|
وقفة أمام حالة اضطراب
ليس من عادتي أن أكتب عن أسئلة تلقى علي ، وأكتفي بالإجابة على ما أسأل عنه في حينه، ولكن سؤالاً يعبّر عن روح جريح، طرحه شاب عليَّ في إحدى المحاضرات التي ألقيتها، استوقفني بعد المحاضرة وألح عليَّ فوجدتني أقارب ذلك السؤال مرّةً أخرى. ربما كان ذلك لأنني وجدت ذلك الشاب وهو يلملم شجونه وأفكاره وجراح نفسه ليعبر عما أراد التعبير عنه؛ في وضع من يستشعر أنه وجيله ضحية الآخرين!؟ وربما لأنني استشعرت نوعاً من الصراع العميق يكتسح نفوس بعض الشباب ويحتاج الأمر إلى الدخول في بعض معطياته. وهاأنا أعيد طرح السؤال بهدف مقاربته، فلعل في ذلك فائدة وشفاء.
قال لي الشاب: "يا سيدي، أثرت في نفسي جراحاً وأي جراح. أولاً في الشارع العربي.. قرأنا وأنا من جيل لم يعاصر فترة المد الثوري، قرأنا أنه في عام 1948 عام النكبة وقف المواطنون العرب في وجه "إسرائيل"، وفي عام 1956 قرأنا أن الشعب العربي وأقول العربي لا المصري حصراً وقف في بور سعيد، وقرأنا عن 1967، كيف أعاد الشعب العربي والشارع العربي معاً أحد الزعماء العرب وهو - عبد الناصر.؟
وفي حرب تشرين وقف العرب صفاً واحداً، هل أقول إننا في عام 1990 وخلال حرب الخليج ولا أقرك على التسمية بأنها الثانية، لأن حرب الخليج الأولى أصلاً لم تكن حرباً وإنما كانت ضربة نحن كنا أول ضحاياها، في حرب الخليج الثانية وقفنا (نتفرج) عليها نحن العرب على شبكة الـ CNN ، كل هذا جرح أول.
الجرح الثاني، أود أن أسأل الآن بعد خمسين عاماً من التجارب القومية العلمية، أنت كمفكر عربي هل توافقني بأننا أنكرنا روحانية القومية العربية بشقيها الإسلامي والمسيحي، وبرأيك هذه الخمسين سنة التي ضاعت من يتحمل مسؤوليتها أنا؟ أبناء جيلي؟ الذين نصعد لنرى أننا كمواطنين عرب خارج دائرة الوعي وخارج دائرة القلق كما قلت خارج دائرة الفهم، نحن مهمشون يا سيدي، نحن على هامش التاريخ.
الحالة الثالثة أو الجرح الثالث، أريد أن أسأل... قلت لنا: كما تكونون يولّى عليكم، لماذا لم تقل: الناس على دين ملوكهم!؟.".
انتهى سؤال الشاب ، وهو كما تلاحظون مشحون باللوم والغضب والثورة الصامتة من جهة، وبمعطيات مبنية على تاريخ من جهة أخرى. كيف قدم له ولسواه ذلك التاريخ ، كيف قرأناه وقرؤوه، كيف تعاملنا معه ويتعاملون معه، كيف لقناه ونلقنه للناشئة وكيف يكون استقبالها له؟!... تلك إحدى معضلاتنا. ولكن القضية لا تتوقف عند حدود التعامل مع تاريخ مضى ومع تسجيله، بل تتصل بحاضر وبمستقبل يبنى على التاريخ من جهة ويؤثر فيه التاريخ من جهة أخرى.. وبقضايا مصيرية لم تحسم بعد، فهل نقول نحن وهم اليوم بنهاية التاريخ أو بنهاية تاريخ يا ترى ، أم أن القضايا التي تشغلنا وتشق نحورنا ما زالت حية ومؤثرة وتصنع التاريخ، أو تدعونا إلى صنعه؟! إن القضية ذات شجون، ولا ينبغي أن نترك أبناءنا وأجيالنا نهباً للشجون والضلال والوهم ولقوى الأعداء، التي تنوشهم بل تفتك بهم، لا سيما في مجالات الثقافة والإعلام والتربية كل يوم ، وتحاول أن تفتك بإرادتهم وتسعى لإعادة تكوين ذاكرتهم ووجدانهم وأسس محاكماتهم المنطقية ومعطيات تلك المحاكمات في كل ساعة من ساعات الليل والنهار؟!.
