|
مشروع الإمام الخميني والعلاقات الدولية
" وصيتي لمسلمي العالم كافة ، يجب أن لا تقعدوا بانتظار أن يهبكم الحرية والاستقلال حكّام بلدانكم والمتصدون للأمور فيها ، أو تهبكم ذلك القوى الأجنبية.. فانتفضوا يا مستضعفي العالم ويا أيتها البلدان الإسلامية ويا أيها المسلمون ، وانتزعوا الحقَّ بقوة ، ولا ترهبوا ضجيج دعايات القوى الكبرى وعملائها ، واطردوا من بلدانكم الحكّام الجناة الذين يسلَّمون حصاد كدحكم لأعدائكم وأعداء الإسلام العزيز . وأمسكوا - أنتم والمؤمنون العاملون لخدمة الشعب - بزمام الأمور، والتفُّوا جميعاً حول راية الإسلام المجيدة ، وانتفضوا مدافعين في مواجهة أعداء الإسلام ومحرومي العالم ، وتقدموا باتجاه تأسيس حكومة إسلامية في جمهوريات حرة مستقلة . وبذلك ستكبحون جماح مستكبري العالم كافة ، وسيصل المستضعفون لإمامة الأرض ووراثتها ... على أمل أن يتحقق ذلك اليوم الذي وعد به الحق تبارك وتعالى" .
الإمام الخميني
مشروع الإمام الخميني والعلاقات الدولية
مقدمة:
يوم بدأ الإمام الخميني " قدس سره" مسيرة تحرير الشعب الإيراني من سيطرة الشاه : رمز الظلم والاستعمار والاستعباد،لم يكن يملك سلاحاً سوى الإيمان والكلمة الصادقة وطاقة الروح الفياضة؛ وكانت أمامه قدوة حسنة ترفع منارات في الطريق وتشده إلى مواصلة النضال كلما خبا الضوء، واشتدت وطأة الظلم والقهر والنفي. كان الرسول عليه الصلاة والسلام سيد من يُقتدَى به في الثبات على المبدأ والصبر على المكروه والبعد عن إغراء الدنيا: " والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر.."الحديث/ وكانت وصيته الخامسة للإمام علي من بين ما يتجلى أمام الإمام في ظروف صعبة يمر بها الإسلام في عهد الظلمة من الحكام: " .. بَذْلُك مالَك ودمَك دون دينك.. " وكان له شيء من فضل الإمام علي في العلم والفقه والحكمة، وما حوته الذاكرة المتجددة من تضحية سيد الشهداء الحسين بن علي ومن شجاعته وشخيب دمه يوم الوقعة الكبرى من دون كف عن القتال.
وكان يحمِّل نفسه ويحمِّل أمثاله مسؤولية حيال ما يجري في إيران وفي ديار الإسلام، وما ينبغي أن يكون عليه أمر المسلمين، لأنه يرى أن: " الفقهاء حصون الإسلام عندما يقومون بدور في تبيين عقائد الإسلام ونظمه للناس ، ويكونون مدافعين عنه ، ويرسِّخون ذلك من خلال المواقف الصلبة الواعية ، ومن خلال قيادة الناس. فعندها سيشعر الناس ولو بعد مرور العقود الطويلة على فقدهم ـ بأن ذلك الخسران كان مصيبة على الإسلام، وأنه قد خلَّف فراغاً."(1) وقد عمل الإمام من دون كلل أو ملل لكي : " تتسع النهضة العقائدية والسياسية للإسلام وتزداد اتقاداً ."(2)
ويوم عاد من باريس إلى طهران فاتحاً مكبراً سارت ملايين الإيرانيين خلفه تأتمر بأمره وتعيد إيران داراً للإسلام ، وتقيم سفارةً لفلسطين في مكان سفارة الكيان الصهيوني ، وتعلن ولادة صحوة إسلامية جديدة بدأت منذ ذلك التاريخ تتفتح وتتسع ، ليس في إيران وحدها وإنما في كل أنحاء العالم الإسلامي.
ومنذ ذلك الزمن بدأ تاريخ جديد يكتب وفجرٌ جديد ينتَظَر، ومخاطر جديدة تولِّدها مؤامرات استعمارية وصهيونية جديدة لم تنقطع على ديار طهران وكل من يقول بتحرير الإنسان من أشكال الاستعباد والاستلاب وتحرير روحه من ربقة المادة ، وصون قيمه من التخريب، وإطلاقه في فضاء الإيمان والحرية حيث يكون " لله عبداً ولمن دونه نداً. " وطرح الإمام بذلك مشروعاً نهضوياً عاماً، أثبت من خلاله أنه رجل دين ودولة، وقاد جمهورية إيران الإسلامية إلى طريق النهضة والتفرد .. ولكل اختيار تكاليف، ولكن مشروع الإمام الخميني ، بعد عشرين سنة من عمر الثورة ما زال صامداً ورائداً ومبشراً بنصر من الله قريب. " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسولُه والمؤمنون.".
أولاً ـ أبعاد المشروع النهضوي للإمام الخميني، وتأثيره في علاقات إيران مع دول الجوار:
المشروع الحضاري، الذي دعا إليه الإمام الخميني، وتعمل الجمهورية الإسلامية في إيران على ترسيخه منذ أكثر من عشرين سنة انقضت على انتصار الثورة، هو مشروع يقوم على قيم الإسلام وتعاليمه وشريعته؛ ويرمي إلى تطبيق ذلك والعمل انطلاقاً منه، وإلى إنقاذ المسلمين بفضله مما هم فيه من تخلف وتبعية وقهر. وهو يتوجه إلى البشر كافّة، لأن الإسلام دين جاء للناس كافة، وهو مشروع مضاد لكل أشكال الاستغلال والاستعمار والتبعية والانحلال والفساد. إنه مشروع منقذ من حيث الهدف والتوّجه نحو الإنسان بوصفه فرداً فريداً، ونحو المجتمع بوصفه مؤسسة متكاملة ، ونحو سكان الكرة الأرضية بشكل عام لأن الإسلام يتوجه إليهم. وهو مشروع يؤسس بنيته الحديثة معتمداً على المسلمين ويبدأ حركته ونموه منطلقاً منهم، ليكونوا في خدمة الحق الذي تقوم عليه عقيدتهم، تلك التي تحمل الحق وتحث على اتباعه والعمل به والتضحية من أجل نصرته.
إنه مشروع يريد الإمام له أن يشرق نوره على المستضعفين وأن يصل إليهم خيره أينما كانوا، ويراه أمانة في أعناق القادرين من المسلمين، وفي هذا يقول: " يتعيَّن على شعب إيران خصوصاً، والمسلمين عموماً؛ بذل كامل وسعهم لحفظ هذه الأمانة الإلهية التي أعلنت رسمياً حكمها في إيران، وحقّقت في فترة وجيزة ثماراً عظيمة، وعليهم جميعاً السعي لتثبيت دعائم ديمومتها، وإزالة العقبات عن طريقها. وآمل أن ينتشر نورها، منيراً كافة البلدان الإسلامية، وأن تتفق كلمة جميع الحكومات والشعوب على ضرورة هذا الأمر، فيقطعوا دابر القوى الكبرى ناهبة العالم والمجرمين التاريخيين إلى الأبد، ويرفعوا أياديهم عن رؤوس مظلومي العالم ومضطهَديه "(3) .
فهل هذا المشروع الذي انطلقت الدعوة إليه من إيران، وهل إيران التي تحمله بالدرجة الأولى وتعمل من أجله بعزم وإيمان، وتعزز قدراتها به ومن أجله؛ هل هذا المشروع يقلق أمنياً، أم أنه يريح أمنياً وهل هو في تقدم وأمان!؟ وهل إيران على طريقه أفضل لنفسها ولجيرانها، ومحيطها السياسي القريب والبعيد مما لو كانت بعيداً عنه متنصلة من مسؤولياته وتبعاته؟!؟ وهل يمكن أن تكون مخلصة لعقيدتها الإسلامية، ولنهجها ورسالة قائدها الذي اختار هذا النهج من الجهاد والتبليغ، إذا هي تهاونت في خدمته، أو تراجعت عنه جزئياً أو كلياً!؟ وإلى أين يقودها المشروع وكيف هي على طريقه!؟ وهل هو لها وحدها أم أنه رسالة تحملها إلى المسلمين خاصة، والناس كافة باسم الإسلام وانطلاقاً من تعاليمه كما أوصى الإمام!؟
هذه أسئلة تلقيها المعطيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على من يهتم بالثورة والبلد الذي نذر نفسه لها والمستقبل الذي ينتظرها. وسؤال الأسئلة الأمنية الجامعة هنا لا يوجَّه فقط إلى المسلمين لأنه يتعلق بهم، وإنما يوّجه أيضاً إلى من يملك أمر معظم المسلمين من غير المسلمين، أي أنه يوّجَّه إلى من يستغل البلدان الإسلامية والقوى الإسلامية كما يستغل قدرات أخرى في هذا العالم ، لتبيُّن موقفه من إيران ونظرتَه إليها وخططه المستقبلية نحوها؟!؟.
