صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

من غرائب الزمن العربي

من غرائب الزمن العربي أنه في الوقت الذي فيه بعض أرض العرب محتلة، وعدوهم يحشد في مخازنه قوى التدمير الشامل وغير الشامل ويضاعف قدراته العسكرية في كل ميدان ويعزز تحالفاته ضدهم ليفرض سيطرته وهيمنته عليهم، ويتحكم بمستقبلهم؛ يقومون هم بملاحقة بقايا المقاومة التي تعمل ضد الاحتلال في مجتمعاتهم وبقايا السلامة في تكوين أجيالهم، وبمصادرة كل تحرك من تمرد الأرواح على واقع بائس ووطن مستباح وإنسان منسي الحقوق والوجود!! ويعلنون في آناء الليل وأطراف النهار أنهم يلهثون وراء ما يعرضه عليهم عدوهم من فتات "سلام الاستسلام"، ويفاوضون أو ينتظرون أن يفاوضوا وهم في حالة تهافت وتسابق وتدابُر وضعف وحصار لا يملكون منها خروجاً ولا مع استمرارها قوة من أي نوع. ومع ذلك فهم يخوضون السباق باستماتة!؟ على ماذا ولماذا !!؟‏

وإذا كان أمر عدم استطاعتهم الحصول على سلاح، وعجزهم عن امتلاك تَقَانَة عالية تمكِّنهم من إنتاج السلاح وحيازة مقومات القوة، يمكن أن يكون مفهوماً بعد كل هذا الزمن من التوزّع على المعسكرات ونسيان الذات وحقائق الحياة، واستقرار العطالة الذاتية، والبعد عن القيام بتوجه من نوع منقذ؛ فإن ملاحقتهم لكل من يريد أن يقاوم الاحتلال، ويطالب بموقف مناوئ للاستسلام، أو من يرفض الخضوع لإرادة العدو، مما لا يمكن فهمه أو تفسيره على الإطلاق.‏

أقول هذا بحزن وأنا أتتبع بأسف وأسى شديدين ما يجري لعناصر من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، يقبعون في سجون العدو لأنهم ضحوا من أجل وطنهم فتناستهم السلطة الفلسطينية التي قبلت بألا يخرج أولئك من السجون، وهي التي فاوضت على إخراج المساجين الفلسطينيين من سجون "إسرائيل"!؟ تناستهم لأن " إسرائيل" لا تريد وجوداً فوق الأرض لعناصر من هذا النوع تؤمن بالله والوطن وتدافع عن شرع الله وحرية الوطن!؟ وأقول هذا بحزن وأسف لأنني أقف على أخبار ما تُلاحق به حركتا حماس والجهاد الإسلامي داخل فلسطين المحتلة وخارجها، وما ينذر به حزب الله، وما ينتظر كل مقاوم للكيان الصهيوني، سواء أكانت مقاومته ساخنة أم باردة، بالسلاح أم بالكلام، ظاهرة أم مستترة؛ فالشرطة السرية التي تحفظ أمن العدو المحتل غدت منا أيضاً، من لحمنا ودمنا؟!.‏

ومما أستغربه ويدهشني: هذا الانقلاب الكبير الذي يحدث في مواقف فئات وشخصيات وتنظيمات، كانت في عهود حركات التحرر والتحرير تبيع الناس وطنية وتلاحقهم بأنواع الإرهاب لأنهم بنظرها ممن لا يشكلون رصيداً للثورة والتقدم وحركة التحرر العربي؛ فغدت اليوم رصيد من يلاحق بعض الناس من العرب بوصفهم مقاومين ووطنيين وحركة تحرر عربي ودعاة تحرير، كما غدت رأس حربة من يتهمهم بالإرهاب، لأنهم ما زالوا على شيء من الإيمان بحقهم في التحرير، وعلى شيء من الأمل والقدرة على الحلم، مجرد الحلم، بامتلاك قوة على أرضية العلم، واستعادة كرامة على أرضية العمل والإيمان، وحدوث تغير في العالم على أرضية منطق الحياة واستقراء التاريخ وتجارب الأمم!؟.‏

