|
باراك بعيون عرفاتية
تأخذني حالة إعجاب عرفات بشركائه الصهاينة في ما يسميه : " سلام الشجعان"، تأخذني إلى حدود التيه في تفسير ما لا يقبله العقل من تفسير، وأتوقف من آن لأخر أمام حلقات من ذلك الإعجاب "الإعجازي" الذي يتبدَّى هنا وهناك، في هذه المناسبة أو تلك، ويتجلى في تصريحات وممارسات وتنازلات، ومجاوزة لحقوق تاريخية ومقدسات إسلامية ومسيحية، وشهداء وتضحيات وحريات وكرامة شعب، ما بخل يوماً بالتضحية والعطاء والولاء، فأزداد عجباً من تجاوز على حقوق ومعطيات .. مما يتصل بأمة وشعب وثورة، يجيِّرها شخص لحسابه ثم يضعها بتصرف الأعداء؛ شخص تثير تصرفاته وممارساته وكلماته الشك في كل ما يتصل بالانتماء لتلك الأمة وبالوفاء لنضال ذلك الشعب، والإخلاص لأهداف تلك الثورة ، وتتضاءل سقوفه الدنيا باستمرار مع تجدد المفاوضات والاحتفالات !؟
وإخاله أحياناً وهو في زهوه العصيّ على الفهم والتفسير،يتباهى في دخيلة نفسه على جحافل من يراهم: "البلهاء " من حوله، الذين لا يدركون حقيقته وفضاءات طموحه وعميق تكوينه وارتباطاته كما يتصور، فيزداد زهواً على الناس وتمادياً على الحق. وكأني به ـ أو كأنني أراه ـ في ساعة من ساعات تجليه مأخوذاً بعظمة يراها مستمدة من " عظمة" ساحريه أو ساحقيه لا فرق، فهناك فيما يبدو توحد في الود، وتوحد في الغاية والوسيلة، وكثيراً ما تتماهى الضحية مع الجلاد في نوع من التعويض النفسي، وقد تراءى له آخر شركائه ايهود باراك "ساحراً باهراً ماهراً، مذهلاً معجزاً مدهشاً، ذكياً حصيفاً نظيفاً.." مثل الأكاذيب الكبيرة:" ملوك بني إسرائيل وأنبيائها الذين يتعشَّقهم"، وهم أولئك الذين تصورهم أساطير اليهود وخرافاتهم الدينية، وتصنعهم أكاذيبهم العصرية"، فيقول، والتوهم والتوق يأخذانه بعيداً، يقول في وله عن ذلك الشريك الشاطر إيهود باراك، إنه:
أولاً ـ "ساحر" بعينيه القنفذيتين اللامعتين اللتين يقدح فيهما شرر الخبث العنصري وبابتسامته المراوغة، فهو لا شك من صلب يشوع الذي أحرق أريحا، وقد أخفى أشواكه في قفازات حرير عصرية وعاد إلى الظهور ليكون شريكاً لي في تغيير هوية المنطقة وصنع العصر الصهيوني!؟.
ثانياً ـ "ماهر" إلى حد الإعجاز حين يلتف كالأفعى الصحراوية بين رمال مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو ونسله العميم: من أوسلو الثانية حتى اتفاق شرم الشيخ؛ يلتف ليقضي على شبح القرارين 242 و 338 بضربة واحدة، بعد أن قضت مرجعية أوسلو على مرجعية مدريد وشرخت أوسلو إشارةٌ عابرة إلى القرار العتيد!! يتسلل باراك بمهارة المحارب في محاولة تخلص وتملُّص ذكية مما يمليه ذلك القرار؛ فيرى أنه لا ينطبق على أراضٍ في الضفة الغربية وغزة لأنها ليست أراضٍ تابعة لدولة ذات سيادة، دخلت معها " إسرائيل" حرباً وسيطرت في تلك الحرب على تلك الأرض، وهي اليوم أراض يجب أن تعاد إلى سيادة تلك الدولة بموجب القرارين الشهيرين 242 و338 !؟ كما أعيدت إلى مصر والأردن بموجبهما أراض احتلت في حرب حزيران 1967 لأن الأردن كان في وضع يشبه وضع الدولة المنتدبة على الضفة الغربية وكذلك وضع مصر بالنسبة لغزة.
