صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

من دون مصافحة ..و...

من دون مصافحة، وهذا أكرم وأدل على الوعي بمن نحن، ومن هم، وماذا نريد وما يريدون، افتتحت المفاوضات على المسار السوري الإسرائيلي في واشنطن مساء الأربعاء 15/12/1999 الساعة الخامسة وبضع دقائق، بكلمة مقتضبة ألقاها الرئيس الأمريكي بيل كلنتون في حديقة الورود بالبيت الأبيض ، وقدم بعد ذلك كلاً من رئيس وزراء العدو الصهيوني إيهود باراك ووزير الخارجية السورية الأستاذ فاروق الشرع على التوالي حيث ألقى كل منهما كلمة بحضور أعضاء الوفدين المتفاوضين، وممثلين عن الجانب الأمريكي على رأسهم وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت.‏

ولفت النظر في كلام الوزير الشرع تركيز على ثوابت الموقف السوري، ومنها أن المفاوضات تستأنف من النقطة التي توقفت عندها في واي بلانتيشن / شباط ـ فبراير 1996/ وأن الصراع العربي- الصهيوني ، بوصفه صراع وجود مع وجود، تكرسه العناصر المتطرفة في الكيان الصهيوني التي تسوغ منطق الاحتلال، وتتعلق به وبممارساته، وهي تتحمل مسؤولية استمرار هذا النوع من الصراع؛ وتركيزه على وضع العرب السوريين النازحين من الجولان منذ حرب حزيران ومعاناتهم، وجريمة تدمير قراهم في محافظة القنيطرة، المعاناة والجريمة اللتان سكت عليهما من " يكوّنون الرأي العام في المجتمع الدولي" طوال تلك السنين ، بينما يقيمون الدنيا ولا يقعدونها اليوم لشأن يتعلق بمحتلين يغتصبون مواقع في الجولان وتقدم احتلالهم على أنه وضع إنساني خطير الشأن ولا يجوز التساهل في أمره!؟‏

كان الرئيس الأميركي بيل كلنتون، قد قال في إعلانه يوم الأربعاء الثامن من شهر كانون الأول الجاري : "أن عملية السلام في الشرق الأوسط قد دخلت مرحلة محورية ويمكن أن تقرر مصير المنطقة لأجيال آتية.. وأن المفاوضات سوف تستأنف على أساس جميع المفاوضات التي تمت بين سورية و"إسرائيل" ومع الولايات المتحدة . وأضاف: .. وبصراحة لقد أقسمنا جميعنا على ألا نتحدث أكثر مما تحدثنا به اليوم، وأنا سألتزم بوعدي." وهذا ماكان فقد مضى الرئيس كلنتون بالمتفاوضين إلى حيث يتابعون عملهم داخل البيت الأبيض/ اجتماع دام نصف ساعة/ ثم في "بلير هاوس" بعيداً عن الأضواء.‏

وهذا يعني "أن الفطر يمكن أن ينمو بصورة أفضل في الظلام" كما قالت مادلين أولبرايت ، وأن المفاوضات سوف يعتَّم عليها إعلامياً بشكل شبه تام إن لم يكن تاماً. ولكن الفطر الذي ينمو في الظلام يكون عادة : إما ساماً يجدر بالناس معرفته وتوقِّيه، وإما غير ضار بالصحة ويمكن تناوله، بصرف النظر عمن يستسيغونه وعمن يرفضونه.. وقد بدا على وجه الوزير فاروق الشرع بشكل واضح، أنه يمقت فطر الظلام هذا وقد كان يشعر بالقشعريرة.. على أية حال.‏

على أن فطر أولبرايت ليس مجهولاً إلى الحد الذي يصعب على المتتبع تبين أماكنه وبعض نتوآته ومميزاته، ويمكن القول: إن هناك الكثير مما غدا معروفاً عن مواقف كل من الطرفين المتفاوضين، الأمر الذي يسمح بمعرفة الكثير عن صيغة التسوية المقبلة وعن نتائج المفاوضات.‏

