المياه، المقدسات، الهيمنة، والهوية، المصالح .. الخ.
6-ولأن الكيان الصهيوني، هو تاريخياً، منتَج استعماري إضافة إلى توظيفه لخدمة مصالح الاستعمار بصيغه الحديثة، ولأنه مرتبط عضوياً بالغرب، ويؤسس لاستمرار ذلك الارتباط مستقبلاً انعدامُ الثقة المتجذّر بينه، وبين القوى التي تشكل مستقبل الوطن العربي، والتوجهات السياسية والأمنية له، فإنه سوف يعمل على إبقاء المنطقة العربية رهن إرادة الاستعمار الحديث، حليفه الطبيعي ، سواء أتجلى ذلك بفرض صور من التبعية، أم عبَّر عن نفسه بازدياد مظاهر التجزئة وانعدام الثقة بين الأقطار العربية، أو بمنع الأمة من امتلاك القدرات العلمية والتقنية والعسكرية التي تحرر قرارها وإرادتها وتحمي مصالحها واستقلالها، وتؤهلها لاستعادة حقوقها ودورها ومكانتها. وبغية تكريس ذلك تحاول الصهيونية، تحت غطاء الغرب وبمشاركته، استقطاب قيادات عربية في مواقع القرار، أو مؤهلة لموقع وقرار، وتكوين قيادات المستقبل عن طريق استقطاب شباب وتربيتهم والتركيز على تكوينهم المرتبط بالغرب والصهيونية ثقافياً وعاطفياً/ مثل مشروع بذور السلام مثلاً / ليكون أولئك رصيدها في المستقبل.
ولما كان استقراء التاريخ العربي، القريب والبعيد، يفيد برفض الشعب العربي للاستعمار والقيادات المرتبطة به، فإنه لن يتوقف عن الثورة على الاستعمار، والقيادات التي تعتمد عليه وتضع نفسها في خدمته. ولأن تلك القيادات تستند في بقائها واستقرار حكمها واستمراره إلى قوى "إسرائيل" وتحالفاتها، والغرب الاستعماري الذي يدعمها ويدفعها إلى التحرك في الحالات الضرورية ـ تدخل إسرائيل لمصلحة الملك حسين في أيلول الأسود 1970 مثلاً ـ فإن وجهاً من وجوه الصراع والعداء سوف يبقى مستمراً؛ الأمر الذي يكرس بقاء جمر الصراع تحت الرماد الذي قد تشكله اتفاقيات الإذعان منذ كامب ديفيد، وحتى آخر ما استنبت ويستنبت من اتفاقيات في إطار مؤتمر مدريد، أو خارج إطار ذلك المؤتمر مما يلفه ضباب أوسلو.
7-ولأن التاريخ والهوية الثقافية والانتماء القومي والعقيدة الدينية، ومعطيات الصراع العربي الصهيوني، وممارسات العدو العنصري اليومية البشعة في أثنائه، والفظائع التي ارتكبها؛ لأن كل ذلك سوف يبقى في الذاكرة والوجدان العربيين، وسيكون له تأثير إيجابي في تكوين الأجيال، أو ينبغي أن يكون له مثل ذلك التأثير في تكوينها، فإن مكونات ثقافية وروحية وتربوية واجتماعية ووطنية وقومية سوف تساعد على بقاء أسباب الصراع العربي- الصهيوني ومعطياته وتطوراته ونتائجه ماثلة أمام الشعب وملحة على وجدانه وفاعلة في حياته، لا سيما إذا تبنت الثقافة العربية والمثقفون العرب هذه المهمة بمسؤولية واقتدار، وأقاموا جبهتهم المنشودة على أساس مكين منها. ولذا فإن تجدد الصراع حتمي حتى على أرضية ما يسمى "السلام" لتلك الاعتبارات التي ذكرتها جميعاً، ولاعتبارات أخرى قد يكون الدخول فيها يحتاج إلى تفصيل وتدقيق أكثر، وهي تعود إلى تناقض تاريخي ثقافي وعقائدي، بين الشعب العربي من جهة واليهود الخزر والغرب الاستعماري الذي يناصرهم، من جهة أخرى، وبين التربية الصهيونية العنصرية والتربية العربية /إسلامية ومسيحية/ التي تأخذ بالتسامح والتساوي من جهة أخرى؛ بين نظرة عنصرية صهيونية للآخرين " الغوييم" وبين نظرة تقوم على التسامح تأخذ بها الثقافة العربية الإسلامية على الخصوص؛ ولأن عداء قديماً ومستمراً أشهره رجال الدين اليهودي وأتباعهم على المسيحيين والمسلمين ستبقى معطياته ماثلة وفاعلة على نحو ما.. فإن جوهر التناقض الواضح في كل ذلك لا بد أن يسفر عن صدام. وهو ما يجعلني أقول بضرورة أن نعد أنفسنا لاستمرار الصراع، حتى لو طفت على السطح رغوة "السلام"، وأن نعد أنفسنا وشعبنا واقتصادنا وجنودنا وشبابنا لذلك الآتي حتماً ولو بعد حين، حتى لا نؤخذ على حين غرة فنخسر أكثر مما خسرنا ونحن نغط في أوهام "السلام الإسرائيلي" ونركن إلى الأفعى التي تتسلل إلى الجيب الداخلي فوق موقع القلب.