في حرب الـ 1948 وقف الشعب الفلسطيني في مواقع عديدة ضد العدو الصهيوني، قاوم بأشكال مختلفة، لكن كانت هناك فروق جوهرية بين الشعب الفلسطيني المسلح بأسلحة بدائية والقوات الصهيونية، ومعها القوات البريطانية، التي كانت موجودة ليس في فلسطين المحتلة فقط بل بين القوات العربية على نحو ما.
جزء كبير من القوات التي شكلت فيما بعد ما سمي "جيش الدفاع الإسرائيلي"، حاربت في الحرب العالمية الثانية، وزودت بأسلحة متقدمة منها السلاح التشيكي، الذي حاربونا به في عام 1948. أما من كان يملك سلاحاً من بين أبناء شعبنا الفلسطيني فقد كان عنده خنجر أو "بارودة عثمانلية" من نوع قديم أو كان عنده عصا أو....الخ؛ أما الجيش العربي الذي "دخل الحرب"، وكانت جيوش سبعة كما قرأنا وتقرؤون، فلم يكن جيشاً بالمعنى الدقيق للكلمة أتى ليقاتل ويحرر. كانت الجيوش " السبعة" بقيادة الملك عبد الله أما الآمر الحقيقي فهو البريطاني غلوب باشا، وغلوب باشا هو جزء من المشروع البريطاني لتسليم فلسطين لليهود تنفيذاً لوعد بلفور، أي تنفيذ المشروع على الأرض. والجيوش التي اجتمعت فقد كانت تعد في حدود، كما يقدرون، بين عشرة وعشرين ألفاً ، ولم تأتِ تلك "الجيوش"بأمر واحد تحقيقاً لهدف واحد.. كان هناك قضية (ماكو أوامر) في الجانب العراقي كما نذكر، وكان عهد استقلال حديث في سورية ولم يكن هناك جيش منظم بالمعنى الدقيق والحقيقي للكلمة. هذه القضايا المعروفة لا بد من أن تبقى بمتناول أجيالنا. وإذا كانت هناك هزيمة منكرة فلأنه لم تكن هناك أصلا إمكانية ما لنجاح حقيقي في حرب 1948 بالنسبة للعرب بكل المقاييس.
لقد كان هناك تهويل دعائي غربي ـ صهيوني ضخم، وما زال ذلك التهويل مستمراً ومستخدماً ضدنا، حيث يقول الصهاينة: "حاربنا سبعة جيوش عربية وانتصرنا عليها، كانت ستبيدنا ولكننا انتصرنا ولذلك بقينا ونستحق الأرض التي أخذناها"!؟. هذا إخراج سياسي ـ إعلامي يتم لمصلحة الكيان الدخيل والحركة الصهيونية؛ وهو يؤثر في العرب والغرب على حد سواء، عند العرب يفتك بالإرادة ويثبط الروح وعند الغرب يشيد بالبطولة ويغذي الأسطورة. وهو درس للعرب ما زلنا نردده بسلبية حتى اليوم ولا نستفيد منه أبداً، أننا نبتلع الوهم والكذب الذي يفتك فينا عميقاً حين نقول : إن الأمة العربية حاربت "إسرائيل" وانهزمت أمامها. الأمة العربية لم تحارب "إسرائيل" في يوم من الأيام ، لقد حاربت بعض الأقطار وفي مواقع معينة وفي ظروف معينة وبشكل محدود، وكانت معظم الأقطار العربية تقف بعيداً عن ساحة المعركة، تتفرج أو تصرخ أو تبكي أو تتشفى، لم تحارب الأمة العربية مجتمعة وانهزمت، بل أكاد أقول : إنها لم تحارب الكيان الصهيوني قط، بالمعنى الشامل والدقيق للكلمة.
