|
هوامش على البيان
انتهت الجولة الأولى من المفاوضات المستأنفة على المسار السوري ـ الإسرائيلي بين وزير الخارجية السورية الأستاذ فاروق الشرع ورئيس وزراء العدو الصهيوني إيهود باراك في بلير هاوس / واشنطن / بإشراف ومشاركة من الجانب الأميركي ممثلاً بالرئيس بيل كلنتون ووزيرة خارجيته مادلين أولبرايت، على أن تتم الجولة الثانية المطولة في الثالث من كانون الثاني عام 2000 في مكان قرب واشنطن/ حدد فندق ومركز مؤتمرات كلاريون في مدينة شبرردز تاون بولاية وست فرجينيا على مسافة قريبة من العاصمة واشنطن/ ، وعلى هذا فإن فكرة عقد الاجتماعات اللاحقة من المفاوضات في عمان أو القاهرة ربما تكون قد استبعدت لأسباب عديدة، منها الرغبة في حضور الجانب الأميركي فيها على أعلى المستويات.
في كلمته المقتضبة أشار الرئيس كلنتون للمرة الأولى إلى: " تسوية شاملة".. وإلى " المسؤولية الأميركية إزاء هذه المبادرة"..وإلى أن " تدهوراً ـ في المفاوضات ـ سيؤدي إلى أزمات دبلوماسية واقتصادية وأخيراً حربية وستكون باهظة الثمن أكثر من السلام الذي يكون غالباً نسبياً.".. و " السلام يمكن أن يضمن المستقبل الأفضل لشعبه ـ يعني الرئيس الأسد ـ ووزير الخارجية الشرع هو الممثل الجدير بالشعب السوري والرئيس السوري ." وفي هذه المقتطفات أقرأ الآتي:
1 ـ تأكيداً من الرئيس الأميركي على شمولية التسوية و" شمولية السلام" في ثلاثة مواقع من كلمته المقتضبة، ولم يكن خطابه في السابق يلتفت إلى هذه الناحية، التي كانت تطرحها سورية منذ مؤتمر مدريد وبقيت مستمرة في طرحها .. ولكن لم تتوقف المناورات حول هذا الطرح إلى أن تأكد للجميع أنه الأجدى؟!
2 ـ تأكيداً على "المسؤولية الأميركية إزاء هذه المبادرة"، وهذا يعني حضورها النشط في أثناء انعقاد جولات المفاوضات وفي أوقات المتابعة والتحضير لانعقادها .. وحضوراً أيضاً، بوسائلها الخاصة، في المواقع التي تحتاج إلى متابعة لإنجاز التسوية ، لا سيما ما يتعلق من ذلك بالوضع الداخلي في الكيان الصهيوني وما يستحق هناك من التزامات وما يترتب دفعه من ثمن.
3 ـ رؤية أو تلميحاً إلى برمجة أزمات في المنطقة، والمقصود بالدرجة الأولى هنا هو سورية، لأن الإشارة إلى أزمات دبلوماسية في الوقت الذي لا توجد فيه علاقات بين سورية والكيان الصهيوني، يعني التلويح بخلق أزمات لسورية قد يكون منها تفعيل لائحة الإرهاب الأميركية والوصول إلى تضييق اقتصادي يضاعف من أزمات سورية الاقتصادية ويحرمها من تنمية مواردها وإمكانياتها.. في مقابل تسوية تؤدي إلى انفراج اقتصادي محتمل.. ومن ثم تصعيد الأزمات إلى حرب .. والحرب في هذا السياق تحمل تذكيراً بمخاطرها على الطرفين وعلى المنطقة ، كما تحمل مؤشرات نعرفها نحن العرب بشكل أفضل، إذ أن موقف الإدارة الأميركية الثابت هو إلى جانب الكيان الصهيوني بانحياز ذي امتياز. ويتضح مدلول الثمن والتذكير به ، في نطاقه الأوسع في الشق الثاني من الجملة التي ساقها الرئيس كلنتون مرتبطة بالأولى حيث قال : "دبلوماسية واقتصادية ..ثم .. حربية وستكون باهظة الثمن أكثر من السلام..".. ويعزز هذا المعنى ، أو المذهب في التفسير سياق العبارة الآتية، الذي يضع الجهة المعنية أمام نوع من الموازنة والاختيار ، إذ يقول الرئيس كلنتون ، وهو يخص الرئيس حافظ الأسد تحديداً في الخطاب: " السلام يمكن أن يضمن المستقبل الأفضل لشعبه".