ثالثاً ـ "معجز" هو وزملاؤه في تدبيرهم لخطة "دولة" من حجر الخفَّان المنخور في كل خلية من خلاياه؛ فيما يتعلق بالأرض التي ستشكل " دولة الحكم الذاتي"، فهي غير متماسكة ولا متصلة الأطراف، ومجردة من السيادة والقوة والإرادة، ولكنها دولتي وعلى مقاسي أنا، وهي تعفيني في وضعها الحالي من كثير من التبعات والمسؤوليات والمطالب الكبار، وتجعلني أتخفى في زواياها تحت مظلة الحماية التي أتمتع بها، بعيداً عن المكائد والأحقاد والعين الحاسدة.. وهذا يزيده عندي في الإعجاب درجات لأنه أدرك هو وزملاؤه تماماً حدود ما أريد.. فما لي أنا ووجع الرأس مع فلسطينيين يتطلعون إلى تأسيس دولة تبني حلم الدولة التي تستعيد أرضاً ووطناً وتعيد شعباً من خلال النضال؟! لقد تعبت وتعبنا وتغير العالم من حولنا، وشركاؤنا في " سلام الشجعان" لن يعطونا أكثر مما يقررون ويقرون لنا وفي هذا قناعة وكفاية لنا؟! فلم العناد والصلف واتباع النهج غير الواقعي في عصر الواقعية التي كشفت الطوباوية وعرتها، وجعلتنا ننظر لأنفسنا أمام الشمس فنرى: "إرهابيين تمسكوا بالقتال طريقاً لاستعادة فلسطين!؟!". ولم البؤس والموت والحروب .. ها قد استعدت خمسة بالمئة من فلسطين من دون قتال .. لقد تركت 95% منها هذا صحيح ولكنني كسبت 5 % هذا أحسن من لا شيء.. فمتى يفهمون؟!؟
رابعاً ـ "مدهش" في تكتيكه لتنفيذ اتفاق "شرم الشيخ" و" واي ريفر"، إنه يعمل بالتزام واضح من جهته، فهو لا يتخلى عن التزاماته أبداً، ولكنه يناور قليلاً وهذا من طبائع الأمور، وبعد كل مناورة أرضى ويرضى .. فهو يقنع جماعته بما أخذ وأنا أقنع جماعتي بما منَّ علي به وأبقاه لي مما هو قادر على أخذه لو أراد. إنه يعرف ما ذا يختار، وكيف يختار، ومتى ينفذ، وبأية شروط.. وكيف يوصلني ومن معي إلى الاقتناع التام بما يريد.. وهذا مدهش؛ فالمحمية الطبيعية التي ستقدم لي بموجب إعادة الانتشار الأخير مثلاً، حدد موقعها في قلب صحراء " يهوذا" ولا يوجد لها منفذ من أي نوع إلا عبر الأراضي التي تخضع، بموجب "أوسلو" ونسلها، للسيادة "الإسرائيلية"؛ وبذلك تكون هذه المحمية الطبيعية محمية فعلاً من دخول المخربين إليها وبعيدة عن المتمردين والمزايدين من الفلسطينيين الذين لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب؛ إن ما اختاره لي وما قدمه بهذه الصورة من التسويغ والبرهنة أقنع وأراح وضمن حقاً وكفل أمناً.. وماذا نريد غير ذلك؟! وفي هذا خير دليل على الصفات النادرة التي أصفه بها، وعلى العبقرية في إيجاد الحلول المعجزة واستنقاذي عند الشدائد من الوهاد التي تتجاوز حدود احتمالي للهبوط الشاقولي.. ذلك الذي تسميه المعارضة سقوطاً!؟
خامساً ـ "مذهل" في استنتاجاته الدقيقة وفي استخراجه التحريض من صدر التمريض، فقد رأى بعينيه القنفذيتين اللامعتين النافذتين، تحريضاً " مسموماً" يخرج عن حدود الاتفاق، فيما صدر على لسان السيدة سهى عرفات أمام السيدة هيلاري كلنتون في "رام الله"،لقد قالت: إن الجيش "الإسرائيلي" يتسبب في إصابات كثيرة بالسرطان بين صفوف الفلسطينيين، لا سيما النساء والأطفال منهم، جراء استخدامه المكثف والمستمر للغازات السامة في الأراضي