قبْل الإمام الخميني، وقبْل الثورة الإسلامية في إيران، كانت إيران الشاه أداة طيّعة بيد الاستعمار، وكانت الحارس الأول في الخليج بالنسبة للنفط، والمصالح الغربية في المنطقة، وصديقاً لـ "إسرائيل" وسيفاً مصلتاً على عنق كل من يرفع رأسه بوجه المصالح الأميركية ويقف ضد النفوذ الأمريكي ـ الصهيوني في الداخل والخارج. وكانت الأوضاع في داخل إيران غاية في السوء ليس في واقع الناس المادي فقط بل في الروح والمناخ السائدين ، وقد وصف الإمام الخميني تلك الأوضاع بعد انتصار الثورة بقوله: " إنّ ألطاف الإمداد الغيبي الإلهي هي التي أوصلت هذه الثورة الكبرى إلى النصر، فقطعت أيدي ناهبي العالم والظالمين عن إيران العظيمة، ولولا يد القدرة الإلهية لما كان ممكناً أن يُنجِزَ شيئاً شعبُ الستة والثلاثين مليوناً في ظل كل تلك الدعاية المعادية للإسلام وعلمائه، خاصة في القرن الأخير، وفي ظل كلِّ جهود التفرقة التي كان يمارسها الكتَّاب والخطباء عبر الصحافة ومجالس الخطابة والمحافل اللاإسلامية واللاوطنية ، ومع كل أولئك الشعراء والهجّائين ، وكل مراكز الفساد تلك ومراكز القمار والفحشاء والمسكرات والمخدرات ...."(4)
بعد ذلك الاختيار والتوجه، ومنذ فجر انتصار الثورة الإسلامية انقلبت إيران إلى "هوْلَة " بنظر الغرب ينبغي القضاء عليها، لا سيما عندما بدأت الثورة تنفِّذ تعليمات الإمام بنجاح وثقة وثبات، وتحقق انتصارات وتغير واقع الناس داخل إيران، وتدفع المسلمين إلى الصحوة خارجها!؟ فما الذي تغيَّر ومن الذي تغير ؟؟
تغيّر هدفٌ جوهري وأساسي تجلى في أن إيران تريد أن تشق طريقاً مغايرة لكل توجه ينطوي على تقوقع قطْري يريد لها أن تحصر دورها داخل نطاق حدودها، ويجعلها تتقوقع على ذاتها، وترتد عن رسالة حملتها. إنها رؤية لا تجعل قوى إيران الجديدة تنحصر في إيران بل تتعداها إلى الجوار،، ومن ثم إلى العالم كله، أي أنها لا تُعنى فقط باستقلال إيران، وبإخراجها من التبعية والتخلُّف والجوع والفقر والجهل، وتسعى إلى القيام بحركة إصلاح وإحياء وبناء داخلي تعمل على رعاية مصالح إيران الخاصة؛ وإنما تريد أن تعمل على خدمة مصالح الآخرين المادية والمعنوية أيضاً، تريد إعادة الصحوة إلى تيار إسلامي ينقذ إيران كما ينقذ سواها؛ ويشكل كتلة مغايرة للسائد: فكرياً وسياسياً واجتماعياً في المنطقة والعالم الإسلامي، ويدفع قُدُماً تيار تحرير وتثوير ومنفعة يعتق الروح من سجونها ويشمل العالم !؟(5)
وكان على الجمهورية الإسلامية في إيران أن تدفع ثمن هذا الاختيار، وكان على آخرين أيضاً أن يحملوا عبء جعل إيران تدفع ثمن اختيارها، فالغرب يحارب بالوكالة ما دام غير مضطر لخوض حروبه مباشرة!؟! وهكذا شهدنا حرب الخليج الأولى التي استنزفت طاقة إيران كما استنزفت طاقة العراق ودول الخليج ؛ وعندما خرج العراق من تلك الحرب وفيه رمق، كان لا بد من أن يُقضى على ما تبقى من ذلك الرمق وأن تبقى المنطقة قيد الاستنزاف وتحت السيطرة؛ ويعني هذا احتواء مزدوجاً أو احتواء كاملاً لكل القوى التي يمكن أن تفكر بالخروج على إرادة الإرهابي الأول في العالم: الولايات المتحدة الأمريكية(6) وبحماية مصالحها الخاصة من سطوه المستمر.
فإيران إذا ما تمسكت بالمشروع النهضوي على أساس إسلامي لن تقبل أبداً باستقرار الأوضاع الحالية على ما هي عليه لأنها أوضاع غير عادلة تخلقها الشراكة بين الاستعمار والمستغلِّين والمستكبرين، أو أنها أوضاع يسببها الظلم والجور وقهر المستضعفين، ومن ثم فهي أوضاع لا تقرُّها الشريعة الإسلامية وتؤاخذ من يسكت عليها؛ وهي ناتجة عن سياسات وتوجهات لا تعمل حسب تلك الشريعة ولا تحقق عدلاً من أي نوع عملاً بشريعة أو قانون ما؛ وهذه أوضاع قد تعاديها الثورة الإسلامية في إيران وتسعى إلى تدميرها في بعض الساحات والمواقع.
ولأن إيران الخميني اختارت حكم الشريعة الإسلامية والاحتكام إليها، ولأنها اختارت ما ترى أن فيه مصلحة المسلمين والناس كافة : أي الإسلام بصفاء تعاليمه ونقاء شريعته؛ فهي إذاً مشروع ثورة أو ثورة مشروع إلى أن تحقق هدفها النهائي(7) ، وهدف الثورة ليس هدفاً لمواطنين أو لانقلابيين أو لعسكريين يريدون الوصول إلى غايات دنيوية منها : الحكم والسلطة والشهرة والمال .. الخ(8) وإنما هو هدف رفع الظلم، وإنصاف البشر، وإحقاق الحق، وإعلاء كلمة اللّه والعمل بشرعه وأمره؛ فعلى إيران الثورة إذن أن تبقى مشروعاً ثورياً مستمراً إلى أن يتحقق تغيير جذريّ في العالم يسود على أساسه نظام عادل يحكم الناس والقضايا الكبيرة. فهل يعني هذا ضرورة العمل بما سمي : تصدير الثورة الذي يخشى منه الكثيرون ومنهم بعض جوار إيران!؟ لقد قال الإمام الخميني رحمه الله بصريح العبارة : " يتعين على شعب إيران خصوصاً، والمسلمين عموماً؛ بذل كامل وسعهم لحفظ هذه الأمانة الإلهية التي أعلنت رسمياً حكمها في إيران، وحقّقت في فترة وجيزة ثماراً عظيمة، وعليهم جميعاً السعي لتثبيت دعائم ديمومتها، وإزالة العقبات عن طريقها. وآمل أن ينتشر نورها، منيراً كافة البلدان الإسلامية، وأن تتفق كلمة جميع الحكومات والشعوب على ضرورة هذا الأمر، فيقطعوا دابر القوى الكبرى ناهبة العالم والمجرمين التاريخيين إلى الأبد، ويرفعوا أياديهم عن رؤوس مظلومي العالم ومضطهَديه "(9) والطريق إلى ذلك هو العمل بكل الوسائل الممكنة ومنها " تصدير الثورة. " ولكن كيف ومتى وفي أية ظروف وبأية وسائل، وما الأساليب التي تتبع مع مسلمين وغير مسلمين في هذا المجال؟! ذاك موضوع شائك، ليس هو مجال بحثي الآن وأكتفي بمجرد الإشارة إليه لأنه من صلب المشروع من جهة ومما يحكم العلاقة بين الثورة الإيرانية ومحيطها السياسي من جهة أخرى، ومما يسبب لها معاداة دول غربية وأخرى كانت " شرقية" بالمعنى السياسي للكلمة .
هذا المنطلق سوف يجعل من إيران، بنظر الذين استقرت أوضاعهم على حال من الظلم والفساد، أو على حال مغايرة لما يعتقد الناس أنه العدل والصواب، مصدر أمل وأنموذج يُحتذى به؛ بينما يجعل ذلك منها ـ بنظر من لا ترضيهم سياسة إيران وثورتها ودعوتها ـ بؤرة توتر وقوة تهدد الأمن والاستقرار السائدين، و"راعية للإرهاب" يتوجَّب حصارها!؟!(10) .
وعندما دعا الإمام الخميني إلى إعادة نظر ـ في ضوء المشروع الإسلامي ذي الرؤية الثورية ـ تشمل التربية والتعليم والثقافة للعودة إلى الأصالة والأصول، ودعا إلى إحياء الدين على أسس علمية سليمة يقوم عليها فهم الدين وليس اعتماداً على شكليات تكوِّن عند العامة فهماً للدين، أو تكوِّن فهماً سطحياً وعامياً للدين، وإلى تحصين الأجيال حيال موجات الغزو الثقافي وتخريب القيم، قال في هذا المجال : " أطلب من الشبان فتية وفتيات أن لا يبيعوا الاستقلال والحرية والقيم الإنسانية بما يعرضه عليهم الغرب وعملاؤه الخونة من زخرف الدنيا، وتحلل انغماس في مراكز الفحشاء والبغاء، ولو كلفكم ذلك تحمّل الأذى والألم فالغرب وعملاؤه - كما أثبتت التجارب -لا يريدون لكم سوى الضياع والغفلة عن مصير بلدكم لينهبوا ثرواتكم ويجرّوكم إلى ذلّ التبعية والأسر الاستعماري، وتحويل شعبكم وبلدكم إلى سوق استهلاكية، وهم بما يفرضونه عليكم، إنّما يريدون الإبقاء عليكم متخلّفين وأنصاف وحوش- كما يصطلحون-"(11) .
وعندما دعا إلى امتلاك القوة العسكرية، ليس بالمستورد من أدواتها وتجهيزاتها وأسلحتها فقط وإنما بالتصنيع وامتلاك التقنية، وتحويل العلم إلى تقانة، والتقانة إلى وسيلة لإنجاز منتجات عسكرية ومدنية تعزز القوة،(12) فإنما أذَّن عالياً منذراً بخطر كبير؛ لأن هذا الرجل ـ كما رآه الناظرون إلى الثورة الإيرانية ومشروعها ـ يريد أن يحرر الناس تحريراً كاملاً. وتحرير الناس تحريراً كاملاً يعني إلغاء تجارة السلاح، وربما مصانع السلاح، التي تتاجر بالدم والموت، وإلغاء سطوة القوى المهيمنة على البشر وحرياتهم وأرزاقهم ومستقبلهم، والدعوة لإيجاد كتلة أخرى على أرضية القوة والإيمان لها مشروع ورؤية ينبعان من منظومة قيم عقيدة لها اختيارات مغايرة للسائد، وهي تستند إلى تاريخ وتشريع وشريعة وعدل إلهي يستمد من القرآن؛ أي قيام دعوة إلى استعادة العلم على أرضية الإيمان والعمل بشريعة تؤدي إلى العدل والحرية والتحرير، وتشمل الناس كافة، دعوة لا تجعل القوة خادماً للمصلحة وإنما تجعل القوة خادماً للحق؛ وعندما يتحقق ذلك فإن السياسة ترتبط بالأخلاق ولا ترتبط بالمنفعة!؟ وربط السياسة بالأخلاق يعني إنصافاً وعدلاً وسعياً مستمراً للإنصاف والعدل. وهذا يخيف من يقوم وجودُهم على الاستغلال والظلم والنهب ويستمر وجودُهم وينمو في ظل الظلم والاستعمار والاستكبار والتجهيل والجهل.
ومعنى هذا، من جهة أخرى خاصة بإيران وبالمشروع الذي طرحه عليها الإمام الخميني ووضعها على طريقه في السنوات التي قاد فيها الثورة والدولة والمجتمع وحمَّلها مسؤوليته وأوصى باتباعه، معناه أن عليها أن تختار بين أحد أمرين:
ـ إمَّا أن تكتفي بدارها وذاتها وتنكفئ على تينك الدار والذات، فلا تصدَّر وعياً ومشروعاً وصحوة إسلامية وثورة، ولا تدعم أي تيار إسلامي، ولا تناهض من يعتدي على المستضعفين، ولا تفكر بفلسطين ولا بسواها، ولا تقاوم الاحتلال والاستكبار إلا إذا مسَّها مباشرة ؛ وتتعامل كوكيل للنفط وكحارس من حراس مصالحها ومنافعها الذاتية.
ـ وإمَّا أن تكون ملتزمة بما جاءت به شريعة الإسلام وما اختارته في مشروعها الإسلامي الثوري، وبما قال به الإمام الخميني من دعوة إلى إحقاق الحق وإزهاق الباطل ومقاومة الاستعمار وعدم مهادنة الظلم، وإعطاء الثورة بعداً عملياً: إسلامياً وعالمياً، بالدعوة والجهاد.
