|
جثث الكونغرس الأميركي
في الحادي عشر من حزيران 1982 كان العدوان الصهيوني الكبير الذي شنه الإرهابي مناحيم بيغن بالتعاون مع حلفاء/ عملاء/ لبنانيين على لبنان المقاوم، ومنظمة التحرير الفلسطينية، وسورية، قد تجاوز الجنوب اللبناني وحاصر بيروت. وفي محاولة من القوات الصهيونية الغازية لقطع طريق دمشق بيروت من أكثر من موقع، قررت شن هجوم على موقع المصنع على الحدود السورية ـ اللبنانية واحتلاله، لجعل الجيش السوري يفقد اتصال بعضه ببعض، ويشعر بالإحباط وينسحب من لبنان كيفياً إن أمكن، عن طريق بعلبك أو حمص، بعد قطع طرق الإمداد ومحاصرة من كان من الجنود في بيروت والضاحية الجنوبية والجبل وظهر البيدر، وصولاً إلى شتورة وامتداد البقاع الغربي؛ وقد عمدت القيادة الصهيونية برئاسة أرئيل شارون إلى دفع قوات من الدبابات باتجاه بلدة المصنع في الساعة الحادية عشرة والنصف تقريباً من صباح ذلك اليوم، وقد اشتبكت معها الدبابات السورية في قرية السلطان يعقوب اللبنانية.. كان ذلك قبل دقائق من نفاذ قرار وقف إطلاق النار/ الساعة الثانية عشرة ظهراً/ وكانت النتيجة هزيمة منكرة للقوات الإسرائيلية المتقدمة في ذلك الموقع، جعلت الكثيرين من الجنود الصهاينة يتركون دباباتهم ويلقون أسلحتهم الفردية وهوياتهم وشاراتهم العسكرية ويهربون. ومن تلة قريبة. هناك أمر ضابط متميز بفتح نيران الرشاشات على العدو، فقتل من أولئك من قتل وهرب من هرب. وغنمت قوات الصاعقة الفلسطينية ثلاث دبابات " إسرائيلية " سليمة تماماً من نوع باتون، عرضتها في شوارع دمشق يقودها جنود عرب، وعليها العلم الفلسطيني للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، وفي تظاهرة جماهيرية ذات حماسة عارمة، كما عادت تلك القوات ببعض جثث الجنود المعتدين الذين قتلوا في معركة السلطان يعقوب؛ وقد تم دفنهم من بعد في مقبرة اليهود بدمشق حسب الأصول الجنائزية اليهودية أشرف عليها الحاخام " إبراهيم حمرا " أحد رجال الطائفة اليهودية المعروفين بدمشق ، وشاركت في مراسم دفنهم الطائفة اليهودية السورية في جنَّاز وفَّر احتراماً للموتى والموت وليس للعدوان والمعتدين والعنصرية الصهيونية البغيضة، التي نعرف جيداً جرائمها في تلك الحرب وسواها من الحروب التي شنتها ضد العرب، ونعرف ما قامت به من مذابح في أثناء اجتياحها للبنان، يعرف العالم منها جيداً مذبحة صبرا وشاتيلا في بيروت، وندرك أن الصهيونية لا تستحق الاحترام.