فبما أنها تستأنف من النقطة التي توقفت عندها في واي بلانتيشن .. و"على أساس جميع المفاوضات التي تمت بين سورية وإسرائيل ومع الولايات المتحدة ." وعلى أساس مرجعية مدريد ولا سيما تنفيذ القرار 242 و338 فإنها تتضمن حتماً ما تم التعارف على تسميته "بوديعة رابين": أي الانسحاب " الإسرائيلي" من هضبة الجولان حتى حدود الرابع من حزيران 1967 ، وحدود الرابع من حزيران تتضمن عملياً عودة السيادة السورية على الأرض التي كان فيها الجيش العربي السوري قبل حرب حزيران ومنها : منابع نهر بانياس والضفة الشمالية الشرقية لبحيرة طبريا ومنطقة الحمة وبقية الشريط الذي يريد الكيان الصهيوني اعتباره غير داخل في التسوية لأنه لا يدخل في الحدود الدولية التي حددها الاستعمار البريطاني والفرنسي عام 1923 تنفيذاً لاتفاقية سايكس ـ بيكو / 1916/ التي مهدت لتنفيذ وعد المشؤوم بلفور.‏

إن المياه أمر حيوي، وعودة سورية إلى ضفاف بحيرة طبريا والاستفادة من مائها ، أمر في غاية الأهمية. فمياه البحيرة كانت بمتناول السوريين قبل الرابع من حزيران وهي تدخل ضمن الأراضي، التي تشكل السيادة السورية عليها مطلباً لا تنازل عن ذرة منه؛ أما حرية التصرف بالروافد والمياه المتدفقة في الأودية الموسمية التي تصب في البحيرة أو ترفد نهر الأردن عبر اليرموك، فهي مياه عربية تتدفق في أرض عربية ولا يجوز أن تكون موضوع مساومة في مقابل تدفق مياه الفرات إلى سورية، أم مرور ما يسمى "بأنابيب السلام " لإسالة مياه من تركيا عبر الأراضي السورية إلى الكيان الصهيوني على أرضية ما يسمى " السلام"، موضوع مسعى الكيان الصهيوني منذ سنوات فلا يجوز أن يكون أحد نتائج مقايضة مياه لسورية ـ وهو حقها في نهر الفرات ـ في مقابل مياه " لإسرائيل" لتأمين تلك الإسالة للمياه من تركيا. ونحن نعرف أن موضوع المياه قامت من أجله الكثير من الأزمات والحروب، وكان من أسباب حرب حزيران ذاتها ، حين حاولت سورية والدول العربية الأخرى المشاركة في مشروع السد الذي تقرر إقامته على نهر اليرموك.. فكان العدوان الإسرائيلي الكثيف الذي بدأ بتصعيد الأوضاع على الجبهة السورية ومن ثم المصرية عام 1967 عبر حشود تركية على الحدود الشمالية لسورية، وهو ما كانت "إسرائيل" طرفاً فيه في ذلك الوقت، كما هي حليف لتركيا اليوم، وطرف في تهديد قد يتجدد في أي وقت!؟. ولا أظن أنه من غرائب "المصادفات" وعجائبها أن يتم في يوم استئناف المفاوضات في واشنطن مناورات بحرية للتحالف التركي الإسرائيلي في مياه المتوسط يحضرها ضابط أردني، ليشير إلى أن موضوع المياه اليوم، وفي الأمس الحزيراني الأسود كان أحد الأمور والعوامل الداخلة في الضغط وفرض التسوية في آن معاً في ظل المتغيرات الدولية والعربية التي نعرفها جيداً!‏

والليونة السورية، لا تعني تنازلاً من أي نوع عن حق ثابت، وهنا أُذكّر بالحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، التي كانت تُدْرَج منذ مؤتمر مدريد في قائمة المطالب السورية، تكريساً للبعد القومي للقضية الفلسطينية، الذي احتلت الجولان وسيناء وجنوب لبنان من أجله وتأكيداً له وعلى تلك الحقوق العربية في فلسطين المحتلة. إننا لم نسمع كلمة تأكيد على ذلك في التصريحات التي رافقت الإعلان عن عودة المفاوضات.. ولا في الكلمات التي ألقيت، فهل تم التغاضي عن ذلك عمداً، أم تم التعتيم عليه!؟ إن تلك النقطة من أهم ما يشكل حقيقة سورية ومركزها وموقعها القومي، وهي من النقاط التي يراد انتزاعها من جدول أعمال أي مفاوض عربي بحجة أن الشأن الفلسطيني هو شأن سلطة الحكم الذاتي في إطار أوسلو ، وأن كل بلد عربي مسؤول عن نفسه وعن شؤونه المحصورة في نطاق حدوده السياسية التي قررها الاستعمار سابقاً. وهو ما يراد فرضه بأشكال مختلفة على سورية بالذات ، ولو أن سورية قبلت بهذا الأمر وأقبلت عليه سابقاً لأخذت الجولان منذ سنوات ولما تعرضت لكل ما تعرضت، وتتعرض له من ضغط واستنزاف وأنواع حصار مسكوت عنها. إنه يراد تماماً أن تنحصر سورية في إطار جغرافيتها السياسية ولا تهتم إلا بشأنها القطري .. وإبعاد الموضوع الفلسطيني أو استبعاده رأس حربة موجه ضد دور سورية، وموقعها القومي مستقبلاً وضد مشروعها القومي أو المشروع القومي النهضوي العربي الذي تحتل، وينبغي أن تحتل موقعاً رئيساً ومتقدماً فيه.‏

