|
مؤشرات أميركية جديدة
لماذا الآن، وبعد قمة أوسلو بين كلنتون وباراك وعرفات، وفي الذكرى الرابعة للمقتول إسحق رابين، تعلن وزارة الخارجية الأميركية على لسان أحد مسؤوليها إنكاراً لوجود ما عرف بـ "وديعة رابين"، التي تشير إلى استعداد للانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران، في أثناء المفاوضات على المسار السوري -الإسرائيلي التي توقفت في واي بلانتيشن /شباط 1996/؟!
هل صحيح أن ذلك يجيء رداً على تصريح وزير الإعلام في سورية الذي أشار إلى عدم إنكار أولبرايت لهذه الوثيقة عندما زارت دمشق، أو عدم نفيها لوجودها؟! ولماذا الآن.. وقد ردد مسؤولون كثر في سورية على رأسهم وزير الخارجية الإشارة إلى ذلك مراراً وتكراراً قبل الآن ؟! ولماذا التركيز على تفسير أمريكي رسمي يقول: ما دام لم يتم اتفاق نهائي على شيء فليس هناك اتفاق على أي شيء؟! الذي يسترعي الانتباه أن هذا التصريح يتزامن مع:
1- تأكيد أمريكي واهتمام جدي بتحريك المفاوضات على المسار السوري- الإسرائيلي، لأن موقع سورية مهم في "عملية السلام"، ولأن المصلحة الأمريكية تستدعي أن يقوم "سلام دائم وشامل" في المنطقة. واستعداد الرئيس الأمريكي بيل كلنتون للقيام بزيارة لسورية والكيان الصهيوني في النصف الثاني من هذا الشهر، إذا كان ذلك يؤمن انطلاقة جدية "لعملية السلام" على هذا المسار، ويؤمن أيضاً انسحاباً "إسرائيلياً" من جنوب لبنان على أرضية اتفاق، وهو موضوع تعهد باراك بالانسحاب من الجنوب قبل نهاية تموز عام 2000 ويبدو أن للاهتمام الأمريكي صلة بالانتخابات الأمريكية القادمة، وبرغبة كلنتون في تسجيل انتصار سياسي كبير يختم به رئاسته الثانية والأخيرة، ربما، للولايات المتحدة الأمريكية.
2- عودة باراك إلى الإشادة بالرئيس الأسد وذكر فضائله وقدرته على القيادة، والإعلان عن تفاؤل بحصول مفاجأة قريبة على المسار السوري -الإسرائيلي وعودة المفاوضات خلال أسابيع أو أشهر قليلة".
وعودة باراك إلى هذا النوع من الكلام والتفاؤل، مصحوبة بتصريحات صهيونية و"إسرائيلية" أخرى تقول: "على سورية أن تقبل بـ 95% من الجولان قبل أن تخسره كله"، "وعلى سورية ألاّ تفكر بمياه طبريا وبانياس.. وعلى سورية أن تراعي متطلبات الأمن الإسرائيلي"، وعلى سورية أن تدرك وضعها الداخلي والعربي الذي لا يؤهلها لعناد وإصرار على مطالب غير واقعية.. وعلى سورية أن تلتحق بركب "السلام" وتوقع اتفاقاً على نمط أوسلو ووادي عربة.. وإلا فإنه لا مسوغ للهرولة وراءها.. إلى آخر ذلك مما يردده مسؤولون صهاينة من مستويات ومواقع مختلفة.
عودة باراك إلى هذا النوع من الكلام من الإنذار المبلغ رسمياً والمصرح به علنياً، والمؤكد والمؤيد في كل من الولايات المتحدة وأوربا، بأن "إسرائيل" سوف تنسحب من جنوب لبنان انسحاباً من طرف واحد إذا لم يتم اتفاق مع سورية ولبنان حول ذلك، وستقوم بضربات موجعة جداً ومدمرة للبنية التحتية في لبنان وللقوات السورية فيه، وقد تصل ضرباتها إلى مواقع في داخل سورية إذا ما تم القيام بأية عمليات ضد مواقع لها من قبل حزب الله أو أي مقاومة فلسطينية انطلاقاً من جنوب لبنان، بعد الانسحاب المقرر، والمتوقع ابتداء من آذار عام 2000.
3- ممارسة ضغط واستدراج أمريكيين، صهيونيين لتوسيع دائرة تطبيع العلاقات بين دول عربية والكيان الصهيوني، ومن ذلك رعاية أولبرايت لاتفاق وزيري خارجية موريتانيا والكيان الصهيوني على رفع العلاقات بينهما إلى مستوى سفارة، والتبشير بتطور العلاقات بين الكيان الصهيوني ورفع مستواها مع دول عربية أخرى في القريب العاجل. الأمر الذي ينخر ظهر الصامدين العرب، ويكسر ما تبقى من "جدار" التضامن العربي المزعزع، ومن قرارات مؤتمر قمة القاهرة 1996 ومقررات وزراء الخارجية العرب حول وقف التطبيع مع العدو الصهيوني.