المحتلة". وهذا كلام ثقيل على السيدة الأميركية الأولى، الأمر الذي أزعجها وأحرجها، لأنها جاءت إلى المنطقة بعد تصريحين طنَّانين رنانين، التصريح الأول قديم أكل الدهر عليه وشرب بعد اعتذار شديد اللهجة عنه صدر على شكل توضيح، وهو يقول بحقي في دولة، صحيح أنها لم تحدد ماهيتها، ولكنها قالت : "دولة" فأثارت عليها ثائرة أصدقائها؛ أما التصريح الثاني فهو جاد طازج صريح لم يوضَّح ولم يصحح ولم يفسَّر، وقد أكدته في أكثر من مناسبة وهو يقول: "إن القدس عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل"؟! أنا أفهم الأمور.. لقد قالت هذا لكي تكسب أصوات يهود نيويورك في حملتها الانتخابية ضد "رودولف جولياني" المنافس الجمهوري القوي، وهي بصرف النظر عن كونها "إسرائيلية" الميول فإنها لا تريد، وهي على عتبة الانتخابات الأميركية القادمة، أن يزج بها في موقف كهذا، فهي لا تريد ولا تستطيع وليس في مصلحتها أن تشجب أو تستنكر فعلاً أي عمل تقوم به حكومة "إسرائيل"، ولا تريد في الوقت ذاته أن يقال إنها تغاضت عن قضية حساسة تتصل بحقوق الإنسان الأساسية وباستخدام محرم للغازات السامة ضد بني البشر؟ لأن مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية الثابتة في هذا المجال سوف تتزعزع؛ وسوف يقال في أوساط "إيباك" ومجلسي الكونغرس وناخبي نيويورك: إن السيدة الأولى لم تدافع عن الولايات المتحدة الأمريكية وعن مواقفها في قضية حساسة من هذا النوع، أو أنها لم تحسن التصرف على مرأى ومسمع من العالم في موقف كهذا، وأنها سكتت أمام حملة "المعادين للسامية"، الذين قاموا بالتشهير والتحريض ضد "إسرائيل" مخالفين الاتفاقيات والقوانين الأمريكية أيضاً.. أنا أتفهم هذا ..إن باراك وجماعته على حق في تصرفهم..فلم المكابرة؟ فالاعتذار عما قالته السيدة عرفات تصرف حضاري واجب على أنها ليست قضية كبيرة على أية حال، ويمكن أن تحل باعتذار وتراجع وتصحيح وتفسير.. أو عند الضرورة بتكذيب.. !؟!
سادساً ـ "حصيف" باراك في خطته المعجزة التي اقترحها عليَّ وبدأت تنفيذها بترحيب كبير، وهي المتعلقة بتوطين الفلسطينيين في مواقع وجودهم من البلاد العربية ولا سيما في لبنان، وهي خطة أحكم ربطها بمستقبل جنوب لبنان فيما إذا انسحبت "إسرائيل" منه من طرف واحد، ومن دون اتفاق مع لبنان وسورية، تحت وقع الخسائر البشرية التي تلحقها بها المقاومة الوطنية اللبنانية وعلى رأسها حزب الله. حصيف وعنده بعد نظر، فقد رأى: أن تدخل الفلسطينيين الموالين لي في المخيمات الفلسطينية الموجودة في لبنان إلى جانب قوات لحد وبالتعاون معه ومع العناصر اللبنانية الموالية لإسرائيل، بتخطيط ومشاركة وتنسيق "إسرائيلي" تحت حماية ورعاية أمريكية، ضد حزب الله والمقاومة هناك ومن يدعمهما، ولا سيما سورية، كفيل بأن يرفعني درجات في عيون " أصدقائي وشركائي والمعجبين بي" من جهة، وكفيل أيضاً بجعلي طرفاً قوياً في صراع طائفي أكون ممثلاً للأكثرية فيه وحليفاً لمن يريدون تحقيق استقلال لبنان و" انسحاب جميع القوات الأجنبية منه"، من جهة أخرى!! وهذا كفيل أيضاً بجعلي، في نظر العالم، شخصية دولية تدافع عن استقلال الدول وتعمل كل شيء من أجل