ثانياً ـ إيران ومحيطها السياسي: بين إيران الشاه وإيران الثورة الإسلامية:
بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الأب الروحي لها الإمام روح الله الموسوي الخميني بأقل من ثلاث سنوات، وفي بداية الثمانينيات/ 1982 / اشتعلت حرب بين : " عرب ومسلمين " بتحريض واستدراج أميركي ـ صهيوني، وفتك كل من البلدين المسلمين الجارين، العراق وإيران، بالآخر فتكاً ذريعاً؛ وكادت الحرب تتحول إلى حرب العرب والفرس، لولا بعض المواقف المعتدلة والبعيدة النظر؛ وغطى الغرب عجز ميزانياته وشغَّل مصانع الأسلحة بأموال العرب والإيرانيين معاً، وتحكم بقرار المنطقة وبرقاب الناس فيها؛ وأضعفت الولايات المتحدة الأمريكية، ومعها الغرب والكيان الصهيوني، أضعفت : إيران والعراق والعرب ولكنها لم تقض نهائياً على أحد الأطراف، وحققت انتقاماً بشعاً من الإيرانيين بسبب احتجاز الرهائن الأمريكيين وتحوُّل إيران إلى الاستقلال ومساندة الصف العربي ـ الإسلامي المستقل وإسقاط نظام الشاه.
في طهران الشاه، كانت أجهزة السافاك والموساد والـ C.I.A تعمل معاً، في خدمة المصالح الأميركية، وضد المصالح الحيوية للشعب الإيراني المسلم، وضد البعد الفلسطيني والعربي والإسلامي للصراع العربي الصهيوني، وتقف مع الصهيونية لتكريس اغتصاب فلسطين واستكمال مراحل المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة؛ وكانت الكتلة العسكرية الموجودة في الخليج تضع أمن المنطقة كلها في القبضة الصهيونية ـ الأميركية، وكانت السفارة الإسرائيلية في طهران، وكان التعاون على أشده بين الكيان الصهيوني والعرش البهلوي. وقد دعا هذا الوضع الإمام الخميني إلى الإعلان بملء الصوت: " .. كل المسلمين في جانب، ودولة إيران في جانب آخر ، وهذا سيسيء إلى سمعة الشعب الإيراني ، وسيظن إخواننا أهل السنة أن الشيعة هم عبدة يهود. يا شعوب العالم : اعلموا أن شعبنا يعارض التحالف مع إسرائيل ، وأن حلفاء إسرائيل ليسوا منا، ليسوا من شعبنا، وليسوا من علمائنا. إن ديننا يلزمنا بمعارضة أعداء الإسلام ومخالفتهم، وقرآننا يقضي بأن لا نركن إلى الكفر في مقابل صفوف المسلمين.. هذا هو منطقنا.. هل هذه رجعية!؟"(13) وعندما قامت الثورة الإسلامية في إيران انقلب الأمر رأساً على عقب، فأصبحت قوة جمهورية إيران الإسلامية مناهضة للصهيونية وللوجود الأمريكي في الخليج، ومساندة بلا حدود للنضال الفلسطيني من أجل التحرير ، ومع أقطار الوطن العربي في موضوع الصراع الدامي ضد المشروع الصهيوني، الذي يهدد المنطقة كلها. وبعد انتصار الثورة مباشرة "حلت سفارة "فلسطين" محل سفارة "إسرائيل" ووضع حد نهائي لممارسات الموساد والسافاك والـ C. A. I ضد الشعب الفلسطيني وعروبة فلسطين، وبدأ الجهاد ضد الإمبريالية الأمريكية وهيمنتها وضد الشيوعية وتخريبها الدائم للقيم والعقائد والولاء السليم للوطن. فلم كان ذلك الانقلاب عليها من محيطها السياسي !؟ أهو خوف من تصدير الثورة ، وهي ثورة إسلامية تحتاج إليها بلدان الإسلام!؟ أم هو خوف ناتج عن صراع المذاهب الذي أكتوَت به ديار الإسلام في فترات من التاريخ!؟ أم هو مخطط أميركي صهيوني للقضاء على الثورة في مهدها ، وتكليف وكلاء للقيام بذلك ومدّهم بما يلزم لقاء ثمن فادح جداً لم يكن المال أكثر فداحة!؟! كل تلك تساؤلات مشروعة ولها ظلال فيما حدث ، ولكنها ظلال شجرة التكليف الشيطاني الأمريكي الذي أراد ضرب عرب بمسلمين، ومسلمين بمسلمين ليقضيَ على العروبة والإسلام معاً أو ليضعفهما بأيدي أهلهما. وقد تحقق له بعض ما أراد.
وعلى الرغم من الانتقام الأمريكي - الصهيوني الكريه من إيران الثورة، الذي فرض سنوات ثمان مؤلمات من الحرب والتدمير بين العراق والجمهورية الإسلامية في إيران، وكاد ينفذ فيه الأميركي ـ الصهيوني مخططه الذي كان يرمي إلى وضع العرب بمواجهة الفرس وحشد كل العرب في جبهة لمواجهة المسلمين والصحوة الإسلامية فيما يمكن أن يصبح جبهة ساخنة، يقضي الصراع فيها على العروبة والإسلام معاً، ويحقق للصهيونية والولايات المتحدة والغرب الاستعماري أحلاماً قديمة وأهدافاً بعيدة قريبة في آن معاً، وهو المخطط الذي أحبطه بالدرجة الأولى وعي سورية لأبعاده ومخاطره؛ على الرغم من ذلك، فقد استمر وجه إيران الفلسطيني، أو وجه فلسطين في إيران نقياً سليماً واضحاً مشرقاً ومؤيداً لكل أشكال التعاطف والدعم والتأييد: ففلسطين عربية، والقدس عاصمة لها، ومقدساتها تهم الفلسطينيين والعرب والإيرانيين كما تهمّ المسلمين والمسيحيين المشرقيين بكل تأكيد وفي كل آن.
ولم يتأثر موقف إيران من فلسطين والقضية الفلسطينية بما اتخذه عرفات من مواقف قبل أن تبدأ مسيرة مدريد، وازداد موقفها تأكيداً على ضرورة تحرير فلسطين، ومقاومة المشروع العنصري - الاستيطاني الصهيوني بعد مدريد؛ ولم تر الجمهورية الإسلامية في إيران أي مجال للصلح، وإقامة ما يسمى "السلام" مع الكيان الصهيوني على أرضية استمرارية إبعاد الفلسطينيين عن وطنهم، وإقامة "كانتون" لهم ملحق بقوة الاحتلال يشكل بديلاً عن حقهم الشرعي والتاريخي في وطنهم من قِبَل من يصوغون اتفاقيات الإذعان ويتابعون مسيرة بائسة تسمى مسيرة "السلام" مع الصهيونية والإدارة الأمريكية المتصهينة، تلك الإدارة التي هي المناصر الأول للمشروع الصهيوني وللإرهاب الدولي، الذي أسس له الصهاينة واستمر مشروعهم به ومعه، وما زال يمارسه من أجل تعزيز حضوره وانتشاره.
ثالثاً ـ تصادم مشروع الإمام الخميني المحرِّر والمشروع الأمريكي الصهيوني الاستعماري المستبد/ قوتا الروح والمادة/ :
لقد كان تدمير كل من العراق وإيران في حرب استمرت ثماني سنوات عملاً " خُلُقياً " من وجهة نظر المصالح الغربية والمصلحة الإسرائيلية، فكان أن لعبت أميركا وحليفاتها، وحتى الاتحاد السوفييتي المنهار أيضا، لعبة " توازن القوى " بشرط استمرار الحرب لاستنزاف الطاقات والموارد ، حيث فتحت الأسواق على مصاريعها لتجارة الدم والموت والبؤس. ورُكِبَت أحصنةٌ عنيدة من أجل تحقيق ذلك، وكانت الإدارة الأميركية تتغاضى عن موضوع الأخلاق في ممارسات من تدعمهم. وكان ذلك مسوَّغاً بنظرها لأنه يستنزف القوى الموجودة في الخليج كلها، ويقدم المال والنفط والثقة بالنفس للغرب، وكان حلفاء أميركا من أطراف النزاع فوق الشبهات الخُلُقيَّة.
ومن الطبيعي والبديهي و " الخُلُقي " ـ حسب مفهوم الغرب للأخلاق في إطار السياسة والتعامل مع الشرق والعرب على الخصوص ـ من الطبيعي أن يغير الغربي موقفه من أية قضية لا تخدم مصالحه المباشرة وأحقاده التاريخية، ولا تنعكس إيجابياً، مادياً ومعنوياً، عليه بشكل مباشر، ولا يهمه على الإطلاق أن ينقض أقواله، ويلحس توقيعه على الاتفاقيات، ويفتعل مواقف وتفسيرات ومسوِّغات لأفعاله المنافية للأخلاق.
فالثوابت الخُلُقيَّة لا تحرك سياسة الغرب، مهما ادعى وتبجح وكذب، إن ما يحرك تلك السياسة مصالح سوداء، تلوِّن الأخلاق باللون الذي تريد، وتصنّع المسوِّغات وتصدرها حسب الهوى والمنفعة والحاجة، وتدخل الأخلاق وحقوق الإنسان والحريات العامة والديموقراطية سلعاً سياسية تخدم المصالح الأميركية الصهيونية وتمهد للعدوان والحصار!؟.
ولكن تغيَّرت المصلحة اليوم لأن العراق وإيران قرأا الدرس، ولو بعد فوات الأوان بكثير، فقررت إدارة كلنتون ـ في إطار استراتيجيتها ـ أن تعلن عداءها للبلدين، كما قررت رفض سياسة " توازن القوى "، فتلك سياسة قديمة على حد تعبير مارتن فاندايك مساعد الرئيس لشؤون الأمن القومي. هناك الآن سياسة جديدة قوامها " الخُلُقي " حسب تعبير فاندايك ـ وهو صهيوني كان يدير مؤسسة واشنطن للشرق الأوسط وهي مؤسسة في خدمة " إسرائيل" ـ قوامها: " إن إيران والعراق بلدان معاديان للمصالح الأمريكية. ولهذا فإنها ـ أي أمريكا ـ ستعمل على احتوائهما ضمن سياسة عزل وعقوبات دولية، وستمنعهما من امتلاك أي سلاح يمكنهما من تهديد مصالحها."(14) وقد قررت لجنة التنسيق للقيود على الصادرات " كوكوم " المؤلفة من ثلاثة وعشرين دولة: " أن إيران ينبغي ألا تكون قادرة على ابتياع أسلحة أو تكنولوجيا حساسة مزدوجة الاستخدام. " (15) وواضح أن حماية أي بلد لمصالحه التي تطمع بها الولايات المتحدة الأمريكية هو تهديد لمصالحها، ويحق لها أن تدمره قبل أن يتمكن من حماية نفسه. فالحرب " الوقائية "، أو الضربات الاستباقية،على الطريقة الإسرائيلية هي اختيار أميركي الآن، فالعقل الصهيوني العنصري يقود سياسة الطرفين الإسرائيلي والأمريكي المعاديين لحقوق الشعوب وحرياتها ومصالحها. ولا يهتم فاندايك بالأطفال الذين يموتون، ولا بمستقبل أجيال وشعوب، ولا يعنيه في شيء أن يخالف شرعة حقوق الإنسان والشرعية الدولية، فكل ذلك وجد أصلاً ليخدم مصالح الغرب والصهيونية، وليشكل ذرائع " خُلُقيَّة " للتدخل في شؤون الغير؛ وهو يتحول أحياناً إلى أدوات تجميل ومساحيق توضع على وجه " الهَوْلَة " عندما تخرج من مذبحة بشعة.
