صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

لماذا نقول نعم للرئيس حافظ الأسد

الحركة التصحيحيَّة ابنة البعث وعلى جذره وساقه تنمو، وهي الفترة الأطول عمراً من وجوده في السلطة والأكثر إنجازاً واستقطاباً وسلامة تصرف وثباتاً على المبادئ في ذلك الوجود، فإذا كان له في السلطة ستة وثلاثون عاماً في هذا القطر فللحركة التصحيحيَّة منها تسعة وعشرون عاماً؛ وهذا يجعل من الطبيعي والمنطقي أن يكون مسار حجم الإنجاز خلالها كبيراً ومعززاً بجلاء إذا ما قيس إلى مدة تثبيت السلطة وإجراء التغيُّرات الكبيرة التي تطلبتها مرحلة الانتقال الأولى من نظام حكم وعمل إلى نظام حكم وعمل آخر مغاير، الأول رأسمالي إقطاعي والثاني اشتراكي شعبي؛ وإذا ما قيس أيضاً بثقل العبء السياسي والاجتماعي العام الواقع على حزب واحد يحكم، وتوزُّع ذلك العبء في عهد حكم الجبهة الوطنية التقدمية التي أنشأها حزب البعث في عهد التصحيح وما يزال يقودها ويقود القطر حتى اليوم؛ كما يجعل من الطبيعي والمنطقي أيضاً تجلي حجم الإنجازات وضخامة الالتزامات وتوسع الآفاق والتطلعات التي تحققت في عهد حكم البعث وقيادته بشكل لا يقارن مع ما تحقق في ظل ظروف الخروج من حكم الاستعمار والدخول في مرحلة التقلبات السياسية والانقلابات، التي لم تهدأ إلا في سنوات ثلاث هي عمر الوحدة التي تلاها انقلاب الانفصال.‏

وهذا كله يملي علينا أن ننظر اليوم إلى أداء القطر، في ظل الحركة التصحيحية بعد كل هذه السنوات، نظرة مختلفة تماماً في المعيار والاعتبار عن كل ما مضى في عمرها من سنوات وما حققته من إنجازات، وما خاضته من نضال ومعارك دفاعاً عن أهدافها واختياراتها القومية والقيميَّة والمبدئية.‏

الحركة- البعث تتصدى، منذ مؤتمر مدريد وما نشأ عنه من مفاوضات، ومنذ اتفاق أوسلو وما نَسَل منه من اتفاقيات وبني عليه من توجهات؛ تتصدى لحمل عبء ثقيل جداً هو عبء الصمود في وجه ضغط دولي يريد لها أن تستسلم لأنموذج " سلام أوسلو" المذل وتهافت عربي يكاد يخلي ظهرها من كل سند ويمنع عن جبهتها كل تعزيز لتلك الجبهة، بحكم ما نشأ من مُناخ تطبيع وهرولة على أعتاب العدو ووقف للمقاطعة العربية لـ " إسرائيل"، وقيام " شراكة سلام" بين العدو وبين أنظمة عربية، وتحالف عدواني ضد سورية ترضى عنه سياسات عربية أو تسكت عليه أو تشارك فيه.‏

والحركة التي غدت معها سورية بكاملها اليوم في جبهة داخلية متماسكة، والبعد القومي الذي عززته يجسد شموخاً روحياً يرفض الانصياع والذل وينتظر ميلاد القوة، وموقف الدعم غير المحدود الذي أعطته للمقاومة الوطنية ضد الاحتلال في الجولان وفلسطين وجنوب لبنان؛ هذه الحركة أصبحت متماهية تماماً مع المبدئية العقائدية التي انطلقت منها على أرضية الفكر والنظرية القومية، ومع الانخراط الفعلي التام في التطبيق العملي لتلك النظرية: بناء وصموداً واستعداداً للتحرر ورفضاً للاستسلام والتزاماً قومياً في إطار رؤية عربية ودولية تحاول جاهدة أن تدير الأداء السياسي الشامل بحكمة وصلابة ومرونة لا تلحق خللاً بالثوابت وبالأهداف النهائية للأمة.‏

وسورية تؤدي أداء متميزاً في ظل ظروف دولية مختلَّة تماماً لمصلحة العدو الصهيوني وحليفه الأكبر: الأمريكي المتصهين الذي أصبح اليوم، القوة الوحيدة المهيمنة على قرار العالم اقتصادياً وسياسياً وأمنياً؛ وفي أدائها ذاك تسعى لاستنهاض ما تبقى من همة عربية تصوغها في تضامن يُبْقي على الحد الأدنى من الكلام والموقف العربيين في صف ضعيف، ولتركيز ما يمكن تركيزه من قوة مادية ومعنوية !‏

