|
تشرين الذي يعود
تشرين يعود، ذكرى ذاوية، وجناحاً مهيضاً، ولوناً يشبه مدى الصحراء الأصفر.
يدق الأبواب، ويتململ به بعض الوجدان. ولكنه لا يقتحم أبواباً وقد يستثير وجداناً، فالناس اليوم غير الناس والإحساس به غير ذاك الإحساس، فلم يعد عيد التحرير، لأن قلة تتكلم على التحرير، ولم يعد يوم التاريخ العربي المعاصر، فكثير يريدون أن يتخلصوا من التاريخ وأن يديروا ظهورهم له، ويود البعض لو يقلب صفحة الشعارات القديمة فلا يذكر منها شيئاً، ولا يبقى في الذاكرة الجمعية للأمة العربية شيء.
تشرين يعود، ويود بعض الناس لو يتغير اسمه ولونه ورسمه، ولا يهمهم أن تتحول صقوره إلى حمائم مطوقات تسكن أقفاصاً يمسكها تاجر يهودي جشع، ويدور بها على العواصم والمدن، يعرضها ساخراً شامتاً متغطرساً، ويطلب أن يرى العالم كيف تستطيع القوة أن تغير الطبيعة، فضلاً عن الحق والتاريخ، والوقائع والحقائق والناس؟!!!
لقد رأيت وسمعت أشخاصاً يتبرمون بتشرين، وسمعت من يعترض على ما كان اسماً له: "تشرين التحرير".. فهو يتأفف من كلمة تحرير تلك ويود لو تنقلب إلى شيء آخر، يوظف لاستخدامات المرحلة واستهلاكاتها، ولا يريد أن يكتفي هو بالوقوف عند الواقع بل يريد أن يمسحها من التاريخ كله.
وإذا كان الأعداء يتعاونون مع حلفائهم اليوم من أجل تنظيف الذاكرة العربية من كل ما هو قومي وتحريري ومجيد ومقدس وعظيم ونظيف فيها، فإن بعض أبناء الأمة يذهبون إلى أبعد من ذلك، وبأسرع مما يمضي به العدو على طريق محو الذاكرة العربية، وإعادة قولبة التطلعات والوجدان، منهم من يلعنون "العرب والعروبة" ويستخدمون كلمات أكثر غلظة وأشد قسوة من كل ما استعمل بحق العرب والعروبة، وهم بذلك يستعدون لدخول العصر الصهيوني مع من دخله من بابه العريض بوضع أنفسهم تحت الوصاية الصهيونية، ولو أنهم بادروا إلى رفع هذا الشعار، والإعلان عن هذا الاختيار دون مواربة لهانت الأمور، ولكنهم يبيعونك وطنية كما كان تاريخهم كله، ويقبضون ثمن كل كلمة وموقف ونأمة، كما كان تاريخهم كله، ويتعالون على الآخرين الذين - "لغبائهم"- يجهلون هذا النوع من اللعب الفذ الذي لا يجيده إلا الأفذاذ(؟!؟)
تشرين يعود مجرحاً، ويتدفق في كيانه ألم الأمة وانهيارها، ويتعرض في كل لحظة من لحظات مروره في أفق الذاكرة لسهام الأعداء، ومن والاهم من أهل الذكرى، لأن أحداً لا يريد أن يبقى مما يشكل عزاً أو مصدر ثقة، أو نهضة سليمة، أي ملمح أو دافع، ولذلك تطارد قيم تشرين ووقائعه. وتلقى عليه الظلال.
التضامن العربي الذي دام على أرضيته ونما في ظلاله مدة ستة أشهر لا غير، وصنع للعرب ما لم يصنعه نضالهم الحديث على طريق قضية فلسطين، ذلك التضامن نخر حتى العظم، حتى لم يعد العربي يبتسم من القلب للعربي، ويود لو لم يخلقا من أب واحد وجد واحد.
والثروة التي رفع وتيرتها تشرين فصارت غنى خيالياً بعد أن ارتفع سعر البترول من دولارين إلى ما يقرب من أربعين دولاراً في أيام التضامن العربي الهش، ما عادت موجودة بعد أن استنزفها أعداء الأمة بأشكال مختلفة، على رأسها حروب العرب مع العرب، أو حروب الأمم للعرب على أرضية خلافات العرب وعداواتهم فيما بينهم، وما عاد يذكر لتشرين مما حققه إلا ما تبعه من تفريط بكل منجزاته على يدي من فرط بالأمة وتضامنها وحقوقها وقضيتها، حين اختار أن يكون على حساب الآخرين، وأن يلغي الوجود القومي والبعد القومي للقضية الفلسطينية بالتفاته إلى قضيته القطرية من منظار ضيق.
