|
تأمــــلات على مشارف مدينة تاريخية
عشرات الآلاف من الناس قضوا على طريق بناء المنشآت الحضارية الكبيرة الأهرامات ومقابر الملوك في الأسر المصرية القديمة، سور الصين العظيم الذي يمتد مسافة عشرة آلاف "لي" /5000كم/ ويصل بين حدود شرق الصين وغربها من أعماق الداخل إلى ساحل البحر، وكلف الكثير من المعاناة والدم والتضحيات والمال والوقت - مقابر تشينغ الأول - برج بابل ـ القلاع والحصون وقصور الأباطرة والملوك.. قناة السويس الخ../ عشرات بل مئات الآلاف من الناس قضوا في تلك المواقع التي نرى آثارها أو بقاياها أو معالمها اليوم ونقف ذاهلين عن أنفسنا حيالها معجبين بمن أمر بأن تشاد!؟ إنه جهد البشرية الخالد من جهة، ولكنه موت البشر المستمر على نحو ما، لكي تبقى شخصيات هانئة وآمرة، تنعُم على بساط يمتد فوق الجماجم والأنين والفقر المدقع وسيول الدموع!؟.
ولك أن تسأل: من الذي يصنع هذا يا ترى؟! أهو الإمبراطور أم الحاشية المتزلفة أم الذين تتأكَّلهم شهوة الأمر والتسلط على الناس، أم الذين يتطلعون إلى موقع متقدم في السلطة على حساب القيم والناس!؟ وهل يدرك الأباطرة والملوك ومن هم على شاكلتهم كل ما يجري في عهودهم من مآس ومظالم... هل يعلمون بذلك؟، أم أن ذلك مما تلفُّه الأسرار، ولا يجوز أن يصل إلى الأسماع المرهفة للعظماء الذين يبنون مجدهم بالجماجم والجثث والمآقي المتجمدة موتاً وقهراً ؟!
لك أن تسأل، ولكن ذلك لن يغير من النتيجة شيئاً، فالبشرية تعاني من أجل سعادة من يحكم ومن يملك، وتعاني من أجل أمنه واطمئنانه وسعادته، وهو لا يكف عن أن يحول نزواته وشهواته وطيشه وحتى فجوره إلى أفعال مقدسة، يكسبها الزمن هيبة ويسوغها طول الخضوع لها من أولئك الذين تسحقهم القوة أو يسحقهم موت الروح والكرامة في كياناتهم التي تدب على الأرض وتصعّر خدها للقوة!!
أثارت في هذه المشاعر والأسئلة زيارتي لمدينة " شيان" بين 18- 21/10/1999، وقد كانت زيارتي تلك للمدينة التاريخية التي كانت تدعى تشانغآن قديماً مثيرة وضرورية، فهذه المدينة التي تمثل البعد التاريخي والحضاري لشمال غرب الصين هي أول عاصمة في تاريخ الصين لأسرة تشينغ القديمة، وقد أسس تشينغ الأول مملكته على أرضها التي تشكل الآن مقاطعة شانشي/ عدد سكانها 36 مليوناً ونسبة السهل في هضابها التي تكون الهضبة الصينية الصفراء خمس المساحة العامة للمقاطعة. وسهل "شانشي" غني وخصب وفيه الكثير من الآثار لممالك متعددة تربو عدداً على الاثنتين والثلاثين مملكة توجد آثارها في واحدة وثلاثين "مقبرة" منتشرة في مساحات من الأرض، ويتدفق فيها أحد روافد النهر الأصفر من عنق أو شلال يدعى: فم الأسد ، حيث يجتاز السهلَ الغني بالمعطيات الحضارية والتاريخية ويزيده خصوبة تربة على ما فيه من خصوبة، بما يحمله إليه من الطمي. وتمتاز المنطقة اليوم بزراعة الحبوب وتربية المواشي، وبوجود الحيوانات البرية بكثرة فيها، ومنها الغزال البري، ولكن أكثر ما يميزها انتشار الجامعات والمعاهد العليا، لأن المنطقة تحاول أن تأخذ دوراً مهما في نهضة الصين المعاصرة، وتركز جمهورية الصين الشعبية اليوم بعض جهودها لتقوم هذه المقاطعة بدور في هذا المجال إلى جانب المواقع والمقاطعات الأخرى.
