صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

المرأة في المشروع القومي العربي

بداية لا أعرف كيف أنظر لدور منفصل للمرأة عن دور منفصل للرجل في موضوع كبيرٍ وهام، مثل المشروع القومي، لكي أخص المرأة بحديث في هذا المجال، وما دام الرأي والعزم قد استقرا على ذلك، فلتكن هناك فرصة في نهاية ما أبسطه من حديث، لطرح بعض الأسئلة أو التساؤلات، وموقعها في القسم الأخير من حديثي في الموضوع. وسوف أوزع الوقت لتلخيص ما أقدمه وأترك وقتاً يطيب لي أن يطول للأسئلة أو المقترحات أو المداخلات من قبل الحضور الكرام، وإذا تجاوزت عن صفحات في المكتوب، وأخل ذلك التجاوز،التلخيص، بالمضمون فهو منطق التلخيص لا منطق القراءة المفصلة للموضوع.‏

وبدايةً أسأل ما هو المشروع القومي العربي المنشود!؟ هل هو مشروع تحريري للأرض والإرادة والاقتصاد والقرار السياسي والإنسان من أشكال الاستعمار والاحتلال الاستلاب، وتخلص من التبعية بأشكالها، ولا سيما التبعية الثقافية للمركزيات الأوربية، غربية رأسمالية، أو شرقية شيوعية سابقاً، أو تبعيات أخرى كامنة في عمق الذاكرة، أو منذرة بغزو وشيك، وتحريرٍ للإعلام والمعلومات من حصريَّة التدفق عبر قنوات غربية صهيونية في أكثر الأحيان، ومن ثم تحرير أوسع للشخصية العربية؛ أم أنه مشروع تحرري للفكر والسلوك العربيين مما يعيق انطلاقتهما، وإبداعهما من أفكار وعادات وتقاليد وأنماط سلوك قديم وتعاليم بالية، أو دخيلة فاسدة، وتحرير الشخصية العربية مما يثقلها، ويعوق انطلاقها وقدرتها على الأداء بإبداع من جهل وإحباط نتيجةً للأمية، بنوعيها: عدم القدرة على القراءة والكتابة، والأمية الثقافية، أو المعرفية العامة الكامنة في انعدام المتابعة وسطحية المعلومات وسطحية التلقي وسطحية التقديم والمقدم من الزاد المعرفي الذي يبث ليكون أحياناً وعياً معرفياً عميقاً لا سيما وأن المعطى الأساس للمتابعة يتم توفيره مما يُقدم في الإعلام وليس بما يقدم في الكتاب. هل المشروع القومي هو ذلك الذي يتركز أساساً حول موضوع الوحدة العربية؟ وهل الوحدة مما يطرح الآن؟ بعد أن أصبح التضامن العربي هو الأفق المرتجى ومن دونه خرط القتاد.‏

وهل من يفكر بالوحدة، في منظور بعضهم، واقعي أم واهم، داخل العصر أم خارجه، يقف على ما يجري، أم مغيب عن مجريات الأمور؟! وهل ارتكاز المشروع العربي في يومٍ ما على طرح الوحدة كان خطأً؟! أم أن ذلك الطرح هو أساس التوجه السليم ولكننا انحرفنا عنه، أو ابتعدنا أو تهنا بأشكال مختلفة؟! هل المشروع القومي هو مشروع الوحدة؟! أم أنه مشروع ينصب على تحقيق تقدم علمي نظري وتطبيقي في مجالات مدنية وعسكرية واكتساب القدرة على تفعيل التكامل العربي والتعامل مع معطيات عصر المعلوماتية والهندسة الوراثية والأسلحة البيولوجية والنووية لتحقيق توازن مع القوى المعادية من جهة، والاستجابة الحيوية الضرورية لتحديات العصر، والعلم والقوى المحيطة بالأمة العربية، أو تلك التي يتم التعامل معها سلباً و إيجاباً من جهة أخرى، أي أنه مشروع حضاري شامل في النهاية؟! هل المشروع القومي يهتم بأفق العمل العربي في مواجهة العَوْلَمَة التي تهدد المصالح العربية والهوية والثقافات القومية وتعمل على إعادة القِنانة بشكل جماعي وإعادة سيطرة رأس مالٍ معين على بلدان بكاملها وليس على شرائح اجتماعية فقط؟ أم أنه مشروع يرمي إلى تحقيق وجود من نوعٍ ما يتطلع إلى أدنى مستوى من البقاء المستكين في عالم يحكمه الأقوياء ويبتلع فيه السريع البطيء في قاعدة مغايرة لما كان في السابق حيث كان يبتلع القوي الضعيف فاجتمعت الآن في عصر السرعة القوة مع السرعة أو انضوت تحت لوائها!!.‏

المشروع القومي من منظورنا نحن الذين تعلقنا به مذ كان عاطفة مشبوبة، وحلماً متوهجاً في الوجدان وتطلعاً تُبنى عليه الآمال والتطلعات كان وحدةً تؤسس للقوة، ووعي يؤسس للمسؤولية، وحرية تؤسس للتحرير، واشتراكية تؤسس للعدالة الاجتماعية، ولصلابة البنية الاقتصادية وتطورها. وقد آل المد القومي إلى انحسار، والحلم القومي إلى انكسار، في ظل قوقعة قطرية تشكل صيغة اعتراضية على النزعة القومية والدعوة القومية معاً ، قطرية تحرسها أنظمةٌ مدججة بالحجج وبقوةِ السلاح والتحالفات والاتفاقات حتى مع أعداء الأمة التاريخيين ومغتصبي أرضها ومقدساتها، وبمبدأ السيادة الذي يُفعل في وجه كل أداء قومي، أو قرار قومي، وبحمايات من قوى دولية تتجاوز الكيان الهش لجامعة الدول العربية، والمواثيق التي أقرتها تلك الجامعة، التي أنشئت أصلاً لتكريس التجزئة والدفاع عنها في وقت كان فيه الأمل بالوحدة كبيراً، والعمل القومي يعطي بعض الثمار.‏

والمشروع القومي، شأنه في ذلك شأن الفكر القومي، يحتاج إلى تجديد، يشمل الرؤية، والتنظيم والوسائل، والأدوات، وقد يتطلب ذلك إعادة بناء الذاكرة، والقيام بالاستفادة من التجربة الماضية التي استمرت عقوداً من الزمن ومن المعطيات العصرية والمتغيرات العربية والدولية في اتجاهيها: السلبي والإيجابي. ولا أظن أن التغيير المنشود أو التغيير الذي غدا ضرورة تحتاج إلى البصيرة والشجاعة، لا أظن أن التغيير الذي سيطرأ في أثناء حركة التجديد، أو التوجه نحوها سوف يمس الأهداف النهائية والثوابت المبدئية في الجوهر ولكنه سيكون جذرياً فيما أقدر، في كل ما يتعلق بالخطاب العربي ومعطياته وأسلوبه وأحكامه وعصموياته ومعاييره، وفيما يتعلق بنهج الوقوف في مرتكز، أو مركز ما، ودعوة الآخرين للالتحاق به، أي بنا؛ وفي كل ما يتعلق بالشريك الذي نصمم معه المشروع القومي، ونتوجه وإياه إلى الوصول إليه عبر برامج وخطوات لا غنى لطرف فيه عن الآخر، من أجل تحقيقها، بعيداً عن الأحكام المسبقة، والمواقف والاتهامات والمواصفات التي يثبت في كثير من الأحيان أنها تعطل المسيرة، أو تجانب الصواب، وبعيداً عن أنواع الوصاية وأشكالها التي كانت تفسد الكثير وتؤسس لانعدام الثقة، وتحول الشريك في البناء والهدف والوسيلة إلى عدوٍ يؤدي الصراع معه إلى هدم البناء، وتشويه الأهداف والانحراف بالوسائل عن أغراضها، أو إلى الالتحاق علناً بعدوِ الأمة، حماية للمختلف مع بعض أطراف الأمة!!.‏

وإذا كانت التحديات التي يطرحها الوضع العربي الراهن، لا سيما في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، مما يثقل على المرء عند التأمل والتدبُّر لما في ذلك من فساد وقصور وضعف وتنافر وتبعية واختراقاتٍ تتم لمصلحة العدو الصهيوني والغرب الاستعماري، حتى في صلب الثوابت أحياناً، فإن التحديات التي يطرحها على أمتنا العصر بما وصل إليه من تقدم العلم والتَّقَانَة والمعلوماتية، وما يملكه أعداؤنا من قوةٍ في كل المجالات، وما يملكونه من قدرات على تطوير أدائهم وإمكانياتهم، لامتلاك المزيد من القدرة والقوة؛ يضع بعضاً منا أمام اليأس والاستسلام أحياناً، ويثقل كاهل بعضنا الأخر بالهم والإحباط، ويترك شريحة لا يستهان بعددها تعطي ظهرها للواقع وللحلم والأمل والهدف النبيل وتقول: نقبل بما يُعطى لنا من فتات، ومما يؤلم أكثر في هذا المجال أننا لا نشعر بالقلق حياله بل ننساق مع تيار الزمن من دون أن نشعر بقيمة الزمن، ولا بضرورات التحرك بأقصى السرعة لنلحق، هذا إذا لحقنا، بآخر عربات القطار البطيئة التي تغادر محطاتها متوجهة إلى مرحلة جديدة من عصر التقدم المذهل، الذي نمر به ونحن خارج حدود القلق أي خارج حدود المعرفة بما يسبب الخطر والتخلف الأبيد، ومن ثم يحرك بواعث القلق؛ وتلك من أكبر السلبيات التي علينا أن نواجهها فيما إذا أردنا أن نتطلع بفاعلية وأملٍ وإيجابية إلى مشروعنا القومي والتحديات التي تواجهه.‏

من المفيد أن أشير إلى بعض التحديات التي تواجه مشروعنا القومي بإيجاز شديد جداً لأنتقل بعد ذلك إلى المرأة في ذلك المشروع.‏

المرأة في التحدي:‏

من هذه التحديات التي تواجه المجتمع، والمرأة أحد أهم أعمدته:‏

أولاً: قضية الانتقال من مجتمع نحن فيه لم يدخل العصر الصناعي باقتدار بعد، إلى مجتمع تجاوز العصر الصناعي بمراحل، ودخل عصر الفضاء والذرة والحواسيب والمعلوماتية والهندسة الوراثية والعَوْلَمَة بأبعادها المادية وانعكاساتها المعنوية، والإنتاج القائم على سد الاحتياجات الناشئة في الأسواق المختلفة حسب تنوع الأسواق والسُّلَع وحسب الجداول الزمنية التي تتطلبها تلك الاحتياجات، وهو ما جعل العقل ينتقل من ساحة عمل على منوال ساد في العقود السابقة إلى ساحة عمل ومنوال مختلفين متطورين باستمرار، وهذا يصيب السلوك والعادات وأنماط العيش وأنماط التفكير وأنماط الأداء، لا سيما في مجتمع مثل مجتمعنا يقضي ساعة في العمل من أصل ست ساعات يدعي أنه يعمل فيها، مجتمع ينخره الفساد ويزعم أنه يعالج الفساد، ويقاومه عندما يرمي فاسداً ما بحجر، ويترك المفسدين يجولون في عرض البلاد وطولها!!.‏