مثلاً .. في بور سعيد حاربت مصر، قاوم الشعب المصري بشكل ما، ووقفت الأمة العربية معه وقوفاً رمزياً، بعضها حرك الجيوش وبعضها أرسل فصائل رمزية، أما التعاطف الشعبي والتأييد السياسي والإعلامي فقد كانا شاملين ؛ وكانت تلك المعركة ، ومن ثم النجاح في المواجهة أو الصمود فيها هو الذي شكل بداية انتشار الصوت القومي الذي حمله عبد الناصر على مستوى الوطن العربي بتأثير من أحداث السويس ، فبعد بور سعيد، أصبح لصوته تأثير في الشارع العربي كله وفي سياسة الأقطار العربية بشكل واضح، وتعزز هذا في عهد الوحدة، لكن الحقيقة التي بقيت على الأرض هي أنه في أثناء العدوان الثلاثي على السويس وبور سعيد تم احتلال أرض من قبل المعتدين وتمت السيطرة/ الصهيونية الفرنسية البريطانية/ على قناة السويس وعلى شبه جزيرة سيناء. الشعب المصري، والأمة العربية لم يحررا قناة السويس وسيناء بقوة السلاح، إن توازن القوى بين معسكرين متناحرين من جهة، ومحاولة المعتدين الثلاثة/ التحالف الثلاثي/ العمل من وراء ظهر الولايات المتحدة الأميركية بما يشكل تهديداً مستقبلياً لمصالحها في المنطقة وسيطرة مستقبلية لها على قناة السويس..الممر المائي الحيوي الهام، هو الذي أجبر التحالف الثلاثي على الخروج من قناة السويس وأجبر " إسرائيل " بالدرجة الأولى على الانسحاب من سيناء. وإذا أردنا أن نستمر في ترديد الأغاني والمواويل ونقول حررنا وعملنا فذلك ضرب من الإشادة بصمود الإرادة وسلامة الموقف وبالتضامن العربي وبروح القيادة القومية التوجه، وبموقف الشعب وتماسكه خلف قيادته ، وهي قضايا إيجابية كان وما زال من الضروري التركيز عليها؛ ولكنها ليست كل شيء في المعركة. لم نحرر الأرض بقوة عربية مسلحة، وليس بقوة عسكرية استطاعت أن تهزم العدوان في ساحة المعركة وترده خائباً خاسراً، وتحرر الأرض من المحتلين.إن الذي أجبر المحتلين على الانسحاب من الأرض المحتلة آنذاك هو توازن القوى وتدخل الأمريكيين والسوفييت ضد التحالف البريطاني - الفرنسي- الإسرائيلي- لأنه تحالف تم من وراء ظهور أولئك ، فأنهى ذلك التدخل القضية بسرعة.
وفي عام 1967، نحن لم نحارب لقد انهزمنا فقط، لأن ضربة قاسية ومفاجئة وجِّهت لمصر في الساعات السبع الأولى أنهت الطيران المصري، وكشف العدو من بعد ذلك كل المواقع والقوات، وصار الانهزام عاماً، ومن ثم تحول الصهاينة إلى الجبهة السورية وانتهى العدوان الصهيوني كما نعرف باحتلال الجولان وسيناء، في ظل تواطؤ غربي كبير وتشف حاقد مكشوف...إلخ.
