صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

ســــؤال الثقافــة

كثيرا ما طرحت على نفسي وطُرح علي سؤال وجيه، كنت أتوقف عنده قليلا ثم أتجاوزه إلى اهتمام أو شاغل سواه، استناداً إلى ما أظنه مسلمة من المسلمات، أعني قدرة الثقافة على التغيير ومسؤوليتها عن الواقع؛ والسؤال هو:‏

إلى أي حد يمكن أن تكون الثقافة مسؤولة عما يحصل من تردٍّ في الأوضاع السياسية والاجتماعية العربية، وإلى أي مدى يمكن أن تكون منقذة أو قادرة على ممارسة دور منقذ في هذا المجال؟؟ وعلى جذع هذا السؤال تتفرع أسئلة، والمدخل إلى الجواب عليه أسئلة وأسئلة مرة، منها:‏

هل الثقافة قادرة، في الأوضاع العربية الراهنة أو في أية أوضاع أخرى، على أن تقوم بدور رئيس في صنع الحدث أو صنع القرار، ومن ثمة قادرة على ممارسة فعل بحرية يرتب عليها وعلى أهلها مسؤولية ؟! وهل تملك أصلا أن تخرج من حاشية السياسي لتكون مغايرة وذات موقف مغاير وفعل مغاير، أم أنها محكومة بالرؤية السياسية وظلالها ومعطياتها بشكل أو بآخر ؟! ولا تستطيع أن تجد منفذاً إلى الناس إلا من خلال القنوات التي تسمح بها السياسة أو تسمح لها بإيصال ذلك الذي ترى أن يصل إلى الجمهور!؟‏

- وهل الثقافة أصلا منظومة موحدة المواقف والأهداف والرؤى لتمارس فعلاً يؤدي بها إلى أن تمتلك القوة وسلطة القرار ومن ثمة سلطة الأمر والنهي على أرضية وحدة الموقف والهدف، أم أنها مجموعة حزم مشعة من الآراء والاجتهادات والمواقف والأفكار والرؤى التي قد تتضارب أو تتناقض أو تتقارب، ولكنها لا تتطابق ولا تشكل بمجموعها محصلة قوة تساوي مجموع قوى شرائحها وتياراتها، ولا تشكل كتلة مصلحية واحدة ـ مثل الكتلة التي تشكلها التنظيمات العسكرية ـ تكون لها وحدة موقف وشوكة خضَّادة؟!‏

- وهل هي صاحبة قول فصل في الأمور أم أنها أقرب إلى أن تقف دائما عند حدود التوق والسعي والحلم والتمني، من خلال صوغ الكلام وإعادة إنتاجه واجتراره، والنضال في ساحاته ومساحاته، يتناوبها، خلال ذلك، الشك واليقين فيما تقول وفيما يمكنها أن تحقق مما تقول، وفي بحثها المستمر عن الممكن التحقق؛ ويخوض أهلها معاركهم في مناخ السياسة وتحت وطأتها وألويتها أحياناً، وبإيعاز ومباركة منها في كثير من الأحيان ؟!؟ ويغلب، في مجالاتها، أن يتوسل أهلُها بوسائل شتى إلى أهل القوة ومالكيها ليكون أولئك هم مصدر تنفيذ الفكر والرؤية وأداة ذلك، بعد اقتناع وتوافر مصالح وتشرّب لشهوة التسلط أو عزف على أوتار تلك الشهوة في النفس البشرية ـ وهي تواقة إلى سماع مثل ذلك العزف في الأغلب الأعم ـ وعندما يصل أولئك إلى المواقع المنشودة، بدفع ثقافة أو دفع معطياتها وإيحاءاتها، يصبحون السلطة وتضمحل سلطة الثقافة أكثر على أيديهم، فيعود أهل الثقافة إلى النشيد والنشيج والتخبط في مدى الإحباط من جديد؟!‏

مما لا شك فيه أن الثقافة مؤثرة، ومؤثرة إلى حد بعيد، في الفعل الحياتي، اليومي والبعيد الأمد، وهي التي تكوِّن الأجيال وحكَّام المستقبل وتقود القوة وتوجهها في حالات، ولكن ذلك لا يتسنى لها إلا بعد جهد ونضج ووقت وتراكم عطاء وحسن توظيف لذلك العطاء، ولا يمكن أن يظهر تأثيره من دون تنظيم تقيمه أو يكون قائما فيتبنى طروحاتها، ويضع البرامج لما تقدمه من نظريات؛ ولا تستطيع أن تضبط أداءها وتجعله ناجزاً وناجعاً من دون الاعتماد على شرائح بشرية واسعة تتغلغل في الجموع وتؤثر فيها وتقودها إلى حيث تريد، وهذا ما يحققه الإطار التنظيمي الذي يتبناها، وهو إطار غير متجانس بالضرورة، ولا يمكن أن يكون متمثلا للأفكار والرؤى والغايات بدرجة متساوية. كما أنه قد يكون تنظيمات تؤدي إليها انتماءات ثقافية وفكرية متضادة، تجعل الثقافة أصل الخلاف والانشقاق!؟.‏