وها هو جاد يعقوبي ممثل "إسرائيل" السابق في الأمم المتحدة يرمي إلى استثمارات أخرى في إطار إثارات بشعة، فقد ربط بين عملية "شيحين"، التي قامت بها المقاومة الإسلامية في فلسطين المحتلة، ومحاولة اغتيال وزير الداخلية المصري اللواء حسن الألفي معاً، وقال إنهما تشكلان "محاولات جديدة للأصوليين تهدف إلى إقامة نظام ترهيب واغتيالات" وأضاف إن "كل شيء يهدف إلى قتل عملية السلام وإقامة إمبراطورية أصولية مسلمة تقودها إيران وتمتد من المحيط الهندي إلى المحيط الهادي"، ودعا "العالم الحر" والأنظمة العربية المعتدلة إلى "العمل معاً وتنسيق الجهود لإحباط هذه الأعمال".
إن كلام يعقوبي لقى صدىً مستحباً عند من سمعه في الغرب، لأن هناك استعداداً لقبول صورة من هذا النوع عن الإسلام وعن إيران، وربما استطاب كلامه بعض العرب الذين دخلوا دوَّامة الدم والفتنة، ولعبة المعارضة المسلحة ضد السلطة المسلحة، ومن ثم أصبح الكيان الصهيوني مصدر تسميم إعلامي وأمني لهم!. ولكن التدقيق في أبعاد ما ترمي السياسة الصهيونية إلى زرعه في النفوس، وما يرمي تركيز جهاز الإعلام الغربي الضخم عليه، خطير جداً؛ لأنه يريد أن يسبغ صورة الإرهاب على المقاومة ضد المحتل من أجل التحرير، وعلى كل من يناصرها، وأن يربط ذلك بالإسلام. وأينما كان العربي أو المسلم فهو إرهابي بحكم الانتماء وعليه أن يثبت براءته.. أمَّا الأصولية - العنصرية- اليهودية القائمة على التلمود، وبرنامج المسيحية- اليهودية في الولايات المتحدة الأميركية، الذي يقف وراءه خمسون مليوناً من القائلين بعودة " المسْيا ـ المسيح"، وهو يدعم ويبارك كل ما تقول به الصهيونية وكل ما تقوم به "إسرائيل".. فهو ليس إرهاباً، كما يزعمون بل "دفاع عن النفس بوجه الإرهاب" الذي تحذر الولايات المتحدة الأميركية الزعماء العرب المعتدلين منه لأنه سيأخذ مقاعدهم!؟..
أما الإيحاء بإقامة إمبراطورية إسلامية، بين المحيطين تسيطر عليها إيران، فتلك لعبة الصهيونية القذرة والغرب المتواطئ معها وهم يلعبونها منذ عقود من الزمن. في 31 /3 / 1995 قال تشارلز دان من جامعة جورج تاون: " لقد جلبت الثورة الإيرانية عام 1979 إلى السلطة نظام حكم بدَّل تبديلاً
أساسياً الحسابات الاستراتيجية الأمريكية في الخليج، وشكَّل أعظم تحد للنظام القائم في المنطقة منذ فترة ما بعد الحرب العالمية . إن سياق سياسة إيران الخارجية ، كما حدده الخميني ، استبدل هيمنة فارسية تقليدية على الخليج قد تم تحويله بسبب عنصر هام هو هدف جعل إيران الثورة زعيمة للعالم الإسلامي من خلال تصدير ثورتها إلى الخارج . وبرز الإرهاب كنهج قليل الكلفة نسبياً لنشر النفوذ الإيراني خارج حدود إيران كأحد أكثر الأسلحة التي استخدمتها إيران في هذا الكفاح." وأضاف " إن إيران تواصل اليوم استخدام الإرهاب بنفس البطش الذي كانت تستخدمه في ظل حكم الخميني ... وتقدم إيران مساعدات بدرجات متفاوتة لتشكيلة من الجماعات الإسلامية الراديكالية والعلمانية بدءاً بشمال إفريقية وانتهاء بآسيا الوسطى. " (16) . وفي هذا الذي ذكره تشارلز دان متابعة لزرع الخلافات بين إيران وبعض الدول العربية والإسلامية لا سيما الجزائر ومصر، واستمرار في تفعيل تهمة الإرهاب لتؤتي أكُلُها. فقد قال الرئيس بل كلنتون أمام مؤتمر إيباك الصهيوني في السابع من أيار ـ مايو 1995 : " إن شبح إيران مجهزة بأسلحة الدمار الشامل، والصواريخ التي تطلقها لا يثير انزعاج إسرائيل وحسب ، بل أيضاً الشرق الأوسط بأسره وكل الباقين ... إن إيران اليوم هي الراعي الرئيسي للإرهاب العالمي كما قال رئيس الوزراء رابين فهي ترمي إلى تقويض الغرب وقيمه بدعم الهجمات القاتلة التي يشنها الجهاد الإسلامي وحزب الله وغيرهما من الجماعات الإرهابية ، وهي ترمي إلى تدمير عملية السلام في الشرق الأوسط.... لقد عملنا على التصدي لرعاية إيران للإرهاب وجهودها الرامية لاقتناء أسلحة نووية." (17) وقد أصبح التركيز قوياً على ذلك لكي تسير عجلة العنف الدموي بين عرب ومسلمين- وبين مسلمين ومسلمين على أساس طائفي- بعد أن دارت عجلة العنف الدموي بين عرب وعرب داخل أقطار عربية، وبين أقطار عربية وأخرى، ليثمر ذلك كله ثمراً مرّاً بالنسبة للعرب والمسلمين على السواء، فينهار كيانهم بالتدريج، ويقوم كيان " إسرائيل الكبرى" ومملكة الشر الأمريكية أو الغربية بوجه عام.
العدو الصهيوني يرى ضرورة الاحتفاظ بكل ما تحقق له مع تغيير الصيغة التي حققت له ما تحقق؛ ولذلك لجأ إلى تقديم مشروع " منظمة الأمن والتعاون في الشرق الأوسط " الذي تبنته بريطانيا وقدمته من خلال مالكوم ريفكند وزير خارجيتها ليكون مخرجاً من المأزق الذي وصلت إليه مسارات مدريد؛ وهو مشروع " إسرائيلي " أصلاً حمله دوري غولد مستشار نتنياهو إلى لندن وعاد به ريفكند إلى الشرق العربي؛ ويعلق أهل هذا المشروع أهمية عليه لأنهم يتطلعون إلى انضمام إيران ودول أخرى إليه، ويرون قدرته على احتواء أطراف أكثر وأكبر تصبح متكافلة متضامنة في حماية أمن " إسرائيل " ومكتسباتها، وتفتح أسواقها لها، وتتعاون معها ضماناً "لمستقبل السلام "، والتعاون من أجل الازدهار!؟!
قد تنجح جهود العالم المتمسك بحل سلمي للأزمة الحالية بين العراق والإدارة الأميركية، ولكن على العالم أن يدرك جيداً أن الحشد الأمريكي الموجود في الخليج لم يُحشد لمجرد التظاهر، وأنه سيحقق ما يريد ولو بعد حين، وقد يمد رأسه ويده ليضرب في مكان آخر؛ ونحن ندرك أنه يريد كل من لا يخضع للإرادة الأمريكية، وكل من يعارض المشروع العنصري- الصهيوني في المنطقة؛ ولذلك من المفيد التفكير جدياً بنزع فتيل التفجير المزروع في كل الدول التي تستهدفها الصهيونية والولايات المتحدة الأمريكية، وإقامة جسور التعاون على أرضية من الثقة فيما بينها لتقوم أسس جديدة وقوى جديدة في المنطقة تحمي مصالح أهلها، وتدافع عن هويتها واستقلالها. والحشد العسكري المتكاثف ليس هو الموجود فقط في مياه الخليج، وفي القواعد الأمريكية القريبة من أماكن تمركز حاملات الطائرات الأمريكية والبريطانية، إنه امتداد ذلك الحشد أيضاً في تحالفاته ومعاهداته وقدراته العسكرية في المنطقة كالتحالف التركي - "الإسرائيلي" وما هيأه من قوى وخطط وبرامج ومراكز تجسس وقواعد انطلاق ونقاط انقضاض على دول رئيسة في المنطقة هي: إيران والعراق وسورية تنفيذاً للهدف الأمريكي الأول والمصلحة الأمريكية العليا: "إسرائيل"، التي تشكل هي والنفط الروح والجسد بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية.
رابعاً ـ انعكاسات التصادم في مجالي : الأمن والتسلح وفي المجال الثقافي السياسي:
من هنا بدأ السؤال يُطرح أولاً على محيط إيران السياسي والاجتماعي والاقتصادي، لا سيما من قِبَل الغرب والصهيونية، حينما قدَّما إيران: خطراً على دول الخليج، وخطراً على آسيا الوسطى التي انتهت من الشيوعية والاتحاد السوفييتي وبدأت تفكر، أو بدأت بعض الفئات فيها تفكر تفكيراً استقلالياً أو دينياً؛ وخطراً أيضاً على تركيا العلمانية، أو بالأحرى تركيا جنرالات الدونما، الذين يحكمون ويقررون وينسقون خططهم مع "إسرائيل"، بعد أن فرضوا التحالف معها ضد محيطها الإسلامي والحضاري تلبية لرغبة كل من الولايات المتحدة الأميركية والصهيونية العالمية. وأصبحت إيران أيضاً ـ كما صوَّر أولئك في الإعلام والسياسة والثقافة ..إلخ ـ خطراً لا ينحصر مداه في محيطها على هذه الأرضية، وإنما يتعداه إلى آفاق أخرى، لأنها أخذت تفكر بأسلوب مغاير لما هو مستقر، وسائد في عالم قائم على أحادية قطب سياسي، وعلى ازدواجية مكاييل، وعلى قرارات مجلس أمن ـ وهو مجلس أعمى أعرج ـ محكوم عملياً بسياسات الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية ومصالحها، أي أنه محكوم بقوة متغطرسة لا تزال تحكم العالم منذ ذلك التاريخ، وقد أصبحت أكثر غطرسة بعد أن قادتها الولايات المتحدة الأمريكية المنتصرة في الحرب الباردة وفي حربي الخليج.