إن الصهيونية حركة عنصرية استعمارية استيطانية معادية للأمة العربية، وهي حركة ذات مشروع يُنفَّذ على مراحل؛ منها مرحلة الصهيونية ذاتها التي يتكلل نصرها الكبير بالاعتراف العربي "بإسرائيل" لتبدأ من بعد مرحلة جديدة كبيرة وخطيرة في المشروع ذاته، تحت مسميات ولافتات وشعارات واستراتيجيات أخرى.. ولكن الهدف الرئيس باقٍ والتكوين العنصري البغيض للعدو باقٍ، والأطماع والأحقاد باقية؛ وسيكون الصهاينة أكثر غطرسة بما حققوا من انتصارات، وبما يملكون من قوة تدمير شامل وقوة اقتصادية ومالية وتحالفات.
وهذا ما ينبغي أن يجعلنا على حذر شديد ويدعونا إلى ألاّ نشعر بالاطمئنان والاسترخاء أمام ما يقدّم لنا على أنه "سلام" سيؤدي إلى الاستقرار والازدهار. لأن الآتي سيكون في إطار الصراع، في مرحلة من مراحله قد تختلف عن سواها، ولكن استهداف العدو لنا مادياً ومعنوياً، ثقافياً واقتصادياً، سياسياً وعسكرياً.. سوف يبقى قائماً وسوف يشتد.
وبعد فهل نحن على أبواب إقفال ملف الصراع العربي- الصهيوني يا ترى، أم على أبواب فتح صفحة جديدة من صفحاته؟!
أنا أقول باستمرار الصراع بوصفه صراع وجود، وأقول بضرورة الاستعداد لكل الاحتمالات في إطاره، فلا يمكن أن يقوم سلام في هذه الأرض مع وجود سيادة صهيونية في فلسطين، وبقاء شعب فلسطيني خارج أرضه بعيداً عن مقدساته وتاريخه وجغرافية الأرض التي صنع في إطارها ذلك التاريخ. وأولى مهام مرحلتنا الجديدة التي يمكن أن تؤدي إليها السياسة العربية الراهنة هي: مقاومة اتفاقيات الإذعان وما ينتج عنها من تطبيع للعلاقات والصلات بين أقطار الوطن العربي والعدو الصهيوني، والمحافظة على الذاكرة والوجدان العربيين سليمين فاعلين عامرين بمعطيات الصراع ووقائعه وأهدافه، واستنهاض كل القوى والإمكانيات والقدرات العربية وتوظيفها بمسؤولية وعلم ووعي، والإعداد والاستعداد لمعركة قد تستمر عقوداً من الزمن، والنصر في نهايتها للأمة العربية بعون الله.
ـ 3 ـ
والثقافة التي تُدعى لتكون حاضنة لسلام الاستسلام هذا أو تُغرى لتكون حاضنة له أو محظية عنده وحاشية في ركابه، عليها أن تدرك حقيقة أنها الحصن الأخير للدفاع عن ثوابت الأمة وحقوقها، وأنها حارسة الذاكرة والوجدان القوميين معاً ، والمؤتمن الأول على المستقبل والأهداف الرئيسة والمصالح العليا للأمة، وعلى نوع التكوين والوعي والمهام والأهداف التي سوف يتمحور حولها النضال، وما يستدعيه ذلك من تركيز لاهتمام الشعب وتكوين تربوي للأجيال ومعايير وسلم قيم مرعية الاعتبار، لتحقيق ذلك.