- تقف في وجه التهديد بالعدوان، وحتى " التهديد بالإبادة "، الذي يطلقه الكيان الصهيوني وتغذيه الولايات المتحدة بالصمت والمال والسلاح والدفع الإعلامي والسياسي الماكر.‏

- وتعد ما ينبغي إعداده من أجل التحرير وبلورة مقومات المشروع النهضوي العربي، الذي يناهض المشروع الصهيوني الاستعماري الزاحف على المنطقة من دون هوادة.‏

سورية التصحيح اليوم، أو حركة التصحيح التي غدت سورية الحديثة اليوم، وهي تنتصر في جبهات وتصمد في أخرى وتسعى للبناء وبلورة برنامج ورؤية مبنية على المستجدات المتحركة، تطرح على نفسها وعلى العرب من حولها أسئلة تتصل بالحاضر والمستقبل، وقائمة التساؤلات طويلة ومتنوعة، وهي من صلب ما وصلت إليه رؤية سورية- التصحيح واستنتاجاتُها ومواقفُها، التي يستدعيها موقعها القومي والنضالي والثقافي، ولا مناص من الإشارة إلى أسئلة أو تساؤلات من نوع آخر تمليها الفئة الأولى من الأسئلة والتساؤلات أو توحي بها، وهي تتصل بالركائز الرئيسة التي تعطي للرؤية مقومات الوجود والقوة والفعل، وتجعل للسؤال قدمين أو قدمين وعكازاً يسعى بها؛ كما تتصل بجوهر المرجعية وحاملها وبمن يتوقف عليه الإيمان بها والأداء في إطارها والتمسك بأهدافها وبرامجها وثوابتها، وأعني بذلك:‏

- الإنسان الذي تقوم من أجله الثورات والحركات والمبدئيَّات، ويتم به التحرير والإنقاذ والنهوض، أي الطاقة الروحية المبدعة للرؤية والأداء والإنجاز في المجالات جميعاً.‏

- والقاعدة الاقتصادية - والعلمية التي تتحول إلى مصادر التقدم والتطور والتطوير وامتلاك القدرات والإمكانات والأدوات والتجهيزات وكل معطى القوة المعرفية والمادية في المجالات جميعاً أيضاً.‏

أليس من الأهمية بمكان أن نلقي نظرة متفحصة على هذا الإنسان : فرداً في جماعة، وجماعة في قطر، وقطراً في أمة، لنرى من هو اليوم وكيف هو؟! كيف يفكر وماذا يريد وممَّ يعاني، وهل بينه في العمق وبين ما نريد له أن يكون مسافات تُقْطع وهوى تُرْدَم ؟!‏

الإنسان: قوى روحية - وتربية- وثقافة عامة- وأهداف ومثُل وقيم وانتماء ومبادئ، هذا صحيح ولكنه أيضاً جسدٌ ومعدةٌ وشهوةٌ وحاجةٌ عمل وسكن وأسرة، وتطلعات فردية في مجتمع، واجتماعية في أمة.‏

فهل هو في أمن من جوع وخوف؟!‏

وهل هو متقدم في علوم العصر وتقنياته، أو لديه الأمل والرغبة في التقدم في هذه المجالات؛ وهي مفاتيح كل النجاح والإنجازات بل ومفاتيح البقاء الحي في هذا العصر؟!‏

ماذا يتهيأ له مما يريد! ماذا يمكن أن نحقق له مما يتطلع إليه ؟! وماذا نعطيه من حقه ونأخذ منه من واجبات؟! وهل القاعدة المعيارية للأداء والمحاسبة والمطالبة سليمة من كل عيب أو خلل أو خطأ ومبرأة من الفساد؟!‏

الإنسان أساس، ومرآته النظيفة ترينا ما فيه وما يريد، ومرآتنا النظيفة تريه من نحن وماذا نريد؟! فهل هذا في موقع العناية والأداء الصارم ضمن ما ننشده من تطلعات وما نطبقه من قوانين وأنظمة، وما نقيمه من علاقات؟!‏