تشرين يعود يتيماً، ينهره أيلول في كل يوم من أيامه، ويقيم على جثته تفاخراً في السابع عشر والثالث عشر منه، ويبقى الشهر الحزين وقداً في الأعماق، ودمعاً لا يراق، وقهراً في الأحداق. صقوره المحلقة في فضائه، تهيم مجرحة، تنوشها الآم الذكرى، ويدميها ألا يبقى لها من كل ذلك المجد سوى هشيم بدأت تضرم فيه النار.
تشرين لم يستثمر عربياً على قدر مقبول، وتشرين لم يستلهم أدبياً إلى المدى المطلوب، وتشرين لم تكرس قيمه في الوجدان العربي.. وهو يلاحق اليوم حتى باسمه ليغير من تشرين التحرير إلى أي اسم آخر يلائم الاستثمارات السيئة التي آل إليها أمره سواء على أيدي صانعي "كامب ديفيد" أو على أيدي صانعي "غزة -أريحا" أو على أيدي أولئك الذي صافحوا بيريس مؤخراً في واشنطن، وأعلنوا أنهم يقيمون تعاون الأطراف الثلاثة وتحالفها، لا سيما على الأرضية الاقتصادية، فالأمن من اختصاص "إسرائيل" وحدها كما هو معلوم ومتفق عليه ولهم موضع الإتباع.
تشرين اليوم يعود، ويستقبله الذين وجدوا في أيامه الأولى الماجدة ثقة وكرامة واستعادة للنبض والروح والأمل، يستقبله أولئك بأصوات حية، يخيم عليها ليل يستطيل وهي ترى إلى الوجود يتغير، والواقع يتلون، والأحلام القومية ملاحقة حتى في خلايا القلوب وتلافيف الأدمغة تريد أن تستعيد بريق تشرين في الروح، ولكنها لا تستطيع، فالطرق أصبحت غير الطرق، والأهداف غير الأهداف، وتريد أن تبقى تشرين مصدر عزة وأمل، فيصدمها أولئك الذين قتلوا العزة في النفوس بتنازلاتهم الغارقة في الذل، وتريد أن تبنى على أرض تشرين فتجد الحجارة تتطاير من بين أيديها، حيث تسلب شيطانياً وتتلاشى شيطانياً، بشكل أو بآخر.
تشرين يعود علينا ونحن نعيش في دوامة أحداث وأوضاع وأفكار وتطلعات، تضفي على هذه العودة ظلالاً قاتمة، ولكنه لبعض النفوس يبقى جوهرة الوجدان، ونجم سهيل، وقمر الزمان، وشعلة في الروح، لأنه يشير إلى اقتدار الأمة العربية عندما تصدق النية والفعل، وتقرر التدبير الحق لاستعادة الحق، ولأنه أكد قدرة العربي على القتال والمواجهة والسير الجاد في طريق التحرير بثقة وفعالية كبيرتين، ولأنه أعاد الثقة، وكرس معاني الثقة ومقوماتها في نفس العربي الفرد. وفي عطاء الأمة، فحول هزائم الأعماق التي اكتسحتنا في حزيران إلى بشائر خير واستبشارات بالنصر، وجعل العربي الذي كان يخجل من نفسه بعد حزيران (1967) يعتز بأمته وبانتمائه إليها بعد تشرين.
ولأنه كشف الأعداء أمامنا، وعرّى الأساطير، وحرق الخرافات التي نسجها "الإسرائيلي" حول نفسه بعد حزيران وأظهر قدرة العربي على القيام بعمل استراتيجي عسكري نادر المثال تجلى في عبور قناة السويس، وتوغل الجيش العربي السوري في الجولان، كما أظهر شجاعة الجندي العربي، وتمكنه من سرّ الأسلحة الحديثة، وسيطرته على استخدامها بنجاح، وبيّن للعالم كله أن "إسرائيل" لو لم تنجد بجسر جوي أمريكي لم يسبق له مثيل في التاريخ لما استطاعت أن تصمد أياماً.