4 ـ إشارة مدروسة من الرئيس كلنتون للإيحاء بـ أو لبيان أن الأستاذ فاروق الشرع وزير الخارجية السورية يمثل الرئيس حافظ الأسد بصورة شخصية؛ ولذلك جاء وصفه في صورة الثناء الذي يستحقه الأستاذ الشرع عن جدارة : " ..ووزير الخارجية الشرع هو الممثل الجدير بالشعب السوري والرئيس السوري ." وقد أكدت هذا مادلين أولبرايت في وقت لا حق بوضوح حين قالت: ليس لدي أي شك بأن وزير الخارجية فاروق الشرع يتحدث بالنيابة عن الرئيس حافظ الأسد."/ مؤتمر صحفي في بلير هاوس بعد انتهاء المفاوضات/.
وعلى هذا فإنني ألمس عزم الولايات المتحدة هذه المرة على إحداث اختراق آخر، ملوِّحة باستخدام كل أوراقها، من أجل تتويج الاتفاقيات الثنائية السابقة، بين دول عربية والكيان الصهيوني، باتفاقية مع سورية تعزز استقرار الاتفاقيات السابقة واستمرارها ، وتمهد لإنجاز المرحلة النهائية على المسار الفلسطيني الإسرائيلي ، وتسهل على إيهود باراك إنجاز وعوده بإخراج الكيان الصهيوني من المستنقع الذي تغرقه فيه المقاومة الوطنية اللبنانية وعلى رأسها حزب الله؛ وتؤمن مصالح أميركية كثيرة في المنطقة .. وربما تنهي سباقاً طال أمده على كسب سورية أو تحييدها قومياً ـ فيما تقدِّر هي ذلك ـ والتتويج الأكبر في هذا التوقيت ومع نهاية قرن والدخول في ألفية جديدة من التقويم الميلادي سيكون للحركة الصهيونية، التي تنهي مرحلتها بإنجاز أعظم أهدافها: انتزاع اعتراف عربي بـ " إسرائيل" ، وهو ما يوازي عندها، مرحلة " تأسيس الكيان الصهيوني " عام 1948 بعد خمسين سنة من المؤتمر الصهيوني الأول / بال ـ سويسرا 1997/ إن لم يكن أعظم وأكثر أهمية.
أما البيان الذي قدمه الأستاذ فاروق الشرع، وهو ما ينصب اهتمامي على قراءة خاصة له هنا،(1) فإنني أثني أولاً على اقتصاده الموظف بإتقان للكلمات في سياق دبلوماسية ملتزمة بثوابت نضال شعب وقطر وحزب على طريق القضية المركزية في تاريخ العرب الحديث، قضية فلسطين، وبالأهداف والثوابت القومية للأمة العربية في هذا المجال. وسوف أتوقف عند محطات في البيان وأرجو ألا أكون مجانفاً الصواب في قراءتي له، وهي قراءة ليست محايدة على الإطلاق بل منحازة تماماً لمبدئية موقف وانتماء ولسلامة رؤية وحيوية وجدان قومي، وأريد بها أن أسجل بعض الهوامش التي أرمي من ورائها إلى تقديم فهم خاص أو إزاحة مدلول ما لأحلّ محله مدلولاً آخر يمليه موقف وتمكِّن منه قراءة:
أ ـ بدا تفاؤل البيان: " بولادة أمل حقيقي بإنجاز السلام العادل والشامل في منطقة الشرق الأوسط." وبني ذلك التفاؤل على ما رأى أن كلام الموقف الأميركي يعِدُ به ويحث عليه ويتبناه. وتلك مؤشرات لمحنا إليها في كلام الرئيس كلنتون ، ولكن علينا أن نتذكر جيداً أن الرئيس كلنتون هو الحاكم الأميركي الذي منح " إسرائيل" من الدعم والعناية والرعاية والانحياز إلى مواقفها ما ندر أن منحه رئيس أميركي قبله لها، وهو فوق ذلك محاط بطاقم كامل من الصهاينة يحملون ملف الشرق الأوسط كله.. ويواجهه كونغرس أشد انحيازاً لمصلحة الكيان الصهيوني بوضوح؛ فهل تراه يواصل ما يفترض أن يكون من حياد وجدية وعمل نشط على هذا المسار، فيما إذا جاءت لحظة كانت فيها المفاوضات ليست في مصلحة " إسرائيل" بنسبة 80% على الأقل!؟ وهل هو حريص فعلاً على أن يقوم بدور لمصلحة سورية، إلا إذا كان يتطلع إلى موضوع حسم الصراع على سورية كلياً لمصلحة الولايات المتحدة الأميركية في ظل
الأوضاع الدولية المختلة تماماً لمصلحة الدولة الأعظم في العالم والقطب الأوحد فيه، الذي يحاول أن يحكِم قبضته على أوربا وآسيا في القرن القادم؟!