منذ ذلك التاريخ والحركة الصهيونية تطالب بإعادة جثث أولئك القتلى، وتدخَّلت في الموضوع منذ ذلك التاريخ شخصيات دولية مثل: كرايسكي وفالدهايم وسايروس فانس وأكثر من وفد من الكونغرس الأميركي. وقد سلمت الجثث الأربع للصليب الأحمر في تبادل للأسرى تم عام 1984. لكن الرئيس عرفات، الذي سلمه الضابط الفلسطيني الذي قاد العملية بالرشاشات في السلطان يعقوب جزءاً من شارة أحد الجنود الصهاينة، وهو مما وجده من شارات تركها الهاربون إثر المعركة، سلم تلك القطعة لشريكه في " سلام الشجعان" شمعون بيريس في دافوس بسويسرا / كانون الأول 1993 / بعد توقيع اتفاق أوسلو واعداً بتقديم المزيد من المعلومات عن "الجنود المفقودين" أو محرضاً على سورية في هذا الاتجاه. وكانت الشارة لليهودي الأمريكي زكريا باوميل، ابن أو قريب ليون باوميل الثري الصهيوني صاحب النسبة الأوفر من أسهم شركة موتورلا،وبذلك استؤنفت عملية بدفع صهيوني يحركه باوميل، عملية كريهة ليس لها أساس من صحة الاتهام الموجه ضد سورية ولبنان، والفلسطينيين الذين خرجوا على أوسلو وعلى مسيرة عرفات الاستسلامية، عملية هدفها البحث عن " جنود إسرائيليين مفقودين في معركة السلطان يعقوب"، أحدهم اليهودي الأميركي الرقيب" زكريا باوميل " أما الآخران فهما: الرقيب أول زفي فيلدمان، والعريف يهودا كاتز.
في الأسبوع الأول من هذا الشهر / تشرين الثاني ـ نوفمبر 1999/ أقر الكونغرس الأمريكي قانوناً، كان قد اقترح مشروعه النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا توم لانتوس، يقضي بأن تعمل الإدارة الأميركية على تحديد مكان وجود الجنود الثلاثة المشار إليهم، ويدعو وزيرة الخارجية الأمريكية لتقديم تقرير عن ذلك خلال خمسة عشر يوماً من صدور القانون؛ ويخول القانون الإدارة الأمريكية ممارسة الضغط على لبنان وسورية وبعض الفلسطينيين من أجل ذلك، أو يدعوها لممارسة الضغط لتحقيق نتائج إيجابية في هذا الاتجاه.
لقد وقع الرئيس كلنتون القانون المشار إليه في العاشر من تشرين الثاني ـ نوفمبر 1999 وكان في السابق ممن تدخلوا في دمشق لهذا الغرض.. وحين اجتمع مع عائلات الجنود الثلاثة في وقت سابق من هذا العام قال لهم:" نفتخر بأبنائكم الذين دافعوا عن الحرية في الشرق الأوسط."، وقالت فضائية ال: c.n.n في التاسع من الشهر الحالي نوفمبر 1999 في إعلان عاطفي: " من أجل الأخلاق ، من أجل الحياة الإنسانية ، وخاصة للأحبة ، دعوا الجنود يعودوا للوطن."!؟!.
لقد توقفت عند بعض تفاصيل هذا الموضوع، وهالني في هذا السياق الذي تعمدت سرده، التورّم العنصري الصهيوني الذي يفوق حدود التصور في عنصريته البغيضة، والوقاحة الأمريكية، السياسية والإعلامية، التي ليس لها مثيل أو سابقة لا في القانون، ولا في العلاقات الدولية، أما في مجال التردي الخلقي فحدث ولا حرج.. وهي التي تجلت في عدة أمور أذكر منها:
ـ سن قانون أمريكي يطالب الإدارة الأمريكية بالبحث عن ثلاثة مجرمين من " رعايا " دولة ثانية هي " إسرائيل"كانوا يقاتلون في قوات اعتدت على دولة ثالثة عضو في الأمم المتحدة / هي لبنان/ حوصرت عاصمتها، واحتلت ودمرت وتشرد مئات الألوف من شعبها ، وعاثت القوات الصهيونية المعتدية في أرضها خراباً وفساداً، ولم يلق الكثير من شهدائها : أطفالاً ونساء قبوراً يدفنون فيها، ولا لقي المشردون من أبنائها من يقف إلى جانبهم في محنتهم القاسية!؟ والإدارة الأمريكية والكونغرس يفعلان هذا ربما بذريعة أن أحد المجرمين الذين قتلوا في المعركة هو يهودي أميركي ، ولكن هل لنا أن نسأل الوجدان الأمريكي والأخلاق والقانون والحضارة ...إلخ. أين كان يقاتل هذا الأمريكي ، ولماذا ، ومع من ؟ ومن أجل أي هدف؟! وهل لنا أن نسأل الكونغرس الأمريكي والإدارة الأمريكية مع آلاف من الأمريكيين : ما ذا فعلتم لأكثر من ثلاثة آلاف قتيل أمريكي بقيت جثثهم في فييتنام ، وهم أولى برعايتكم وبحثكم وبإصدار قوانين أمريكية من أجل استعادتهم إذا كنتم حريصين على شرف الولايات المتحدة الأمريكية الذي مرغ في الوحل هناك؟! ولماذا تكون المؤسسات الأمريكية يا ترى صهيونية إلى هذه الدرجة، وبهذه الدرجة من الولاء للعدوان والعنصرية وإرهاب الدولة، وتسن القانون إثر القانون في شؤون لا تتعلق بها، مثل : جعل القدس عاصمة لـ "إسرائيل" وهذا القانون وسواهُ؛ ومع ذلك تتشدق بالحرية والديموقراطية، وتتجرأ على الآخرين وتتهمهم بالعدوان والإرهاب، وتعمل على معاقبتهم ومحاصرتهم وملاحقتهم والضغط عليهم!؟
ـ قول الرئيس الأميركي لأسر الجنود اليهود الإسرائيليين الثلاث : " نفتخر بأبنائكم الذين دافعوا عن الحرية في الشرق الأوسط."؟! ترى يا سيادة الرئيس. أية حرية كان يدافع عنها جنود الإرهابي بيغن في السلطان يعقوب اللبنانية على مقربة من الحدود السورية، ولم كان اجتياح لبنان وحصار بيروت وتدميرها؟! وما الذي كان يفعله أمريكيو اليهود في حرب الصهيونية ضد العرب في فلسطين وفي لبنان، ومنهم ابن موتورولا؟! ولماذا تسكت على آلاف المعتقلين في معسكرات الاعتقال الصهيونية ـ النازية الجديدة ـ وعلى عذاب الأسرى والمضطهدين الأحياء من العرب الفلسطينيين الذين يقبعون في السجون الإسرائيلية منذ سنوات وسنوات يا سيادة الرئيس، ولا يهزك أنينهم ولا ما يتعرضون له من تعذيب يسمى: " ضغطاً جسدياً " تقره المحكمة العليا هناك!؟ لماذا لا تهزك معاناة البشر والأسر والأطفال هناك على الجانب العربي من الموضوع، وتهزك فقط جثث نتنة تعفنت منذ سبعة عشر عاماً ونيف، ودفنت في مراسم جنائزية يهودية رسمية، قال عنها وزير الخارجية الأمريكية الأسبق سايروس فانس : إنها لائقة جداً، ولم يقدمها عدو لعدوه؛ وسلمت للصليب الأحمر الدولي بمثل تلك المراسم؟! هل لأن شارات الهاربين اختلطت مع شارات القتلى فتوهم من توهم من يهودك المتورمين بالغطرسة والمرض العنصري الخبيث، أنهم ما زالوا أحياء، أو أن علينا أن نعيدهم أحياء؛ أم أنها يا ترى جثث " أغلى من جثث"، جثث أشكينازيم وليست جثث سفاراديم، حسب الجاري من التمييز داخل الكيان الذي ترعاه وتقول إنه يدافع عن الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط، وفي محيط " متوحش" على حد تعبير باراك، ولذلك بقيت لدى " الأعداء" ولا بد من استنقاذها بأي ثمن؟!