والسؤال إذاً هو سؤال الأمن، الذي يتصل بدوره بسؤال الإسلام وبسؤال الحرية وبسؤال العدل وبسؤال التغيير، ومن ثم بسؤال القيم الخُلُقيَّة والدينية؛ كما أنه يتصل بأمن ذي شُعَبٍ منها: الأمن العسكري والأمن الاقتصادي والأمن الغذائي بالنسبة للعالم الإسلامي، والأمن الثقافي على الخصوص الذي تترسخ فيه قيم العقيدة الدينية بالدرجة الأولى، ويتم الانطلاق منها للدفاع عن الشخصية والمجتمع والأمة وحمايتها من أشكال التخريب: حيث تُخَرَّب أجيالنا وقيمها وحيث نريد أن ندافع عن أجيالنا وقيمنا، حيث تُخَرَّب عقيدتنا أو فهمنا لها ونريد أن ندافع عن عقيدتنا وعن فهم سليم لها، وتُخَرَّب شخصيتنا ونريد أن ندافع عن شخصيتنا وعن مقوماتها ؛ ونحن نرى إلى التجرؤ الوقح الذي بلغته الصهيونية والولايات المتحدة الأميركية والغرب الاستعماري ذي الدوافع الصليبية المريضة على شخصيات ورموز إسلامية، وحتى على الإسلام ورسوله فيما كتبه العملاء والمرتزقة، الذين توظفهم أجهزة الأمن البريطانية مثل سلمان رشدي الذي استباح لنفسه أن يجرح شعور المسلمين في كل أنحاء العالم ويؤسس لفتنة في صفوفهم، ويحظى مع ذلك أو بسبب ذلك بحماية ودعاية غربيتين لا تستحقها أعماله الهابطة فنياً وخلقياً بكل المقاييس. وعندما يجرح رجل الفكر والأدب والفن مشاعر الناس الذين يتوجه إليهم فإن عمله لا يستحق من الناس تمجيداً؛ وهو عملياً شخصية محتقرة تماماً من أوساط المبدعين والكتاب والمثقفين الرفيعة في بريطانيا، ولكن هذا لا يمنع تلك الأوساط من مناصرته ومباركة توظيفه مخلباً ضد الإسلام والمسلمين، فَرَسِيس المرض الصليبي يفعل فعله حتى في أوساط رفيعة المستوى في الغرب. كما نرى ذلك التجرؤ على الإسلام في احتضان الغرب والصهيونية لكل شخص مسلم يهيأ على أيدي أجهزتهما ليسيء للإسلام أو لقضايا العرب والمسلمين المصيرية ، وأمثلة دعم الداعين إلى تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني في الوطن العربي واضحة ومعروفة، والأمثلة على ذلك وسواه كثيرة؛ ونجد التجرؤ الوقح أيضاً في منشورات وسخة منها ما وزِّع في الخليل من قبل اليهود مسيئاً للقرآن، والرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام، وما قصد منه الإساءة لمقدسات إسلامية ومشاعر المسلمين مثل وضع ملصق ترويج يصور قبة الصخرة المشرَّفة على زجاجات الخمر التي ينتجها معمل يهودي داخل فلسطين المحتلة!؟ ونرى إلى التجرؤ الوقح على الإسلام والتاريخ والحق من خلال منظمة سرية في الكيان الصهيوني تسمي نفسها منظمة الخلاص من الدنس) والدنس عندهم ـ وحسب أهداف تلك المنظمة الصهيونية السرية ـ هو المسجد الأقصى، وقبة الصخرة في القدس الشريف، لأنهم، أي اليهود، يريدون القدس من دون هذا الذي يسمونه الدنس، ويعملون على تهويد القدس بالكامل وتدمير المسجد الأقصى؛ فلنتخيل مدى الحقد والعنصرية والتطاول على الإسلام والمسلمين، والتطاول على الله، وشرعه العادل في الأرض، وما هو موقف ثورة إسلامية في إيران من ذلك وقد أعلنت منذ انطلاقتها موقفاً من القدس والصهيونية ورأس العدوان الولايات المتحدة الأميركية ؟!! وقد عمل هؤلاء أكثر من مرة على إحراق المسجد الأقصى، كما حفروا ـ أو فتحت دولتهم ـ النفق الشهير الذي أسموه نفق الحشمونيين ، وهو في الواقع أقدم من الحشمونيين بكثير، ويعود لحضارات العرب القدماء في المدينة التي أسسها العرب الكنعانيون وأقام قلعتها الأولى اليبوسيون الأوائل وهم من الكنعانيين ، وحفرت أنفاقاً أخرى بهدف هدم المسجد الأقصى، وسواه من المقدسات الإسلامية في القدس .وقاموا بمذابح بشرية دموية فيه وفي الحرم الإبراهيمي في الخليل. وهم يستهدفون عقيدتنا ومقدساتنا وثقافتنا وهويتنا وكل ما يكوِّن شخصيتنا وذاكرتنا ووجداننا، ويتسللون إلى مجتمعاتنا وشبابنا بوسائل كثيرة في غفلة أو عجز، أو تواطؤ منا ضد أنفسنا ، وتلك أسوأ المصائب.
إن إيران عندما تتمسك بمشروع يملك رؤية، ويستند إلى عقيدة الإسلام ويحمل روحه، وعندما ترفض سلام الاستسلام، وعندما تعارض اتفاقيات الإذعانً وتدعم المقاومة الوطنية والإسلامية ضد الاحتلال ، وتقول بتحرير القدس وتعلن يوماً عالمياً لنصرتها(18) ، وترفض أن يكون لمواطنيها من اليهود الإيرانيين حق التجسس لمصلحة الكيان الصهيوني من دون أن يوجه إليهم سؤال؛ تغدو بنظر الاستعمار والصهيونية وراعي الإرهاب الأول في العالم : الولايات المتحدة الأمريكية تغدو: دولة "إرهابية" خطرة، دولة ينبغي حصارها وتهديدها، دولة ضد الأمن والاستقرار، دولة خارجة على القانون، ودولة ينبغي أن تعاقَب وأن تضرَب وأن تضعَف وأن تحطَّم إن أمكن، أو أن يتغير نظامُها الإسلامي، وبرنامجها الثوري، ومشروعها الخمينوي، حتى تعود إلى بيت الطاعة الصهيوـ أمريكي بتوجه آخر، وشخصية أخرى !؟!
من أجل ذلك قام التحالف التركي-الإسرائيلي الذي يريد أن يتوسع ليصبح حلف بغداد بلا بغداد بعد تقسيم العراق إلى دول على أساس طائفي إن أمكن ـ لاستكمال إضعاف العروبة والإسلام وضربهما بعضهما ببعض بالتأسيس لصراعات جديدة ـ وهذا يشكل حلقة وسواراً كاملاً حول سوريا ولبنان من جهة، ويهدد إيران مباشرة بسلاح الجو الإسرائيلي الذي يُدرَّب في المنطقة هناك لضرب منشآتها الحيوية، والمفاعل النووي الذي تقيمه إيران للأغراض السلمية ، حتى لا تكتشف هذه الدولة الإسلامية إمكانياتها في هذا المجال ولا تكتسب قدرة في المجال النووي. وسوف يمتد هذا الحلف الإسرائيلي ـ التركي ليشمل سلطة الحكم الذاتي الموالية للكيان الصهيوني والأردن والعراق بعد التقسيم ، ثم يمتد ويتوسع بعد ذلك ليضم قبرص واليونان إلى رصيده، إن استطاع المهيمنون عليه والراعون له ، وهم الإدارة الأمريكية المسكونة بالمشروع الصهيوني والقوى الصهيونية الأخرى .
وهذا، في حال تنفيذه، يجعل مصر تنغلق على ذاتها وتنكفئ عن آسيا العربية وتتلهى ببعض إفريقية الغارقة في بؤسها؛ بعد أن صدر دعاة النظام الشرق أوسطي موضوع قسمة الوطن العربي إلى : الشرق الأوسط وشمال إفريقية، وبما تكلَّف مصر إلى جانب ذلك بما يرون قدرتها على أدائه من مهام؛ ويجعل الجزيرة العربية تسقط نهائياً ، بقدراتها وخيراتها وثرواتها وحتى مقدساتها ، لا سمح الله ، في قبضة الهيمنة الصهيونية من خلال هذا الحلف الشرير الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ، وهو أحد أهم الأجنحة الخفية في حلف الأطلسي الذي تتزعمه وتعمل على توسيعه؛ كما يجعل إيران مهددة وغير قادرة على القيام بدور ما لا سيما في آسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين الواعدة بمخزون كبير من النفط والغاز، ويجعل تركيا الطورونية التي يقودها الجنرالات الدونما، محميَّة وقائداً، في هذا الاتجاه العلماني الذي أسقط أربكان ويلاحق الإسلام من خلال الإسلاميين.وسوف يسقط الكثير من المعطيات التي لا تروق إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة .
خامساً ـ إيران الثورة وتهديد مشروعها الخمينوي من خلال: التحالف التركي الإسرائيلي وموضوع السلاح النووي:
كانت تانسو تشيلر قد هيأت اتفاقية تحالف تركي_ إسرائيلي برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، وقِّعت بعد مشاركة ديميريل في قمة شرم الشيخ/ 1996/ التي فتحت آفاق العمل الاستعماري- الصهيوني على صورة أحلاف يدخلها بعض العرب في المنطقة .
والتحالف المشار إليه، الذي جاء في صيغ اتفاقيات، شمل على حد تعبير شفيق بير/ رئيس أركان في الجيش التركي/ " جمع المعلومات الاستخبارية عن إيران وسورية بالوسائل الإلكترونية، كما شمل التعاون تقديم معونة للجيش التركي المرابط على حدود إيران والعراق وسورية، وذلك بالتدريب والمعدات، وينص أيضاً على تشكيل إطار استخباري لتقييم الأوضاع العسكرية والأمنية، والقيام بتدريبات لسلاح البحرية التركي والإسرائيلي ." / عن القدس العربي
8 ـ 4 ـ 1996 / وقال وزير الدفاع التركي: أولتان سنغورلو: " إن اتفاق التعاون هذا يقضي بتدريب طيارين إسرائيليين على استخدام الأجواء والقواعد التركية ".
وفعلاً بدأت الطائرات الإسرائيلية باستخدام الأجواء التركية اعتباراً من 10/ نيسان 1996 وقد أكد ذلك في حينه عمر إقبال الناطق باسم الخارجية التركية إذ قال : " إن الطائرات الإسرائيلية بدأت إجراء تدريبات في الأجواء التركية، وأضاف: إن تركيا أقدمت، بعد عملية السلام في الشرق الأوسط، على تطوير علاقتها بإسرائيل في كثير من المجالات."