إن "التقصير" الذي كشف عيوب العدو على مستويات وصعد عديدة، بيّن -بفضل تشرين- أن العدو يعتمد اعتماداً كلياً على حلفائه وفي مقدمتهم أمريكا، في حروبه مع العرب. وتشير معطيات لواحقه اليوم إلى أن "إسرائيل" هددت إبان تشرين باستخدام القنابل النووية التي مكنها الغرب من امتلاكها فأنجدتها أميركا بكل تلك السرعة والقوة والكثافة.
تشرين يعود.. وسيبقى يطل علينا كل عام، وسيبقى بالنسبة لنا نحن المؤمنين بعروبة فلسطين، وبأنه لاحق لليهود بوطن قومي على أرض العرب، وبأن من حق العرب الفلسطينيين أن يقرروا مصيرهم بحرية فوق تراب فلسطين- كل فلسطين- وأن يقيموا دولة مستقلة فوق ترابها المحرر. سيبقى تشرين بالنسبة لنا مصدر اعتزاز، وستبقى أهدافه التحريرية، ودروسه وعبره وقيمه وتضحيات شهدائنا وأبناء أمتنا العربية فيه، منارات هداية، ونماذج تحتذى، وإشارات إلى الطريق القويم، طريق تحرير الأرض من الأعداء بالقوة، ومصدر استلهام البطولة، والقيم النبيلة، قيم التضحية والبطولة والفداء والكرامة والعزة القومية.
تقول لنا الأشباح السوداء المرافقة لموكب تشرين هذا العام. بصوت فيه فحيح الأفاعي لم يعد لكم حق بالحلم، فقد اجتثت كل الأحلام، وها هي دلائل ذلك في الأحداث والوقائع والانهيارات العربية، والمتغيرات الدولية، فإما أن تتعلموا وتستكينوا، وإما أن تعيشوا وهماً وتقتلوا تحت ذرائع شتى، في مقدمتها "تشريد" حمام السلام!!!
وحين ندقق في العيون الكئيبة، والوجوه الصفر، والمنطق الانهزامي الذي يريد أن يمحو وعينا وإرادتنا تمهيداً لمحو وجودنا، نقول بثقة:
* إن العرب أمة، كانت وستبقى ولم نفقد بعد، ولن نفقد أبداً، الإيمان بنهوضها كما ينهض الفينيق من رماده، فلم يسجل التاريخ لوجود هذه الأمة نهاية منذ وجدت، برغم الكوارث والمحن، وتألب الأيام والأمم.
* إن استعادة الرؤية السليمة لكيان الأمة على أرضية "العروبة جسداً والإسلام روحاً" ضرورة قومية، ولا حياة ولا وجود ولا تقدم إلا بذلك، لتجعلنا نزيل من طريقنا كل المعوقات التي منعتنا من التقدم، ونجتث أسباباً من أسباب الضعف ومنها الضياع. والألغام "الفكرية -والعقائدية- والنضالية" التي طالما فتكت بنا وبوحدتنا وبنضالنا.
* وإن الثبات على المبادئ لأنها ترتبط بثبات الحق والحرية والكرامة والقيم الأخلاقية. في حياة الإنسان الذي يناضل من أجل حياة أكرم وغد أفضل، إن ذلك الثبات هو الذي يعطي لوجودنا معنى، ولأمتنا مكانة، ولعقيدتنا فاعلية وحضوراً وتأثيراً، في حياة نريد أن نُبقي فيها للأجيال والناس ما يعتزون به وما يحفزهم على التمسك بمكارم الأخلاق.
* إن الأوطان لا تغيَّر كالثياب، وكذلك القيم والمواقف المبدئية، وإن تشرين اختيار فرض علينا من أجل تحرير الأرض. والحرب تفرض في كثير من الأحيان على من لا مصلحة لهم فيها. ولكن أرونا في التاريخ من تنازل عن حقه وكرامته ووطنه. وبقي له في الوجود حضور وكرامة وعزة يقول معها: أنا إنسان، أود أن أقيم وأعيش وأقدم للحياة ما هو من مقوماتها وثوابتها؟!
لقد بقي بعض العرب على ارتباط بقيم تشرين ومقوماته، وعلى ارتباط بالعروبة وهي في حالة أقرب إلى "الانهيار" وإنني أعلن انتمائي التام للعروبة واعتزازي التام بها، وتفاؤلي بمستقبلها وإنني لا أبالي باللاعنين والكارهين والخالعين ثيابهم وانتماءهم.. ولا أقول لهم إلا قول العربي -المسلم: لكم دينكم ولي دين.
6/10/1999
|