وإذا كنا حتى الوقت الحالي نفكر بالانتقال من عصر الحضارة الزراعية، والنمط الإقطاعي والاستهلاك المتصاعد للمنتجات الصناعية التي يقدمها الغير، والصناعات البدائية، أو الأولية التي تعلمناها، إذا كنا نفكر بالانتقال إلى عصر الصناعات الكبرى والمركَّبة والتجميعية المعقدة، فإن هذا يجعل الفارق المنظور بيننا وبين الآخرين فارقاً ضخماً يزداد اتساعاً يوماً بعد يوم لأن التقدم في مجالات الذرة وعلوم الفضاء والهندسة والحواسيب يمكِّن من تحقيق تقدم سريع جداً في حين نبقى على سلحفائيتنا في التعامل مع معطى العلم وتطبيقاته، ومعطى العصر وتطبيقاته.‏

ثانياً: التحدي السياسي الثقافي الاجتماعي الاقتصادي الذي يطرحه الغرب الاستعماري، والكيان الصهيوني المتحالف معه على أمتنا ووطننا وثقافتنا، وتتجلى نتائجه السلبية علينا بشكل عام في تفتت الأمة أو تفتيتها، وفي تعزيز القدرة الشاملة للكيان الصهيوني في مجالات: عسكرية ومدنية واقتصادية ومالية، وحتى هيمنة وتطبيع علاقات معه، واختراق لجسم الأمة الذي يمكن أن يكون متماسكاً في وجه هيمنة الكيان الصهيوني مستقبلاً ليس فقط على القرار وإنما على سبل التقدم جميعاً، حيث لن نمنح فرصة أن نملك علماً وتطبيقاً له، في ظل امتداد نفوذ قوةٍ تزعم أن أي تقدم علمي نحققه، وأي مشروع وحدوي نتطلع إليه أو نعمل من أجله، هو تهديد لها وخطر عليها، ومن ثم فهي تعاجله بالضربات الواقية أو الوقائية، من قبل أن يصبح موجوداً.. والحوادث التي تقدم أدلة على ذلك ودروساً تستقى منه، كثيرة في هذا المجال.‏

ثالثاً: تعزيز نمو قيم المجتمع الاستهلاكي، ذلك التحدي الذي علينا أن نواجهه في الوطن العربي ونحن نستهلك أكثر مما ننتج، ونستهلك تلبيةً لشهوة الاستهلاك وليس تلبية لحاجة وضرورة، ونستهلك أحياناً ليقال إننا نقدر على أن نستهلك، في نوع من التظاهر الاجتماعي السلبي الذي يسيطر على أسرنا؛ والمسؤولة عنه بدرجةٍ أولى هي المرأة.‏

رابعاً: التحدي الآخر هو موضوع ضمان المساواة والحرية والممارسة الديموقراطية، للإنسان العربي في وطنه وتحت سقف الدستور والقانون باحترام تام لكل منهما، ليكون المواطن قادراً على ممارسة حقوقه وواجباته في آن معاً في تفاعل وتكامل، وقادراً على أن يتبيَّن ما يؤذي الوطن في شخصه وما يؤذي شخصه في الوطن. فهل يمكن الالتفات إلى حقيقة أن المجتمعات لا تتقدم إلا بالتنمية، وأن التنمية لا تتقدم إلا بتنمية الإنسان، وأن تنمية الإنسان لا تكون إلا بالوعي المعرفي الشامل عبر الاحترام العميق لحرياته وخصوصياته ولدوره في المجتمع، وأن احترام الإنسان لا يتم فقط باحترام حقوقه وحرياته وبمساواته مع الآخرين وباحترام انتمائه للوطن، بل بتحميله مسؤولية عن كل ما يجري من حوله مما يتعلق بشأنه وشأن المجتمع والوطن، وإشعاره بأنه شريك، وعليه أن يرتفع إلى مستوى تلك الشراكة ومسؤولياتها. وعندما يشعر المواطن منا أنه غير معني، بشكل ما، بالقرار والممارسة وبالنتيجة التي ينتهي إليها كل من القرار والممارسة، أو بكيفية انعكاس نتائجهما عليه في كل مناحي حياته الخاصة والعامة، فإنه يصبح مستأجراً في الوطن وليس مواطناً كامل الشعور بالمواطنة وحقوقها وواجباتها، وعندما يستقر في أعماق نفسه ذلك الشعور ويستكين له، يسهل عليه أن يستهين بمواطنته وأن يفكر بمواطَنَة أخرى وأن ينتقل إليها، و أن يأخذ منحى لانتماء آخر حين يفسد الوطن وتفسد الحياة الاجتماعية فيه. وهذه قضية من أكبر القضايا التي علينا أن نواجهها في أثناء تصدينا لتحدٍ داخلي خارجي في آن معاً، إذ أننا لسنا مستأجرين في الوطن بل نحن مواطنون فيه، والمواطن عليه أن يقوِّم شؤون حياته بكل الوسائل، ومنها الوعي المعرفي بما يدور حوله والمسؤولية عن ذلك الذي يدور من حوله.‏

خامساً: من جملة التحديات المطروحة أيضاً: ألا نبقى ضمن دائرة الإحباط تأثراً بما وصل إليه المد القومي، والعمل القومي على أيدي الأنظمة العربية، التي تحافظ على وجودها القطري على حساب الأمة، ويحافظ النظام في كل قطر من أقطارها على نفسه ونفوذه على حساب القطر، ويحافظ فيها الحاكم في كل قطرٍ على نفسه وحكمه على حساب النظام!!. نحن بحاجة ماسة إلى أن نأخذ بالاعتبار بقاء التطلع القومي والفعل القومي والمشروع القومي وحياتهما وحيويتهما وفاعليتهما في الوجدان وفي الذاكرة معاً. فإذا قتلنا هذا على أرضية ما نرى من تهميش لكل طروحات القومية العربية وتطلعاتها وأهدافها، وإذا ربينا الأجيال على هذه الوقائع والمعطيات والأوضاع، فإننا سنصل إلى استهجان كل كلمة تطرح على أرضية الوعي القومي والعمل القومي، والفكر القومي والتطلع القومي. وإذا أدركنا أن هناك تركيزاً من العدو الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، بوصفهما حليفين، ومن الغرب الاستعماري المناصر لهما أو المتواطئ معهما بشكل عام، على ضرورة أن يغيب نهائياً كل وعي بالعمل القومي العربي، وكل تطلع نحوه وكل ذكر له، تبيَّن لنا مقدار الخطر الكامن في الآتي من زمن على أمتنا. وقد قيل قبيل انعقاد مؤتمر مدريد، وبعد حرب الخليج الثانية مباشرة: وداعاً للأمة العربية وداعاً للقومية العربية، وقال هذا أمريكي صهيوني في بلدٍ عربي وبلسان إنكليزي.‏

وبعد فإنني أبدأ بمقاربة موقع المرأة في هذا الحديث، لأنتقل بعد ذلك إلى ما يهمني أن أشير إليه في نهاية حديثي حول ما ينتظرنا في إطار ما يمس صلب المشروع القومي، الذي هو الصراع العربي الصهيوني والقضية المركزية قضية فلسطين، لأنها هي معطى العمل القومي، والمشروع القومي وأساس تطلع العرب للوحدة والقوة والنهضة وتحقيق وجود يقاوم الوجود الاستعماري والمشروع الصهيوني؛ فالمشروع العربي النهضوي يتصادم مع المشروع الصهيوني الاستعماري، ويتضاد معه نهائياً وكلياً، وما لم نلتفت إلى هذه الناحية، ونعد لها من أسباب القوة ما هو ضروري لها، فإننا نقبل بأن نكون ما يرضى لنا الآخرون أن نكون!؟!.‏

أبدأ مقاربة موقع المرأة في المشروع القومي ودور المرأة في ذلك المشروع ومسؤولياتها حياله ببعض الأسئلة، التي قد تبدو مثيرة:‏

هل المرأة شريك في المشروع القومي من حيث أهدافه ووسائل تحقيقه والتطلع إليه والدفاع عنه والعمل من أجله؟؟‏

هل هي موجودة في التخطيط والتنفيذ، وفي التفكير والتدبير؟ وإذا لم تكن كذلك فهل هي جادة في السعي إلى موقع وموقف ودورٍ في ذلك المشروع بكل أبعاده وتفاصيله؟! أم أنها وجدت طريقاً إليه فمشت فيها من دون أن تدري كيف وجدت الطريق، وكيف مشت عليها وإلى أين تصل، مرددةً مع أبي ماضي قوله:‏

ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت كيف جئت، كيف أبصرت طريقي لستُ أدري!‏

وهل اكتشفت المرأة، حتى وهي منساقة في طريق المشروع القومي وعند عتبة التحديات الكبرى العصرية التي تواجهه، هل اكتشفت لها دوراً فيه وموقفاً منه أو فيه، وهل وقفت على خطأ تصححه وثم تضيفه، وإمكانية تحققها باقتدار!؟.‏

لا تنطوي أسئلتي على نفيٍّ لنصف المجتمع بل أكثر من ذلك، فالمرأة، في تقديري واعتقادي واقتناعي، أكثر من نصف المجتمع بكثير، لأنه وهذا خارج سياق جدية الموضوع: " سئل شخص، كما يروي أحد القدماء، : هل النساء أكثر أم الرجال فقال : النساء أكثر. وعندما قال له السائل لماذا وكيف تبرهن على ذلك قال: لأن المرأة امرأة ومن يطيع المرأة امرأة.. وعلى هذا فالنساء أكثر من الرجال. "، وهو سؤال شبيه بذاك السؤال الذي طرح في زمن ما: هل الأموات أكثر أم الأحياء، وكان الجواب: الأموات أكثر لأن الميت ميت وميت الحي ميت، والنائم ميت على نحو ما... وما أكثر النيام.."!؟!.‏