وهي علاقة قديمة كما نعلم، لم تبدأ بالاعتراف التركي بإسرائيل الذي تم عام 1948 وإنما بمخطط اليهود الدونما الذين جرّعوا السلطان عبد الحميد الإهانة والموت، بعد أن رفض التنازل عن فلسطين للحركة الصهيونية لقاء تسديد ديون السلطة العثمانية كلها، ودفعوا الطورونية إلى حدود الغلو المطلق حتى تفجرت السلطنة وحدودُها وقواها وآمالها في آن معاً، وأصبحت تركيا أتاتورك مطيَّة للغرب، ثم مطية اليوم لـ "إسرائيل"، التي قالت، في صحيفة يديعوت أحرونوت، بعد تطبيق "الاتفاق ـ التحالف:
"إنه يمكن اعتبار تحليق الطيران " الإسرائيلي " في الأجواء التركية كرادع أساسي لسورية " وعتَّمت على هدف التهديد المتعمد لإيران، وأكدت إذاعة " إسرائيل " في ذلك الوقت على الآتي:
- استخدام المجال الجوي التركي والقواعد التركية من قبل الطيارين الإسرائيليين.
- إغناء الخبرة ـ خبرتهم ـ بالتضاريس الأرضية.
- التطبيع عربياً وإسلامياً.
وتحالف الكيان الصهيوني المعلن عسكرياً مع تركيا، وقيام هذا التحالف بمناورات عسكرية ـ جوية على الخصوص ـ يضمن أموراً هامة ومشتركة وحيوية لكل من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، فهو:
1 ـ يسمح بالانتقال من احتواء إيران إلى محاصرتها وتهديدها، وجعلها تنحسر وتنكفئ داخل حدودها، ولا تتطلع إلى امتلاك قوة نووية أو غير نووية، أو لتواصل فعَّال مع محيطها الإسلامي. ويضمن تأثيراً على ثروتها النفطية عند اللزوم، حتى بوجه أوربا التي قد تفكر بمصالحها واستقلالها بمعزل عن الولايات المتحدة الأميركية في يوم من الأيام.
2 ـ يسمح بالانتقال من احتواء العراق إلى احتلاله من خلال التقسيم أو فرض التبعية أو احتلال الإرادة السياسية، ويضمن أن يحكمه بحكم حكامه، عملاً بقاعدة كرومر في أثناء استعمار بريطانيا لمصر سابقاً.
3 ـ يسمح بقطع كل أمل، لأية جهة: محلية أو عربية أو دولية، بالتفكير بتحرر منطقة النفط الأولى في الخليج والسعودية، إذ يحيط بها الحلف من مناطق استراتيجية حيوية، ويجعل التواصل المباشر بينها وبين محيطها العربي والإسلامي شبه معدوم، لا سيما من حيث التأثير والفعالية والأبعاد الحيوية.
4 ـ يضع سورية ولبنان في حالة حصار وشبه عزلة وتهديد مستمر، ويفرض حولهما طوقاً تاماً ليساهم في إجبارهما على القبول "بالسلام الإسرائيلي" وشروطه، وليقايض ماء الفرات بمنابع المياه السورية ومصادرها، لا سيما في بانياس وبحيرة طبرية والحمَّة، وربما بالجولان ذاته؛ وليتحقق من الخطوة الأهم وهي: إلغاء المشروع العربي الذي تمثله التطلعات السورية في بعدها الفكري وتأثيرها القومي أيضاً، ويحيلها إلى قطر محاصر بالخطر والهم والمشكلات، يلعق جراحه ولا يملك أن يفعل أكثر من ذلك.
5 ـ يقيم سداً منيعاً بين آسيا العربية وإفريقية العربية، ويمنع تواصلاً بنّاءً محتملاً بين مصر وسورية، لأن في اتصالهما احتمالات تغيير وجه المنطقة، كما يفيدنا التاريخ القديم والحديث.
6 ـ يسقط، بشكل نهائي، القضية الفلسطينية ويحسم الصراع العربي الصهيوني لمصلحة "إسرائيل"، ويضمن نهاية لتاريخ الحلم العربي الحديث بتحرير وحرية ونهضة ووحدة، ويضع حداً للمشاريع القومية والأحلام القومية في الوطن العربي، ولأحلام الإسلاميين أيضاً.
7 ـ يمنع قيام محور محتمل يمتد من بيروت إلى طهران مروراً بدمشق وبغداد. وهذا المحور الذي يكسر حلقة الحلف، لا يجوز أن يقوم، من وجهة النظر الصهيونية والأمريكية، وحتى الغربية بشكل عام، لأنه يشكل رافعة جديدة لنهضة عربية ـ إسلامية يخشى أولئك تأثيرَها على مصالحهم في المنطقة من جهة، ودورَها في تحقيق نهضة عربية ـ إسلامية وتواصل بنّاء بين شعوب العالم الإسلامي ودوله. وهو تواصل ستكون له نتائجه السلبية على الوجود الاستعماري وعلى الكيان الصهيوني واحتلاله للأرض العربية ومشروعه الاستعماري الاستيطاني العنصري.
إن المخيف في المشروع الأمريكي- الصهيوني ليس هو الضربات المؤلمة التي تتم، والتي قد تتم ضد العراق فقط، ولكن ما يدبر في ظل استمرار ذلك الوضع ضد دول المنطقة، ومنها العراق، من مخططات ترمي إلى إعادة رسم الجغرافية السياسية لها في ضوء مصلحة تحالف تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ويقف على رأس منفذيه والمستفيدين منه "إسرائيل" وعملاؤها.
إنه تحالف يتنامى، ويتعاظم خطره ويشتد تأثيره ويريد أن يمنع أياً من البلدان التي يستهدفها من التحرك لمواجهته أو لوضع حد لخطره عليها.
وإذا كان مشروع تقسيم العراق إلى دويلات، وتهديد سورية بالتقسيم، وإقامة كانتونات طائفية متناحرة على الحدود الحالية "للدولة الصهيونية"، وضرب إيران أو تحييدها واستقطابها إن أمكن، هي من الأهداف القريبة لذلك التحالف، فإن سقوط المنطقة كلها في القبضة الأمريكية- الصهيونية وتدمير الهوية الثقافية لها، وإعادة تكوين ثقافتها وعقيدتها وجغرافيتها الاجتماعية والسياسية بالشكل الذي يريده الغرب المتصهين والصهيونية العالمية هو الهدف الأبعد، الذي تضمن تلك الجهات بتحققه تجسيد حلم الصهيونية بـ"إسرائيل التوراتية أو "إسرائيل ربّاني "، وإنهاء حضور العروبة والإسلام في ساحة الفعل بحيوية وتأثير على المدى المنظور.
إنه بصريح العبارة تحالف موجه أولاً ضد سورية ودورها العربي والإقليمي، ضد موقفها الرافض لاستسلام مذل للعدو الصهيوني تحت صفة " السلام " ومواصفاته " الإسرائيلية "، استسلام تفرضه اتفاقيةٌ على نمط اتفاقية كامب ديفيد(19) و" أوسلو " والمعاهدة الأردنية ـ"الإسرائيلية "؛ وهو تحالف موجه من ثمة إلى لبنان وتلازم المسارين السوري واللبناني اللذين بقيا بعد فوضى مؤتمر مدريد وما نشأ عنه من مفاوضات ثنائية ومتعددة الأطراف، أسفرت عن استسلام عربي لـ " إسرائيل " وهرولة إلى أعتابها، واستفراد صهيوني ـ أميركي بمن يرفض من العرب السير في تلك الطريق، طريق الاستسلام. وهو تحالف موجه من بعد ضد العراق الذي يراد له أن يُقسَّم وأن يستمر الحصار المفروض عليه لإلحاق مزيد من الضعف والهزال به، وفرض توطين الفلسطينيين فيه؛ وهو تحالف ضد إيران الدولة المسلمة التي تتخذ موقفاً مبدئياً شجاعاً من الصراع العربي الصهيوني وتناصره بوصفه صراع وجود وليس نزاعاً على حدود، وتؤيد حق الفلسطينيين في وطنهم، وتدعم المقاومة الإسلامية ضد الاحتلال داخل فلسطين المحتلة، وفي جنوب لبنان وعلى رأسها حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي؛ وتؤيد سورية في مواقفها الصلبة من الصراع مع الصهاينة، وفي نظرتها الداعية إلى التفريق بين الإرهاب والمقاومة ليستمر رفض الإرهاب، ودعم المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني بكل الصور والقوى حتى التحرير، من دون خلط للأوراق، وتقديم المقاومة المشروعة على أنها إرهاب مرفوض.
إنه تحالف ضد إيران التي تحاول أن تمتلك قوة حقيقية تدافع بها عن نفسها،لا سيما في مجال الصواريخ، وتحالف ضد كل من يحاول أن يمتلك قوة على أرضية الإيمان والعلم والتَّقَانَة، من العرب والمسلمين، وضد كل من يقول لا للظلم والظلام الأمريكيين الصهيونيين.
وهو تحالف موجه ضد الصحوة القومية والإسلامية الواعية معاً، تلك التي أخذت تعي أهداف ومخاطر المخططات الرامية إلى وضع العروبة في مقابل الإسلام والإسلام في مقابل العروبة، وضرب العرب بالمسلمين، والمسلمين بالمسلمين؛ وصولاً إلى استنزاف كل تلك القوى وتشويه صورتها وحضورها وعقيدتها السامية السمحة، وتقديمها للعالم قوى متخلفة وعاجزة عجزاً شاملاً، ومن ثم الانقضاض عليها للقضاء على كل من العروبة والإسلام معاً، وعلى ما يمثلانه عقائدياً وتاريخياً وحضارياً، وإقامة حوض صهيوني ومتصهين، على حساب الحضور التاريخي لحضارة العرب والمسلمين وعقيدتهم!؟!.
إن التحالف البغيض، الذي قدَّم لنا ظاهرة الحقد البائس والكراهية والعداوة العمياء، وأراد وما زال يريد لنا : عرباً وأتراكاً، أتراكاً وأكراداً، عرباً ومسلمين ... مسلمين ومسلمين.. سنة وشيعة.. طوائف ومذاهب.. إلخ أن ندخل حمامات الدم ولا نخرج منها إلا جثثاً وأشباح أمم، وحضارات وعقائد؛ إنه هو الذي ينبغي أن نقاومه بكل ما أوتينا من علم ووعي وقوة وشجاعة وإيمان ليعود لديار الإسلام نوع من الأمن والنقاء من التلوث الصهيوني العنصري والأميركي. ولن يكون لمنطقتنا مستقبل ما لم تقض على مستقبله فيها، لكي تتخلص من الأحلاف والهيمنة الاستعمارية والحقد العنصري ومن المشروع الصهيوني التوسعي الاستيطاني، الذي يرى أن أمنه واستمراره واستقراره في وطن الغير لا يمكن أن يكون إلاّ على حساب أوطانهم وكرامتهم وأمنهم واستقرارهم، ولا يمكن أن يدوم إلاّ في تهديد أمن أولئك الغير، وتفاهمهم وتعاونهم ووحدة صفهم وموقفهم ورؤيتهم للأمور.