4- الإسراع في إنجاز مراحل على طريق تصفية القضية الفلسطينية مع سلطة عرفات، والتلويح له بدولة منزوعة السيادة على 50% من أرض الضفة في مقابل الانتهاء من المواضيع المعلقة كلها والمرتبطة بما يسمى "مفاوضات الحل النهائي". وهي القدس واللاجئين والمستوطنات.. وذلك بالإقرار بالقدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني والقبول بأبي ديس "عاصمة" ملحقة "بقدس صهيونية" تكون عاصمة الدولة الشبح التي يلهث وراءها عرفات. وفرض توطين اللاجئين أو إذابتهم بكل الوسائل الممكنة ومنها الهجرة ودفع التعويضات.. والاستمرار في بناء المستوطنات التي حولت الضفة إلى كتلة تشبه عش الدبابير تنتشر فيه المستعمرات الصهيونية انتشاراً سرطانياً وتمنع تواصل القرى والبلدات الفلسطينية، أو تبقي اتصالها هشاً ومهدداً بل تبقيها معازل مسيطر عليها صهيونياً.
5- تعزيز قدرة جيش الاحتلال القتالية، وتزويد الكيان الصهيوني بكل أنواع الدعم العسكري واللوجستي والاقتصادي والسياسي والإعلامي. وتكوين خلايا متماسكة في الوطن العربي، بما في ذلك سورية، تعمل لخدمة الاحتلال والمشروع الأمريكي الصهيوني في اتجاهين:
أ- تيئيس المواطنين العرب من أي مستقبل لهم يحققون فيه نصراً أو قوة من أي نوع. وإنذارهم بالأسوأ من الظروف المعيشية في ظل الفساد والقهر والإحباط. وإن المخرج هو الاعتراف بالكيان الصهيوني وتطبيع العلاقات معه، والقبول بما يعرضه على حكوماتهم من حلول قبل أن يأتي وقت لا يبقى فيه ما يُعرض عليهم من حقهم.
ب- تكوين خلايا في أوساط المثقفين، تعمل على تزيين صورة الأميركي ومشاريعه وحلوله والتبعية له في ظلال الانبهار بما ينجز، وبمن هو في عالم "الفقراء الضعفاء المتخلفين".
وهناك تركيز يتنامى على الكتّاب، أخذ يواكب التركيز على الإعلاميين، الذي بدأ تناميه مع توقيع اتفاق أوسلو 1993 وهي خلايا شديدة الفتك في البنية الداخلية، وتلقّن بأنها محمية تماماً ولها أغطية من كل نوع، وتجرؤ بذلك على أن تعلن مواقف ضد كل من يرفض الانصياع للمشروع الأميركي -الصهيوني من المنطقة، من دون خوف أو خجل أو حياء وبارتفاع صوت يعيد إليك الماضي القريب يوم كان الطابور الخامس.. أي طابور خامس، يذرع وطن الأمة طولاً وعرضاً ويزرع أفكاره ويمارس إرهاباً ضد من يتعلقون برؤية وطنية قومية ويدافعون عنها.. لكي يحقق ذلك الطابور أهداف مستخدميه وحماته ومموليه.
إن المؤشرات التي ذكرتها، مضافاً إليها ما بين أقطار عربية رئيسة في موضوع القرار والتوجه العربيين: سياسياً، ودبلوماسياً، على الأقل؛ من برود وعدم توافق في الرأي والرؤية.. كل ذلك يشكل مناخاً جديداً يراد له أن يكون مسيطراً ومؤثراً حين تستأنف المفاوضات على المسار السوري اللبناني -الإسرائيلي، أو يراد أن يكون ضاغطاً ومؤثراً لكي تستأنف تلك المفاوضات حاملة قطوف ثمرها المر التي لا يلوح سواها في الأفق لكي يأكل منها الطرف الذي يطلب إليه أن يدرس هذه المعطيات جيداً، وأن يدرك خلفها، وما الذي يمكن أن يكون بديلاً لها، في ظل وضع دولي معروفة معطياته وتوازناته وتوجهاته، فيه:
1-روسيا التي تنشر خراباً ودماراً وقتلاً في الشيشان، محتاجة إلى من يسكت على ما تقوم به، ومستعدة لتقديم ما يساعد أولئك على السكوت.