من أجل هذا فإن الثقافة حين تعلن أنها ترفض، وينبغي لها أن ترفض، اتفاقيات الإذعان التي تكرس " سلام الاستسلام" وما يبنى على تلك الاتفاقيات وما وينتج عنها، وفي مقدمة ذلك: رفض كل شكل من أشكال الاعتراف بالكيان الصهيوني ، وكل شكل من أشكال تطبيع العلاقات معه؛ فإن رفضها ينبغي ألا يكون شكلياً أو صوتياً أو انفعالياً آنياً، وشيئاً من تسجيل المواقف، وتبرئة الذمة والتنفيس عن الكرب؛ بل ينبغي أن تعد خطابها لأداء مغاير، وتعد نفسها لصدام حتى مع بعض السلطات التي قد تسعى لفرض الاعتراف والتطبيع على الناس بأشكال مختلفة. والثقافة ليست ملزمة بتنفيذ اتفاقيات السياسة مع العدو ولا باحترامها، لأنها اتفاقيات تفرضها على السياسي ظروف عربية ودولية استثنائية قد لا يكون مرتاحاً لها ولا مقتنعاً بها؛ لكنه لا يملك أن يواجهها بالرفض التام لاختلال في موازين القوى، أو لنقص في الإمكانيات والاستعدادات والقدرات، أو لأسباب تتعلق بالوضع الداخلي، أو بالوضع الدولي والتكتلات والمعطيات المختلفة التي تدخل في حسابات الوضع الراهن. وما يلزم السياسي في هذا المجال لا يلزم الثقافي بالضرورة، بل إن مهمة الثقافة هي أن تساهم في تعزيز الثبات على المبدأ والتمسك بالثوابت، وتكريس مقومات الصمود، والعمل على تغيير الأوضاع بما يساعد على تحقيق مناخ أفضل يمكن في ظله بلوغ الأهداف المنشودة،والتمهيد لذلك التغيير؛ ولإسقاط هذه الاتفاقيات المذلة وتكوين وعي وقدرة شاملين من أجل تحقيق ذلك وتوفير البدائل والمقومات التي يتطلبها. وإلى أن تحقق ذلك، ومن أجل أن تحققه ، على الثقافة أن تبقي تلك الاتفاقيات بيروقراطية رسمية فوقية معزولة عن الشعب مرفوضة منه ، يُنظر إليها على أنها " مرحلية" اقتضتها الظروف الانتقالية التي أنتجتها وفرضتها المتغيرات العربية والدولية؛ وأن من واجب العرب شعباً وأنظمة وأحزاباً وتنظيمات أن يعملوا على نقضها والتخلص من عارها بكل الوسائل.
في موقف الثقافة القومية، لا سيما تلك التي ترتبط بموقف الحزب العقائدي من موضوع الصراع والتصفية، أعتقد أن الأمور على درجة من الوضوح كافية وشاملة من حيث المبادىء والأهداف؛ وأن هناك إشكالية كبيرة في الوقت ذاته تواجه الحزب الذي يقود مسيرة الحكم في بلد مثل سورية دخلت في المفاوضات، واختارت حل القضية بالطرق السلمية، ووضعت السلام على رأس اختياراتها الاستراتيجية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وسوف تستأنف المفاوضات مع العدو في وقت ما !!؟.
هل نقول إن هذا مجرد تكتيك مرحلي، وأن الأمور لن تصل إلى درجة الاعتراف والاتفاق والتطبيع!؟ ربما يكون هذا وربما يكون سواه؛ لأن " إسرائيل" تطرح خيار " سلامها"وتعد للحرب ، والولايات المتحدة الأمريكية تلوح بالضغط والتخلي، وتمول مشروع الحرب الإسرائيلية وقد تعطيها الضوء الأخضر في كل مجال، ودخول الحرب في هذه الظروف العربية والدولية هو نوع من الانتحار . فما الذي يكون اختياره أجدى !؟!.