إن حقوق الشعب العربي الفلسطيني، ومنها حقه المشروع في المقاومة حتى التحرير مما ينبغي أن يكون مقدساً ويبقى مقدساً، ومما تأخذه سورية دائماً بعين الاعتبار بوصفه أحد أهم سماتها ومكونات توجهها وهويتها ومبدئيتها. وحقوق الشعب العربي الفلسطيني، هي مما كان مدرجاً على جدول الأعمال في مرجعية مدريد التي دخلت سورية المفاوضات في واي بلانتيشن على أساسها، وهي إذن مما كان ومما ينبغي أن يكون في إطار تلك المفاوضات التي يتم استئنافها اليوم من النقطة التي توقفت عندها، ومما ينبغي التأكيد عليه في كل وقت، مع كل ما فيها من موضوعات وتفاصيل ودقائق ؛ حتى لا يظن أن الشأن الفلسطيني القومي غدا عرفاتياً وأن كل ما سال من دماء عربية على طريق هذه القضية القومية العادلة تجاوزته الذاكرة، وقفز فوقه الوجدان. ولا يجوز أن نبتلع طعم المسؤولية القطرية المستقيلة من المسؤولية القومية، وعن قضايا الأمة المصيرية ، لأن هذا يجردنا ـ وفي سورية بالذات ـ من أهم أهداف نضالنا، وما تكونا عليه وتمسكنا به وناضلنا من أجله عبر التاريخ، ودفعنا على طرقه أثماناً باهظة.‏

ولا أقدر أن "الليونة" السورية شملت أو يمكن أن تشمل ، من قريب أو من بعيد، ما يتعلق بانسحاب قوة الاحتلال من جنوب لبنان انسحاباً تاماً غير مشروط؛ فالربط قائم وهو عضوي تام. فالمقاومة اللبنانية وعلى رأسها حزب الله ربطت تحرير الجنوب بتحرير الجولان، وسورية ربطت تحرير الجولان بتحرير الجنوب، ويتم التأكيد على أن من أسباب قبول حكومة باراك بالعودة إلى المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها ـ وهو ما كانت ترفضه وما كانت ترفضه، الحكومة الليكودية السابقة ـ هو أن الانسحاب من جانب واحد: أي انسحاب جيش الاحتلال من دون اتفاق مع سورية ولبنان يعني استمراراً للمقاومة وتصعيداً جدياً للأوضاع العسكرية والأمنية في المنطقة وإنذاراً بالانفجار لأن :‏

ـ المقاومة في جنوب لبنان لن تتوقف ، في حال الانسحاب إلى مناطق جنوبية أكثر أمناً للجيش الصهيوني والعملاء المتعاونين معه، ولن تتوقف أيضاً في حال الانسحاب من الجنوب المحتل في السبعينيات/ 1978/؛ فهناك ربط تم الإعلان عنه بصراحة تامة ، لا سيما في تصريحات الرسميين اللبنانيين ومسؤولي المقاومة وقادتها في حزب الله، وبقية الجهات التي تشارك في المقاومة ضد الاحتلال من جنوب لبنان ، بما في ذلك فصائل فلسطينية: الجهاد الإسلامي، وحماس على وجه الخصوص، هناك ربط بين الانسحاب من الجولان، والانسحاب من جنوب لبنان؛ لأن ترابط المسارين الذي عجزت الصهيونية الأمريكية والإسرائيلية ومن يناصرهما عن فكِّه أصبح حقيقة واقعة وثابتة، ولا يتوقف عند حدود أرض بلد من البلدين بل يشمل الأرض العربية المحتلة فيهما وحقوق الشعب العربي الفلسطيني. وإذا ذهب الظن إلى أن الانسحاب من جنوب لبنان من جانب واحد، أي من الجانب الإسرائيلي، من دون اتفاق مع السوريين واللبنانيين على ذلك، سوف يسحب من المقاومة ورقتها المشروعة لأن جيش الاحتلال قد انسحب وزال مسوغ المقاومة، وسوف يسحب من يد سورية ورقة المقاومة لأنه لم تعد هناك في لبنان حاجة للمقاومة.. بل ويضع سورية في موضع حرج بشأن بقائها في لبنان.. من يذهب هذا المذهب في التفكير والتفسير يتناسى بعض الحقائق أو يقفز فوقها أو يجهلها، ومن تلك الحقائق:‏

