|
أهل الفضاء المفتوح!!
هل الكلمة فضاء مفتوح على المطلق ليس له علاقة بفضاء مجتمع يعيش فيه كاتبها وينطلق نحو الآخر ابتداء من حدود ما يقدمه له ذلك المجتمع أولاً وانتهاء بما يحصل عليه من معطى معرفي عبر ما يهيئه له من إمكانيات وأدوات وفضاءات تواصل، ومن خلال ما تمكنه نفسه وقدراته وإمكانياته الخاصة من أداء قادر على التجاوز والوصول والتحصيل؟! أم أن الكلمة هي من عوامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والسياسي للمجتمع ذاته الذي يعيش فيه الكاتب ويتفاعل معه مضافاً إليها عامل الاجتهاد والرؤية والقدرات التي يملكها الفرد، وما تصنعه جراء ذلك كله من تغيير بفعل التأثير؟!
وهل يعيب الكلمة أو يحد من طاقتها الإبداعية وتأثيرها وريادتها وما تزعمه لنفسها من "كشف"، و"عمودية" عمق؛ هل يعيبها أن تنتمي لوطن وأمة وهوية وثقافة قومية بأي مفهوم، أم أن ذلك الانتماء، يجعلها- ويجعل كاتبها تحصيلاً- مجردة من القدرة على القول بحرية والارتياد برؤية والمجاوزة باقتدار، لا سيما إذا كانت شعراً أو نصاً مجرداً يريد صاحبه الانعتاق من كل قيد مادي ومعنوي حتى لو كان انتماء روحياً لعقيدة أو لأمة أو لحضارة؟!
وهل الفضاء الإنساني الذي تنشده كلمة من هذا النوع يمكن بلوغه والتأثير فيه والتواصل معه بكثافة وحميمية وتواشج إنساني إذا كان القول: الإبداع أو الكتابة، منبتّاً.. لا يغرس جذراً في بيئة خاصة ولا يقدّم بيئة خاصة.. ويترفع عن المعطى الاجتماعي والوطني والقومي.. ويرى ذلك ارتماء في القصور أو التحاقاً بحاشية سياسي على نحو ما.. أو دخول في اليومي والمعيش.. دخول في الفقر والبؤس والظلم والجوع والعرق والتعب والطين..
وكل ما يكوّن تيار نهر الحياة الاجتماعية من مكونات.. وهو يربأ بنفسه وبكلماته "النورانية" عن أن تلامس الدمع والدم.. ويرنّ في وترها البكاء والشكوى.. ويتنفس في فضائها الوجع البشري؟!
وهل يتاح لأي اجتهاد أن يصبح قاعدة ومعياراً مرعي الاعتبار واجب التطبيق، أو حكماً مبرماً يصدر بحق العصر والإبداع والناس لأن قائله يحظى بحاشية من ميليشيا أيديولوجية أو إعلامية وبدعم يوفره انتماؤه لجهاز من أجهزة الاستخبارات الـ "ما فوق قومية" التي تحكم السلاطين والملوك وتتحكم بأوضاع كثير من الحكام والأحكام في بلدان كثيرة؟!
وهل يتهم شعر ونثر، أو يحكم عليهما حكماً سلبياً لمجرد تناولهما موضوعاً ذا صلة بقضية وطنية أو قومية أو حياتية، من دون الالتفات إلى الكيفية التي عالجا بها موضوعهما.. ويكون الحكم عليهما سلبياً لأن التصنيف الاعتباطي وضعهما في دائرة المتهم والمدان والمتخلف والقاصر.. إلى آخر تلك الصفات والأحكام الجاهزة التي يطلقها أشخاص، يبدون مقتاً للأحكام الجاهزة وهم لا يمارسون سواها بتعال مقزز!!
وهل هناك أدب إنساني حقق انتشاراً وعالمية واحتراماً وكان خارج حدود الاهتمام بقضايا بشرية في العمق تمس موضوعات وحالات فردية واجتماعية.. وطنية وقومية.. تتداخل مع الأيديولوجية والسلطة والممارسة الطغيانية في المجتمع والمعاناة والسياسة.. وتخرج عليها أو تدعو إلى الخروج عليها بوضوح.. من دون غرق أو استغراق في هلوسات خارج حدود فهم الناس وخارج حدود التوجه إليهم بما يعنيهم من شؤون عصرهم وبلدهم ومعاشهم وما يتصل بحريتهم ومستقبلهم، وبما ينقذهم من تسلط الآخرين عليهم.؟!