لكن في عام 1973 حاربت كل من سورية ومصر حسب خطة مزدوجة الأهداف، لقد دخل السادات الحرب، على عكس كل ما نعرف، دخل بقرار داخلي، أي باستراتيجية داخلية مصرية، لتحريك الموضوع الجامد والقضية الساكنة التي أثرت على أوضاع الملاحة الدولية وألحقت بمصالح مصر ودول كثيرة أضراراً جسيمة. وكان هناك نوع من الاتفاق الضمني مع الأمريكيين على تسخين المناخ العام وخلق واقع جديد يسمح بتحريك القضية المستعصية على الحل.. وكانت الشكوى قائمة من الغطرسة الصهيونية والمغالاة في الذهاب إلى حدود الوهم الأسطوري بقوة الجيش الصهيوني الذي لا يُغلب.. كان لا بد من الانتقال إلى الضفة الأخرى من القناة ومن ثمة التفاوض. لقد تمت الحرب بقرار عربي وبتخطيط عربي تامين. ودخل الحرب مع سورية على أساس تحرير الأرض المحتلة كلها ودخلت سورية الحرب على هذا الأساس.. ولكن هل كانت الأمور في العمق بعيدة كلياً عن " صديقه كيسنجر، التي أحدثت الدفرسوار وهيأت لكل من الطرفين : المصري والإسرائيلي نصراً وهزيمة في آن معاً ومن ثم قادت إلى الخيمة / 101/ فكامب ديفيد!؟
إن الأهداف التي بنيت عليها الاستراتيجية كانت مختلفة على نحو واضح بين الطرفين العربيين الرئيسين اللذين دخلا حرب تشرين / أكتوبر 1973/ القرار المصري هو التحريك والقرار السوري هو التحرير، ولذلك وعندما تجاوز الجيش المصري القناة بعبور تاريخي رائع لا مثيل له في تاريخ الحروب، بدأ يحكي بمنطق المدحلة الروسية، أي التحرك ببطيء ساحق ..وهو لا يتحرك عملياً، فانتقلت معظم القوات الصهيونية التي كانت تدعم بجسر جوي أميركي لم يسبق له مثيل حتى ذلك التاريخ، انتقلت إلى الجبهة السورية وردت الجيش السوري الذي اخترق خطوط دفاع العدو المحتل ووصل إلى ضفاف بحيرة طبريا. وكان أن احتل الكيان الصهيوني أراض سورية جديدة غير الجولان وهدد دمشق كما احتل أراض مصرية وهدد القاهرة!؟!
لقد كان التضامن العربي يومها رائعاً ، وأُدخل النفط سلاحاً في المعركة لفترة محدودة، وبتطبيق محدود لقرار استخدامه سلاحاً أيضاً، وشاركت قوات عربية في القتال على الجبهتين السورية/ مغربية وعراقية وسعودية/ والمصرية/ جزائرية/. لكن في عام 1973 أيضاً، وفي 26 أيلول منه، أي قبل حرب تشرين / أكتوبر/ بعشرة أيام فقط ذهب الملك حسين بطائرة / حوَّامة هليكوبتر/ عبر الجولان حطت في قرية مسعدة حيث غير الطائرة هناك بأخرى " إسرائيلية"، ذهب إلى غولدا مائير رئيس وزراء الكيان الصهيوني آنذاك ليخبرها بأن سورية ومصر ستشنان حرباً عليها في القريب العاجل!؟! إذن هل كان العرب في يوم من الأيام يتخذون قرار حرب واحداً!؟؟ نعم كان هناك تضامن عربي رائع دام ستة أشهر / من تشرين أول 1973 إلى نيسان 1974/ أدى إلى النتائج الجيدة بالنسبة لحرب تشرين والقضية الفلسطينية ، حيث قبلت المنظمة للمرة الأولى عضواً مراقباً في هيئة الأمم المتحدة، ولكن لم يكن العرب في معركة موحدة أو واحدة بقلب واحد وقرار واحد وهدف واحد وخطة واحدة واستراتيجية مشتركة!؟.