أعود إلى سياق الموضوع فأؤكد على أن أسئلتي لا تنطوي على نفيٍّ لنصف المجتمع، فأنا أرى إلى النصف الممتلئ من الكأس وآمل أن أبقى على تلك الرؤية، كما أنها لا تنطوي على تسليم بأن المرأة تعي ما ينبغي أن تعيه في هذا المجال وتقوم بما ينبغي أن تقوم به من دورٍ في كل المستويات وعلى الصُّعد التي يهمها أن تكون حاضرةً فيها؛ وإذا كان يشوب أداءها نقصٌ أو قصورٌ، وهناك شيء من هذا فيما أقدِّر وأرى، فالرجل شريك في المسؤولية عن ذلك، والمجتمع العربي لم يكن ليسمح بانطلاقةً سليمةً وقويةٍ للمرأة تشارك من خلالها مشاركةً تليق بمكانتها في الأسرة والمجتمع والدولة وشؤون الأمة في الماضي، ولهذا تجلياته في الحاضر وانعكاساته المستمرة فيه وعليه.(1)

أنا أحمِّل المرأة مسؤولية ولكنني أدرك في الوقت ذاته أنه لا توجد مسؤولية من دون حرية ولا يوجد فهم صحيح وممارسة سليمة للحرية من دون مسؤولية وعي معرفي معافى ومواطنة تامة، وانتماء قومي سليم لأمة في واقعها، وبيئة في مكوناتها وإمكاناتها واحتياجاتها، وهوية تاريخية عبر تجذُّرها وتطورها ونموها في محيط أصالتها الثقافي.‏

المرأة العربية كانت في حدود دورٍ فرضه التخلف والجهل وفرضته التقاليد وفرضته ظروفٌ ومعطياتٌ اجتماعية في مرحلة مضت، والمرأة اليوم في مناخٍ مغاير تماماً لذلك الذي ساد في الماضي؛ صحيح أنه ليس كاملاً ولا شاملاً ولا قادراً على أن يتيح لها كل ما تحتاج إليه ليكون بين يديها، ولكنه أفضل بما لا يقاس مما كان عليه المناخ الذي كانت تتحرك فيه منذ عقودٍ قريبةٍ من الزمن.‏

والمرأة في تقديري معوقٌ للمشروع القومي وأساسٌ في تقدم المشروع القومي في آن معاً، فإذا كانت لا تعي أبعاد ذلك المشروع ولا تؤمن بتلك الضرورات التي تستدعيه، فهي حاجزٌ في وجه الرجل إذا تقدم في هذا الاتجاه؛ وإذا كانت تعي تلك الأبعاد وتلك الضرورات وتؤمن بها، فهي حافزٌ ومحرض للرجل على أداء يضاف إلى أدائها في هذا المجال. والمرأة فاعلةٌ في كل اتجاه، سلباً وإيجاباً، فهي سيدةُ الرجل ، في البيت وفي مجالات كثيرة؛ فهي، فيما أزعم، تحكم الرجل ولا يحكمها بالشمول ذاته، لأنها بالودِ والكلمة الطيبة تصل منه إلى ما تريد، ولأنها تبدأ الحياة وتختمها في حياة الرجل، وتستطيع أن تصنع عالم إلهامه وأطر طموحاته وأحلامه.‏

المشروع القومي، من حيث هو ضرورة حيوية للأمة ووسيلة عصرية للنهوض بها وهدف أسمى يمليه تاريخها وواقعها والتحديات المطروحة عليها، يحتاج إلى أداء في مستواه، كما يحتاج أولاً إلى استمرار الإيمان به والعمل من أجله، عبر منظور جديد تقود إليه حركة تجديد عميقة وجريئة وواعية، لا تلغي الثوابت ولا تأتي على الأهداف كما أسلفت، ولا تؤدي إلى انحرافات قتَّالة. والعمل القومي يحتاج إلى رموز ومرجعيات ومثابات إن صحت الرؤية وصح القول والعمل. والمرأة اليوم، لا سيما بعد تأنيث التعليم، تملك الأسرة والمدرسة ومراحل التكوين الرئيسة في الحياة وتقف رمزاً من الرموز الاجتماعية: فالمعلم قدوة ويبقى تأثيره في نفس التلميذ والطالب إلى مدى قد لا يكون محدوداً. ولم يعتد مجتمعنا على أن تكون قدوة الرجل امرأة؛ فإذا أريد للمرأة أن تقوم بهذا الدور، دور القدوة ، وأرادت المرأة أن تقوم به، فإن ذلك يتطلب تغيير الكثير مما يرتبط بتربية وقيم وتقاليد وأوضاع اجتماعية، وربما بطبيعة بشرية وتكوين بشري. في الأسرة. الأب أنموذج القدوة للأبناء ، وفي المدرسة كان المعلم الرجل قدوة تتكامل مع رجل الدولة والبطل والفقيه والمقاتل والمنتج الكبير والعامل الماهر...إلى آخر الرموز الذكورية!؟ فهل من السهل مجاوزة هذا الوضع، وهل هو توجه صحي علمياً وعملياً واجتماعياً؟! إنها أسئلة ملقاة على قارعة رصيف التفكير والتأمل.‏

المرأة تملك مستقبلنا على نحوٍ ما فكيف تؤسس له وترسم صواه وتقود إليه!؟ وبأيةُ وسائل وآفاق وقدرات وإمكانيات تؤسس لذلك المستقبل!؟ وأنا أزعم أن رجال الجيل القادم هم أساساً أولئك الذين خرَّجتهم وتخرِّجهم النساء في المدرسة والأسرة معاً، وهذا يطرح على المرأة موضوع العلم والعمل به كما يطرح عليها موضوع القدوة بكل قيمه ومقوماته وأبعاده، وهو يدخل في جوهر التربية.‏

وهنا يرتفع السؤال: هل تعد المرأة نفسها لمهمة التربية والتكوين والريادة والقدوة، وهل يساعدها المجتمع ، بوضعه الحالي ، على تحقيق ذلك!؟ وهل تعد نفسها لمهمة مجابهة ما يحتاج إليه العصر من معرفة علمية ومن تطبيقات، أو حض على التطبيقات للمعرفة العلمية في ميادين الحياة!؟ وهل تؤهلها قدراتها ويؤهلها تكوينها ووظائفها الطبيعية والاجتماعية لذلك كله، والاستثناء في أي مجال لا يشكل قاعدة في أي مجال!؟‏

أنا أقول إن في هذا نقص كبير عند رجالنا ونسائنا، ويتجلى عند نسائنا بصورةٍ أكبر.‏

ثانياً: المرأة في موقعها مربية ومعلمة، ومن ثمة قدوة، تحتاج إلى كفايتين على الأقل: كفاية مادية تجعلها لا تهمل واجباتها الأساس لكي تنصرف إلى تأمين ما تستهلك، وكفاية روحية معنوية عالية من الوعي المعرفي والقومي والقيم الخلقية، والإيمان العقيدي تؤهل هذه المرأة، أو تلك لقيادة المجتمع نحو المستقبل، ولحمل معيار سليم، وتطبيقه بما يضمن سير المجتمع في طرق سليمة تؤدي به إلى التقدم والنهوض وتحقيق أهدافه.‏

الثقافة القومية بالمعنى النقدي لها، ثقافة تحتاج إلى مراجعة وتصحيح، وأنا أقول إن ما يدرَّس عندنا في إطار الثقافة القومية تلقين قد لا يرضى عنه جيل الملقنين الذي كتب الكتاب الذي يدرَّس، فكيف يمكن أن تكون المرأة معلماً ومفسراً وموجهاً في الفكر القومي عندما تغرس مقومات الشخصية في الطفل رجل المستقبل، وفي الفتاة امرأة المستقبل، كيف يمكن أن تكون قائدة ورائدة في هذا الاتجاه وتخدم المشروع القومي وتؤسس له في عمق التكوين، وهي لا تعي جيداً أبعاد ذلك المشروع ومشكلاته، وتغرق في تناقضات داخل ما يؤدى في إطار منهج الفكر القومي وتقديمه لطالبيه، أو المفروض عليهم طلبه!؟ ولا تستطيع أن تجد لذلك حلاً ولا تجرؤ على أن تطرح على المسؤولين في المستوى الأعلى مشكلة معقدة من هذا النوع!؟.‏

المرأة في هذا الموقع أو المجال، وهي تشرف على تربية المجتمع ولا أقول على تربية الرجل، تحتاج إلى الصلابة الروحية في كل المجالات، وهذه لا تبنى إلا على أرضيةٍ من المعرفة عميقة، والإيمان أعمق، والثقة أكبر، والحرية المسؤولة بشكل أشمل وأمتن، فهل أعطيت المرأة تلك الحرية لتُسأل؟ وهل تمارس دورها باقتدار ومسؤولية وباطمئنان إلى ذينك الاقتدار والمسؤولية، وهناك من يفرط بها من الرجال الذين انغمسوا في تجارب الحياة في مجتمعنا منذ وقت طويل!؟... السؤال مطروح على الجميع وليس على النساء فقط.‏

هل تملك المرأة القدرة على بناء منظومات قيم ومعايير وحوافز في الميدان التربوي، وهي التي تقدم أنموذجاً لمن تربيهم، وهي الآن التي ينبغي أن ترفع الأنموذج القدوة في المجتمع، فهل تسيطر على تفاصيل ذلك وتعي تلك التفاصيل؟ وهل تملك أدواتها؟ وهل هي فعلاً تقوم بهذا الواجب الذي لا يبنى مجتمع من دونه؟. وهل تدير بيتاً ومدرسةً تساعدان على خلق جيل مؤمن بعروبته تماماً. معتز بعقيدته تماماً. عن وعي تام بذلك؛ وهل ينتمي لأمته بعمق ويعرف لماذا ينتمي إليها وكيف يقوم بواجباته حيالها؟ وما يرتبه الانتماء والواجب من تبعات؟ وهل يضحي من أجل ذلك!؟ هل تقول المرأة لمن تربيه، لا سيما إذا كان ابناً لها، اذهب وقاتل ومت لكي يعيش الآخرون في الوطن بأمان ويبقى الوطن عزيزاً...؟! أم تقول له ابق في البيت، ولا يوجد سواك، ولا أعز منك حتى الوطن ذاته!!؟ ونحن نعرف أنه عندما يذهب الوطن يذهب البيت ويذهب الولد!؟ هل تعي المرأة الأم أبعاد ذلك حقاً وتذهب في الأمر إلى مداه!؟ هل هي قادرة على التحدي عبر استشفاف ما يترتب على غياب القدرة على التحدي؟ هل تساعدها طبيعتها وتربيتها وتكوينها وعاطفتها على ذلك؟! وأنا هنا أتطلع إلى أن أطرح السؤال في إطار رغبةٍ في المقارنة بين المرأة العربية ضمن مشروعها، والتحديات المطروحة عليها والبيئة التي تواجهها، والصعوبات التي تمزق أحياناً شمل أسرتها، وبين المرأة العدو أو المرأة الممتحَنَة بهذا النوع من الامتحان في مواقع أخرى من العالم؛ بل بين موقع المرأة العربية اليوم، والمرأة العربية في أيام عز الأمة ومواجهاتها الرائعة للتحديات!؟‏