المبدئي والثابت والعقائدي / بعثياً / يقول بتحرير فلسطين وبانتهاج مرحلية في النضال فرضتها ظروف ومعطيات عربية ودولية. والحزب الذي أنشىء أصلاً ليواجه الحوادث والصراعات التي كانت تجري في الساحة الفلسطينية حول مصير فلسطين وشعبها ـ أنشىء الحزب في 7 نيسان 1947 ـ لا يمكن أن يتخلى عن ثوابته ونضاله وأهدافه في هذا المجال؛ فكيف يمكن أن يوفق البعثي إذن بين مفاوضات مع الكيان الصهيوني لا بد أن تؤدي إلى اعتراف بالاحتلال ودولته، ولو على جزء من فلسطين، وتتحول معها القضية من صراع وجود إلى نزاع على حدود، ومن قضية تحرير إلى قضية توافق على التسوية أو التصفية.. أو ...، كما تتحول القضية الفلسطينية من قضية مركزية للنضال القومي إلى قضية قطرية يتضاءل في مجالاتها البعد القومي، ومن ثم المسؤولية القومية؛ وبين مبدئيته القائمة على أسس وثوابت مغايرة لروح تلك المفاوضات وما ينتج عنها!؟.
إن البعث إذا وافق على الاعتراف بإسرائيل سوف يصل إلى تطبيع للعلاقات معها، ولو على مراحل، لأن طبيعة الصراع سوف تتحول جذرياً على أرضية الاعتراف والمعطيات والمستجدات التي سوف تتكاثر وتتراكم وتفعل فعلها بشكل أو بآخر، وتخلق مناخاً جديداً يساعد على تسويغ السير في هذا الاتجاه. والبعث سوف يخسر مصداقيته ليس على الصعيد الفلسطيني القطري فقط وإنما على الصعيد القومي في هذا المجال، إن هو فعل ذلك، لا سيما إذا لقي من يدقق ويتابع ويحلل ويفسر ، لأنه الحزب القومي الأول الذي يرفع مبدأ المسؤولية القومية الشاملة عن أرض الأمة ومستقبلها ويدعو إلى احترام تلك المسؤولية وتحمل تبعاتها ، ويرفع شعار مقاومة الاستعمار والصهيونية حتى التحرير والوحدة، ويتمسك بالبعد القومي لقضية فلسطين، ولكل قضية يواجهها قطر عربي تتعلق بالأرض والسيادة والتطلعات القومية والتحررية؛ فكيف يعقل أن يقدم على فعل مغاير لكل ما يطرح من شعارات وما يعمل له من أهداف!؟!.
إن عملية الفصل شائكة وتبدو مفتعلة بين الحزب والسلطة في هذه القضية لأن البعث حزب في السلطة في القطر العربي السوري ، وهو الذي يقود ويحكم ، فكيف يكون مع وضد.. هنا وهناك .. مع التصفية أو التسوية باستحياء ومع المبدئية بانفعال عاطفي وكلام لا يصل إلى أبعد من صيوان الأذن، في آن معاً!؟
القضية تحتاج إلى مخرج يحافظ على المبدئي والعقائدي والثابت، على الحق والتاريخ والتوجه العام، وعلى المكانة العامة أيضاً لحزب قومي جعل قضية فلسطين قضية مركزية في نضال العرب الحديث!. وكان العمل على تحريرها وتحرير كل أرض عربية محتلة على رأس أهدافه، وينبغي أن تبقى!؟
الأسبوع الأدبي 29/7/1999العدد 670
الأسبوع الأدبي 18/9/1999 العدد 676
(1) ـ لاءات باراك الأربع هي: لا للقدس مقسمة وعاصمة للفلسطينيين، فهي عاصمة موحدة أبدية لإسرائيل ـ لا لجيش غير يهودي على الضفة الغربية لنهر الأردن ـ لا لوقف الاستيطان في أراضي الضفة الغربية والقدس ـ لا لدولة فلسطينية ذات سيادة.
(2) ـ يجادل اليوم ايهود بارك وشمعون بيريس ورموز الكيان الصهيوني حول مفهوم القرار 242 من جديد، وقد ثار خلاف كبير حول ذلك المفهوم من جديد في اجتماع الاشتراكية الدولية في باريس 9/11/1999
|