إن سؤال الإنسان الفرد، والخلية الأساسية للمجتمع: الأسرة، والمدرسة دار التكوين والتربية، سؤال رئيس يأتي في المرتبة الأولى من كل الاهتمامات والتحديات والتطلعات لأنه الغاية والوسيلة معاً.. أما سؤال القاعدة المادية في كل مجال وتطويرها بمعطى العلم والتَّقَانَة والإيمان بالله والمستقبل، فهو سؤال متعلق بالإنسان؛ فلا يوجد تنمية على الأرض إلا بتنمية الإنسان، وتنمية الإنسان تنمية وعي معرفي وعلمي، وتنمية قوى روحية ومادية، وتنمية التزام ومسؤولية في ظل الحرية والاحترام والشراكة التامة والمسؤولية التامة أيضاً في الوطن والقرار المسؤول عن الوطن والمستقبل والقرار. ولا يمكن أن ننهض بالإنسان من دون توفر القاعدة المادية، ولا يمكن أن نمتلك قوة من دونها، ولكن تلك القاعدة لا تنمو إلا بالإنسان ولا نحافظ عليها إلا من خلال توافر قيم خُلُقية وإنسانية ترى في حماية العام حماية للخاص وإنقاذاً له، وترى في خلاص الكل خلاص الجزء على الصعيد الفردي والقطري والقومي والإنساني.‏

إن سورية- التصحيح، وسورية الأمل القومي والموئل القومي، وسورية المستقبل لا مناص لها من أن تواجه سؤال المستقبل... سؤال الإنسان والمجتمع والأمة، العلم والتَّقَانَةوالتصنيع والإنتاج المتطور وامتلاك القوة، المادة والروح، الإيمان بِشُعَبِه والعمل على أرضية العلم والإيمان في كل مجالات وجودهما وضرورتهما وتجليهما؛ وهي تواجه ذلك بمسؤولية وجسارة ولكن المهمة ليست سهلة والاستعداد لها ليس قليلاً.‏

إن سورية بمساحتها التي تربو على 185 ألف كم2 فقط، وبسكانها الذين يناهز عددهم ثمانية عشر ملوناً، تشكل اليوم طرفاً رئيساً في أية معادلة سياسية/ عربية أو دولية/ في هذه المنطقة من العالم، ويصعب على سياسي جاد أن يقفز فوق دورها وحضورها أو أن يتجاوز قرارها في أي موضوع، يتصل بالمنطقة، يُراد له أن يولد سليماً وأن ينمو ويستمر.‏

وهي اليوم قلب المشروع العربي الذي هو النقيض التام للمشروع الصهيوني في المنطقة، سواء في الحرب أو في السلام ـ وأظن أن قول كيسنجر صحيح حين قال: لا سلام من دون سورية ولا حرب من دون مصر ـ ولا تتنازل سورية عن مشروعها القومي أو عن دورها الاستراتيجي في كل ما يتصل بحاضر المنطقة ومستقبلها، وهو الأمر الذي ينبغي أن يتم التوقف عنده طويلاً في التحليل والتقدير والتدبير؛ والتفكير فيما يرتبه وما يتطلبه ذلك من استعدادات؛ وهو في المحصلة خلاصة سورية الحديثة التي فرضت حضورها بشكل ملموس.‏