وقد أسس التضامن العربي في حرب تشرين عملياً، أسس لأحداث عام واحد وتسعين وتسع مئة وألف بشكل ما وعلى نحو واضح، إذا ما أحسنَّا القراءة والاستقراء والاستنتاج. في عام 1974 عندما بدأ تضامن عربي وفعّل سلاح النفط، بدأ تشكيل قوة التدخل السريع في الولايات المتحدة الأمريكية، وعندما بُدئ بالحرب ضد إيران وانتقلت إيران من حارس للخليج إلى قوة مع العرب وقوة مناقضة للمشروع الأمريكي الصهيوني، وبدأت الحرب العراقية -الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات وخرج العراق منتصراً، زج به على نحو معين في حرب مهلكة باتجاه الكويت، وكانت تلك الأحداث التي وقف خلفها الأمريكيون ـ ولنتذكر إبريل غلاسبي وقشور الموز التي تزحلقت عليها القيادة العراقية التي كان لديها نزوع للتزحلق على البساط الأمريكي بشكل ما ـ المدخل لاحتلال مباشر لمنابع النفط في الخليج العربي حتى لا يفعّل العرب في يوم من الأيام سلاح النفط مرة أخرى في أي صراع لهم مع الكيان الصهيوني أو سواه، وتحقيقاً لأغراض ومصالح أمريكية أخرى بالدرجة الأولى؛ فتم الاحتلال المباشر للأرض الغنية بالثروة النفطية وللموقع الاستراتيجي الهام : الخليج العربي . ووقع العرب للمرة الـ... في الفخ: في فخ الغباء أحياناً، أو في فخ التآمر، أو في فخ التضاد والتناقض... فكل القضايا إذن بحاجة إلى بحث وتمحيص وتفصيل وتدقيق وتشريح أكثر لاستخلاص الدروس والعبر، وللاستفادة من الدروس والعبر.
لكن، بشكل عام، مسؤوليتنا أن يُقَدَّم تحليل صحيح للأمور ووقائع دقيقة وموثقة وسليمة للأجيال الحاضرة والمستقبلة تبنى عليها المواقف والاستراتيجيات، مسؤوليتنا أن نقدم ذلك ونطالب بتقديمه بصراحة وجرأة وشجاعة، من خلال وثائق ورؤية علمية، ومسؤوليتنا تقضي بأن نرفض مجرد كتابة إنشائية أو ظنية تخرُّصية للتاريخ كما يحلو لشخص ما أن يكتب التاريخ ويسرد الوقائع ويفسرها ، على طريقة بَرّئني وأدن غيري.لا...هذا لا يبني عقلاً نقدياً ولا يقدم موقفاً نقدياً تحتاج إليه الأمة ، كما أنه يبقى غير كاف لتُبنى عليه استنتاجات شاملة تهم الأمة، ويمكن أن تبني عليها بناء استراتيجياً مستقبلياً راسخاً. فالأمة، إن لم تستفد مما مضى حتى الآن فإنها ينبغي أن تستفيد منه على أرضية الواقع والوقائع والتعامل العلمي والعملي معهما.
أما من يتحمل المسؤولية .. فإنه يتحملها حيال الجيل الحالي والأجيال القادمة والقضية المركزية لنضال العرب المعاصر: كل مسؤول وكل شخص فيها، لكن هناك أشخاص في موقع متقدم من درجات المسؤولية يتحملون أكثر من سواهم، وهناك أشخاص في موقع القرار هم أدرى من سواهم ببعض الأمور والوقائع والحقائق، وهم أقدر على التبيين بحكم الموقع والاطلاع والمسؤولية المباشرة، وهم أيضاً أكثر عرضة للمسؤولية من سواهم بحكم الصلاحية التي يملكون والقرار الذي يتخذون... وكل أولئك مسؤول عن الماضي من جهة وعما آلت إليه الأمور الآن من جهة أخرى .. ولكن هذا لا يعفي الجيل الحالي والأجيال القادمة من مسؤولية ولا يجعلها مجرد ضحايا تطلب الشفقة وتلهج بالإدانة، كما تحاول أن تصور نفسها في نزوع واضح للتنصل من المسؤولية من جهة والتنصل من التبعات ومن ثمة من القضية وأعباء الصراع الذي لا بد من استمراره لتحقيق الأهداف المشروعة والعادلة والنبيلة التي لأمتنا ، لأن الأمم لا تنتهي مسؤولياتها عن أهدافها وقضياها الكبرى بانتهاء مسؤولية شخص وغيابه، أو بمضي جيل وغيابه، أو باضمحلال إرادة فئة وسقوطها.. لأن قضية أمة ما متواصلة الحلقات والتبعات، تتوارثها الأجيال كما تتوارث الحضارة والهوية والتركات المالية والأعباء القومية وصفحات التاريخ بائسة ومشرقة.