ب ـ حدد البيان بوضوح، قبل بدء جلسات التفاوض رسمياً: " أن المسائل قد تبلورت الآن بين الطرفين وتم تحديد الصعوبات. ولذلك إذا ما أريد لهذه المفاوضات أن تنجح وبالسرعة المطلوبة يجب ألا يتجاهل أحد ما تم إنجازه إلى حد الآن واستكمال ما هو بحاجة لإنجاز." وهذا يشير بوضوح إلى أن نسبة تزيد على 80% من المسائل التي كانت موضوع تفاوض منذ بدية واي بلانتيشن حتى استئنافها على المسار السوري ـ " الإسرائيلي" قد أنجزت ، وأن الطرفين ما كان لهما أن يجلسا إلى طاولة المفاوضات وجهاً لوجه، في هذا المستوى من التمثيل، لو لم يكن ما تبقى من الأمور للتفاوض لا يشكل خطراً حقيقياً على النتائج النهائية لهذا المسار.
لقد تعمد البيان الإشارة إلى وجوب: " ألا يتجاهل أحد ما تم إنجازه إلى حد الآن.." و إلى أن المفاوضات تستأنف " بين سورية وإسرائيل من النقطة التي توقفت عندها عام 1996 ." لكي يؤكد أمرين لم تتم الإشارة إليهما في العلن وهما: وديعة رابين المتضمنة عملياً استعداد العدو الصهيوني للانسحاب من الجولان كله حتى حدود الرابع من حزيران 1967 ، و "إلى أن ما تم إنجازه حتى الآن" لا يعني فقط ذلك الذي تم التوصل إلى الاتفاق عليه في مفاوضات واي بلانتيشن منذ بدئها إلى وقت توقفها ، وإنما يشمل أيضاً كل ما تم الاتفاق عليه عبر الوسطاء الكثيرين ـ ممثلي دول ومنظمات أو تجمعات دولية ، وشخصيات عامة(2) ـ وعلى رأسهم ممثلي الجانب الأميركي؛ وهو ما أدى عملياً إلى استئناف المفاوضات في واشنطن. ويتضمن هذا بتقديري ما تم التفاهم عليه و " ضمان تنفيذه" في مراحل سابقة على ذلك الاستئناف ، مثل الترتيبات الأمنية : مرصد جبل الشيخ : سيادة سورية تامة على الأرض ، ومظلة أمم متحدة، وقوات دولية منها أميركية يثق بها الكيان الصهيوني ويسهل عليه أن يندس أو يدس عملاءه في صفوفها ـ وعلينا أن نتذكر ريتشارد بتلر رئيس لجنة التفتيش في العراق وغيره من العملاء ـ وقوات فرنسية. إن مثل هذا الوضع/ المخرج/ لا ينتقص من مطالبة سورية بالسيادة التامة على أراضيها ومنها تراب جبل الشيخ، ويحقق ما أكده البيان من دون أدنى لبس أو غموض حين قال: " ومن البديهي أن السلام بالنسبة لسورية يعني استعادة أراضيها كاملة من دون نقصان . "، وهو في الوقت ذاته يؤدي الغرض " الأمني أو التجسسي " الذي تريده الولايات المتحدة وحليفها الصهيوني في المنطقة، لا سيما على القوات العسكرية، و" يطمئن" العدو أمنياً.