في (شيان) شاهدت مقبرة الملك تشينغ الأول مؤسس أسرة تشينغ، وعلى بعد ألف وخمسمئة من الأمتار تقع مقبرته المسوَّرة، التي هي قيد التنقيب الآن، يوجد موقع الاكتشاف العظيم في تاريخ الصين؛ حيث اكتشف فلاحون ثلاثة كانوا يحفرون بئراً في منطقة قريبة من العاصمة شيان عام 1974 اكتشفوا مقبرة الجنود الضخمة، التي وجد فيها أكثر من ثمانية آلاف تمثال من الفخار لرجل محارب وعدد من تماثيل الأحصنة والعربات الحربية، التي أعدت للدفاع عن الملك حين يدفن في قبره. وقد كانت فكرة طيبة جداً من بعض الوزراء في عهده، أن تقام تلك الصفوف من التماثيل الفخَّارية لمقاتلين بأسلحتهم وأزيائهم وترتيباتهم القتالية، بدلاً من دفنهم أحياء، لأن الملك أراد أن يدفن الجنود والضباط وهم أحياء في تلك المواقع لكي يحموه ميتاً ويحموا كنوزه التي ستدفن معه، ولكي يكون آمناً آمراً في حياته الثانية التي تبدأ بعد الموت!؟.
وقد شيد الصينيون المعاصرون أبنية ضخمة رائعة وأنيقة ولائقة، ذات تصميم رصين، فوق الحفر الثلاث التي تمت فيها الاكتشافات، ليحفظوها من تأثير عوامل الطبيعة فيها، كما شيدوا قاعة ضخمة من الرخام بأعمدة الغرانيت للعربتين اللتين تمثلان: عربة الملك وعربة الجنرال القائد للجيش، وأقاموا في الموقع متحفاً للمكتشفات التي أخرجت من هذه المقبرة.
سور المدينة القديمة الذي يمتد خمسة عشر كيلو متراً بعرض يتراوح بين 18- 22 متراً وعليه برج للقيادة وأبراج أخرى للدفاع من "طلاقيَّات" حجرية على ارتفاع متر، ونصف المتر من سطح السور الماثل باتجاه المدينة لكي يذهب الماء إلى الأهل في الداخل، يدل على القوة والقدرة والخوف الكامن في النفوس.. خوف على الحياة والممتلكات والسلطة والعرش!؟.. والسور قيمة معمارية تحيط به قناة مائية تشكل نطاق حماية خارجية؛ وقد أقيمت حول السور حديقة هي الأطول من نوعها بين الحدائق في الصين.
من فوق السور الذي يعتبر الجد الأقدم والأصغر لسور الصين العظيم، وعن بعد شاهدت برج الجرس يتوسط شارعاً عصرياً رئيساً عريضاً في مدينة "شيان"، وهو أحد أجزاء أحياء المدينة القديمة الباقية؛ وعلى مقربة من السور كانت تنتصب باغودا بوذية صغيرة على الطراز ذاته تقريباً الذي بنيت عليه "باغودا" - المعبد البوذي-السنونو الكبيرة في المدينة ، وهي الوحيدة التي بنيت على الطراز المعماري الهندي الصميم، حيث رافقت انتقال البوذية من الهند إلى الصين.
لم تطل زيارتي للسور، فقد سيطرت علي الرغبة في زيارة الجامع الكبير في شيان بعد أن شاهدت باغودا السنونو الكبيرة ومتحف النقوش لتعاليم كونفشيوس.
والجامع الكبير في "شيان" هو جامع التوعية " هواجيويه"، وقد بني حسبما قال لي الشيخ يوسف القيّم في المسجد، عام 742م وهو من أكبر المساجد في شيان التي يوجد فيها ستة عشر مسجداً، وربما كان هو الأكبر من حيث السعة في الصين، فهو يتسع لألف من المصلين في الداخل، عدا أولئك الذين يمكن أن يتجمعوا في الساحات والممرات وتحت الجواسق المنتشرة في المكان الذي يشكل قاعات أو أبنية في أقسام متلاحقة قبل الوصول إلى المسجد الواقع إلى الغرب من شارع برج الطبول.