هل هي قادرة على التحدي في مجال معطيات العصر مع امرأة من مجتمع آخر في العصر ذاته، ولا أقول المجتمع المعادي!؟ هل تملك هذه المعطيات لتبني وتحرر وتقود المشروع القومي وتنميه؟! وأنا أقول إنها تقود المشروع القومي على نحو ما بعد أن أصبح هناك تأنيث للتعليم، والبعث، الذي تبنّى المشروع القومي أو الطرح القومي، أو الفكر القومي بدأ في المدارس وفي الجامعات وبين المثقفين، أي في مساحة الفكر وساحاته بالدرجة الأولى؛ والآن لا أعرف كيف، ولماذا أعطى ظهره، ولو نسبياً، للثقافة ولهذه القضية الفكرية والنضالية الهامة!؟.‏

يجب أن تكون المرأة العربية قادرة على التحدي، فهي التي تواجه الصعوبات في البيت وفي الشارع، وهي التي تدفع الرجل إلى التحدي وتقف خلفه عندما يتحدى، وإذا ضعف سنده الذي في ظهره انهزم وانهزمت هي معه وانهزم المشروع والتحدي والمستقبل. والمشروع القومي العربي أصلاً مشروع يتأسس الآن على التحدي: تحدي التخلف، تحدي الجهل، تحدي التجزئة، تحدي الأعداء، تحديات العصر وعلومه ومعارفه وأساليبه، إلى جانب تحديات روحية ومادية كثيرة هي في صلب الفرد وفي البنية الفكرية والاجتماعية وفي البنية الاقتصادية وفي بنية التنمية ذاتها.‏

هل المرأة كيان معطل القدرات والملكات، أم أنه على نحوٍ ما معطل للقدرات والملكات!؟ بمعنى هل تستطيع من خلال منهج تربوي دقيق أن تفتح آفاقاً أمام من تربيهم في المدرسة والبيت ليشقّوا طريقاً من دون خوف وليكتسبوا ثقةً لا حدود لها، وليقبلوا على العلم والعمل معاً وعلى الإيمان بالعروبة والإسلام معاً، بتفاؤل واطمئنان!؟ أم أنها تخشى أن تمس هذا الموضوع فتتركه لمن يمسه؛ ومن يمسه الآن هو أجهزة إعلام معادية تقريباً تربي أطفالنا، فـ "والت ديزني وكلينتون" وسواهم يدخلون بيوتنا وعقول أطفالنا أكثر مما ندخلها نحن بكثير، يفعلون ذلك من خلال التلفاز واللعبة المبرمجة في الكمبيوتر، واللعبة التي نشتريها في الشارع وسوى ذلك من الوسائل والأدوات. والأحلام التي ترسم أمام الطفولة، هي أحلام تتصل: إمَّا بحياةٍ فيها تدنٍ لأفق الرؤية والرغبة والقيمة والتطلع على المستويين الروحي والقومي، أو هي مجرد نزوع للاستهلاك، أو تعلق بنمط حياة فيه انصراف عن الأهداف القومية والإنسانية العليا، التي تحتاج إلى همة قعساء، وجهدٍ وجهاد طويلين، نمط يحول دون تطبيق قول الشاعر:‏

تعبت في مرادها الأجسام وإذا كانت النفوس كباراً‏

هل دور المرأة، ومن ثم دور الأدوات والإمكانيات التي توضع بتصرف المرأة: أدوات معرفية إعلامية تربوية علمية مالية...الخ؟ هل هو دور مسطِّح للفكر، أم معمق لمعطياته مفجر لقدراته، يدفع باتجاه الرؤية الأوسع والتأسيس المنطقي الأسلم، أم يضع حدوداً حتى أمام الرؤية المحدودة ذاتها؟!‏

هل المرأة الأم والمرأة المعلمة والمرأة العاملة والمرأة الفلاحة تقوم بدورها في هذا المجال، أو ذاك كما ينبغي لها أن تقوم به وكما يجب أن يكون عليه الأمر في ظل معطيات العصر وتحدياته، أم أن الكرة أفلتت من يدها ولا تستطيع أن تمسكها، ولا تملك إلا تحسراً على رؤيتها في أيدي الآخرين!؟‏

وأخص هنا بالتركيز على أسئلةً تتصل بما يقدَّم في الإعلام وما يتابَع فيه، فقد انفصلت إلى حدٍ ما صلة القارئ بالكتاب وأصبح معظم الوقت يُقضى أمام أجهزة التلفاز، والتلفاز يربي ولكن ابحثوا بدقة عن أولئك المربين الذين يربوننا في التلفاز وستجدون مالا يسركم.‏

إن القضايا المطروحة على المرأة بوصفها زوجة أو ربة بيت أو ربة أسرة ـ حتى لا يفهم من ربة البيت أنها لا تعمل.. وربة البيت عندي كثيرة الجهد في العمل وعظيمة المسؤولية فيه ـ صاحبة أسرة ومعلمة أو مدرسة أو فاعلة في المجتمع، إن الدور المطلوب منها، والمهمة الملقاة على عاتقها أكبر بكثير مما أتيح لها من علم وإمكانيات وحريات وتجارب وممارسات ، ومن ثم علينا أن نسأل أنفسنا السؤال الآتي:‏

هل نعد أنفسنا فعلاً رجالاً ونساءً لحمل مسؤوليات المشروع القومي في المستقبل!؟ وهل يُحمل المشروع القومي بمجرد التمني وحمل شعاراته والاندفاع العاطفي والانفعالي في طرقاته، أم أنه يحمل من خلال مؤمنين به، يعملون من أجله بدراية واقتدار ، ويفتقون القدرات بإبداع للوصول إلى مجالات الإبداع في تحقيقه وشد الناس إليه، ويوفرون له المعرفة العلمية وترجمتها إلى منجزات تكون القوة التي تحميه وتنميه؟ أقول إن القضية أكبر بكثير مما نراها حتى في أحاديثنا وفي ما يقدم لنا، وما علينا إلا أن نتأمل ما آل إليه الوضع القومي في المجتمع العربي اليوم، وما آلت إليه مواقف ساسة ومؤسسات ومثقفين، لندرك أن الخط البياني المنحدر الذي يرتسم له، ما هو إلا نتيجة متصلة بالإنسان العربي رجلاً وامرأة وحاصلة عن واقعهما المتردي، سواء أكان ذلك التردي في التربية والتعليم، أو في المناهج والقيم والتكوين الفكري والمعرفي العام، أم في البنى الاجتماعية والسياسية والممارسة الناتجة عن ذلك، والمنعكسة في الحياة الاجتماعية والسياسية وفي القرارات والتوجهات العامة(2) . وأن هذا الخط ما زال في انحدار؛ ولذلك يتوجب علينا أن نوقف الانهيار لنبدأ مرحلة الصعود أو مرحلة الصمود التي تسبق الصعود.‏

وهنا أريد أن أتوقف عند بعض مسببات الانهيار، وآخر مسببات هذا الانهيار، وهي تتصل بالصراع العربي الصهيوني وبالقضية الفلسطينية وما يرتَّب لها من حل وما يترتب على ذلك الحل من معطيات ونتائج، أرى أنها تفسد كل تطلع قومي ومشروع قومي وعمل قومي، إذا ما سارت كما يرسم لها العدو وحلفاؤه والعاملون معه، من المتواطئين على الأمة ومشروعها القومي الثوري الوحدوي النهضوي مع مشروعه الاستعماري الاستيطاني العنصري.‏

بعد مؤتمر مدريد والاتفاقيات التي تمت على هامشه أو هوامشه، بدأنا نشهد ما لم نكن نتوقع أن نراه حتى في الأحلام، وقبل أيام قليلة كان في واشنطن لقاء /أحد عشر + اثنان/ بمعنى أحد عشر وزير خارجية عربي + يهوديان أحدهما يمثل الكيان الصهيوني هو ديفيد ليفي والثاني يهودية عنصرية تمثل الولايات المتحدة الأمريكية هي مادلين أولبرايت؛ وقد تم هذا في الوقت الذي ترفع فيه لاءات أربعة لباراك، الذي تفاءل به عرب من العرب: لا للقدس مقسمة ـ لا لوقف الاستيطان فيما يسمونه " أرض إسرائيل" ـ لا لحدود عربية لدولة فلسطينية، حتى مع تجريدها من السيادة والقوة، مع أي بلد عربي ـ لا لعودة الفلسطينيين إلى فلسطين أوسلو أو فلسطين 1948 ـ وهي لاءات تتفق مع ما قاله نتنياهو ولكنها تعرض بأسلوب أكثر نعومة من أسلوبه ولا يقل حزماً وجزماً عن ذلك الأسلوب.‏

في هذا الوقت وفي أثناء توقيع اتفاق شرم الشيخ تنفيذاً لمذكرة واي ريفر، أو واي بلانتيشن، وهو الاتفاق الذي سلمت بموجبه سلطة عرفات أول قائمة كاملة بعناصر الشرطة الفلسطينية إلى الكيان الصهيوني ـ أي أن أي موظف في الأمن أو في الشرطة من شرطة عرفات، ومن أي درجة في ذلك الجهاز، اسمه وعمله ورتبته وما يكلف به من مهام هو عند الكيان الصهيوني ـ فهل هذا يؤسس لأية دولة أو لأي كيان أو لأية حرية وحقوق وكرامة!؟ أم أننا لم نزد على أننا وظفنا شرطة آخرين إلى جانب شرطة الاحتلال الصهيوني ليراقب عناصرها كل من يتنفس من الفلسطينيين حتى داخل البيوت!؟‏

في هذا الوقت وفي الوقت الذي تتم فيه إشارات نحو استئناف المفاوضات على المسار السوري اللبناني ـ الإسرائيلي، وتقوم به موريتانيا، برعاية أمريكية صهيونية، برفع علاقاتها مع الكيان الصهيوني إلى مستوى السفارة ، نسأل أسئلة عجيبة غريبة مُرة قد يحتملها بعض منا وقد لا يحتملها:‏

ـ هل يمكن، إذا ما توصل العرب إلى اتفاقيات مع الكيان الصهيوني على شاكلة كامب ديفيد أو على جذرها وجذعها وشاكلتها/ أوسلو ، وادي عربة/ وأنهوا الصراع العربي الصهيوني، أو ما يسمونه القضية الفلسطينية، هل يمكن أن يتوقف الصراع العربي الصهيوني وتنتهي القضية، ويقوم سلام في المنطقة؟! وهل ينطوي ذلك " الاتفاق "على أي نوع من أنواع العدل والاستقرار والديمومة وحتى الشمول!؟‏