وفي مجال المياه نجد صيغة معادلة مرتبة تماماً ، وقد أحكم وضعها منذ تم تكوين التحالف التركي الإسرائيلي وفي إطاره: "الولايات المتحدة الأميركية تتعهد بحل الخلافات بين تركيا وسورية على موضوع مياه الفرات/ " ولن يكون هذا إلا في مقابل ضمان تدفق مياه للكيان الصهيوني من منابعها السورية واللبنانية،(3) في إطار تعاون مشترك، صهيوني عربي، تحت مظلة مساعدات بريطانية أو أميركية ـ تبدي بريطانيا استعدادها لتمويل سدود في المنطقة ، على اليرموك أو الليطاني، وتبدي الولايات المتحدة استعدادها للمساعدة في إقامة مشاريع تحلية لمياه البحر بطاقة البترول الذي تقدمه دول الخليج / السعودية أساساً/ مجاناً أو بسعر مخفض يجعل تكلفة المتر المكعب الواحد من الماء 1,2 دولاراً أميركياً، أو بسعر عادي في أسوأ الأحوال، وفي هذه الحالة لن تزيد على تكلفة المتر المكعب الواحد من الماء عن 2,2 دولاراً / ـ لكن مثل هذه المشاريع التي ظاهرها الازدهار ودرء الحاجة القاتلة إلى عنصر حياتي أساس مثل الماء ستجعل عنق المنطقة كلها بيد من يموِّل ومن يغذي التشغيل ومن يسيطر على قرارهما ، أي التغذية والتشغيل. ومن الذي يضمن في ظل ما يوفره هذا " الرخاء " المنتظر ـ حسب تعبير بعض صحفنا ـ عدم استسلامنا كلياً للتراخي على أرضية " السلام" وعدم ترهل كياننا كلياً، حيث يعجز عن السير مشدود القامة سريع الخطو في عصر يأكل فيه السريع البطيء؟!؟
وإذا ما تكونت لدينا أحلام الرخاء المتخمة "بفجاعة" الاستهلاك، الذي تعاني منه مجتمعات نحن منها ، على أرضية قلة الإنتاج الجيد وضعف عناصر المزاحمة في السوق لدينا ـ ونحن نسعى على قدمين من قصب بين يدي من يقودنا نحو طريق اقتصاد السوق ـ فمن الذي يضمن ألا نصبح مجرد أفواه وسواعد لدى أصحاب رؤوس الأموال/ الصهاينة على الخصوص/ الذين يحسنون توظيفها ليس للربح المجرد فقط وإنما لتحقيق أهداف سياسية منها الهيمنة المطلقة وإعادة تكوين سلم المعايير والقيم، وفرض الاستسلام علينا في سباق تخوضه الأمم على طريق امتلاك العلم والتَّقَانَة في عصر العَوْلَمَة والمعلوماتية وطوفان المعلومات؛ ولإحداث اختراق جسيم في مكونات هويات الشعوب وثقافات الأمم وبنى إراداتها، بما يحقق نخراً في مقومات الشخصية والانتماء وتبديداً لعناصر التماسك لدينا، وفي المقابل تعزيز ثقة متنامية وتماسكاً شديداً في بنية الأقوياء الممتلئين المهيمنين؟! إن قيم الوطنية والانتماء ذاتها ستكون مهددة بالاندثار بل بسوء تطبيق المعيار عليها، لأنها سوف تستورد قيمها من معايير السوق لتفرض معياراً فاسداً في أرض تهافت فيها كل معيار ؛ فتنقلب الأمور رأساً على عقب، ولا نعرف بعدها حتى من نحن ولا يهمنا في أية طريق نسير ولا لمن نتبع أو نخضع؛ فمن تقوده معدته وشهوته يبطل كل تأثير لعقله وروحه وإرادته وكرامته؟! ألا يبدو لنا مشروع شرق أوسطية بيريس زاحفاً بهمة من خلال دوائر دوامة الماء المنداحة عطشاً وتفكيراً بدرء العطش، ونحن لا نكاد نملك إلا أن ننظر إليها بحسرة من خلال لجة العجز التي تحملنا، ولسان حالنا يقول: " العين بصيرة واليد قصيرة"؟!؟ إن ما فتك بنا وما زال يفتك بنا، منذ بدأ الصراع العربي الصهيوني على فلسطين حتى اليوم، هو عدم اكتشاف ضرورة امتلاك القدرة على تحرير " السلعة السياسية التي نحتاج إليها: السلاح"، والإرادة السياسية التي تبني بقوة الاقتصاد، لنملك قرارنا ونسير في طريق أهدافنا بثبات ونعطي لكلامنا ومواقفنا وقراراتنا معنى، من خلال قوة مجسَّدة على الأرض!؟! فهل تراها قد حانت لحظة الحقيقة لنكتشف ذلك ولنبدأ خطونا على طريق إنجازه، أم أن وقت يقظتنا، إذا استيقظنا، قد تأخر كثيراً إلى الحد الذي يجعلنا نيأس من مجرد التفكير ببداية ما على هذه الطريق!؟ أياً كان ما نذهب إليه من تفكير وتدبير وتسويغ لما نجرِّعه لأنفسنا من معطيات وأسباب ومسببات وذرائع، فإن المعادلة الصعبة التي تواجهنا اليوم والتي ستواجهنا في كل يوم، ما دمنا نشعر أننا أمة لها حقوق وحضور، هي : إما أن نعلن استقالتنا من الوجود الحي بين الأمم ذات الحيوية والحضور والحضارة أو أن نضحي بكل ما نستطيع التضحية به من أجل امتلاك مقومات قوة وحيوية وحضور ومشاركة حية في صنع حضارة العصر ومشاركة في تكوين إحداثياته ورسم توجهاته، بصورة نكون فيها أنداداً للأمم وليس أتباعاً لها،ونستعيد على أرضية ذلك حقوقنا وكرامتنا، لكي يليق بنا اجترار ماض حضاري بدأ إشادته بدو حفاة في ظل إمبراطوريات متقدمة عليهم بما لا يقاس ؟! وأن نبدأ لنكون في يوم ما خير من ألا نبدأ وألا نكون في يوم ما..والإمكانيات والمعطيات الأولية قائمة لضمان نجاحنا في حال تقدمنا بعزم في هذا الاتجاه؛ ومثلنا العربي القديم يقول: تجوع الحرَّة ولا تأكل بثدييها.
