|
طهران .. في مئوية الإمام الخميني
في الفترة من 1 ـ 3/ تشرين الأول ـ أكتوبر/ 1999 كان الشعب الإيراني يحتفل بالمئوية الأولى لميلاد الإمام الخميني قائد الثورة الإسلامية، التي أسفرت عن سقوط حكم الشاه، وتأسيس الجمهورية الإسلامية منذ نيِّف وعشرين عاماً. وهناك في طهران، وفي قاعة المؤتمرات التي أُنجِزَت في ستة أشهر لينعقد فيها مؤتمر القمة الإسلامية الثامن، تم انعقاد ندوة افتتحها الرئيس محمد خاتمي، وترأس جانباً من جلساتها نائبه الأول الدكتور حسن حبيبي، وقدِّم إليها أكثر من مئة بحث ألقي منها خمسة وخمسون بحثاً. وقد كانت لي فرصة الاستماع إلى خلاصات عدد وافر من هذه الأبحاث، التي تناولت بعض جوانب رسالة الإمام الخميني وحياته وفكره، وأموراً سياسية وفقهية وإيرانية داخلية مما يتعلق بالثورة وظروف قيامها وإنجازاتها والموقف الدولي منها،والموقف أيضاً من حكومة إسلامية أصلاً على أرضية ولاية الفقيه، كما عبر عنه بعض المفكرين الإيرانيين المناوئين لحكومة إسلامية في إيران، مما قد يبدو غريباً أو مستغرباً سماعه، ولكنه حصل ونوقش بحرية واهتمام!!.
وقد تنوعت الأصوات والأفكار ووجهات النظر، التي أتى أصحابها من مساحات متعددة ومتنوعة من الأرض: روسيا وأمريكا الشمالية وبنغلادش وباكستان والوطن العربي وإفريقيا السوداء والهند. ولفت نظري بشكل خاص تباين وجهات النظر بين إيرانيين مثَّل فريقاً منهم آية الله بجنوردي وآخرين مثلهم عبد الكريم سيروش. وإذا كان الأول يحمل صورة الولاء المطلقة لإيران إسلامية ثورية محافظة بانفتاح، فإن الثاني يقف على عتبة التبعية لنظرة غربية في الحكم تعبر عن نفسها وعن موقفها من خلال أسئلة استنكارية تتعلق بصيغة الحكم القائمة وشرعيتها وعصريتها وصلاحها للاستمرار ومدى قدرتها على تلبية احتياجات الشعب الإيراني، في أثناء تواصله مع العالم على عتبة القرن الحادي والعشرين.
إن وجهة نظر التيار الأول تستند إلى منظومات القيم الدينية والاجتماعية التي تشكلت عبر تاريخ الشعب الإيراني، وتعبر عن وجدانه وانتمائه وأصالة ثقافته، مع شيء من الحماسة والتوتر جراء الخشية من تسلل أشكال الغزو والتخريب الثقافيين المحمولين على عداء غربي ـ صهيوني مكشوف للثورة وتوجهاتها، وتشبث بالحرص على نقاء العقيدة وسلامة المواقف وخُلُقيتها وانسجامها مع اختيارات إيران العقائدية والمذهبية والسياسية، التي ما زالت وفية لفكر الإمام الخميني ونهجه ووصيته السياسية، وهما فكر ونهج يلتقيان مع تيار ديني وثقافي وسياسي متفتح ويحاربان فريقاً من رجال الدين الذين رأى فيهم الإمام تحجراً وتخلفاً قتَّالين، ولاقى منهم الكثير من العنت وقاومهم في الوقت الذي قاوم فيه نهج الشاه.
بينما تستند وجهة نظر التيار الثاني، الذي تم الرد على طرحه بشيء من القسوة والاستهجان من مشاركين إيرانيين وغربيين، إلى فلسفة الحكم من منظور ديموقراطي على الطريقة الغربية، وإلى اختيارات علمانية يحاول الخطاب الذي قدمه أن يدثِّرها ببراقع لا تخفيها، وإلى رغبة في التخلص من "شورى رجال الدين" ودستور كانوا وراء أحكامه. ويبدو أن وراء هذا التيار فئة صامتة تعبر عن نفسها بأشكال الاندفاع العاطفي والانفعالي أحياناً؛ ووراءه تغذية خفية ممن يعملون في الداخل والخارج على تغيير النظام في إيران وإزالة الجمهورية الإسلامية .