أنا لا أريد أن نقول عاطفياً وبشكل آلي: " لا " ونكتفي بذلك. في المجال الدولي والرسمي العربي يقولون نعم، وإلا لماذا هذه المصافحات والمفاوضات والاحتفالات والتوقيع والتصوير أمام كاميرات التلفزيون، نعم سينتهي وإلا فلماذا كل هذا التطبيع والهرولة!؟ وهل هذا من دون معنى، ومن دون ثمن؟! ولماذا نعطي عرفات دولة وطائرة خاصة وسجادة حمراء وحذاء رئاسياً ويتم استقباله في البيت الأبيض!؟.‏

أنا أقول: إن الصراع العربي الصهيوني لا يمكن أن ينتهي حتى عندما يعترف العرب بالكيان الصهيوني وعندما يطبِّعون العلاقات معه بالشكل الذي تراه الأنظمة لا الشعوب. لماذا؟!؟ لأن المشروع الصهيوني في الأصل انطلق من فلسطين نحو الوطن العربي، ولم ينطلق لكي يتوقف عند حدود فلسطين، وإذا كان لن يتحقق جغرافياً في المرحلة الحالية بانتشار يهودي خارج فلسطين، فإنه سوف يتحقق على صعيد الهيمنة العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية والإعلامية بشكل كامل، من خلال أنظمة عربية يخاف بعضها من بعض بعضاً أكثر مما يخاف من العدو، ويلتجئ إلى ليحتمي بعضها من بعض.‏

ومن ثم فإن المشروع الصهيوني مستمر لأن أهدافه مستمرة ووسائل الوصول إليه متعددة ومتغيرة، وهذه المرحلة التي نصل إليها مرحلة انتصار الصهيونية الكبير، الذي يتحقق كما قال قادتها بالاعتراف العربي الإسلامي بالكيان الصهيوني وإقامة العلاقات الطبيعية مع العرب وبلدان العالم الإسلامي، لن ينهي المشروع الصهيوني، وإنما ينهي المرحلة التأسيسية الكبرى فيه التي قامت بها الحركة الصهيونية، لتبدأ من بعد ذلك مراحل أخرى؛ لأن هناك خمسة عشر ـ وفي قول خمسة وعشرون ـ مليون يهودي على برنامج التهجير والترحيل إلى فلسطين والوطن العربي وإلى أماكن تحددها الجغرافية السياسية المستقبلية للمشروع الصهيوني العنصري، حسب الضرورات الحيوية والمستجدات السياسية والمعطيات الواقعية. وهناك أيضاً مستقبل آخر يقابله في وطن العرب هو توطين المهجرين الفلسطينيين، وتهجير من ينبغي أن يهجر منهم إلى أرجاء من الوطن العربي والعالم؛ والاستيطان الصهيوني المتنامي هو أكبر مؤشر في هذا المجال. إنها ليست عملية قضم أرض من الفلسطينيين في الضفة قبل الاتفاق النهائي ، بل هي عملية تأسيس للمدى الحيوي الذي ينطلق منه الكيان الصهيوني مستقبلاً لتحقيق مراحل في مشروعه الاستيطاني المستمر.‏

إذاً المشروع الصهيوني مشروع مضاد ومناقض تماماً للمشروع العربي، وهذا المشروع الاستعماري الاستيطاني سوف يقوض أي شكل من أشكال الاستقرار العربي على الأرض وسوف يرفض أي مظهر من مظاهر التضامن العربي والوحدة العربية والعمل العربي المشترك؛ لأنه يرى في التضامن العربي قوة وتكتلاً مضادين له، ويرى في الوحدة العربية خطراً عليه، وهو دائماً يقوم بضربات استباقية/ وقائية/ يوجهها ضد كل ما يهدده وما يرى أنه قد يهدده. إذاً لو أننا ابتلعنا نحن العرب الوهم الكبير "بسلام صهيوني" فإن العدو الصهيوني سيضربنا عندما يتحقق من قيام أي خطوة جدية في الاتجاهات الآتية:‏

1 ـ أي تضامن فعال أو اتحاد أو وحدة عربية، وأي امتلاك لتقانة وقوة، وارتفاع أي صوت يذكر بالتاريخ. وإذا كان البعث العربي أو الخط القومي يتبنى مشروع الوحدة أو الاتحاد، وينادي به ويعمل له فإنه مجبرٍ على الأخذ باختيار واحد من اختيارين:‏

إما أن يهمل مشروع الوحدة لأنه يهدد الكيان الصهيوني أو يزعم الكيان الصهيوني أن الوحدة تهدده، ومن ثمة لا يستقيم هذا المشروع مع "برنامج السلام والتطلعات نحو السلام" مع العدو الصهيوني، وإمَّا أن يتمسك بذلك المشروع ويسعى لتحقيق ذلك الهدف.‏

فإذا اختار التمسك بمشروعه فالصراع مستمر، وإذا تنازل عن ذلك المشروع فمعنى هذا أن البعث أو التيار القومي في الوطن لعربي استقال من وظيفته أو تنازل عن أحد أهم أهدافه على نحوٍ ما. ولا أظن أن البعث والتيار القومي يستقيل من وظيفته أو يتنازل عن أحد أهم أهدافه، ولا أظن أن القوميين بحسهم الوطني أو بانتمائهم الديني: مسيحيين ومسلمين، يمكن أن يتركوا كل مقدساتهم وكل مستقبلهم في إطار صهيونية نعرف تكوينها وعنصريتها ومشروعها الاستعماري جيداً.‏

2- من المقومات التي تقول أو تؤكد أن الصراع بين العرب والصهاينة يستمر حتى لو تفاوضوا ووقعوا اتفاقيات ووضعوا سفارات، أن القدس موضوع خلاف رئيس، والقدس هم يرونها عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل، ويقف من خلف إسرائيل في هذا التوجه خمسون مليوناً على الأقل من الأمريكيين المتصهينين، الذين يؤمنون بعودة "المِسْيا" ويعملون على هذا المشروع ويقدمون للصهيونية الدعم السياسي والمالي والعسكري والسياسي. وإذا أقام عرفات دولة في قرية أبي ديس أو عاصمة في قرية أبي ديس بعد توسع القدس إدارياً لتصبح قرية أبي ديس ضمن الإطار الإداري لها، فإن هذه القرية لن تكون القدس أو جزءاً من القدس في ذهن العربي أو الوجدان العربي، ومن ثم فمشكلة الخلاف على القدس سوف تستمر.‏

والقضية الثانية هي قضية اللاجئين والنازحين إلى آخر التسميات، فهناك أربعة ملايين فلسطيني سيبقون خارج فلسطين بموجب اتفاقيات أوسلو، التي غدت مرجعية عرفات عملياً وأسقطت المرجعيات الأخرى وأضعفتها، ولن يعود أي من فلسطينيي 1948 ولن يعود أيضاً إلاّ من ترضى بعودته "إسرائيل" من فلسطينيي 1967.‏

ويعمل البرنامج الصهيوني الأوروبي الأمريكي الآن على توطين الفلسطينيين في الوطن العربي أو تهجير من يمكن تهجيره منهم إلى أماكن أخرى. هناك أمام الفلسطينيين احتمالات، إما أن يتم التوطين في قطر عربي ما، أو أن يهجر إلى بلد ما، ويقبض ثمن الوطن. وهذا يطرح على الفلسطيني سؤالاً: هل ينسى البيت وينسى القضية ويتنازل عن الوطن!؟ وهل العربي ينسى البعد القومي للقضية وهو بُعدٌّ ثابت كتب بالدم وكتب بالانتماء القومي أيضاً، أم أنه سيقبل بتعويض عن حق العودة وعندها يكون قد باع وطناً، وهل الوطن مما يباع!؟ هناك أشخاص وطنهم الدولار أو القرش، ولكن هناك الكثير ممن لا يقبلون بالقرش والدولار بديلاً عن الوطن. ولأن أربعة ملايين فلسطيني سيكونون خارج فلسطين فهم الذين سيبقون أساس إثارة الصراع إلى جانب من يتعاطف معهم من العرب وهم كثيرون. وإذاً سكت صوت الصراع لفترة فهو جمر الغضى تحت الرماد ولا بد أن يثور حريقاً بشكل من الأشكال.‏

إذا اكتفينا بالعوامل الثلاثة فقط وأضفنا إليها ما تملكه "إسرائيل" من قوة وما تؤسس له من قوة وتحالفات، وهو برنامج عسكري مستمر التطوير يهدف إلى تهديد الوطن العربي والجوار من أقطار الوطن العربي بالدرجة الأولى، وسورية التي تأتي على رأس هذا الجوار، وهو أيضاً برنامج لا يسمح للعرب بامتلاك السلاح والقوة ولا بتطوير العلم كما يفعل الصهاينة في فلسطين المحتلة، فإن العرب سيختارون بين أحد أمرين إما أن يتمردوا على هذا ويحاولوا امتلاك السلاح ورفض الإذعان والانصياع، ومن ثم تجدد الصراع، وإمَّا أن يستقيلوا من وجودهم ويصبحوا تبعاً وأمة بلا قوة، تشكلها الأمم على هواها؛ وفي هذا نفي تام لكل تاريخ الفكر القومي والعمل القومي والنضال القومي، وفيه أيضاً نفي لكل معتقدات المؤمن، مسلماً كان أم مسيحياً، ولكل التزامه بوطن وأمة ومستقبل وكرامة وتاريخ ووجود!؟ ولن يقبل المؤمنون ذلك بأي حال. ومعنى هذا أو ترجمته العملية أن الصراع لن يتوقف بتقديري حتى لو رفعوا أعلاماً وأوجدوا سفارات ووقعوا اتفاقيات إلى آخر هذه الأنشودة البائسة المقيتة.(3)