إن سورية الحديثة ليست فقط الدستور والقوانين، ومجلس الشعب والجبهة الوطنية التقدمية، والإدارة المحلية والتطبيق الديموقراطي في إطار الخصوصية؛ وليست الجامعات الثلاث التي أُحدثت، والأولى الأقدم ـ جامعة دمشق ـ التي جُددت ووسِّعت لدرجة ترقى إلى الإحداث الشامل، والمعاهد المتوسطة والعليا والمهنية التي أنشئت، والمناهج التي طورت، والمعلوماتية التي أدخلت في مراحل التدريس كله؛ وليست شبكة الكهرباء والهاتف والطرق والاتصالات الحديثة، والمشافي والمراكز الصحية المنتشرة في الريف، وليست المعامل والمصانع والسدود وشبكات الري، والكفاية التامة من المحاصيل الزراعية الاستراتيجية، لا سيما الحبوب، التي حمت مواقف سورية السياسية والعقائدية من شرور الضغط الغربي، والانصياع الذليل لإرادة المستعمرين والمحتلين؛ ولا هي التأسيس لقطاعات اقتصادية قوية متكاملة ـ العام والمشترك والخاص والتعاوني ـ ومتنوعة القدرات، تحمل أعباء بلد ناهض، وجيش حديث يتحمل مسؤوليات المواجهة مع العدو الصهيوني ويتطلع إلى التحرير وتحقيق أهداف قومية سامية؛ وليست هي استثمار النفط والغاز والتوسع في أسطول النقل الجوي وبناء الموانئ البحرية والجوية، ولا هي النهضة الثقافية والإعلامية الكبيرة: الكتب والمجلات والصحف والمراكز الثقافية والمكتبة الوطنية، والتنقيب عن الآثار والمحافظة عليها وترميم ما يحتاج إلى الترميم منها، والقوانين التي شرعت لتعزيز الأداء الثقافي والإبداعي ونظمت العمل وحمت القائمين على الأداء في حقوله ، لا سيما قانون تقاعد الفنانين وقانون تقاعد الكتاب ومشروع قانون حماية حقوق المؤلف ..إلخ ؛ والتوسع التعليمي والتربوي بمستوياتهما وتحديثهما، ذينك اللذين شملا المدن والريف وحققا كفاية مبدأ إلزامية التعليم والتعليم المهني وسياسة الاستيعاب في الجامعات؛ وليست هي المنظمات الشعبية والاتحادات والنقابات المهنية القوية التي تشكل مع سواها من المؤسسات السياسية والتشريعية والتنفيذية قوام المجتمع المدني المنظم، الذي يستطيع تحمل تبعات الأهداف الكبرى وإحداث النقلة النوعية في الأداء والتطوير. إن سورية الحديثة هي هذا كلُّه محمولاً من الإنسان المبدئي وعلى المبدأ الإنساني في إطار تطلع والتزام قوميين جعلا منها بحق: قلب العروبة النابض وقلعة للصمود، وأملاً للأمة العربية بالنصر بعد الصعود من مهاوي الردى، التي قادتها إليها الأحداث المرة والمتغيرات الدولية والعربية الكبيرة منذ حرب لبنان وحربي الخليج ومهازل اتفاقيات الذل والإذعان حتى يوم الناس هذا.‏

وفي ضوء الإنجازات الكبيرة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية الضخمة، التي قدمت للعالم وجه سورية الحديثة، نستطيع أن نتعرف، بشكل أفضل، على موقع سورية الحقيقي ومكانتها الفعلية في عالم اليوم، وعلى ما تمثله في المرحلة الأهم والأضخم من تاريخ إنجازها السياسي، منذ حرب الخليج الثانية ومؤتمر مدريد، أي في مرحلة الانهيار العربي والتهافت المشين الذي أصاب معظم الدول العربية.‏

ورجل سورية الحديثة، الذي قادها على طريق البناء والصمود والوفاء، وإلى حيث أصبحت أمل العرب ومتطلَّع أفئدتهم وأنظارهم ، والذي أدار دفة السفينة بمهارة ودراية وحنكة وحكمة في أعتى العواصف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، طوال تسعة وعشرين عاماً: رئيساً للجمهورية وأميناً عاماً للحزب، وأكثر من ذلك من السنوات: قائداً عسكرياً رابط الجأش في الشدائد شجاعاً في كل المواجهات ، ومناضلاً قومياً متميزاً في موقفه وموقعه وخُلُقه ومبدئيَّته وأدائه منذ سن الشباب؛ هو القائد العربي الذي راهن على المستقبل وآمن به ودعا إلى الإيمان به ـ ومستقبل الأمة وقضاياها هو مستقبل شبابها ـ وهو الأمل العربي حافظ الأسد الذي نقول له : نعم لك رئساً لدورة دستورية خامسة لأنك تشكِّل الضمانة الحقيقية للعمل القومي ولجهد الشرفاء وبقائهم، وللنظرة القومية الوحدوية، ولقضية العرب المركزية قضية فلسطين وتحرير الأقصى والجولان وجنوب لبنان من الغزاة ، ولأنك ضمانة للحرية وللكرامة القومية؛ لا تهرول إلى أعتاب العدو الصهيوني العنصري، ولا تركع أمام القوة الغاشمة للإرادة الأمريكية الحامية لذلك العدو ولاحتلاله وممارساته الكريهة ومشروعه المناقض المضاد لأي مشروع عربي نهضوي منقذ؛ ولأنك الأكثر عزماً وتفاؤلاً وشباباً، ولأنك راهنت بوعي على المستقبل المتجسد في الشباب .‏

دمشق 6/2/1999‏

الأسبوع الأدبي العدد 646‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244