في الطريق إلى المسجد مررت بحي برج الطبول، ثم في شارع البرج القديم وهو شارع يقطنه المسلمون، الذين شعرت بحضورهم على جانبي الشارع الرئيسي والآخر الفرعي حيث يبيعون التحف والمأكولات وما يذكرك "ببسطات" شارع البزورية في دمشق قرب الجامع الأموي، أو بمقاطع من المنطقة المحيطة بجامع الزيتونة في تونس، أو بحي الحسين قرب الأزهر الشريف على نحو ما.
كنت أحيي الناس ويحيونني بتحية الإسلام "السلام عليكم". وهناك شعرت بانتماء لهؤلاء البشر الذين يقتربون مني أكثر من سواهم بحكم شراكة ثقافية ودينية عريقة وقديمة ـ فقد دخل الإسلام الصين عام 651 م قبل أن يفتح قتيبة بن مسلم الباهلي مدينة كاشغر عام 711 م بسنوات ـ وبما تقدمه العقيدة المشتركة لكل فرد منا من تعاليم واحدة بفهم متقارب.
إن المسلمين في الصين عشرون مليوناً حسب الإحصائيات التي قدمها الشيخ يوسف وكنت قد سمعت ثلاثة أرقام لعدد المسلمين في الصين هي: اثنا عشر، وثمانية عشر، وعشرون مليوناً، ويبدو أن الرقم الحقيقي غير معروف فلا توجد إحصائية دقيقة في هذا المجال. قال لي الشيخ يوسف إن عدد المسلمين كان أكثر من مئتين وعشرين مليوناً من البشر في القرن الماضي ولكن حرب الفلاحين التي كان المسلمون عمادها في ريف شانشي قضت على معظمهم عام 1842م وهي الحرب التي كلفت مناطقهم بالذات الكثير من الدم والمعاناة.
بدا لي المسلمون الصينيون في أحيائهم مثل كثيرين من المسلمين في أنحاء مختلفة من العالم: بين الأكثر فقراً والأكثر خوفاً والأكثر تخلفاً، والأكثر ثورة على أوضاعهم بصمت قتال!؟ وعجبت لذلك أشد العجب، إذ كيف تكون أمة دعيت للعلم والجهاد ولأن يأخذ أتباعها نصيبهم من الدنيا ولا ينسون نصيبهم من الآخرة وأن يحسنوا كما أحسن الله إليهم، كيف تكون في مثل هذا الوضع؟! ورجحت أنني أقرب إلى الخطأ في التشخيص والتقدير والحكم، وشدني إلى ذلك الترجيح ما قرأته لروائية صينية معاصرة من المسلمين الذين عانوا من الثورة الثقافية في الصين، التي تذكر فلا تشكر، هي هودا/ أي هدى/ صاحبة رواية عاشق اليَشْم، فقد أشارت إلى تميزهم في مواقع وأعمال وأحوال، على الرغم من التفرقة أو التمييز الذي يستشعرونه.
ومن أيدي أولئك الأخوة في شارع البرج القديم، أو شارع الجرس كما يقول عنه بعضهم، ذقت الخبز، وفي أثناء تجوالنا كنت أشعر أنني منهم وأنهم مني.
في المسجد انشرح صدري قليلاً، وبينما كنت أدلف إلى قاعته الكبرى مارّاً ببوابة إثر أخرى، أو بقسم من البناء الصيني إثر آخر، وقفت عند بوابة كتب عليها ما يشير إلى أن وزير الدفاع المسلم من أسرة تانغ/ 618 ـ 907 / هو الذي ساعد على إقامة هذا المسجد الكبير.
جميلة هي الجواسق والنقوش، والكتابات في الدور الأربع التي تقطعها في طريقك إلى المسجد. وهزتني من الأعماق آيات القرآن الكريم المنقوشة على الواجهات العالية بخط عربي جميل ولسان عربي مبين؛ وتذكرت قتيبة بن مسلم الباهلي وفتحه لمدينة كاشغر 711 م ودخول الإسلام إلى هذه البلدان منذ أرسل الخليفة عثمان رضي الله عنه رسوله الأول إلى الصين عام 651م ليدعو للدين الحنيف بالحسنى والموعظة الحسنة.