لقد كانت هناك ظروف قاسية أيضاً، ظروف أكبر منا جميعاً، وعلينا ألا نُبعد موضوع التآمر الدولي علينا أو نستبعده كلياً من الموضوع، لأن المشروع الصهيوني مشروع تآمري والوضع منذ الخمسينيات تآمري من الدول الاستعمارية على الأمة العربية. الخط القومي عندما أُبطل مفعول مده أو أوقف ذلك المد بتحويل الصراع إلى صراع داخلي بين تيارات وتوجهات وأحزاب وسياسات وأنظمة عربية وليس ضد العدو الرئيس، أي بوضع البعث ضد الإسلام، الإسلام ضد البعث، والشيوعي ضد القومي، والقوميين بعضهم ضد بعض..إلخ دخلنا في واقعة أن يصفي بعضنا بعضاً أو يبطل كل منا قدرة الآخر ويخضد شوكته ويبطل همته، وبذلك يرتاح العدو ويؤسس لقوته وسطوته واستعماره المديد. في تلك الفترة، ومنذ عام 1956، بدأت في الكيان الصهيوني عملية تأسيس القوة النووية، بينما كنا نحن نتقاتل في الشوارع، عروبة ضد الإسلام، أو إسلام ضد العروبة، والشيوعية ضد الاثنين معاً... كيف تم هذا! أين غيب الوعي وكيف؟ وأي وعي يضع هذا النوع من الصراع موضع التنفيذ، في ذلك الوقت الذي كان فيه العدو بحاجة لكل دقيقة من الوقت ليبني قوته ويرسخ وجوده ويعزز استيطانه واستعماره في وطننا، ويغيب حضورنا ووعينا بأشكال مختلفة؟! الذي وضع هذا النوع من الصراع الداخلي موضع التنفيذ قوة خارجية وأخرى داخلية تأتمر بأمرها، تعملان على خدمة مشروع الصهيونية بأشكال مختلفة وترسخانه بوسائل متعددة، ولا يطيب لهما إطلاقاً أن تقوم هنا قوة على أرضية واضحة من تواشج عضوي تاريخي بين العروبة والإسلام، قوة تجمع بين الإيمان والعلم والقوة ومشاريع التحرير، وتشد الشارع العربي إلى قضاياه وصراعه الرئيس مستفيدة من حقائق تكوينه ، أو مستقرئة حقائق ذلك التكوين؟!
الشعوب تقع في أخطاء، ونحن لسنا أول شعب ولا آخر شعب يقع في أخطاء، ولكن إلى متى يستمر التخبط والتردي والمكوث في دائرة الخطأ؟! وإلى متى تستمر حالة المكابرة والغي في المواقف العصابية والحالات العصبية، بينما الأمور واضحة والمحيط من حولنا يضج بحقائق مواقفه وتوجهاته وعدائه لنا ونيله منا؟!
لكن هناك قضية مهمة جداً؛ ألاّ نؤمن بأننا انهزمنا بوصفنا أمة، وأنه ليس لنا مستقبل بوصفنا أمة جسدها العروبة وروحها الإسلام. إن الحرب الآن تدور حول إرادتنا وبنية ذاكرتنا ووجداننا وهويتنا الحضارية وثقافتنا العربية الإسلامية؛ فهل ندرك الخطر بعد أن طَمَّ، وهل نتصدى له بعد أن عم !؟
ومن الأهمية بمكان ألاّ نقتنع بأننا غير قادرين على تحقيق نصر وامتلاك قوة، فالهزيمة من الداخل هي من أخطر عوامل الهزيمة وأشدها فتكاً، وهي تؤدي إلى أخطر أنواع الهزائم وهي المقدمة لكل الهزائم. وهذا ما يركز عليه أعداؤنا في الإعلام وفي التثقيف وفي التوجه المراد لنا حين نقارب مواضيعنا التربوية.... في ....الخ.
فإيَّانا أن نفقد الأمل أو أن ننهزم من الداخل، لأن هذا أهم ما يريدون.