في ظل هذا كله الذي تدبره الإدارات الأمريكية الصهيونية أو الصهيونية الأمريكية والكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة : هل يجوز لنا أن نقول: إن "إسرائيل"، تسعى لأي نوع من "السلام العادل" في المنطقة? أو أن نقول: إن الولايات المتحدة الأمريكية تفكر بتشجيع أي نوع من "السلام العادل" والدائم في المنطقة?! اللهم إلا إذا بُني ذلك على مفهوم فرض القهر، وعلى الإلغاء شبه التام للجانب العربي في المعادلة!?!
وأظن أنه في ظل هذا الواقع وتلك الوقائع يحق لنا أن نطرح السؤال المر التالي: هل يمكن أن يقوم سلام في المنطقة مع وجود السيادة الصهيونية في فلسطين والقدس، ووجود المشروع الصهيوني ـ الاستيطاني في المنطقة، والذي يشكل اعتراف العرب بدولته وتطبيع العلاقات معها نصراً كاملاً للصهيونية، وتشكل الشرق أوسطية التي تأخذ طريقها إلى التنفيذ مرحلته الثانية "مرحلة " إسرائيل " الكبرى من خلال الهيمنة الأمنية والاقتصادية التامة على المنطقة!؟!وهل يمكن أن يقوم في المنطقة أصلاً سلام من أي نوع، عادل أو غير عادل، مع وجود "إسرائيل" فيها??!
إنني آخذ بإجابة سلبية على السؤال الأخير، وأقول: إنه لن يقوم سلام في المنطقة مع وجود "إسرائيل" فيها، وإن هذه الغدة السرطانية ـ كما سماها الإمام الخميني " قدس سره" ـ يجب أن تزال حنى تعود السلامة للجسم العربي ويعود السلام للمنطقة.
خاتمة:
وسؤالي بعد هذا هو التالي: كم من المؤتمرات عُقِدَت؟ وكم من الكتب والدراسات والمقالات كُتبت؟ وكم من الخطب أُلفت؟ وكم من المواعظ أيضاً ألقيت؟ ولم نتحرك بعد تحركاً عملياً مجدياً ، مغايراً لكلام ينثر في فضاء القاعات التي تجمعنا ثم نخرج منها وقد تبرّأنا وبرّأنا أنفسنا من المسؤولية !؟! والقضية ، أو القضايا التي نحن بصددها ، تحتاج إلى برنامج عمل منقذ ، بصرف النظر عمن يضعه لنا منا . فمؤتمر " بال " في سويسرا عُقِدَ قبل خمسين سنة من إنشاء " إسرائيل " ، وبعد خمسين سنة من ذلك الإنشاء اعترف بها العرب ، وذاك الاعتراف الجزئي هو ـ بنظري ـ أهم من إنشاء إسرائيل وأخطر منه على القضية وعلى الحق التاريخي الذي لنا في فلسطين . ونحن نقول بالحرف الواحد إن أي تعايش مع الكيان الصهيوني أمر غير ممكن ، فنحن في إطار الثقافة العربية ـ الإسلامية ننظر إلى الصراع العربي الصهيوني على أنه صراع وجود وليس نزاعاً على حدود، وبالتالي فلن نعترف بإسرائيل ولا بأي شكل من أشكال تطبيع العلاقات معها حتى لو اعترفت بها الدول العربية جميعاً وقامت بتطبيع علاقات معها(20) .
ونتطلع إلى المستقبل بأمل وتفاؤل كبيرين ، وسوف نعمل مبتدئين من المدرسة لإعادة بناء الأجيال والأطفال وتربيتهم على قيم عربية ـ إسلامية أساسية سليمة، وأمامنا مئة سنة أو أكثر، ولكن ستطول هذه المئة السنة التي نفترضها إذا لم يكن هناك برنامج عمل وتطبيق لبرنامج العمل على أساس خطة في مشروع .
لقد وضع رجل الثورة التي نحتفي بذكرى مرور مئة سنة على ميلاده ـ بعد أن احتفينا بمرور عشرين سنة على انتصارها ـ منهجاً ونادى بمشروع، وقال أقوالاً صحيحة مناسبة، وسار الناس في إيران على هديه النابع من هدي الإسلام ورسوله الكريم، ورأى في الإسلام دين المستقبل والمنقذ للبشرية كافة مما هي فيه.
والإسلام دين المستقبل فعلاً، وعلينا أن ننظر له ولأنفسنا، نحن أتباعه، هذه النظرة ونعدّ أنفسنا لحمل رسالته ونحصنها بالقوة لنحميه، ونحمي أنفسنا والحقيقة التي يمثلها، فالحقيقة من دون قوة جعجعة بلا طحن، وأجنحة بلا طائر.
فحوّلوا ذلك إلى عمل ، وكل منكم يقول أقوالاً حسنة ، فلنحوّل أقوالنا إلى مواقف وإنجازات وعمل مسؤول نُسأل عنه أمام ضمائرنا وأمام اللّه ؛ فلنسع لامتلاك كل أنواع الأسلحة بما في ذلك الأسلحة النووية ندافع بها عن أنفسنا وعقيدتنا ، ونردع من يفكر بالعدوان علينا ، ولم لا نفعل ذلك !؟! هل يحلّل لإسرائيل أن تملكها لتذبحنا وترهبنا بها، ويحّرم علينا أن نفكر مجرد تفكير بامتلاكها لنشكل بها رادعاً لمن يهددنا، وننقذ بها أنفسنا وديننا ونرفع سيف الرعب والإرهاب عنا ؟!
وإنا على امتلاكها قادرون يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلاّّ بسلطان) والسلطان هنا هو حجة وعلم وبرهان ومنطق وقدرة ، فاعملوا بذلك واملكوا قوة لتصونوا بها تكليف الله لكم إذا أحببتم الله ، ولن تصان قدرتكم وعقيدتكم إلاّ بالعلم والإيمان والعمل بهما وتحويل العلم إلى تقانة وتحويل العلم والتقانة إلى تجهيزات وصناعات وقدرات عسكرية وغير عسكرية ، ولن يكون ذلك إلاّ باستقلال قراركم وسيادتكم واستعمال أموالكم فيما ينفع المسلمين والعالم من بعد ، هذا إذا كنتم ترون ـ وأنا من جهتي أومن، وأرى ـ أن الإسلام هو دين المستقبل ودين البشرية كافة ، وليس دين مرحلة معينة، وفئة معينة، كان في القرن الأول الهجري وانتهى. كما أومن بأن الحياة حركة والحركة تحمل التغيير ، وأن الغطرسة الأمريكية إلى زوال بل، والقوة الأمريكية ذاتها إلى تغير فزوال، لا سيما مع إمكانيات نهوض قوى أخرى؛ وهذا هو منطق التاريخ. فالإدارة الأمريكية وقوة حلفائها ليست قدراً ولن تدوم إلى الأبد.(21)
الإسلام دين المستقبل، وعلينا أن ننظر هذه النظرة ونعدّ أنفسنا ونحصنها بالقوة لنحمي الحقيقة فهي من دون قوة جعجعة بلا طحن ، وأجنحة بلا طائر .
دمشق في 30/9/1999
(1) ـ الإمام الخميني ـ الحكومة الإسلامية ص 167 ـ الناشر : مركز بقية الله الأعظم بيروت الطبعة الأولى 1418 هـ 1998 م
(2) ـ المصدر السابق ص 166
(3) ـ الإمام الخميني ـ الوصية الإلهية.
(4) ـ الإمام الخميني ـ مجموعة الخطب.
(5) ـ قال الإمام الخميني في وصف الوضع وفي رسم التوجه للخروج منه : " إن نزع البلدان المستعمرة عن هويتها، وتغريبها وتشريقها، هو من المخططات التي كان لها - مع الأسف- تأثير بالغ على البلدان وعلى بلدنا العزيز، ولا تزال نسبة كبيرة من آثارها باقية ، حتى عادت هذه البلدان لا تثق بنفسها وثقافتها وقوتها، وترى في القطبين القويين الغرب والشرق ، العنصر الأفضل، وإن ثقافتهما هي الأسمى ، وأنهما قبلتا العالم". ودعا إلى الاعتماد على الذات والثقة بالنفس وتحقيق الاكتفاء الذاتي: " رجحوا الحياة الإنسانية الكريمة ولو مع المشكلات؛ على ذل حياة العبودية للأجانب ولو اقترنت بالمتعة الحيوانية . وأعلموا أن قوة الإبداع والتطور في الاكتشافات لن تتفتح فيكم ما دمتم تمدون أيديكم إلى الآخرين، لتلبية احتياجات الصناعات المتطورة ، وما دمتم تقضون العمر بالاستجداء .... الأمل الآن هو أن يتحقق الاكتفاء الذاتي للبلد وينقذ من الاستجداء من الأعداء ، إذا ما بادرت الحكومة والجيش بأنفسهم إلى مقاطعة بضائع ناهبي العالم، وإلى تكثيف الجهود والسعي على طريق الإبداع"./
(6) ـ لقد رأى الإمام الخميني في الولايات المتحدة الأميركية قوة تمارس الإرهاب وترعاه، فقد قال: "وعلى رأس هذه الوحوش تقف أميركا بنزعتها الإرهابية التي أوقدت نار الفتنة في أرجاء العالم. وكذلك حليفتها الصهيونية العالمية التي ترتكب - تحقيقاً لأطماعها - جرائم يخجل القلم عن وصفها واللسان عن ذكرها ، مدفوعةٌ بأوهامها الحمقى في إنشاء دولة إسرائيل الكبرى"./
(7) ـ لقد كانت رؤية الإمام الخميني واضحة بشأن التغيير الذي يحتاج إلى وقت وجهد ومثابرة على الأداء الملتزم بنقاء الإيمان ، فقد قال بوضوح: "وإذا كنتم تتوقّعون أن تتغير الأمور جميعاً بين عشية وضحاها إلى ما يطابق الإسلام وأحكام الله تعالى ، فهذا خطأ ، ولم تقع معجزة كهذه على مدى التاريخ الإنساني ولن تقع "./
(8) ـ لقد أوصى الإمام الخميني القوة العسكرية المسلحة بالآتي: " وصيتي المؤكدة للقوات المسلحة هي التزام عدم دخول العسكريين في الأحزاب والحركات والتحالفات ، كما تنصُّ على ذلك مقررات النظام . وأن يبقى أفراد القوات المسلحة النظامية والأمن الداخلي وحرس الثورة والتعبئة وغيرها بعيدين عن اللعب السياسية ، وأن لا يدخلوا أيَّ حزب أو حركة ، فبذلك يمكنهم حفظ قوتهم العسكرية ويكونون في أمن من الاختلافات الداخلية للحركات، ويلزم القادة أن يمنعوا مَنْ تحتَ إمرتهم ، من الانتماء إلى الأحزاب ، ولكون الثورة ثورة الجميع ، وأن واجب حفظها يقع على الجميع ، وإذا ما أرادت القوات المسلحة ، سواء القادة أو من دونهم درجة ، القيام بعمل يتعارض ومصالح الإسلام والدولة والانتماء للأحزاب ، وهو بلا شك يجرُّهم إلى الدمار ، أو أرادوا الدخول في اللعب السياسية ، فإن الواجب الشرعي والوطني للحكومة والشعب ومجلس الدفاع الأعلى ومجلس الشورى الإسلامي هو التصدِّي والمواجهة منذ الخطوة الأولى . وإن على القائد أو مجلس القيادة أن يمنعوا ذلك بحزم ، ليكون البلد في أمان من أخطاره .