أ ـ أن الأرض اللبنانية المحتلة التي شملها القراران / 425 و 426 / هي تلك التي احتلت في عام 1978 وما بعدها ..صحيح، ولكن هناك سبع قرى للبنان قام باحتلالها العدو الصهيوني في حرب حزيران 1967 وما قبل ذلك وما بعده، وهي قرى إقليم العرقوب، الذي يقع على السفوح الغربية والشمالية الغربية لجبل الشيخ؛ وهي أرض تتداخل مع الجولان من حيث الجغرافية وظروف الاحتلال وموضوع التفاوض ، في ضوء وحدة المسارين السوري واللبناني. وهذا يعني من ناحية أخرى أن المقاومة اللبنانية سوف تستمر بمشروعية لبنانية داخلية حتى ينسحب العدو من أرض العرقوب؛ وهو موضوع لم يكن مطروحاً وليس هو حتى الآن من الموضوعات المطروحة بشكل جدي، وجلي على جدول أعمال الفرقاء المعنيين. وإذا أضفنا هذا إلى تلازم المسارين السوري واللبناني ـ أي العلاقة الوشيجة بين الجولان وجنوب لبنان ـ وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة التي لم تتحقق، تلك التي دمر من أجلها لبنان بأشكال مختلفة، فإن المقاومة ستبقى تلاحق جيش الاحتلال حين ينسحب من جنوب لبنان تحت وطأة الخسائر البشرية التي تلحقها به، ولن يتخلص السارق المحتل من الخوف الذي يلاحقه ولا ينبغي أن يتخلص من ذلك الشبح. والمقاومة حق وواجب، وهي التي أجبرت العدو على التفكير بالانسحاب ، ومن ثم كانت في جملة أسباب إرغامه على استئناف التفاوض ، لأنه رأى في الانسحاب من جانب واحد استمراراً للمقاومة؛ التي لولاها لما كان يفكر بالانسحاب أصلاً ولا بالموافقة على استئناف التفاوض الذي يمكن أن يؤدي إلى تفاهم، وذلك التفاهم هو وحده قد يعوق المقاومة.. وأنا أرجو للمقاومة أن تستمر وأدعو إلى أن تستمر بكل الوسائل والسبل وأطالب باستمرارها بوصفها حقاً مشروعاً لمن احتلت أرضه وطرد منها، وهذا شأن الفلسطينيين ومن يرى نفسه منتمياً لفلسطين في إطار رؤية قومية ومسؤولية عربية، لأن صراعنا مع العدو الصهيوني لن ينتهي أبداً بتوقيع وريقات تعوضنا عن الأرض المغتصبة والحقوق المنتهكة، التي لن تعيدها إلا القوة.‏

ب ـ أن سورية لم تنس لبنان ولم تتجاهله في اتفاقها على استئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها، فلبنان ليس طرفاً مباشراً في اتفاق مباشر لتنفيذ القرارين 425 و 426 من جهة، لأنهما ينصان على انسحاب تام من دون قيد أو شرط؛ ولأنه سوف يستأنف مفاوضاته في ضوء إحراز تقدم ما، على المسار السوري. وهناك مطالبة سورية جادة، وعربية شاملة ودولية مقررة لتنفيذ القرارين، وهناك أيضاً ضرورة تجبر قوة الاحتلال على الانسحاب. وتأتي المفاوضات لتحل وضعاً متشابكاً فيما يتعلق بالجولان وجنوب لبنان وإقليم العرقوب، وهو ما أقدر أن يثار من كل الأطراف المعنية.‏

إن التفاوض الذي يتم على مستوى عال هذه المرة أتوقع له أن يتقدم بسرعة ملحوظة، لأن 80% مما كان يجري التفاوض عليه في واي بلانتيشن قد تم الاتفاق بشأنه ، ولأن الاتصالات التي سبقت الإعلان عن استئناف المفاوضات قد أنجزت الكثير على طريق الاتفاق ، ولا أقدر أن الكثير من الأمور الدقيقة بقي معلقاً.‏