أمّا الشق الثاني من سؤال السائل: الناس على دين ملوكها، فهذا قول يمكن أن نقرأه في حوادث ووقائع ، ولكنه لا يصلح لكل الوقائع والحوادث ولا ينطبق على كل الحالات والشعوب؛ يمكن أن نجد مصداق ذلك القول مثلاً في روسيا القيصرية التي أدخلها في المسيحية قيصرها في القرن العاشر الميلادي عندما آمن ذلك القيصر بالمسيح، فصار رعاياه على دينه.. دين ملوكهم.. والأمثلة على ذلك كثيرة .
لكن الوضع مغاير في حالات وأمصار وأزمان كثيرة.. فهل كان هذا مثلاً يحتذى عند نزول الديانات السماوية؟! هل كان هذا صادقاً مثلاً في وضع السيد المسيح عليه السلام مع أباطرة روما وأحبار اليهود؟!هل كان المسيح ملكاً، وهل كان محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ملكاً وقال كل منهما للشعب: هذا ديني أنا فكونوا على شاكلتي، أم قال كل منهما للناس: هذا
دين الله، وهذه تعاليم الرب، وكونوا أحراراً وكونوا سادة وكونوا كرماء ومتساوين واختاروا الحق والإيمان ولا تختاروا الكفر والظلم واتباع الظالمين؟! هل قال أحد منهما للناس أنا نزّلت عليكم كذا وكذا.. أم قال كل منهما للناس: أنا أُرسلت إليكم بكذا ..ونزِّل إليكم من عند الله كذا .. و.. أنا هنا اليوم وذاهب من هنا غداً فاتبعوا دين الله وهديه وتمسكوا بذلك ولا تكونوا مع الظالمين، وكونوا حرباً على من يخرج عن دين الله من ملوككم ؟!، لم يكن أي منهما ملكاً أو تابعاً لملك أو على دين ملك، ولم يدع أي منهما أنه يدعو لنفسه ولأن يتخذه الناس إلهاً ويعبدوه من دون الله!؟. ومن الجميل الأخاذ أن نستذكر ذلك السؤال الرقيق الرائع الجمال الذي، ساقه القرآن الكريم في سورة المائدة: (( وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟! قال سبحانك! ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ))/ المائدة 116
عندما أتى محمد بن عبد الله (ص) برسالة الإسلام، لم يقل للناس آمنوا بي أو هذا ديني أو كونوا على شاكلتي، وإنما حاول إقناعهم بدين الله فضربوه وتحمل أذاهم وصبر وانتصر....الخ ثم انتشر دين الله عقيدة مستقرة في الأرض وفي أرواح الناس. وجاء في القرآن الكريم: "إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة".
حامل رسالة الدين أو المبشر به لم يحمل رسالة الملوك ولم يدع إلى أن يكون الناس على دين ملوكهم، ولا هو ممن يؤمن بالملَكية، وليست هذه القضية صحيحة أصلاً. لكن لعبارة (كما تكونون يولى عليكم) معنى مغاير: أنه إذا كنتم على غير خلق وقوة واقتدار وإيمان وإدراك، أتى من يتحكم بكم ويبطش بكم ويذلكم ويلغي حريتكم ورأيكم ورؤاكم وعقيدتكم وإيمانكم ، ويشكِّلكم على هواه فتطيعونه وتعصون الخالق ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق حسب القاعدة الفقهية الشرعية الإسلامية. وإذا كنتم على معرفة ووعي وتماسك واقتدار وخلق وإيمان، أوكلتم أمركم لمن تحاسبونه على ما ائتمنتموه عليه عندما يكون حساب، وتنزلونه المنزلة التي يستحق؛ فتكرمونه عندما يستحق التكريم، وتقوِّمونه عندما يحتاج إلى تقويم، وتحقِّرونه عندما لا يجدي معه سوى التحقير، ولا يليق به سوى ذلك. إذن يعود الأمر لرأي الجماعة ووعيها حسن إدراكها لأمورها، ولمسؤولية أهل المسؤولية من أبنائها، وللعمل على أساس من خلق وإيمان ومعيار سليم بين ظهرانيها.وهذا يختلف باختلاف الناس والأزمان والبلدان والحالات العامة التي يمر بها شعب ما وبلد ما.
دمشق الأربعاء، 10 تشرين الثاني، 1999
|