هل المرأة بعيدة عن هذا أو أن هذا شأن الرجل وحده ولا علاقة لها به؟ هل الرجل الذي سينهض أو المرأة التي ستنهض ضد ذلك، سيكون أحدهما بعيداً عن الآخر وغير معني بالآخر، أم أنهما في خندق واحد ومواجهة واحدة مصير واحد جبهة واحدة!؟؟. من هنا يترتب على المرأة واجب وموقف واستعداد مستقبلي حيال المشروع القومي الذي هي صلبه على نحو ما. ولن يكون هناك مشروع قومي نهضوي ما لم يتحقق تحرير، وما لم يمتلك الوطن العربي قوة، وما لم يمتلك علماً يحوله إلى قوة ومنجزات. وهذا المشروع القومي صلبه تربوي تعليمي علمي، وقراره سياسي، ومجتلاه ومنطلقه: إرادة لا تنطفئ جذوتها وذاكرة لا تمسح ولا تغيب. والمرأة تقوم بدور رئيس في هذا المجال، لا سيما وهي تشرف على تكوين الذاكرة والوجدان أو الوجدان قبل الذاكرة وتحميهما وتدافع عنهما، أي عن منظومات القيم والمعارف الصحيحة والحقائق والمعلومات التي تلقن للطفل وللتلميذ في المدرسة وللفتى في الحياة، تلك التي يصعب أن يتخلص منها أو يراجعها مقوماً لها حتى لو أصبح كبيراً، فهي ترسخ في نفسه، و تبذر فيها البذور الأولى لمفهوم الوطنية والقومية والأخلاق والتضحية والقيم؛ وكل هذه المعطيات هي ضوابط سلوك ومعايير ودوافع فعل وموثِّبات عمل، إنها منظومات فكرية ومنظومات قيم حاكمة لأفعال تؤديها المرأة وترسخها في الكائن الإنسان الذي تتولى تكوينه، و تُسأل عنها أمام الناس. ولما كانت هي التي ستتولى هذا سواء أكان ذلك في التعامل مع الزوج الواعي أم غير الواعي، ومع الابن الواعي أو غير الواعي ومع التلميذ، ومع النساء الأخريات، ومع المجتمع وحتى في السوق الاستهلاكية التي نقبل عليها، فإنها مطالبة بمهمة كبيرة جداً. وأنا لا أرى نجاحاً ولا تقدماً إلا بنجاح المرأة وتقدمها، في تأهيل نفسها لهذه المهام والتحديات، على أرضية من العلم والإيمان معاً وأنا أكرر العلم والإيمان والعمل بهما معاً، لأن العلم بتطبيقاته يؤدي إلى امتلاك قدرات وأدوات وتحقيق منجزات والقيام بصناعات وبكل ما يمكن أن نحلم بامتلاكه من تقنيات وقوة، وهذا لا يحركه ولا يوجهه ولا يصونه إلا إنسان، والإنسان من دون إيمان وقيم ومنظومات خلقية وتنمية وعي ومعرفة علمية، يبقى قوة منفلتة، وقد يستخدم كل إمكانياته في الشر وقد يهدم كل ما لديه من إمكانيات بالجهل. وأنا أقول في هذا المجال، في المشروع القومي، لا بد من مراجعة شجاعة للنفس ولما استقر في تربية وفكر وتنظيم وتعليم، مراجعة تهدف إلى تحديث الرؤية انطلاقاً من معطيات العصر وخلاصة التجربة، وتقول بعدم وضع العروبة في مقابل الإسلام أو الإسلام في مقابل العروبة. ولا يستطيع أحد أن يفصل خلية في جسده يسميها مؤمنة عن خلية أخرى في جسده يسميها قومية ويبقى الجسد حياً قوياً سليماً؛ إن هذا خطأ ارتكب وأنا مع تصحيحه، لأنني من أنا كعربي من دون الإسلام؟ ومن أنا كمسلم من دون العروبة؟ ومن أنا أيضاً كمسيحي من دون العروبة ومن دون المناخ الثقافي العام في المحيط الإسلامي طوال قرون، الذي كوَّن الثقافة العربية الإسلامية ونشأنا جميعاً فيه!؟!.‏

ويتبادر إلى الذهن فوراً سؤال: هل الإسلام في هذه الحالة معوق للنهضة؟ معوق للتقدم؟ حجاب من أي نوع؟ أنا أقول لا؛ هو دافع ومحرض لم نفهمه كما ينبغي وسمحنا لقاصري الفهم بأن يسوّقوه على هواهم وأن يفعّلوه على هواهم. وهذا هو خطأ لا بد من التعامل معه بجدية وجسارة وحزم، أروني اشتراكية أو شيوعية أو أي مشروع يقدم عدالة اجتماعية أو يؤسس لها، قد وازى أو ساير أو تقدم على ما يطرحه الدين؛ ولا أقول الإسلام، فقط الدين، مسيحي وإسلامي، في هذا المجال من مساواة. الدين عدم استغلال.. حرية ..كرامة للإنسان كل هذا، حتى في التطبيق الاشتراكي، الذي تشددنا فيه في بداية الستينيات وقلنا الفساد والاحتكار والغش..إلخ الإسلام يقول في حديث من غشنا ليس منا. إذن، فقد أخرج الغشاش في المجتمع من الإسلام كله ومن ثم أسس الحياة على السلامة والنصح ، على المساواة والاحترام والاطمئنان، وأسس على عدم الاستغلال وأسس وأسس...الخ. فهذه كلها قيم، لا يمكن أن نتجاهلها. ومن ثم من الذي رفع راية الإسلام؟ إنهم العرب. ومن الذي بنى وأسس وقدم دما وأرواحاً وفكراً وتضحيات وبلور منظومات قيم وحوافز نضال!؟ إنه الإسلام.‏

وأنا أتساءل هل نظرتنا للإسلام صحيحة وسليمة، وكذلك نظرتنا للقومي في معطياته التي لا تتصادم مع الديني!؟.. أنا أظن أنه حتى نظرتنا للفهم القومي متخلفة عن حديث شريف قاله محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام قبل أكثر من ألف وأربع مئة سنة، حيث قال في حديث صحيح: " أيها الناس إن الرب واحد والأب واحد، ليست العربية من أحدكم بأب ولا أم، العربية لسان فمن تكلم العربية فهو عربي." وهنا رفع الرسول عليه الصلاة والسلام الانتماء للعروبة فوق العرق والدم واللحم، رفعها إلى المستوى الثقافي المعرفي الراقي، إلى الانتماء الحضاري، وأبعدها عن الشوفينية والصهيونية والصربية وكل أشكال النازية والعنصرية المختلفة المتخلِّفة، وجعلها في أفق مفتوح، لكل الناس على أرضية معرفية شاملة - ونحن اليوم عدنا لنتكلم في القبائل والعشائر والانتماء العرقي والطائفي، بعد أن حارب البعث القبائل والعشائر والانتماء العرقي والطائفي... إذن علينا أن نفهم ما لدينا وما عندنا من قيم ومقومات حضارية وما نؤسس عليه من مقومات وأهداف للمشروع الحضاري العربي وللبعد القومي وللأفق القومي، وما يترتب علينا حيال هذا المشروع؛ هذا إذا أردنا أن نستأنف حضوراً فيه ودوراً مستقبلياً لنا وله، بتأسيسه تأسيساً متيناً على وعي شامل. ورؤية المرأة أساس فيه وعماد من أعمدته ومركز في هذا التأسيس .‏

لا أقول مجاملاً إذا قلت، إن المرأة تستولي على معظم مقومات القرار، لأننا نُحكم منها على نحو ما في البيت ونُحكم في كل مجالات الحياة الأخرى، أعني أننا نرفرف داخل القفص مستشعرين السيادة، أقول: إن المرأة إما أم أو أخت أو زوجة أو....، وفي كل هذه الحالات يكون لها الحضور.. لها التأثير ولها الاحترام، لكن كيف تستخدم أدواتها؛، كيف تستخدم بأسلوب ناجح هذه الطاقة الاجتماعية الكاملة المؤثرة في الرجل والمرأة معاً، أي في أسرتها، وفي المجتمع!؟ في البيت: عندما تغضب المرأة يمكن أن يتحول البيت إلى جحيم، والرجل إلى فاقد للرؤية والقدرة على الأداء السليم، ولذلك دعونا نرَ نحن الرجال مشروعنا القومي ومشروعنا الأسروي من خلال المرأة المتفهِّمَة الواعية المؤمنة بهذا المشروع والمؤهلة لحمله تأهيلاً تاماً والمقتدرة على أداء رسالتها بنجاح. إن ذلك تطلع وطموح ورغبة لها ثمنها ونتائجها على كل حال.‏

المرأة تجعلنا نكون، أو هي بوصفها مربية ومسؤولة عن الأسرة، أكثر من يُلقى عليه عبء السؤال: كيف نكون، وكيف السبيل إلى أن نكون، خلقياً وروحياً، في موقع يؤهلنا لنوع من الحضور المؤثر والكريم في الداخل والخارج. ما طرح من افتراض حول دور المرأة مهم، ولذلك أتوقف عنده قليلاً، وأبدأ من القول المعروف: كما تكونون يولّى عليكم، بمعنى أنكم تستطيعون إذا كنتم في إطار من القوة والوعي والمسؤولية أن تقولوا ما قاله بدوي لعمر بن الخطاب: "والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا". أمّا إذا كان الوعي في أي بلد والنظام في أي بلد عربي لا يجد من يقول لا، ولا يجد إلا من يرى الباطل حقاً والفاسد قيماً نظيفة و..و.. إلى آخره، فإن طاقة المجتمع وقدرته على التغيير تبطلان. وعندها يجد الحاكم الذي لا يرعى حقوق الشعب كما ينبغي أن تكون الرعاية، يجد أن الطريق معبدة لكي يصبح الأوحد في كل شيء.. وعندما يصب على هذه النار زيت آخر، هو التسابق على الانتهاز والتقرب والخ... فإن طاقة المجتمع على التغيير تصبح طاقة على الإفساد، ويسود هذا القانون ويطغى أثره ومعياره على الحياة ، ويرتفع هنا صوت ذاك الذي يلعب دوراً انتهازياً على حساب كل الأصوات ، بل يمنع ارتفاع معظم الأصوات الخيِّرة؛ إذ من يستطيع عندها أن يرفع صوتاً في مجتمع لا يسمع له صوت!؟. هناك إنسان يحرص على ممارسة حقوقه وحرياته وواجباته، ولكنه لن ينجح ولن يثبت في موقع، وعلى مبدأ وقضية ما لم يقف إلى جانبه إنسان آخر يدعمه فيما يقول، وفيما يتصل بممارسته لحقوقه ودفاعه عن قيمه ومقومات حياته.. وعندما يوجد ذلك الإنسان ويمارس دوره بإيجابية ومسؤولية، تنشأ كتلة اجتماعية قوية تتجاوز حواجز الخوف وتستعصي على القهر والإلحاق والإبادة، وتستطيع أن تقود قوة أكبر وأن تؤسس لها وأن تمارس عملا ناجحاً انطلاقاً من ذلك، وركن ذلك التأسيس وعماده المرأة التي تمنح الثقة وتدفع باتجاه الموقف الكريم وتسند ظهر الرجل وتفتق بالحب والود عبقرية الأداء في أعماقه، لكن إذا تم ما يتم بين الذئاب، إذا جرح ذئب أكلته الذئاب الأخرى، ونعرف بيت الشاعر العربي القديم:‏