لقد أغرقتني ادعاءات عريضة في طرح أسئلة على نفسي لأتبين من بعد معالم طريق الإبداع الذي يستحق البقاء ويحقق تأثيراً في الناس يكسبه مكانة وخلوداً.. ولأتبين معالم منهج يُحكم من خلاله على الإبداع.. ومقومات معايير أو أسسها لتشكل معطى موضوعياً يتم في ضوئه التعامل مع الأداء الثقافي والإنتاج الإبداعي.. فلا يكون مزاج شخص ما رفعته ميلشيات وأجهزة وظروف هو المعيار.. ولا تكون "عصا ثقافية" تصنعها أجهزة من نوع ما هي التي تهوي على رؤوس الخلق فتحيي وتميت حسب إيحاءات ورغبات ومصالح وأحكام سلط وقوى، توظف أشخاصاً ومؤسسات وتنظيمات لأداء مهام تخدم أهدافها وبرامجها؛ هي في حدود الأضيق والأكثر بؤساً مما يتصل باحترام الآخر ورؤيته ورؤية إبداعه بعيداً عن الأحكام المسبقة والأمراض الروحية والثقافية المزمنة، وتعتمد أساساً شخوصاً أو شاخصات ثقافية تمارس فعلها على أنه فتوحات مكية مبهرة يجلوها إعلام موظف في سياق توظيفها.. وتنزل على الخلق من فضاء يتعالى على فضاء العرب خاصة مستمداً فضيلته وفضل حكمه من قدوة يهودية رفعتها الصهيونية إلى مرتبة التأليه فصارت أساطير فكرية وثقافية توظفها الصهيونية إلى جانب أساطيرها الدينية والسياسية: "الوعد الإلهي والمحرقة" لتحقيق أهدافها وتنفيذ برامجها في دنيا العرب، لا سيما في مجال فرض الاعتراف بالكيان الصهيوني بوصفه "آخر" يتوجب عدم نفيه لأن نفيه يعني: "نفياً لنا" يديننا ولا يدينه؟! والقيام باختراقات ثقافية لمصلحة ذلك الكيان، لا سيما في مجالات التطبيع بكل صوره، وفي تفتيت مقومات الهوية الثقافية للشخصية العربية، وفي الهجوم الذي يستيقظ من جديد على القومية العربية وعلى كل دولة قطرية تأخذ موضوع التحرير والهم القومي والمشروع القومي على محمل الجد والاهتمام الحق. وإذا كانت سموم أولئك تنتشر في كل ميدان ومجال تسيطر عليه الصهيونية والجهات المرتبطة بها والمؤيدة لمشروعها الاستعماري في أرض العرب.. فإن العجيب الغريب المستغرب أن يبقى في الأوساط الثقافية والإعلامية العربية التي تقول بمقاومة المشروع الصهيوني وأدواته والمؤيدين له وترفض تطبيع العلاقات معه.. أن يبقى في تلك الأوساط حجم بلا حدود لمناصرة مؤيديه الذين هم على تلك الشاكلة، وأن يواجه جهد بلا حدود وسم زعاف لكل من يتصدى لدعاواهم وممارساتهم؟!
إن هذه الازدواجية تكشف أكثر من بعد، ليس لدى الأنصار وإنما لدى الأدوات ذاتها أيضاً.. مما يعني أن هناك مشروعاً داخلياً لأقطار عربية وفئات عاملة في أرض العرب، يرتبط بالمشروع الصهيوني ويعتمد عليه ويتوقف تنفيذه على نجاح المشروع الصهيوني نجاحاً تاماً..
مشروع يولد في رحم الرؤية الشرق أوسطية والمفهوم الأمني الصهيوني اللذين تعمل عليهما الحركة الصهيونية التي تحكم قرار الولايات المتحدة الأميركية وتنفذ استراتيجيتها ضدنا انطلاقاً من فلسطين المحتلة.
إنه مشروع الدويلات الفسيفسائية التي تقوم على أسس طائفية وعرقية في المنطقة العربية لتحمي الكيان الصهيوني ومشروعه بتطاحنها.. ومشروع القضاء على الدعوة القومية التي تعني: تضامناً.. اتحاداً.. وحدة من أي نوع، يقوم في ظلها عمل عربي جاد يحقق خطوة على طريق امتلاك القوة والنهضة..إن تلك الأدوات الصهيونية -الاستعمارية الموظَّفة في المجال الثقافي لأداء مهام محددة، ما زالت تنفث سمومها موجهة الإهانات للأمة العربية صابة حقدها التاريخي على الأصول والثوابت في العقيدة الدينية والقومية العربية، مدعية أنها فوق مستوى ما يكوّن هوية هذه الأمة ومفاهيمها وقيمها، وفوق الانتماء إليها، وخارج دائرة التواصل مع ضعفها وواقعها.. وما تلك العناصر في حقيقة تكوينها وانتمائها سوى حالات من النزوع المرضي وتجلياته، فهي لم تستطع أن تحافظ على نقاء وطني فجعلت نفسها فوق الوطنية، ولم تستطع أن ترى رؤية قومية سليمة معافاة من النقص فعادت القومية العربية.. وكانت تستشعر نوعاً من النقص على مستويات دينية أو طائفية.. فهجرت عقائدها الدينية وانتمت إلى أخرى ثم هجرتها وعادت لتدعي أنها تطلق أجنحة في فضاءات مفتوحة على العالم؛ ولكنها أجنحة ايكاروس الشمعية التي صنعتها الارتباطات المشبوهة بأجهزة الاستخبارات العالمية وبالصهيونية العنصرية.
غريب أن تجد تلك العناصر حفاوة حين تسيء للوطن والقومية العربية والعقيدة الإسلامية.. من أهل الوطن والقومية.. وغريب أن تحوّل قوى الأمة العربية الدعائية ضد من يفضح أولئك أو يكشف أهدافهم وحقائق ارتباطاتهم، التي تملي عليهم فكراً وأداء ومناهج تعبير وتدبير.
دمشق في 25/11/1999
الأسبوع الأدبي العدد 686
|