ترسيخ السلام الدولي.. فأنا بهذا أصبح أكثر استحقاقاً لجائزة نوبل للسلام التي أحملها.. الأرض مقابل نوبل .. والسيادة مقابل نوبل ؟! ما ذا أفعل بالأرض .. سوف يسكنها الناس ويتنازعون على ملكيتها ولن أذكَر بذلك، بينما أذكر بجائزة نوبل وحدي .. ولا شريك لي ؟! وفضلاً عن ذلك فإن هذا يقود إلى تحقيق أهداف مشتركة لي ولشركائي في " سلام الشجعان" ومن يرعون عملياً قيام " شرقنا الأوسط " الجديد، إنها أهداف تستحق العمل من أجلها ، ولذلك أصدرت الأوامر لمن يهمني أمرهم ويهمهم أمري في المخيمات الفلسطينية على أرض لبنان بالاستعداد لأحداث قادمة يكون لهم دور مؤثر وكبير فيها، ومن تلك الأهداف:
1 ـ القضاء على من يناوئني من رافضي اتفاق أوسلو والمتجاسرين على اتهامي وتفنيد حججي أمام شعبي، وتجريدهم من كل قوة ودعم وتأييد وأمل، ودحرهم والتخلص منهم نهائياً بوصفهم إرهابيين يعطلون "مسيرة السلام" التي يحرص عليها "المجتمع الدولي" بينما يهددونها هم بأعمال العنف؛ والقضاء كذلك على وجود ونفوذ كل من يدعمهم ويرعاهم في المنطقة، بإبعاده عنها وتجريده من كل خيار وسبب يقربه من ساحة نفوذي، ولا سيما سورية وإيران، وسورية قبل إيران.
2 ـ تجريد حزب الله من سلاحه وملاحقته بوصفه قوة إرهابية تعمل "ضد السلام" على الأرض، الإسرائيليون والأمريكيون يقولون ذلك ويؤيدونني في ذلك.. ملاحقته وانتزاع المنطقة المجاورة لحدود شركائي في "سلام الشجعان" منه، وإنهاء سيطرته عليها وتأثيره فيها وانطلاق عملياته منها .
3 ـ إحراج سورية التي تتعالى علي ولا تستقبلني في عاصمتها، وإخراجها من لبنان أو سحب الورقة اللبنانية منها، وإتمام ذلك في مواقع حساسة وفي ظروف حساسة أيضاً، لا سيما في أثناء استئناف المفاوضات بينها وبين "إسرائيل" إن هي استؤنفت، أو لإجبارها على استئنافها بالشروط "الإسرائيلية" إن هي رفضت الخضوع للمطالب "الإسرائيلية"؛ فهي ليست أفضل مني ومن مصر والأردن، نحن الذين وقعنا اتفاقيات مع "جيراننا" وشركائنا في " سلام الشجعان"، ولا ينبغي أن تأخذ ما تريد حتى لا ترى نفسها علينا وتدعي أنها أكثر صلابة وقوة ووطنية منَّا .
4 ـ إشعال فتيل الفتنة في لبنان لتنشغل قواه وحكومته وطوائفه بعضها ببعض، فنصفي نحن حسابات قديمة مع بعضها، وترتاح "إسرائيل" وتطمئن إلينا وإلى حسن نوايانا ومشاركتنا الفعلية في "تعاون بناء" يؤدي إلى رسم مستقبل المنطقة، بما في ذلك خرائطها الجيو ـ سياسية المستقبلية، وفق رؤية أصدقائنا وشركائنا، وبما يحقق مصالحهم، وبقاءنا في ظلال بقائهم وبقاء مصالحهم. وبذلك نعمل على أن يصل اللبنانيون الموالون "لإسرائيل شريكتنا" المؤيدون لسلامنا، إلى ما يريدون من: إضعاف سورية وإحراجها فإخراجها:
إما عن طورها وتوازنها وحساباتها الدقيقة، وزجها في حرب تخلصنا من " نظامها" ومن "عنطزتها " القومية علينا، وتنهي مسؤوليتها عن لبنان وفيه، وادعاءها بأنها لكل اللبنانيين من دون تمييز، وأنها في لبنان من أجله ومن أجل استقلاله أولاً. فحين سنثبت أن الشر والأذى والخراب والحرب .. كل ذلك إنما يصيب لبنان بسبب سورية، وأنها عاجزة عن دفع الأذى عن لبنان وعن فعل شيء للبنانيين فنحقق الغاية.