وهذا كله يطرح علينا سؤالاً ملحاً يتعلق بالوضع القادم ، نحن الذين نرفض، وسوف نرفض، الاعتراف بالعدو الصهيوني ونقاوم تطبيع العلاقات معه وننظر إلى صراعنا معه على أنه صراع وجود وليس نزاعاً على حدود: هل ينتهي كل شيء حين تسفر المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية واللبنانية- الإسرائيلية عن اتفاق !؟ هل ينتهي تاريخ ويبدأ تاريخ وتزول مقومات الصراع العربي ومسوغاته من الوجود.. ويبقى لنا فقط حق أن نتنفس البؤس وندفن رؤوسنا في الرمال ، ونتذكر مرارة الانهزام..أو نأكل على موائد "المنتصرين" بالتفاوض وكأننا حققنا المعجزات!؟ أم أن القضية الأساس سوف تبقى حية في وجداننا وهادية لنضالنا ومجددة لعزائمنا، ودافعة لنا على أن نعمل من أجل غد عربي أفضل، فيه قوة وكرامة وقدرة على استعادة الحقوق وحماية الهوية والذات والمصالح؟! هل تزول أشباح ملايين الفلسطينيين المشردين وتدفن قضيتهم في الرمال العربية الكثيفة وتأكلها الصحراء والذاكرة المتآكلة، والوجدان القومي المثقَّب من خواصره كلها!؟ هل تغيب صور الشهداء من آبائنا وإخوتنا وأبنائنا الذين ضحوا بأرواحهم على طريق قضية قومية عادلة واستودعونا تلك القضية والأهداف التي استشهدوا من أجلها؟! أم أننا سنجد أن وضعاً كهذا سيجعلنا أكثر عزماً وتصميماً على العمل من أجل رفض الاعتراف، والتطبيع وجعل كل الاتفاقيات العربية مع العدو الصهيوني مجرد اتفاقيات رسمية بيروقراطية فوقية فرضت في ظروف ضعف وعدم توازن دولي، وأنها يجب أن تبقى كخيوط العنكبوت بعيدة عن واقع الناس ووجدانهم وذاكرتهم وتربيتهم وتكوينهم الحق ، وتشدهم أكثر من أجل كلام أقل، وعمل علمي أكثر وصولاً إلى قوة وتحرير !؟ وأنه وضع سوف يجعلنا وأكثر ثقة بأنفسنا وبالمستقبل ، وأكثر شعوراً بالمسؤولية من جهة وبالأمل من جهة أخرى..وأقل استعداداً لابتلاع أوهام الرخاء الذي يرافق " السلام الصهيوني القادم" كما روجت بعض صحفنا للأسف؟!.‏

إنني من الذين سيفرحون بعودة الجولان وجنوب لبنان بما فيه إقليم العرقوب إلى حضن الوطن فرحاً بلا ضفاف كما قلت ، وفي قمة الفرح سوف أستشعر الحزن العميق بلا حدود والحاجة الماسة إلى خطاب عربي مغاير، وعمل عربي مغاير يحققان ساحة أفضل للرؤية والنضال من أجل امتلاك القوة الشاملة على أرضية العلم والإيمان، والعمل بهما وصولاً إلى حالة نفسية واجتماعية ..وطنية وقومية .. وإسلامية، تمكن من الرؤية السليمة للمشروع الصهيوني الاستيطاني العنصري المستمر، ومن تحسس مخاطره الشديدة على المستقبل العربي؛ وتلقي على العقل والقلب والوجدان مسؤولية مقاومته حتى التحرر منه والنصر عليه.‏

وبعد.. هل ستقفل الأرض العربية أمام من سيقاوم الكيان الصهيوني، ويرفض الاعتراف به، وكل شكل من أشكال تطبيع العلاقات معه !؟ وهل ستنتهي الأحلام والآمال وتضيع دماء عشرات آلاف الشهداء العرب الذين قضوا على طريق فلسطين هدراً؟! أقول بكل الثقة والاطمئنان لا وألف لا.. فهذا الوطن هو أرض الشمس التي تضرب النخيل حتى ينضج ثمره ، والحقل حتى يتذهَّب قمحه، وأرض الوضوح والصمود والثبات على المبدأ ..وليست أرض الفطر الذي لا ينمو إلا في الظلام.. وسوف تحرق شمسنا العربية الكثير من الفطور والعفن والفساد، وتمكِّن من إنضاج مقاتلين أشداء يؤمنون بالله والأمة والوطن، ويعلون راية الحق ، ويرفضون الاستعمار الأميريـ ـ إسرائيلي، و الإسرائيلي ـ أمريكي لأي بقعة من أرض العرب ، ولأي إرادة في أرض العرب، وتضع حداً لتحكمه بإرادة أي من العرب وبقراره القومي.. بالعمل المنقذ من أجل الحرية والتقدم والنهضة والتحرير.‏

دمشق في 16/12/1999‏

الأسبوع الأدبي العدد 689‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244