وعلى ذلك فإن فعل الثقافة وتأثيرها يظلان مرهونين بمصداقيتها وانتشارها، ووحدة أهدافها، وبقدرتها على التوحيد وعلى الإقناع بما تقدمه، وكذلك بقدرتها على جذب القوة إلى جانبها، وبكون ذلك الذي تقدمه في المحصلة النهائية على تماس مباشر بشواغل الناس ومشكلاتهم ومعاناتهم وتطلعاتهم، من جهة، وبما يتبقى من مقولاتها ورؤاها وثوابتها ومشروعها، بعد أن يرشح عبر أواني التنظيم المستطرقة، وتتم المواءمة بينه وبين مصالح من "يتطوعون " لترجمته إلى أفعال ومواقف وإنجازات، من جهة أخرى.‏

ويتوقف الأمر من بعد على المناخ الملائم والقدرة على الإقناع والتأثير والتجسيد، وعلى ردم الهوة القائمة حكماً بين التنظير والتطبيق، الشعار والممارسة، الواقع والمثال؛ وعلى ردم ما ينشأ على هوامشها من فجوات بين الاعتناق والتجسيد، المحكوم بدوره بأداء مشوب بدرجات من البيروقراطية، وبما تحمله نفوس البشر من أدران وشوائب وأغراض وأمراض.‏

وكثيراً ما يتركز النظر والتفكير، وينحصران، عند الحديث عن الثقافة، في الكتابة وما ينشأ عنها، أي في عمل الكتَّاب والأدباء والمفكرين وأهل القلم وما ينتجون؛ وهي عملية اجتزاء مشروعة عند من يقوم بها، لا تريد أن توسع المفهوم ليشمل الثقافة بمعناها الواسع الذي يضم كل المتعاملين في الحياة مع منظومة المعرفة والعلم والمعلومات، ومع دائرة الإبداع والتربية والتعليم بمراحله ودرجاته ومستوياته المتعددة، في إطار الوعي المعرفي، إفادة واستفادة. وهذا توجه له مسوغاته ومؤيداته ومنطقه، لأن مرتكز الفعل الثقافي هو الفكر والرأي والرؤية، في جدلية إيجابية مجدية مع الحياة، في أثناء الانغماس الكلي في شؤونها وشجونها. والحياة تحكمها القوة أو تتحكم بها، فهل تحكم الثقافة القوة على نحو ما ؟؟‏

إن الثقافة في المحصلة قادرة على توجيه القوة، ولكنها لا تستطيع أن تزعم لنفسها القدرة على ضبط الأداء وضمان النتائج التي يمكن أن يسفر عنها فعل القوة وممارساتها، ذلك الذي يتم عبر شرائح التوجيه والأداء الاجتماعيين وعبر قنوات التوصيل، وأدوات الإنتاج البشري وغير البشري، التي تشكل بمجملها جهاز ترجمة الأفكار والنظريات إلى سلطات وأفعال وممارسات ومنجزات، كثيراً ما تغضِب السياسة والثقافة معاً، ولكنها في مجملها تسفر عن إغضاب الثقافة أولاً؛ ولذلك تتحول الثقافة بعد كل مشروع تقدمه أو تبشر به، ويدخل حيز التنفيذ، تتحول من النظر في مرآة الخيال التي تزينها الآمال، إلى النظر في مرآة الواقع التي تقدمها الأعمال؛ فتقف على معالم المشروع الذي حلمت به أو تخيلته، وعندما تكتشف الهوة بين التصور والواقع، تتناءى عن مشروعها وتتحول إلى منتقد له، معرِض عنه، متنصِّل منه، ثم ثائر عليه؛ وتشرع بالتفكير في مشروع جديد أو بتحضير نفسها للانقضاض على ما كان مشروعها لتنشئ على أنقاضه المشروع الجديد.‏

هذا فعلها بمشروعها، أمّا إذا كان المشروع ليس مشروعها، أي مما تعترض عليه وتناقضه أصلا، فهي تدخل في خصومة معه منذ البداية وتعمل على تدميره من دون هوادة.‏

وهكذا تبقى في عملية هدم وبناء نتيجة لخصوماتها، أو لما تُصاب به من خيبات أمل، أو ما يلحق بها من إحباط، وكذلك جراء ما يكون من نقص في مشروعها أو جراء مصادمتها لمشاريع سواها؛ وقد يكون فعلها ذاك من طبائع الأمور في عالم يبحث عن التجدد والكمال. والثقافة على هذا تبقى فرساً شموسا وحصاناً حروناً بنظر أهلها وغير أهلها، أيا كانت الأسباب التي يصدر عنها فعلُها، لأنها دائما في اعتراض وحَرَد، وتمرّد ولَدَد.‏