وهمٌ عنصري كريه مقيت، وكيد عنصري أشد مقتاً، يضغطان عليك في قصرك الأبيض ويجعلانك تحرك مشاعرك في الاتجاه الغلط يا سيادة الرئيس، كما يجعلانك أيضاً توقع بحماسة لا تحسد عليها قانون : "جثث الكونغرس الأميركي"!؟
ـ قول فضائية ال:c.n.n الأميركية في إعلان إعلامي عريض لها يوم 9/11/1999 قولها: " من أجل الأخلاق ، من أجل الحياة الإنسانية ، وخاصة للأحبة ، دعوا الجنود يعودوا للوطن.".!! ونتساءل: وطن من ذاك الذي يجب أن تعود إليه جثث الصهاينة المجرمين الذين قُتلوا بعدوانهم في معركة السلطان يعقوب، وهم من المحتلين الذين شردوا شعباً وقتلوا أطفالاً وسرقوا وطن الغير بالقوة وبالرعاية الأمريكية المستمرة لإرهابهم المنظم.. إرهاب الدولة الذي ترعاه الولايات المتحدة الأمريكية وتسميه دفاعاً عن الحرية في الشرق الأوسط، ورعاية الاستيطان اليهودي المدفوع التكاليف على حساب الفلسطينيين أصحاب البلاد الأصليين، والمقدسات المنتهَكة والمدعو إلى الاستمرار بانتهاكها بموجب قوانين وقرارات وتوصيات أمريكية من مجلسي الكونغرس و" إيباك " وعناصر الإدارة الأمريكية الصهيونية أو الصهيونية الأمريكية في واشنطن.. المقدسات: ابتداء من القدس وانتهاء بالخليل وبيت لحم والناصرة؟! هل ذلك الوطن هو فلسطين العربية المحتلة التي تريدون إسباغ صفة وطن اليهود و " أرض إسرائيل" عليها ، أم تقصدون وطن اليهود الخزر الحقيقي والوطن الأمريكي اللذين قدم اليهود الصهاينة المعتدون منهما إلى أرضنا العربية فلسطين، وما زالوا يستعمرونها ويتوسعون في استعمارها مهددين أمن المنطقة وحرية أبنائها وثقافتها العربية الإسلامية العريقة الأصيلة؟! وأية أخلاق ومحبة تذكرونها في إعلانكم الذي يفيض عنصرية؟! هل تعرفون من ذلك شيئاً، أم أنكم تعرفون ذلك حقاً ولكنكم تذكرونه لأناس وتنكرونه على أناس في أزدواجية كريهة للمعايير ونفاق مكشوف يدركه العالم كله ويتحدث عنه ويخشاه؟! ألا ترون الملايين من الفلسطينيين الأحياء المحرومين من أوطانهم وأسرهم ومن جمع شملهم بعضهم مع بعض منذ عقود من الزمن.. المحرومين من أرض وهوية وعَلَم وسيادة وأمن واستقرار، بسبب الاحتلال الصهيوني والدعم الأمريكي غير المحدود لذلك الاحتلال ولممارساته البشعة؟! أم أنكم لا ترون العالم إلا بعيون صهيونية، ولا تتقنون الكلام إلا عنصرياً، ولا تثقون إلا بمن يبيع نفسه لكم فيصبح تابعاً أو يدخل في سلة العملاء!؟.
شيء من الاحترام للعقل والضمير والقيم والإنسان والحق والعدل والحرية أيها المنافقون ، الذين جعلتم عالمنا كريهاً يفيض عدواناً وإرهاباً ومقتاً وتشويهاً وزيفاً وفساداً وازدواجية معايير.. قدموا شيئاً بسيطاً من المنطق وسلامة التفكير وحسن الرؤية يجعلكم ترون العالم بعيون إنسانية تبصر وببصيرة تنصف، وليس بعيون صهيونية لا تحسن الرؤية إلا في ظلام التعصب والحقد، ولا تفسر الأمور إلا في إطار من ظلامية وظلم وعدوان وتعصب عنصري مقيت.
دمشق الأربعاء، 17 تشرين الثاني، 1999
الأسبوع الأدبي العدد 685
|