أو إخراجها من لبنان تحت تأثير تحالف من نوع جديد لا تخرج أطرافه عن الأعداء القدامى للموقف السوري، وقد يضاف إليهم جدد في ظل وضع عربي جديد، ومعطيات ومتغيرات عربية ودولية ليست في مصلحتها!؟ وهي معطيات ومتغيرات لن تمكنها من الصمود، ولن تخدمها في دفع دول عربية أو تشجيعها على اتباع سياسات، واتخاذ مواقف وخطوات مؤيدة لها، كتلك التي اتخذتها في السبعينيات والثمانينيات، ووفرت لسورية دعماً وغطاءً عربيين، وموافقة دولية ضمنية، في أثناء الأحداث التي أدت إلى دخولها إلى لبنان وتدخلها في شؤونه!؟!.
5 ـ جعل الفلسطينيين في لبنان جزءاً عضوياً من قوتنا في المنطقة التي كانت تحت سيطرة عرفات قبل خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، والتمهيد بذلك لتوطينهم بموافقة بعض اللبنانيين، في حيز مواطنة تشعرهم بالقرب من فلسطين، والانتماء إلى تاريخها قبل اختطافها، ولكنها تبقيهم جنوداً في الخنادق الأولى مستنفرين للمقاومة.؟؟
يبدو أنه ليس من المفيد التذكير بأنها مقاومة:لبنان الجنوب، ولبنان المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الصهيوني الذي كان أصلاً من أجل فلسطين، ومقاومة لبنان العربي، الانتماء والتوجه واللسان؛ وإنها تهيئة لحرب طوائف جديدة في المنطقة كلها تبقي " إسرائيل" ممولاً للمتحاربين بالسلاح وحليفاً وحكماً مدافعاً عن السلام والاستقرار أحياناً، وتبقى الأقوى والمهيمن واللاعب الأول والمتحكم بأوراق اللاعبين جميعاً في المنطقة كلها، إن هذا لا يهم من يرى أن "إسرائيل" حليفه وأن قوته من قوة حليفه. إن الهدف هو حل مسألة شائكة لفريقين يؤرقان " إسرائيل" وعرفات والولايات المتحدة الأمريكية، وتشغل بال صهاينة وغربيين وعرب في آن معاً، وتؤخر " انسحاب " إسرائيل" المطلوب من جنوب لبنان، هي مسألة:
أ ـ عملاء "إسرائيل" في جنوب لبنان، ولا سيما جيش أنطوان لحد الذي ورثه من سعد حداد، سعد "الجَرَاجِمَة". إنهم الذين حاربوا مع "إسرائيل" وانضموا إليها طوال السنين الماضية، وما زالوا الجيش المخلص لها هناك، وهم من أنصار اتفاق أوسلو ويؤيدونه، وهذا يكفي، عند المهرولين العرب، لإسقاط العمالة والتاريخ الأسود القديم كله، فأوسلو عندهم تجبُّ ما قبلها. نقول: إنهم مع "إسرائيل" على أشلاء انتمائهم للبنان الوطن والتاريخ، وعلى حساب انتمائهم للأمة العربية وثقافتها وهويتها وحضارتها العريقة، وإنهم عملاء ويقاتلون شعبهم مع قوة الاحتلال الصهيوني فيقول قائلهم: وما ذا في ذلك.. هذه وجهة نظرهم، ومن حق الآخر علينا أن نحترم وجهة نظره.. لقد جاء الزمن الذي تصبح الخيانة فيه وجهة نظر؟؟ إنهم يرون أن هذا كلاماً من قبل أوسلو وأنه كلام قديم ، وربما يقول صوت من داخل سلطة الحكم الذاتي: أذكر أنني تجاوزت هذا يوم وصلت إلى واشنطن وحضرت توقيع اتفاق أوسلو!؟ وتلك من عوامل الكارثة الزاحفة على عقلنا وذاكرتنا وقيمنا ووجداننا.