والمدهش المثير هو أن غرائب زمن العرب لا تكمن فقط في:‏

ـ السياسة التي انتقلت من لاءات الخرطوم إلى ألف نعم وهرولة ساخنة إلى أعتاب عتاة الصهاينة المحتلين لأرض العرب.‏

ـ ولا في تحولات الأيديولوجيا وسدنتها الذين يسوّغون كل شيء انهزامي أو انتهازي وتغدو الحرباء في تلونّها، قياساً عليهم، كائناً بائساً باهتاً غبياً.‏

ـ ولا في الذين لم يشعروا بأي غرابة أو فرق في أن يتحولوا من القبض من معسكر الشرق- والقبض منه كان بغطاء عقائدي ينتزع الوطنية من الوطنيين ليحتكرها باسم الإخلاص لغير الوطن تحت اسم الوطنية الكاملة- إلى القبض من قلب معسكر الغرب الاستعماري وأجهزته السرية، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية والصهيونية العالمية- والقبض منه صار يتم وباسم الواقعية الانهزامية ، تحت لافتة الادعاء بالوعي، والالتزام بالحضاري والمستقبلي، والترفع فوق أوهام و"شوفينية" من يتمسكون بالأرض والحرية والوطن!؟!.‏

أقول إن الأمر الذي أستغربه ويدهشني ليس فيما سبق وأشرت إليه من غرائب فقط وإنما في تبني إعلام عربي، رسمي وغير رسمي، عملية تجريد كل شخص في أرض العرب من الفهم والوعي والمسؤولية والانتماء للعصر وللتفكير المنطقي والواقعي، إذا هو لم يتطهر ثلاثاً كل يوم من الانتماء للعروبة والإسلام، بوصفهما تخلفاً وتحجراً وإرهاباً، وإذا هو لم يعلن التوبة عما اقترف في زمانه من "جرائم بحق الصهيونية" لأنه طالب بفلسطين والقدس وبزوال الاحتلال؛ ولأنه ما زال يحلم بيوم يحرر به العرب القدس والأرض العربية المحتلة ويضعوا حداً للمشروع الصهيوني العنصري الاستعماري!؟!.‏

لقد بدأت مع مؤتمر مدريد، ومع اتفاقيات الإذعان التي تلته، حرب على الذاكرة والوجدان والروح الوطنية والقومية في وطن العرب ، حرب على الإيمان بالله والوطن والحق والكرامة، لأن "المجتمع الدولي" ممثلاً بأولبرايت -وهي صهيونية أمريكية أنموذجية- تتضرر مصالحه من وجود عرب لهم وعي قومي وإيمان عميق وحقوق يطالبون بها، وتاريخ يستذكرونه، وحقوق يتمسكون بها، ومصالح يدافعون عنها؛ ولأن الحكام العرب الذين يطلبون رضى "المجتمع الدولي" ذاك، لم يعودوا معنيين بكل تلك "السخافات" التي كانت تهمهم في يوم ما، لأن ما يهمهم هو أن ترضى عنهم ممثلة المجتمع الدولي وتعد بحماية أنظمتهم ومواقعهم، وبتخفيف حدة ما يواجهون من مصاعب تعترض طريق أحلامهم وتطلعاتهم وتأثيل عروشهم.‏

غرائب زمن العرب كثيرة وكبيرة وخطيرة.. وأغربها أن يقفوا ضد أنفسهم بشكل صارخ، وأن يتوهم بعض قادتهم بأنهم أكبر وأبقى وأهم من شعوبهم وقضاياها المصيرية، وأن ينحنوا لعدوهم بشكل مذل، ويلاحقوا معالم القوة والكرامة والانتماء في وطنهم بشكل مثير!؟!.‏

ولا حول ولا قوة إلا بالله‏

1999‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244