للحظة عابرة في إحدى الاستراحات استولت علي صورة مسترجعة من الذاكرة أوحى بها تدفق الشباب على محاضرات دون سواها، فاستعدت مواجهات الطلبة مع الشرطة وحرس الثورة، ونتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ومظاهر صدام التيارين المحافظ والإصلاحي كما سماهما الإعلام في شوارع طهران، ومحاولات تغليب أحدهما على الآخر من قبل سياسات ووسائل إعلام وأجهزة معادية، لها مع إيران الثورة حسابات تريد أن تصفيها بأي ثمن؛ فشعرت بغلالة سوداء تغشّي الرؤية وتحيلني إلى التساؤل فتساءلت : ما الذي سيكون عليه الحال بعد سنوات قليلة قادمة يا ترى!؟ هل يتخلى الشباب الإيراني الذي ولد وتربى في أحضان الثورة الإسلامية عن نهجها واختيارها ورسالة قائدها ووصيته، أم تراه ينصرها أكثر مما نصرها الجيل الذي أقامها، وما زال يدافع عنها؟! وهل يؤسس العقل الثوري الديني ـ والإسلام في روحه ثورة دائمة ضد أشكال الظلم والقهر والتخلف والجهل والاستعباد والاستبداد ـ لنجاح جديد بعد أن نجح في تقديم دولة جمعت بين الدين والدولة ، وحققت إنجازات لا يستهان بها ، وصمدت في مواجهات مضنية ومكلفة إلى أبعد الحدود، وتغلبت على مؤامرات غربية وصهيونية كبيرة وكثيرة، وحققت قفزة في النمو والبناء والتصنيع والتسلح الذاتي، وتتزعم تياراً فكرياً وسياسياً مستقلاً في العالم؟! أم أنه يخفق في فهم العصر ومعطياته ومتطلباته وأساليب التعامل مع ما يقدمه؟! وهل يثبت لأولئك الذين يشككون به أن أكثر ملاءمة من عقل ثوري فلسفي وعلماني كبد البشرية ملايين القتلى في حروب موحلة، وأورثها البؤس والفساد وخراب الروح والقيم!؟
بعد انتهاء الجلسات الطويلة لا حقتني الأسئلة والأفكار إلى غرفتي فتركت الغرفة، وحين خرجت إلى الشارع أخذت أرى في الناس صورتين، وأرى في شوارع طهران مظهرين للحياة واحتمالين على الأقل في المستقبل. لم أشأ أن أستسلم لفكرة أن الغرب وتلاميذه ومن يرون رؤيته في السياسة والفكر والحكم يمكن أن ينتصر بهذه البساطة على ثورة صمدت عشرين سنة في وجه تحديات كثيرة وخطيرة. قلت في نفسي لماذا لا تحتمي إيران بمحيطها السياسي والجغرافي والحضاري بشكل أفضل؟! لماذا لا تضع حداً للخلاف مع جوارها العربي، لا سيما في موضوع الجزر الثلاث : طُنُب الكبرى وطُنُب الصغرى وأبو موسى وهو موضوع صغير قياساً على ما يواجه المنطقة وأهلها من تحديات؛ لماذا لا تتوغل، أبعد وأعمق، في طرق اللقاء العقائدية والثقافية والحضارية والتاريخية التي تجمعها مع محيطها العربي والإسلامي، وهي طرق مصيرية، لا سيما من موقعها بوصفها رئيساً لمؤتمر القمة الإسلامية، وتنهي خلافات قابلة للإنهاء مع ذلك الجوار؛ ولماذا لا تبادر إلى إقامة تلك اللحمة الأوسع والأمتن على أرضية الحوار ، وهي صاحبة اقتراح حوار الحضارات الذي يبدأ عام 2001 بناء على قرار من الأمم المتحدة ؟! وختمت سلسلة تساؤلاتي بسؤال : هل إيران وحدها هي المستهدفة من الغرب الاستعماري والصهيونية، أم نحن أيضاً مستهدفون؟! وهل إيران تدفع ثمناً مجانياً لثورة عبثية، أم أن لنا مصلحة في تلك الثورة، ولنا سهم أو أسهم في أسباب ما تتعرض له من تهديد وضغط!؟ وهل اختيارها الإسلامي وحده هو المعترَض عليه ويكلفها تلك التكلفة الباهظة الثمن، أم أن موقفها السياسي، لا سيما من الكيان الصهيوني وموضوع القدس والمقاومة الوطنية المشروعة ضد الاحتلال في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان، هو الذي يسبب لها ذلك النوع الضخم من المشكلات والتحديات والأزمات؟!
فرَّخت في عقلي وروحي الأسئلة ورأيتها تبني لها أعشاشاً كثيرة، وحين خرجت مع مرافقي الودود إلى حي "تجريش" ثم سرت في شارع "ولي عصر" الذي يمتد طويلاً جداً ، بدا لي الشارع الإيراني مزدحماً بصورتين: صورة اللباس الغربي الأنيق وسراويل الجينز التي تذكرك بالكاوبوي الأميركي ـ الشيطان الأكبر ـ وهي مجلَّلة بالشادور الأسود الذي ينزاح ـ ربما عمداً ـ ليظهر الزيين المتناقضين يتنازعان شخصية بهية، والصورتين اللتين خلت أنهما تتبختران في شوارع طهران.
أبعدت أجنحة غربان سوداء رفرفت هنيهة، ونثرت هواجس شريرة في دروب عقلي وبصري، وتمنيت لإيران الثورة الإسلامية وجمهوريتها وشعبها كل خير ونجاح.
دمشق في يوم الخميس،
07 تشرين الأول، 1999
|