لقد خدم العرب المسلمون العروبة والثقافة العربية، وخدموا اللغة والحرف العربيين بما أثل صروحهما ووجودهما في أقاصي الأرض، وجعل من تلك اللغة لغة علم وحضارة، ولغة عالمية راقية المكانة؛ وجاء عرب اليوم ببعض حكامهم وأحزابهم ليقزّموا الوجود العربي كله وليقتلوا نفس الحضارة العربية وحضورها، وليجعلوا من أنفسهم تبعاً للمركزية الثقافية الغربية ويقلدوا الاستعمار في تدمير هويتهم الشخصية وعقيدتهم وانتمائهم القومي، وتذكرت فتك الشيوعية والرأسمالية والصهيونية بالقومية العربية والإسلام معاً، وأنه مازالت تعشش في أركان وعقول ومكاتب ومراكز ومنابر من ديارنا أفكار وآراء وثقافات وتبعيات للمركزية الثقافية الغربية بعيدة كل البعد عما هو من تكويننا وفي مصلحتنا، وأنه ما لم نتخلص من داء التبعية هذا فلن تسلم صفوفنا وأفكارنا من السوس الذي ينخر بنية أعماقنا الروحية وبنيتنا الاجتماعية.
وصلنا إلى مدخل الجامع الكبير، ففُتِح لنا باب السياج الخشبي الذي يقف عنده الزوار عادة، فخلعت حذائي ودخلت -بدأت السكينة تتسلل إلى نفسي... منذ أيام بدأت رحلتي الرابعة إلى الصين ولم أشعر بشيء من الراحة الداخلية أو الانتعاش الروحي.. كان شيء من الفتور يشلني ليسلم الجسد وحده لرياضة تنال منه تعباً لا يكاد يطمئن إلى مكان حتى يفكر بالارتخاء والنوم.
شيء ما كان في أيامي القريبة الماضية مرهقاً إلى أبعد الحدود، وجعل جسدي بحاجة إلى الراحة وزادته متاعب رحلة طويلة شاقة حاجة إلى تلك الراحة. لله در هذه الآلة التي تستخدمها الروح من دون كلل، كم تبذل من جهد خلاق وكم تعوق الجهد الخلاق!؟!.
كان بهو المسجد ينقسم إلى قسمين، يبدو أنهما تمَّا بسبب أكثر من توسعة تمت للمسجد في تاريخه القديم: السقوف الخشبية المزخرفة تعيدك إلى جمال مساجد المسلمين الأوائل.. خطر الجامع الأموي بالبال ولكن ظهور المنبر إلى يمين الداخل باتجاه المحراب جعلني أتساءل لماذا يفصله جدار خشبي ومسافة عن المحراب يا ترى؟!
تابعت السير إلى النقطة المقابلة للمحراب.. ووضعت من يدي نسختين من القرآن الكريم كنت قد حملتهما معي من دمشق لأقدمهما للمسجد في هذه الزيارة، صليت ركعتين متيقناً من اتجاه القبلة للمرة الأولى في رحلتي هذه.
ارتاحت روحي قليلاً وبدأت أتلمس ذاتي التي غابت عني منذ أيام.. لا أعرف أين اختفيت في هذا العالم المكتظ من حولي بالمشاهد والكلام والمجاملات والتحديات الصامتة.
وحين خرجت من المسجد ومن حي المسلمين في شارع البرج القديم وجدت أنني أكثر قرباً من الناس وأنا أشرح لزينب/ المترجمة الصينية من قومية الهان/ معنى السورتين اللتين وجدتْهما منقوشتين على أحد أبواب الجواسق وهما قوله تعالى: قل "هو الله أحد.. الله الصمد"، ومعنى سورة "الحمد". ولقد شعرت أن هذه السيدة أقرب إلى روح الإيمان منها إلى الشيوعية التي تنتمي إليها.
بعد خروجي من هذه المواقع التي زرتها وعودتي إلى ذاتي لم يفارقني السؤال حول بشر يظلمون ولا يعملون بما يؤمنون به ، وآخرين يظلَمون ولا يعملون بما يؤمرون به!؟ خيل إلي أن التاريخ يمتد أمامي لاحِباً وشاحباً وقاتماً كأنه لم يمر بالأرض أنبياء ومصلحون ، ولم تنزل على البشر كتب مقدسة.
دمشق في 28/10/ 1999
الأسبوع الأدبي العدد 682
|