2-أوربا مسلمة بدور ثانوي لها، ومستعدة للقيام بما تطلبه منها الإدارة الأميركية في كل ما يتعلق بالصراع العربي- الصهيوني.
3-الصين مشغولة بقضاياها وبترتيب ما تتطلع إلى ترتيبه من أوضاع وأمور حتى تتمكن من استعادة تايوان، وتمرير قرارات داخلية صعبة، ومواجهة توظيف الإدارة الأميركية لسلع سياسية، مثل: حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات العامة... وحقوق المرأة.. في معترك سياسي للضغط عند اللزوم.
والحصول على تَقَانَة عالية من كل الأطراف التي يمكن أن تقدم لها ذلك.. حتى من الكيان الصهيوني الذي يتعاون مع روسيا لتزويد الصين بطائرة متطورة هي في مراحل الإنجاز الأخيرة.
4-عالم إسلامي منهك ومنتهك.. تترامى أكبر بلدانه /أندونيسيا/ على الكيان الصهيوني.
وتلهث بلدان أخرى فيه عربية وغير عربية للحصول على رضا أميركي الذي يعلن أن باب الدخول إليه هو علاقات طيبة وحميمة مع: "إسرائيل". فاليهود الصهاينة في الإدارة الأمريكية وعلى رأسهم: أولبرايت وكوهين وصمويل بيرغر يعرفون كيف يوظفون الإدارة الأمريكية وطاقاتها وقدراتها العسكرية والاقتصادية والسياسية في خدمة "إسرائيل" بوصفها مرتكز الحركة الصهيونية ومنجزها ومنطلق مشروعها.. وهم صهاينة مخلصون لصهيونيتهم العنصرية.
يبدو لي.. مما أشرت إليه أن الإدارة الأمريكية قد رتبت مع الكيان الصهيوني موضوع فرض انطلاق المفاوضات على المسار السوري اللبناني-الإسرائيلي من دون ما تسميه "شروطاً مسبقة" أي من دون الوعد المعلن بانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران 1967، وأنها تريد أن تقف مع الكيان الصهيوني بوضوح في موضوع عدم عودة سورية إلى بحيرة طبريا /السيطرة على الشاطئ الشمالي الشرقي للبحيرة كما كان عليه الوضع قبل الرابع من حزيران 1967/ وإنجاز حل يؤمن ترتيبات أمنية ملائمة "لإسرائيل" وتطبيعاً للعلاقات معها، وانسحاباً لها من جنوب لبنان يضمن نزع سلاح المقاومة اللبنانية وعلى رأسها حزب الله، وتعامل مع الفصائل الفلسطينية الرافضة لأوسلو بما يضمن عدم قدرتها على الحركة، وقبول بمبدأ التوطين أو التهجير إلى العمق العربي لمن بقي ويبقى من الفلسطينيين خارج ما تقره مرجعية أوسلو التي غدت بديلاً لمرجعية مدريد ومرجعية الأمم المتحدة، ولا سيما القرار 194 الذي يحكم هذا الموضوع.
وأن البديل، في حال عدم الانصياع لهذا الإطار العام والمطالب العامة، هو الحرب والعزل والحصار وممارسة كل أنواع إرهاب الدولة باسم المجتمع الدولي، ذلك السلاح الذي تتقن الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها الصهيونية العالمية استخدامه والترويج لاستخدامه "نظافة" تشبه نظافة "السلاح الإسرائيلي" الذي طالما تغنى به الصهاينة، والغرب المتصهين حتى وهو يرتكب المجازر ضد المدنيين، ويقتل الأسرى في سيناء، ويقوم بقصف المدنيين، وبالعدوان البشع، وممارسة أنواع الاغتيال والتدمير والاستيطان بالقهر.
نحن مقبلون على مرحلة صعبة، تلوح بعض معالم راياتها في الأفق.. وهناك، فيما يبدو، دراسة دقيقة ومستمرة، واستفادة مدروسة بإتقان وتعمق وشمول من كل أوضاع مضطربة، وتفاعلات داخلية، وفساد وتواكل وتخاذل، ودروب تتبدى شبه مسدودة.. أمام الناس في كل قطر عربي، ولا سيما من الأخطار المعنية مباشرة بالصراع العربي- الصهيوني وبأداء مشرف في إطاره، يحافظ على المبادئ ويمكِّن من الحقوق.
ويبدو لي أن خير معين لنا فيما نحن فيه، أو فيما نحن مقبلون عليه، أو هو مقبل علينا، من أمور صعاب، هو من أنفسنا أولاً..
والله ولي التوفيق
دمشق في 4/11/1999
الأسبوع الأدبي العدد 683
|