ب ـ توطين قسم هام من الشعب الفلسطيني، الذي تجهد الآن جهات عدة، على رأسها الولايات المتحدة الأميركية، من أجل توطينهم، بدفع من الصهيونية: تلبية لمطالبها وترسيخاً لمشروعها وخدمة لمصالحها؛ توطينهم في أجزاء من الوطن العربي : العراق ـ الخليج ـ الأردن ـ سورية ـ لبنان، وتهجير من لا يوطن منهم في البلدان العربية إلى أماكن أخرى، ودفع تعويض لمن يرغب منهم في قبض تعويض؟؟ إنه دفع ثمن الوطن لمن يرغب في بيع الوطن بالدولار.. هذا إذا وجد بين الفلسطينيين من يبيع وطنه. إنها حملة صهيونية غربية لكي يزول شبح شعب يهدد وجودُه وبقاؤه خارج أرضه من دون وطن وسيادة، كلاً من "إسرائيل" وسلطة عرفات وعملية " سلام الشجعان" واتفاقياتها المذلَّة لأمة العرب. إنها خطة جديدة بعد أن رفض لبنان كله التوطين،حيث يبقون فئة منكوبة في خدمة المشروع الصهيوني وتحت حراب لحد و"إسرائيل"؛ تعمل بإمرة عرفات، الذي سيعمل مرتزقاً في الجيش الصهيوني ضد أمته وشعبه، ويدخِل من يستطيع إدخاله في هذا الإطار من العرب والفلسطينيين على الخصوص!؟.
إبقاء أولئك هناك مواطنين لبنانيين بالضرورة وبالتحالف مع بعض اللبنانيين ومع "إسرائيل" التي ترضى بهم على " حدودها" بدلاً من حزب الله، أو بالأحرى ترضى ببقائهم قوة في وجهه ووجه من يناصبها العداء ويفكر بمقاومتها انطلاقاً من هناك؛ ضمن برنامج من إطارين:
1- إطار صراع طائفي جديد تعمل " إسرائيل" على إحيائه وتغذيته في المنطقة، وترعاه إلى جانبها الولايات المتحدة الأمريكية والغرب المهتم بذلك على نحو واضح يبرز من آن لآخر حسبما تسمح به الظروف، ويشارك فيه حلفاء أولئك ومؤيدوهم من العرب الذين أخذت تربطهم بالكيان الصهيوني علاقات ومصالح وتحالفات، وقضية بقاء على قيد الحياة، وفي سدة الحكم و الأمر والنهي.
2- وإطار تصفية بطيئة للفلسطينيين وإشغال لهم عن قضيتهم الأساس، قضية فلسطين والنضال من أجلها وتهيئة المناخ العربي العام لتكون القضية من جديد قضية العرب جميعاً وليست قضية الفلسطينيين وحدهم.
ج ـ تحقيق تطلع لبنان المتغرّب أو الغربي ـ المتصهين : لبنان عون والجميل ولحد ومن هم على تلك الشاكلة ممن يريدون الارتباط بثقافة أخرى والالتحاق بعالم آخر ، وجعل لبنان موقعاً تصطاد منه أمته وتدفن فيه قضاياها المصيرية وتطلعاتها العربية والإسلامية.. وحل مشكلة الميليشيات المتعاونة مع الكيان الصهيوني التي ما زالت تشكل عقبة في وجه الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان؛ ففي هذه الحالة سيبقى أولئك العملاء في أرض لبنانية بحماية إسرائيلية، وسيبقون أسياداً على آخرين من درجة ثانية هم فلسطينيو عرفات في لبنان، الذين سيدخلون في جسم لبناني ما بوصفهم مواطنين من الدرجة الثانية ترعى شؤونهم وتتحقق من ولائهم جهتان أثبتتا تاريخياً أنهما مع عرفات وحده ضد الأمة العربية كلها وضد الشعب الفلسطيني وقضيته وهما:
1-الميليشيات اللحدية وشركاؤها الذين ارتكبوا مع شارون وبإمرته أبشع المذابح ضد الفلسطينيين في لبنان، ولا سيما مذبحة صبرا وشاتيلا.