بصاحبه يوماً أحال على الدم وكنت كذئب السوء لما رأى دماً‏

فعندها يلتقط كل منا الآخر من عنقه ـ والمرأة والرجل حكماً في الدائرة الضيقة وتلك الآخذة بالاتساع ـ وترتاح فئات وجماعات وأنظمة ، ترتاح ليس الأنظمة العربية بل يرتاح الأعداء، لأننا نكفيهم شر أنفسنا. هنا أقول إنه من المفيد ومن الضروري أن تتشكل حالة من الوعي والمسؤولية العامة في المستويين الاجتماعي والقومي، لأنه إذا وُهِبَ بلد ما ونظام ما حاكماً عادلاً فليس معنى هذا أن كل الحكام سيكونون عادلين. وهذا معناه أن الشعب يجب أن لا يستقيل من المسؤولية ومن ممارسة الدور الذي له، لأن مؤسسات المجتمع المدني تحتاج إلى شعب.. إلى صوت .. إلى رأي وإلى قرار نصنعه جميعاً. لذلك أقول إننا نحن أيضاً نُسْأل لأننا لا نقول لهذا النظام العربي أو ذاك: إن هناك خطأ، وهذا الخطأ تنصب نتائجه علينا، وأنتم لا تشعرون به، ولا بوطأته لأنكم تعيشون هناك .. فوق، وهو ـ أي الخطأ ـ قد يرتد عليكم بالخير ولكنه ليس كذلك لنا، و نحن مواطنون ولسنا مستأجرين في الوطن كما أسلفت في العبارة الأولى، والمستأجر في الوطن يستطيع أن يغير البيت لكن المواطن لا يستطيع أن يغير الوطن والمواطنة، إلا إذا كان يسهل عليه ذلك.‏

ولهذا عندما أطرح هذا أطالب بتغيير جذري في بنية الذات، وفي بنية الخلية الاجتماعية الأولى الأسرة، عبر مراجعات شاملة، لأنه قد يكون خمسة أو عشرة يدركون ما ينبغي أن يتم من مراجعات، وعندما تقول للنظام، لأي نظام: أنت تقول ونحن نقول، تبدأ عملية قد تكون مكلفة جداً في ظل غياب احترام الحق والرأي والممارسة الديموقراطية. يطلب من الكتاب كذا وكذا .. وهذا تطلع في مكانه، ولكن هل الكتاب هم المثقفون في الوطن العربي؟ هم الذين كانوا يخرجون في مظاهرات ويغيرون، أم أنهم إن يقولوا يتحرك الشارع ويغير الشعب!؟ الاستنتاج عندي أن بعض المثقفين استقالوا من مواقعهم والشعب استقال من دوره، والناس استقالوا من وظيفتهم كبشر معنيين بشؤون الحياة من حولهم، لكن القول يبقى مطروحاً يدوِّم في فضاء الحياة من حولنا.‏

صحيح إن القول بعد ذلك تراجع على إثر تراجع الناس، لكن لنسأل عن المناخ العام السليم جميعاً ونحن معنيون به جميعاً، فهو هام جداً وفي غاية الخطورة في كل ما يتعلق بالتفكير والتعبير والتدبير والتغيير؛ والمناخ الإيجابي العام قد يدعو إليه أشخاص ولكن لا يخلقه أشخاص إذا كان يفسده الجميع. هذه القضية تحتاج إلى معادلة سليمة ونحن مسؤولون عنها جميعاً، ففي مكان تسرب فيه غاز مثلاً، كلنا سنؤذى، قد ينبه شخص لهذا أو قد يسرب شخص الغاز لكن الجميع يعاني، وتنعكس عليه الأمور، كلنا في مركب واحد ومن يثقب المركب لا يلحقه الأذى وحده. نحن الآن مثلاً في سورية، نعاني من فساد نتكلم عنه كثيراً، ونقول ونقول ونقول .. ما هو هذا الفساد، هل يرفع بقرار، هل يتوقف بالاحتجاج عليه وعلى ممارسيه، هل يزول بمجرد الدعاء إلى الله سبحانه بأن يلقي الفاسد في جهنم؟! هناك منظومات قيم ومعايير حكم وهناك مسؤولية اجتماعية لكل فرد، لذلك عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الراشي والمرتشي في النار"، حمّل الراشي مسؤولية كالمرتشي لأنه يساهم في الإفساد ولأنه لم يمتنع عن تلك الممارسة. ومن ثم الحاكم الذي لا يحارب الفساد والمفسدين مسؤول، والمواطن الذي لا يقف ضدهم مسؤول، والفاسد نفسه جرثومة يجب أن تزال، إذن الشراكة عامة والمسؤولية شاملة ويتحملها أفراد المجتمع رجالاً ونساء.‏

نقول: هناك فساد ويجب أن نحاربه، بينما ندفع للمفسدين أو نسكت عليهم أو نخاف منهم، إذن القضية كيف تحل؟ لا تحل أبداً ما دام الأمر على هذا النحو. والفاسدون درجات والدرجات العليا لا يصل إليها الحجر الذي يلقى. من يحل القضية إذن؟ شخص أم مجتمع، والمجتمع كيف يحلها، بإرادة عامة، بالوعي، بتماسك بمبدأ، بخضوع للدستور والقانون وسلم القيم!؟‏

دستور وقانون وقيم.. تربوياً، القانون شرطي في الشارع قد يرتشي قد يفسد قد يتعب قد يغيب ولكن هناك شرطي داخلي وضعته الأديان والقيم في داخلنا، هو الضمير الذي لا ينام، أو ينبغي ألا ينام وألا يرتشي وألا يفسد وألا يغيب وألا يتواطأ. علينا أن نقيم هذا الشرطي في مقامه وأن ننمي قدراته، لكل من الشرطي الداخلي والخارجي ضرورة؛ هناك قيم وأخلاق ومنظومات وعقائد كلها يجب أن تكون حاضرة في الشرطي الداخلي، وهناك شرطي خارجي أيضاً يمثل المجتمع والقانون والسلطة، ولكل من الشرطيين سلطة، لأن من لا يردعه هذا يردعه ذاك ويردعه المجتمع، أما إذا قلنا قانون فقط، فمعنى ذلك أن الشاطر يخرج من أبواب القانون وثقوبه ويعمل كل شيء كما يشاء، وهنا تصبح القضية قضية شطارة. انظروا إلى مجتمعنا أو إلى أي مجتمع في العالم تجدون هناك قدرة على القيام بكل شيء إذا استطاع الفاعل أن يغطي فعلته، أن هذا الوضع يستشري عندما لا يوجد رادع داخلي، نحن نريد أن نربي الرادع الداخلي والرادع الخارجي، أي قوة النظام والقانون وقوة الضمير والوجدان.. قوة الإنسان، الإيمان، الأخلاق الضمير القيم وإلا ما معنى أن ندرّس كل هذا وأن نقول بكل هذا وأن نعتقد بكل هذا!؟ لماذا وُجِدَ هذا ولماذا يوجد، هناك غاية وهناك وسيلة وهناك مسؤولية... وأساس في ذلك تربية أسرية واجتماعية ودينية وقومية:‏

الأم عندما يأتي ابنها وقد سرق وتسكت على السرقة وتقول "برافو" شاطر، هي شريكه، وهي أبطلت الضمير ولجمت الشرطي الداخلي وغيَّبت الخارجي أو أفسدته، لكن عندما تكون هي ضمير يوقظ ضميره، وهي حرب عليه عندما يخطئ، فإن الأمور تتغير. عندما يفسد زوج المرأة أو يسرق وترضى بذلك فهي شريكة.. وهكذا، .. أو عندما تجبره هي على أن يكون ذليلاً أو سارقاً أو فاسداً من أجل أن يحقق لها رغباتها ومظاهر تحرص عليها، فإنها تصبح عنصر الفساد والمحرض عليه. وفي هذه الحالة هل يصل إليها القانون؟! إن القانون قد لا يصل إليها، ولكن هذا لا يعني أنها ليست سبباً مؤسساً أحياناً.....‏

أنا مازلت أؤكد رأيي في أهمية منظومات القيم والأخلاق وما يبنيه الإيمان وما تؤسس له التقاليد الصحيحة السليمة التي رسختها تجربة اجتماعية عبر قرون، لأن القانون وضع لحالات مدنية خارجية دنيوية، ويتراءى لي أحياناً أنه تنطبق علينا الحالة التي شخصها الفيلسوف الإنكليزي هوبز: "الإنسان للإنسان ذئب ضارٍ" فالشر يموج في الأعماق فإذا لم يردع ذاتياً تفجر على نحو ما بخطورة شديدة متدثراً بأسباب ومسوغات وعلل وقد يرتدي ثوب القانون. وهناك من يشبهون القانون بقطع القطن توضع بين جلود القنافذ حتى لا ينفذ شوك جسد بعضها بجسد بعضها الآخر، لكن وجود القطن لا يعني انتفاء وجود تلك الحالة التي تخلقها القنافذ، بمعنى أن الشر موجود وقد يفتك بمن يصل إليه في غفلة منه أو من القانون ، أو بسبب ضعف ما وانطلاقة قوة عمياء من كل القيود. لكن إذا قلنا إن قدرة القانون هي الوحيدة التي تحاسب وتضع حداً وتصحح ما يقع من خطأ وجور وفساد، فإننا نقول بشق الجوزة ولا نقول بشقها الثاني، لأن القوانين في الأصل بنيت أو استنتجت من عقائد وأعراف وتقاليد، فوضع ما استوحي منها في نصوص على الورق وفقدت بذلك الروح أو لم تجد لها مكاناً، بقيت الروح في جسد الإنسان -أي روح القوانين في جسد الإنسان وفي روح الأديان.‏

أما الذي نتخذه مثالاً في الجريمة والسرقة وفي قضية ما نسميه نحن هنا بالزنى وهناك ما يسمونه في الغرب اتخاذ الصديقات، وأيضاً فيما يتصل بالفساد المالي والرشاوى من إجراءات فربما لا يحقق المطلوب في كثير من الأحيان. ولندع هذا كله جانباً، بافتراض أن ليس له قيمة... لنأخذ قيم الغرب الذي يستخدم القانون عندما يبيد شعوباً ويقتلها لتحقيق مصالحه، ما الذي يفعله القانون في مثل هذه الحالة، ما هو القانون الدولي والمسؤوليات الخلقية؟ مجلس الأمن يضع قرارات تفسرها الولايات المتحدة الأمريكية كما ترغب، وتطبقها بما يخدم مصالحها!؟. إذن القضية مرتبطة في الأصل بتوازن قوى روحية ومادية قوى داخلية وخارجية، قوة قانون وقوة إيمان وقوة روح. هذا الأمر يجب أن يتكامل وعندما نفقده نصبح، رجالاً ونساء بأقنعة، نكون منضبطين أمام الشرطي والقاضي والمسؤول السياسي وعندما يذهب نلعب كما نشاء حتى من الداخل!! لا.. أنا أريد أن أكون منضبطاً من الداخل حتى عندما يغيب الحارس أو الرقيب الخارجي، لأن هذا ليس هو الأساس، الأساس هو الرادع الداخلي : الخلقي والديني والحضاري المعزز برادع خارجي لا بأس بوجوده. وإذا كان هذا هو أساس قوة الشخصية الحاكمة فهو مطلوب في شخصية المرأة كما في شخصية الرجل. فهل يتم الاتفاق على ذلك ومراعاته بما يليق بأهميته وضرورته!؟ إنني أتطلع إلى ذلك وأتمنى حصوله.‏