ولنا أن نتساءل: هل هذا ناتج عن المدى الشاسع القائم أصلا بين التنظير والتطبيق، التخييل والواقع، المثالي والممكن ؟! أم أنه ناتج عن التعلم بالممارسة، واكتشاف الخطأ بعد الاندفاع الصاخب في العمل على أساس عصموي ؟؟ أم أنه نضج يتم بالتدريج وهو من طبيعة الأشياء والأحياء في الحياة، ولكنه يعلن عن نفسه بتظاهرات ثورية شديدة الصوت أو شديدة البطش ؟! إن كل ذلك ممكن، ولكنه في المحصلة لا بد أن يضعنا بمواجهة السؤال الأساس الذي انطلقنا منه في البداية: هل الثقافة العربية قادرة على التغيير في الأوضاع العربية الراهنة ؟!‏

أقول إن الثقافة العربية، شأنها شأن كل ثقافة عريقة ناضجة، قادرة على التغيير في كل الحالات والأوضاع، وهي بالتالي قادرة على التغيير في ظل الأوضاع العربية الراهنة؛ وكل استقراء لتاريخ الأحداث القريبة والبعيدة يفضي إلى ذلك الاستنتاج. ولكن على الثقافة العربية أن ترتب بيتها وأن تحدد أولوياتها، وتضع برامجها، وتختار أدواتها وأساليبها، وتعرف بيئتها والمعطيات التي تحيط بها جيداً، لتبدأ مسيرة التغيير بثقة ودراية واقتدار.‏

والباب الذي يعلَن عن أنه موصد في وجهها، وأن إيصاده يصادِر كل قدرة لها على التحرك، أعني باب الحرية عموماً وحرية التعبير بوجه خاص، هو باب يفتح بالوعي والمسؤولية والحكمة والقدرة، وتُنتَزع مفاتيحه انتزاعاً في حالات، وتلك معطيات الثقافة وأدواتها، والتحديات التي تتصدى لها. فلا يعترض أحد على ممارسة واعية لحرية مسؤولة تقدِّم بدورها خدمة للحق والشعب والوطن وتوسع مدى الحرية وتجدد أفقها بالمعرفة، في ظل الانتماء والإخلاص والرغبة في البحث عن فعل إيجابي المردود والنتائج، يتم قصده من دون صخب إثارات واستثارات، من جهة، ومن دون تجريح أو استفزاز أو تسفيه، من جهة أخرى.‏

ولا تستطيع قوة، على المدى البعيد، أن تمنع الفكر، عماد الفعل الثقافي وأساسه، من الوصول إلى الناس والتأثير فيهم، حتى في ظل سيطرة السلطة على وسائل الاتصال؛ ويبقى الأمر منوطاً بقدرة الفكر ذاته على الإقناع بأطروحاته ومنطقه ومشاريعه وتوجهاته، وبالرؤية التي يقدمها، والمصداقية التي يحملها، وعلى جرأته وثقته بالذين يختار التوجه إليهم ويضع في أيديهم مصير مشروعه، وربما مصيره و مصداقيته.‏

وأكاد أجزم بأن نجاح أي مشروع تقدمه الثقافة يتوقف على السلامة الخُلُقية في ذلك المشروع وفي المجتمع أو في الشرائح البشرية التي تقوم بمهام تنفيذه على الأقل، فالأرضية الخُلُقية المتينة والسليمة تشكل ضمانة النجاح الأولى لأي مشروع نهضوي حضاري تتقدم به الثقافة أو سواها للمجتمع.‏

والثقافة العربية قادرة على الأداء الناجح في هذا المجال، إذا أنضجت رؤيتها بالحوار البناء، على أرضية الثقة والاحترام، مع التيارات والفئات التي تشكل جبهة الثقافة ـ إن صح التعبير وصح الوصف ـ وتشكل جبهة الأداء والإنجاز؛ فهي، في حال صوابية الرأي وصدق الرؤية وسلامة النية والقصد، تدخل حالة من حالات نشوة الوعي وانتشاره بحماسة كافية لتحويل الاقتناع إلى إيمان عميق، تُبذَل التضحيات من أجل تحويله إلى صرح من الإنجازات التامة، بإخلاص وحرص وحسن أداء، تحقيقا للأهداف التي وجد من أجلها أصلاً.‏

فهل تنجح الثقافة العربية في ترتيب بيتها، وتحديد أولوياتها، وإنضاج رؤيتها، واختيار أساليبها وأدواتها، لتتمكن من تقديم مشروع وتجسيده، وصولاً إلى استعادة المكانة والثقة في آن معاً ؟! إن ذلك هو السؤال الذي تتوقف عليه الإجابة على السؤال الأساس في حياتنا ومواجهاتنا، ورغبتنا في مجاوزة العجز والتخلف، وأخذ نصيب من الريادة في علوم العصر وفنونه ومجالات التفوق التقني وامتلاك القوة العسكرية والاقتصادية التي تشكل أهم معطياته.‏

1999‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244