وأوصي جميع أفراد القوات المسلحة ، وأنا في نهاية حياتي الدنيوية ، أوصيهم وصية المشفق ، أن استقيموا وأثبتوا على وفائكم الحالي للإسلام ، وهو الوحيد دين الاستقلال والتحرر والحق ، فالله تعالى يدعو الجميع للوصول إلى مقام السمو الإنساني بنور هداه ، استقيموا على هذا الوفاء فهو منقذكم وبلدكم وشعبكم من ذلِّ التبعيّات والارتباط بالقوى التي لا تريدكم إلاّ عبيداً لها ، ولا تريد إلاّ إبقاء البلد والشعب متخلِّفين ، وسوقاً استهلاكية ، وفي ذلِّ الخضوع للظلم "./ الوصية الإلهية السياسية للإمام الخميني.
(9) ـ الإمام الخميني ـ الوصية الإلهية السياسية.
(10) ـ عملت الولايات المتحدة وما زالت تعمل على عزل إيران وحصارها ، وتوضع إيران مع الدول التي ترعى الإرهاب حسب قائمة وزارة الخارجية الأميركية والدول الأخرى هي : سورية والجماهيرية الليبية والسودان والعراق وكوبا وكوريا الشمالية. وقد قال روبرت غيي مساعد وزير الطاقة في الإدارة الأميركية في مجال عزل إيران وحصارها لا سيما فيما يتعلق ببحر قزوين ومستقبل الثروة النفطية والغاز فيه، قال: " سياستنا بالنسبة لإيران لم تتغير. إننا نعارض الجهود الهادفة إلى قيام تعامل كالعادة مع دولة ترعى؛ وتدرب أو تمول الإرهاب وتسعى إلى امتلاك أسلحة الدمار الشامل، إن أي تحسن في علاقاتنا مع إيران يجب أن لا يعتمد على الأقوال، بل على الأفعال. وهذا لن يحدث بين عشية وضحاها.
ومن الناحية السياسية، تعارض حكومة الولايات المتحدة مد خط للأنابيب عبر إيران، فتطوير صناعة إيران من النفط والغاز وخطوط الأنابيب الممتدة من حوض بحر قزوين جنوباً عبر إيران، سيضر ضرراً كبيراً بتنمية البنية التحتية من الشرق إلى الغرب ويعطي إيران وسيلة ضغط كبيرة على اقتصاديات دول القوقاز وأواسط آسيا. إضافة إلى ذلك، من وجهة نظر أمن الطاقة، ليس هنالك من منطق في نقل المزيد من موارد الطاقة عبر الخليج الفارسي)- وهو نقطة ساخنة محتملة أو نقطة اختناق ممكنة." / مجلة الفكر السياسي ـ العدد الثاني ص 120 ـ اتحاد الكتاب العرب . عن النشرة الإخبارية للسفارة الأميركية بدمشق ـ العدد 5583
(11) ـ الإمام الخميني ـ الوصية الإلهية السياسية.
(12) ـ قال الإمام الخميني : " إن احتياجنا - بعد كل هذا التخلف المفروض علينا - للصناعات الثقيلة في البلدان الأجنبية هو واقع لا يمكن إنكاره . ولكن هذا لا يعني أن نرتبط بأحد القطبين في علوم التقنية المتطورة ، بل على الحكومة والجيش أن يعمدا إلى إرسال الجامعيَّين المؤمنين إلى البلدان التي تمتلك تقنية صناعية متطورة دون أن تكون استعمارية أو مستغلة . ولتتجنَّب الحكومة والجيش إرسال البعثات إلى أميركا وروسيا والدول السائرة في فلك هذين القطبين ، اللهم إلاّ أن يأتي - إن شاء الله - يوم تتنبَّه هاتان القوتان إلى خطئهما ؛ فتثوبان إلى مسير الإنسانية وحب الإنسان واحترام حقوق الآخرين ، أو أن يكبح جماحهما - إن شاء الله - مستضعفو العالم والشعوب الواعية والمسلمون المؤمنون على أمل يوم كهذا "./
(13) ـ الإمام الخميني ـ كتاب: الإمام في مواجهة الصهيونية ص 20 ـ ترجمة: خضر نور الدين ـ مطبوعات : مركز إعلام الذكرى الخامسة لانتصار الثورة الإسلامية في إيران ـ ط1 عام 1403 هـ
(14) ـ يقول كريستوفر لين في مقاله المعنون: إعادة صياغة الاستراتيجية الأميركية الكبرى: " واليوم، كما كان الحال في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تعتمد الاستراتيجية على منطق مؤلف من ثلاث خطوات: الاعتماد المتبادل هو المصلحة العليا التي تشجعها الاستراتيجية؛ ويُعَدُّ عدم الاستقرار تهديداً للاعتماد المتبادل ـ الاعتماد الاقتصادي المتبادل" يعني أنه، بفضل التجارة الحرة والاستثمار، يتوقف الازدهار الاقتصادي في كل دولة على روابطها التجارية والمالية مع الدول الأخرى التي تكوّن الاقتصاد الدولي.م . س ص 36 ـ والردع الموسَّع هو الوسيلة التي تلجأ إليها الاستراتيجية لمواجهة هذا التهديد." ترجمة أديب يوسف شيش ـ مجلة: الفكر السياسي ـ العدد 4و5 ص29 ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق.
(15) ـ نشرة السفارة الأميركية بدمشق ـ رقم 5219 تاريخ 4/4/1995 ص 10
(16) ـ نشرة السفارة الأميركية بدمشق رقم 5219 تاريخ 4/4/1995 ص 9
(17) ـ نشرة السفارة الأميركية بدمشق ـ العدد 5244 تاريخ 10 / 5 / 1995 ص 3 وقد قال كلنتون في خطاب لاحق بتاريخ 13 /5/1995: " وافق الرئيس يلتسين على إلغاء صفقة بيع تكنولوجيا تخصيب نووي من الواضح أنها يمكن أن تستخدم لصنع أسلحة نووية." / نشرة السفارة الأميركية بدمشق رقم 5249 تاريخ 17/5/1995
(18) ـ قال الإمام الخميني : " إن يوم القدس ـ الجمعة الأخيرة من رمضان مثل ليلة القدر .. ومن اللازم على المسلمين العمل على إحيائه واعتباره منطلقاً لوعيهم ويقظتهم." / كتاب : الإمام في مواجهة الصهيونية ص 15
19ـ قال الإمام الخميني في كامب ديفيد بتاريخ 8/10/1978 " إن كامب ديفيد وسائر الحلول المماثلة إنما هي مؤامرة لإضفاء الشرعية على إسرائيل.. وبالتالي فإنها تصب في منافع إسرائيل ومصالحها وتنتهي بضرر العرب والفلسطينيين، ومثل هذه النتائج لن تكون مقبولة من قبل شعوب المنطقة." / في لقاء مع وكالة أنباء الأسوشيتد برس ـ كتاب في مواجهة الصهيونية ص 74 / وقد صدق حدسه تماماً .
(20) ـ قال الإمام الخميني في 5/6/ 1982 : " إنني أعتبر استقلال إسرائيل والاعتراف بها ، فاجعة للمسلمين وانتحاراً للدول الإسلامية، وأعتقد أن مخالفة ذلك فريضة إسلامية كبرى، وإني أبرأ إلى الله تبارك وتعالى من هذه المشاريع التي يخطط لها أدعياء الإسلام ضد الإسلام."/ من كتاب : في مواجهة الصهيونية ص 170
(21) ـ يقول كريستوفر لين في بحثه الذي أشرت إليه سابقاً: " الدول التي تراهن على الزعامة تسقط كلها من دون استثناء. والسؤال المهم الذي يطرح نفسه هو طبعاً: لماذا تسقط؟ والجواب ليس سرّاً عند الذين يدرسون السياسة الدولية : حين تصبح دولة ما قوية أكثر مما ينبغي تهدد أمن الدول الأخرى.
تظل الدول يقظة، كما ذكرت، حين يتعلق الأمر بالحفاظ على أمنها لأنها تريد المحافظة على بقائها دولاً تؤدي أدوارها بصورة مستقلة. فإذا واجهت زعيماً متحدياً أقامت "توازناً" ضده. أي أنها تبني قوتها العسكرية الخاصة وتقيم، إذا لزم الأمر، تحالفات لخلق وزن جيوـ سياسي مقابل الدولة الطامحة إلى الزعامة. من المفيد، إلى حدٍّ ما، أن تكون الدولة قوية. لكن ليس من صالح الدولة أن تصبح قوية أكثر مما ينبغي، لأنها عندئذٍ تُرعب الآخرين.
إن سقوط الزعماء بلا استثناء يبرهن على حقيقة متناقضة من حقائق السياسة الدولية: إذا ربحت دولة ما أكثر مما ينبغي فإنها تخسر." / المصدر السابق ص 34 / ويسوق رأياً لبول كينيدي الذي يقول: "لم يُهيأ لأي مجتمع أن يبقى وحده إلى الأبد في مقدمة كل المجتمعات الأخرى..." ويضيف كريستوفر لين: " والظروف التي جعلت الهيمنة الأمريكية ممكنة آخذة في التغير بسرعة. لا ترتكبوا أي خطأ: ففي وقت ما في العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين لن تبقى استراتيجية أمريكا الكبرى هي الهيمنة. ولأن الولايات المتحدة لم تختر الآن الشروع بالاستعداد للتحول إلى استراتيجية كبرى جديدة أكثر ملاءمة لحقائق القرن الجديد الدولية الآخذة بالظهور، فإن الأحداث سوف تجبرها على هذا./ المصدر السابق ص 53
|