2-وجيش الاحتلال الصهيوني الذي لن يرتاح له بال إلا حين يباد آخر فلسطيني من على وجه الأرض، عدا عصبة العملاء الذين يسخرهم لتصفية من لا يستطيع تصفيته من الفلسطينيين.
د ـ تهيئة المنطقة لإعادة تشكيل جغرافي على أسس طائفية وتكوين الكانتونات المحيطة بالكيان الصهيوني وهو الحلم القديم العزيز على قلوب قادة الحركة الصهيونية داخل فلسطين المحتلة وخارجها.
وكل هذه السلسلة من حلقات الإعجاب العرفاتي بباراك وخططه وسماته ومواصفاته وصفاته، ومنها نظافته التي لا تشبه نظافة سلفه نتنياهو ، شريك عرفات في عملية "سلام الشجعان" وأشياء أخرى؛ ينبغي ألا تحجب الحلقات الأقل بهاء، التي تكمل نسيج النطاق الذهبي الذي يزين خصر عرفات، والمكون من أصدقاء وشركاء صهاينة له في " عملية سلام الشجعان" التي يتغنى بها آناء الليل وأطراف النهار. والطريف في الأمر أن كل شجاع من أولئك الشركاء له صفة واضحة، وشرط العمل معه واضح، ومن ذلك: أن يكون من أشد الصهاينة ولوغاً في الدم الفلسطيني خاصة والعربي عامة، وأن يكون من أشد المتعصبين للمشروع الصهيوني العنصري التوسعي، العاملين على تحقيق أهدافه بكل الوسائل، ومنها فرض "السلام" على العرب بالشروط والمواصفات الصهيونية، ومن الحاقدين على العرب المحتقرين لهم.. ومن أولئك الشركاء: مناحيم بيغن الذي عقد وحقق كامب ديفيد، وإسحق شامير الذي كان طرفاً في قمة مدريد، وحضرها، ودخل مدخلها، وإسحق رابين الذي فرض أوسلو ووقعها واستبدل مرجعية مدريد بمرجعيتها، وشمعون بيريس الذي تابع خطا إسحق رابين فأسس للشرق أوسطية، وعقد قمة فريدة في شرم الشيخ لمناصرة الاحتلال الصهيوني ضد المقاومة حضرها عرفات ومسؤولون عرب آخرون، استحق بعدها وبسببها بيريس أن يتزين بقلائد من دم أطفال " قانا" أضيفت إلى زينته السابقة برموز وبراءات تأسيس السلاح النووي "الإسرائيلي" المعد لإبادة العرب، وبنيامين نتنياهو العنصري الصهيوني الأول والنصاب الإسرائيلي الأول باعتراف حكومته، والمهووس بالمشروع الاستيطاني الصهيوني، وأرئيل شارون وزير خارجية نتنياهو الذي كان يحتقر عرفات ويرفض مصافحته في الوقت الذي يجتمع معه فيه، وأخيراً وليس آخراً: ايهود باراك صاحب "واي ريفر" وعظام أطفال الانتفاضة الفلسطينية المكسرة ودم الكتاب والأدباء في حي "فردان" ـ بيروت... إلخ.
عرفات معجب بسلسلة ذهبية من القادة الصهاينة وأنا لا أكاد أعرف الأسباب البعيدة لذلك الإعجاب ولكنني أشعر بأنه إعجاب الضحية بجلادها، أو إعجاب المنسحق تحت وطأة الدونية ودائها بمن يشبعه تعالياً عليه ومقتاً له، أو إعجاب المازوشي بقدرته على الاحتمال وهو يجرح نفسه ويدمى ويتألم، أو إعجاب العبد بسيد وظفه وأحسن استخدامه، فشعر بقدرته على الإبداع بين يديه، ومن دواعي العجب الأشد، وشروره ودواهيه أن يكون المعجبون بقيادة ذاك الذي يحدد لهم المهام التي تُوغل فتكاً بأهلهم، وبقضاياهم ويوردهم حتوفهم في كل يوم، فوق التصور والحدود؟؟ والأعجب من ذلك كله أن يتباهى علينا بشركائه مردداً بزهو:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
ولله سبحانه في خلقه شؤون.
دمشق 12 تشرين ثاني، 1999
الأسبوع الأدبي العدد 376
|