والله من وراء القصد.‏

الأسبوع الثقافي العاشر ـ حمص في‏

28-04-1999 / إدلب 6/11/1999‏

الأسبوع الأدبي العددان 680-681‏

(1) ـ هل تشارك المرأة في رسم الاستراتيجية مثلا،ً وهل تملك أن تخرج خارج حدود الاستراتيجية المرسومة، هذا السؤال هو الذي أريد أن أخرج أنا بالمرأة من دائرته لأسأل: لماذا ترسم الاستراتيجية خارج إطار مشاركة المرأة؟! لا شك في أن هناك أسباباً ومعطيات وجيهة. أما على صعيد ما ينبغي أن يكون، فلا بد أن تكون المرأة مشاركة ليس في التنفيذ فقط بل في التخطيط وصنع القرار.‏

إن رسم الاستراتيجية يتطلب أن تملك المرأة الرؤية والخبرة والقدرة، وامتلاك الرؤية والخبرة يحتاج إلى معارف ومقومات رئيسة وتجارب، وتلك المقومات والتجارب لن تعطى للمرأة بقرار، لأنها إذا أعطيت بقرار وقيل : عليها أن ترسم أو أن تشارك في رسم استراتيجية معينة وأن تخوض التجربة وتملك الخبرة، وهي غير مؤهلة معرفياً لذلك وليست راغبة فيه، فإنها سوف ترسم ما يضر بها ويضر بسواها إما عن جهل أو عن سوء تقدير وتدبير؛ لكنها عندما تمتلك القدرة على رسم استراتيجية في مجال معين، وعلى التفكير والتدبير بالشكل الكامل ـ ولن يكون ذلك إلا على أرضية وضوح أهداف المشروع القومي، والإيمان التام بتلك الأهداف التي ترسم استراتيجية لتحقيقها أصلاً ـ فإنها سوف تنتزع القرار الذي يعطيها الصلاحية من جهة ويجعل الاطمئنان إلى ما ستقوم به من عمل كاملاً من جهة أخرى؛ وعندما تمارس عملها وتحقق المصداقية تنفتح أمامها السبل. فأنا أطرح الموضوع على الرجل والمرأة معاً.‏

الرجل يحب أن يفسح المجال أمام المرأة للمشاركة في رسم استراتيجية تتحمل مسؤوليات التنفيذ فيها، والمرأة يجب أن تمتلك القدرات التي تؤهلها للمشاركة، وليس المطلوب أن تكون مشاركتها مجرد الجلوس زينة أو حالة رمزية على مائدة رسم الاستراتيجية؛ لأننا لا نريد فقط واجهة جميلة وحضارية أمام العالم تحت شعار أن المرأة عندنا ممثلة في كل المجالات، إذ أن المرأة تكون ممثلة عندما تستطيع أن تشارك فعلاً وتملأ مقعد المشاركة بكل القوة والاحترام والاقتدار، المشاركة ليست في الشكل.. في الشكل يمكن أن نضع في كل اجتماع زهرة من النساء ، كما نضع على مائدة الاجتماع زهرة في أصيص مثلاً.. القضية ليست هكذا، القضية في الجوهر، في البعد الحقيقي، في معنى الممارسة وضرورتها وهدفها ومردودها.‏

(2) ـ وفيما يتعلق بالمعلم والتربية والمناهج من هو المسؤول الأول عن تصحيح ذلك؟! أنا أريد أن أسأل هل رئيس مجلس الوزراء عندنا أو أي وزير، يقرأ المناهج ويعرف عيوبها، ويعرف كيف يتم التعامل معها في المدارس وما الذي ينعكس من جراء ذلك، سلباً وإيجاباً، على الطلبة أو على التلاميذ، وعلى العملية التربوية بمجملها؟!..لا.. وقد لا يكون مسؤولاً عن ذلك أصلاً ولا هو مطلوب منه.‏

إذن، أنت وأنا أيدينا في النار، ونحن نعرف ما المشكلة، إذا تعارضت قضية ما مع الأهداف العليا العامة علينا أن نناقش، وإذا لم تتعارض ويريدون أداء جيداً فنحن نصحح الأداء ونصحح أيضاً المنهاج ليكون الأداء جيداً، لأننا نحن مسؤولون بوصفنا آباء وإخوة، وإذا لم يحدث هذا فهو استقالة الشعب من وظيفته، أو استقالة الناس من مسؤولياتها، وتركها ملقاة في العراء وفي ظنهم أنها ملقاة على مسؤول ما في فضاء غير منظور الحدود.. في المطلق.!! هكذا يريدون، لأنهم هكذا يرتاحون. من هم الذين يريدون الخطأ، ومن هم الذين لهم مصلحة في استمرار الخطأ!؟ هل هم أيضاً المسؤولون، أنا أحياناً أطرح قضية على المسؤولين فيقولون: نحن نقول: نريد كذا ولا نلقى الشيء الصحيح ولا الأداء السليم، هم يشكون ونحن نشكو، إذن أين حدود المسؤولية في القضية؟!‏

القضية مسؤولية جماعية، كل واحد من موقعه يستطيع أن يصحح لأنه يعرف بحكم موقعه أكثر من سواه، ما الذي يحتاج إلى التصحيح وكيف يمكن أن نصحح؛ وإذا كان المسؤول يريد أن يتمسك بالخطأ ويقاوم من يريد أن يصححه، عندها يكشف الخطأ على الآخرين ويكشف المسؤول أمام الناس، ومن ثم نفعل إذا أتيح لنا أن نفعل، في يوم من الأيام، الديموقراطية التي هي قرار الأكثرية الذي يلزم الأقلية. لكن هذا يحتاج أيضاً إلى نضال وإلى وعي وتحمل للمسؤولية، وإلى تضحيات. وفي مجتمع تسود فيه العلاقات غير السليمة، يصبح من ينادي بعلاقات سليمة غريباً في المجتمع، أو أن يهمش أو أن يبعد أو يصفى بأشكال مختلفة: روحية أو جسدية، يعني معنوية أو مادية.‏

ومن هنا أقول بضرورة خلق مناخ يحمي القيمة والفعل السليم والسلوك السليم والإنسان الجيد، وهذا المناخ نحتاج إليه أكثر من حاجتنا إلى أي شيء آخر، وعلينا أن ندعو إليه لأنه الأساس في النهوض والتقدم، ولا يرسخه إلا معايير خلقية واجتماعية سليمة. أما بالنسبة للقوة التي يملكها نظام أو حاكم أو شخص ويسخرها لقمع الآخرين ولحرمانهم من ممارسة المواطنة الحقَّة والمسؤولية عن الحياة وفيها، فحكمها وحكمه في الناس : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد حثنا الدين الحنيف على أن نقوّم الخطأ بأيدينا فإن لم نستطع فبألسنتنا، فإن لم نستطع فبقلوبنا وذاك أضعف الإيمان. هناك شهوة لا نعرف ما مقوماتها، هي شهوة سلطة لابتلاع الآخرين.‏

هذه القضية لا يضع حداً لها إلا آخر حر شريك واعٍ مسؤول، يقول هذا حدي وهذا حدك.. أنت مؤتمن على شيء وأنا أحاسبك عليه بوصفك مؤتمناً مني ومن سواي عليه.. أنا لست للبيع وأنا لست عبداً عندك.. أنا مواطن وأنت مواطن، أنت تتحمل مسؤولية في الموقع الفلاني ترتكب خطأً أحاسبك أو يحاسبك الناس عليه.. تؤدي أداء حسناً نمجدك ويذكرك التاريخ، لكن عندما نخشى نحن ونخاف وننتهز و... و...و...الخ فإننا ننهزم ونضيع ونضيِّع، ويبطش بنا من يقدر كما يشاء ومتى شاء، ومن ثم يبيعنا للشيطان إذا استطاع. عندما نقول نحن مواطنون ونحن مسؤولون، ونحن لسنا للبيع تبدأ القضية وتبدأ المعالجة والمواجهة في آن معاً.‏

(3) ـ لا يريد الصهاينة السلام إلا تلبية لحاجات تكتيكية مرحلية، ووصولاً إلى مرحلة الاعتراف الرسمي بدولة لهم حيث يبنون انطلاقاً من ذلك مرحلة جديدة في مشروعهم المستمر. وهم عندما يقولون الأمن ومتطلبات الأمن لا يعنون فقط ترتيبات أمنية على بعض الحدود، لأنهم يقصدون المستقبل، إنهم يعملون على ألا نملك في يوم من الأيام لا قدرة ولا رؤية ولا قراراً ولا حافزاً ولا أسلحة، في حين يملكون هم كل شيء. وهم بتدرّجهم العملي يصلون إلى هذا، يوماً بعد يوم إن استطاعوا. لكن هل يسمح العربي بذلك؟! وإذا سمح عربي هل يسمح كل العرب بذلك؟! هنا السؤال - ومن هنا- أقول إن الصراع سوف يتجدد ولن ينتهي، ولا يمكن أن ينتهي فلا يوجد سلام مع وجود سيادة إسرائيلية في فلسطين، يوجد سلام عندما تعود السيادة العربية لفلسطين. وهذا لا يعني أننا ضد اليهود ككل أو ضد اليهودية كدين، وإنما يعني أن السلام يستتب على أرضية العدل عندما نسود فوق أرضنا، ويمكنهم أن يعيشوا كما كانوا يعيشون مع العرب مسلمين ومسيحيين ضمن إطار دولة في سيادة عربية، كما قال التاريخ وكما كان. أما اليهود الخَزَر وأصحاب المشروع الاستعماري فليعودوا من حيث أتوا لأن لهم أوطاناً وبيوتاً وسيادات ودولاً، وكل هذا موجود. لكن هل يتحقق هذا الذي نريد لمجرد أنه طرح منطقي أو طرح عادل!؟ أقول : لا.. إنه لا يتحقق إلا بالقوة. وما أخذ بالقوة، لا يستعاد بغير بالقوة. وعلينا أن نؤسس لامتلاك القوة ونحن لدينا طاقات وإمكانيات عقلية وعلمية يمكن أن تفعَّل وتستغل بنجاح، ونبدأ من بعد الطريق التي لا بد من أن يبدأ السير عليها بخطوة. هذه هي القضية الأساس بالنسبة لنا، أما مشروع إسرائيل، فهو مشروع غرس بقوة القهر، ولا يزول إلا بالقوة المنقذة.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244