ج ـ أشار البيان إلى أن" السلام .. سوف يعني إنهاء حالة الخوف النفسية التي يعيشها الإسرائيليون نتيجة وجود الاحتلال.." وهنا أكد البيان أمرين:
الأول أن ما يدعيه الكيان الصهيوني من خوف هو حالة نفسية مصدرها عدوانهم واحتلالهم للأرض العربية، والثاني: رغبتهم في التمسك بالأرض في الوقت الذي يصرخون فيه خوفاً وهم يطلقون النار على الآخرين!؟
إن الصهاينة حين يلحون على موضوع الأمن ينسون أنهم يبددون أمن الآخرين ويخلقون حالة من القلق الموضوعي لهم ولسواهم، إنه وضع شبيه إلى حد كبير بوضع طفل عصابي شرير يغتصب أشياء الآخرين ويولول خوفاً من أن يستردوا حاجاتهم منه، فيضاعف النهب والعدوان والصراخ!؟ إن المحتلين الصهاينة، الذين يدخلون مفاوضات مع أطراف عربية إنما يطالبون عملياً بالأرض والسلام معاً، وسوف يحصلون من العرب ككل على أرض وسلام معاً!!(4) وهل فلسطين المحتلة، التي سيعترف العرب بالكيان الصهيوني " دولة" فيها، ويقيمون معها على أرضية ذلك الاعتراف علاقات طبيعية /"تطبيعاً"/ ستكون سوى تلك الأرض المحتلة التي اغتصبها الطفل العُصابي الشرير وترك أهلها في العراء من دون أرض أو أمن أو سلام، وسوف يأخذها هي والسلام معاً!؟ والصهاينة بعد أن يحصلوا من العرب ، كل العرب ، على ذلك ـ لأن اتفاقاً مع سورية يعني حقيقة اتفاقاً نهائياً مع ما يقرب من عشرين دولة من دول العرب ـ سوف تبقى لهم أيضاً رغبة مطلقة في تكريس "حالة الخوف النفسية" تلك، لأنها جزء من الأساطير السياسية والخدع وأنواع الأكاذيب / الوعد والمحرقة ومعاداة السامية ..إلخ/ التي يبتزون بواسطتها دولاً وشعوباً ويرهبون بها شخصيات ودول وسياسات، ويغذونها دائماً بما يقومون به من جهود وهم يزيفون الوقائع والحقائق أمام الرأي العام؛ لأن ذلك يسوغ لهم أن يملكوا ما شاءوا من قوة تدمير شامل بحجة " الدفاع عن أنفسهم" وأن يمنعوا سواهم من الحصول على أدنى قدر من القوة لأن ذلك "يهددهم " ويستنفر عندهم مشاعر الخوف!؟ ولنا أن نسأل بعد قراءة التاريخ الذي لهم، من يشوع بن نون حتى نتنياهو وباراك: هل لهذا الوضع المرضي الشاذ من علاج؟! وإذا كان الغرب يرى ذلك فهل من الإنصاف أن يتم العلاج على حسابنا وحساب مصلحتنا نحن أمة العرب؟!!
د ـ وفي محاولة لإظهار العرب بمظهر مقبول، بعد هذا التراكم الكبير من التردي والتوغل في الانقسام الذي أوصلنا إلى مهاوي الانهزام، رأى البيان أن يخرج العرب من تلك الدائرة المرة، فقال إنه: "بموجب اتفاق قائم على العدل والشرعية الدولية ـ " يكون " السلام " ـ هو المنتصر الحقيقي بعد خمسين سنة من الصراع". وأريد هنا أن أنظر إلى حقل الشوك في حلقي وأجفاني وفي راحة كفي لكي أرى جيداً لا أنسى أبداً أنني أحد العرب المهزومين أولاً وثانياً وثالثاً ورابعاً..ولن يطيِّب جرحي مرهم الكلام.. لأنه بعد كل هذه السنين ، وبعد كل هذا "الغلال" من "الزؤان" في البيدر العربي، وبعد تكلل عدوان الصهيونية باعتراف عربي بها " دولة من دول الجوار " على أرض فلسطين، بأعلام وسفارات ـ على ما سيكون ـ في العواصم العربية، لا يجوز لنا أن نغلف المشهد الحزين بورق ملون جميل؛ ومن مصلحتنا القومية، بل من واجبنا القومي، أن ننظر جيداً ونفهم جيداً وندرك جيداً أننا نحن في دائرة الهزيمة وأن الصهيونية خرجت من الصراع أو تكاد تخرج منه بـ 95% من أرض فلسطين، وباعتراف بشرعية ما سرقته واغتصبته، وبمستقبل تطمح إلى أن ترسم فيه حدود القوة والهيمنة الأمنية على منطقة شاسعة من أرض العرب، إن استطاعت ذلك، وعلى مساحات من مستقبلهم وإرادتهم تزداد اتساعاً بالهرولة التي نقوم بها نحوها وبغياب تضامننا ووحدة صفنا وإرادتنا!!.. إننا في محرِق المشهد الحزين وعلينا أن نرى جيداً ؛ ورؤيتنا جيداً لا تعني يأساً ولا انسداد أفق الأمل ولا انهزام إرادتنا وقدرتنا على متابعة الصمود والنضال والعمل بإرادة وعزيمة من أجل أن نستعيد وعياً بالذات وبالمعطيات لنستعيد قوة ومكانة وأرضاً وسيادة في فلسطين العرب ومركز النضال القومي طوال قرن كالح يلملم أذياله ويمضي.
إننا في الإطار القطري حققنا ما قاله البيان، وسوف نستعيد الجولان غير منقوص، وسوف يستعيد لبنان الجنوب وربما إقليم العرقوب ذا القرى السبع، ولكن ألسنا على الصعيد القومي جزءاً من أمة العرب التي فقدت فلسطين ولم تحقق تحريراً تاماً لأرضها وإرادتها وقرارها ومصالحها من سيطرة الاستعمار!؟ أليس الاستعمار الحديث الذي تمارسه الولايات المتحدة الأميركية ، وتحضر من خلاله في المنطقة، حتى بحلة الاستعمار المباشر القديم المدفوع القيمة؛ وكذلك ما تخطط له " شرق أوسطية بيريس "، الذي يرى في جامعتنا العربية الهشة جامعة للكراهية ، من هيمنة اقتصادية ومن ثم أمنية على المنطقة؛ أليس هو ما سيسيطر على الكثيرين منا في متاهات "السلام"، الذي يبقي شعباً خارج أرضه، وأمة منكسة الرأس منخورة الإرادة مترهلة البنية، وكتلاً بشرية مسترخية في خضم أوهام السلام ، تتحول مع الزمن إلى لحم بشري يكرج في الشوارع " يتبرأ" من الوعي والالتزام والمسؤولية والتضحية على طريق الكرامة.. مجرد هيولى أمة تكونها الأمم الأخرى حسبما تريد؟!؟ أرى أن نعرف ما في الكأس وطعمه ونحن نتجرعه لكي نعرف كيف نردها مستقبلاً عن أفواهنا بقوة واقتدار.. وليس في ذلك ما يعيبنا إنما العيب في ألا نرى جيداً وندرك أبعاد ما نرى ونحن نبصر ما حولنا يتلألأ في رأد الضحى!؟ وقد نتمكن في ضوء وضوح الرؤية من أن ندرك حقيقة المعنى العميق الذي قدمه البيان بشكل جميل ودقيق حين قال: "إن الذين يرفضون إعادة الأراضي العربية المحتلة لأصحابها الشرعيين في إطار الشرعية الدولية يعطون رسالة للعرب إن الصراع بين إسرائيل والعرب هو صراع وجود لا ينتهي فيه سفك الدماء وليس صراع حدود." هنا أغرس أظفاري في جذور الكلمات وأتشرب ، فعل الظامئ المضني ، أبعاد معانيها ودلالاتها، سائلاً متسائلاً: هل العنصريين الذين كلفتهم حكومات الكيان الصهيوني بمهمة الاستيطان في الجولان، وهم يقيمون الدنيا ولا يقعدونها ، بتغطية إعلامية شاملة ومتصاعدة تقوم بها وسائل إعلام الأميركية أولاً ، هل هؤلاء ومن هم على شاكلتهم من المتطرفين في الخليل والقدس والجليل .. وفي كل مكان من فلسطين المحتلة؛ هل هؤلاء لا يمثلون وجه الاحتلال ووجه المشروع الصهيوني الاستيطاني المستمر وحقيقة المراحل القادمة من المشروع الصهيوني؛ بعد أن تتوج مرحلة الصهيونية بنصر انتزاع الاعتراف من العرب والتفرغ لمراحل ما بعد ذلك؟! هل هؤلاء يمكن أن ينتهي الصراع معهم عند حدود، وهم يرفعون رموزاً مثل باروخ غولد شتاين وكاهانا وصانعي مذابح دير ياسين وقبية ونحالين وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا وقانا التي يزهر موسم دمها في كل ربيع؟! إن صراعنا مع الاحتلال الصهيوني صراع وجود، ومَن مِن الصهاينة ليس محتلاً لفلسطين: الأرض والمقدسات والتاريخ والأمل وروح الأمة العربية !؟ إنني مأخوذ بصفاء سكب عبارة البيان على هذا النحو الذي يتيح لي أن أرى إلى المعنى من زاويتي، التي تضيق أو تتسع حسب عدد من يشاركني الرؤية منها.
و ـ قال البيان : "لقد حانت ساعة الحقيقة"
ولا شك عندي في أنه يريد أن يضع الطرف الآخر على المحك في امتحان يظهر الحقيقة للرأي العام ، لكي تتبدى حقائق الأمور جيداً لمن يريد أن يتبين حقائقها. ولكن السؤال يبقى مستحق الطرح بجدارة: هل :" أن اتفاق سلام عادل بين سورية وإسرائيل وبين لبنان وإسرائيل قد يسجل فعلاً، بالنسبة لمنطقتنا، نهاية تاريخ من الحروب والصراعات وقد يؤذن ببداية حوار حضاري ومنافسة نزيهة تأخذ أشكالاً مختلفة في السياسة والاقتصاد والثقافة والعلوم." كما قال البيان ؟! وهل ما يؤسس له الكيان الصهيوني هو بناء حضاري بالمفهوم العميق والدقيق الذي يستند إلى قيم وخلق ومستوى أداء إنساني متسام يترابط فيه المدني بالقيمي الروحي الإنساني، استناداً إلى سلم القيم ومعيار سليم!؟ أم أنه بناء تقنية تصنع قوة عسكرية عمياء وتعزز نزعة صهيونية استعمارية تحكمها وتوجهها عنصرية بغيضة مدانة، تتبدى في ممارسات نازية تعيد التاريخ جزعاً.. نازية تشهد بها السجون والمعتقلات التي منها سلسلة: " أنصار" وسجل العدوان الأسود الذي توثقه قرارات الأمم المتحدة الكثيرة والمتواترة في هذا المجال!؟
ح ـ بقي أن أتوقف عند سؤال هو غاية في الأهمية ـ وقد تكون لي عودة متأنية إليه ـ ورد في البيان حين تساءل: " هل الصراع العربي الإسرائيلي عزز وحدة العرب أم أنه هو الذي أحبطها." وهو سؤال أود أن أعيد صوغ مراميه على هواي وفق الآتي : هل يصل العرب بعد الاتفاق مع الكيان الصهيوني إلى وضع يجعلهم أكثر قرباً من أهدافهم الأخرى التي رفعوها ومنها " الوحدة"!؟ وهل الحركة الصهيونية كانت تعوق ذلك وستبقى تعوقه بوصفه خطراً عليها ؟! وهل التمزق الذي لحق بالعرب وعدم تفهم قضاياهم بل العداء لهم والتحامل عليهم من قبل الغرب، لكي يصل الصهاينة إلى أهدافهم، هل يمكن أن يقف عند حد؟! أي هل تَكُفّ الصهيونية، في ضوء الاتفاق القادم، عن أن ترى في وحدة العرب عداء لها وخطراً عليها؛ ومن ثم تَكُفّ هي والغرب عن الوقوف بوجه هذه الأحلام والتطلعات ؟! وهل يَكُفّ الغرب عن الوقوف في وجه تطلع العرب نحو الوحدة ويحبط أحلامهم وتطلعاتهم لأنها تنطوي على عداء للصهيونية ورغبة في تحرير الأرض التي يريد الغرب أن تكون وطناً لليهود الذين أراد التخلص منهم فقذف بهم هذه الأرض وأهلها؟! هل يستفيد العرب من هذا الوضع؟! وهل العرب هم الذين لا يريدون تقارباً ويعلقون ذلك على مشجب الصهيونية أم أنهم يريدون ذلك ولكن إرادتهم كانت مفلولة بفعل التدخل الأجنبي والتخريب الصهيوني ؟! هل يستفيد العرب من هذا الوضع؟! وهل يقفون موقف مراجعة للذات والحلم وأساليب العمل من أجل السير في طرق تحقيقه، وقد تجاوزوا مرحلة " العداء " للصهيونية وتوظيف الوحدة للتحرير؛ هل يتوقفون عند هذا الموضوع بجدية ومسؤولية ويتبينون من بعد هل هم ضد وحدتهم وأن ذرائعهم في تجميد العمل من أجلها كانت تعلق على مشجب العدو والاستعمار!؟ هل يتفهم الغرب ذلك ويتعاطف معه أم أنه سوف يستمر في معاداته لكل ما يقرب العرب ويجعل منهم أمة تتفهم احتياجاتها وتوظف جهدها وإمكانياتها من أجل تحقيق تقدم على طريق تلبية تلك الاحتياجات؟! والسؤال في الوقت ذاته ملقى على العرب أنفسهم، الذين تفرقت بهم السبل جراء نظرتهم لكيفية حل صراعهم مع عدوهم أو كيفية حسمه: هل يكون ذلك الحل السلمي الذي اختاروه وتوجهوا نحوه منذ قمة فاس صائباً!؟ وهل يخرجهم من دوامة المواجهة إلى مساحة رأي ورؤية مستقبليين نهضويين سليمين يقودان إلى تغيير حقيقي في الخطاب والتكوين والأداء، على صعد ومستويات العمل العربي كلها!؟ كل هذه وسواها أسئلة مشروعة يوحي بها بل ويبعثها من سباتها تساؤل البيان في جملة موحية مقتضبة مشحونة بمعطى التاريخ العربي المعاصر ومرارته الدافقة.
دمشق في يوم الثلاثاء،
21 كانون الأول، 1999
الأسبوع الأدبي العدد 690
(1) ـ أورد فيما يلي نص البيان المشار إليه:
"السيد الرئيس
اسمحوا لي أولاً أن أنقل لكم تحيات الرئيس حافظ الأسد وأطيب أمنياته وتقديره للجهود التي بذلتموها أنتم والسيدة أولبرايت من أجل استئناف محادثات السلام بين سورية وإسرائيل من النقطة التي توقفت عندها عام 1996 .
لقد قوبل إعلانكم بالترحيب في سورية وفي العالم العربي وتردد صداه الإيجابي في أنحاء العالم ، ذلك لأنه يعِد للمرة الأولى بولادة أمل حقيقي بإنجاز السلام العادل والشامل في منطقة الشرق الأوسط. وكما ذكرتم في رسالتكم 12تشرين الأول 1999 للسيد الرئيس حافظ الأسد فإن المسائل قد تبلورت الآن بين الطرفين وتم تحديد الصعوبات. ولذلك إذا ما أريد لهذه المفاوضات أن تنجح وبالسرعة المطلوبة يجب ألا يتجاهل أحد ما تم إنجازه إلى حد الآن واستكمال ما هو بحاجة لإنجاز. ومن البديهي أن السلام بالنسبة لسورية يعني استعادة أراضيها كاملة من دون نقصان وبالنسبة لإسرائيل سوف يعني إنهاء حالة الخوف النفسية التي يعيشها الإسرائيليون نتيجة وجود الاحتلال والذي هو دون شك سبب العداء والحرب ولهذا فإن إزاحة الاحتلال عن كاهل العرب سوف يقابله للمرة الأولى إزاحة الحاجز النفسي من الخوف والقلق بالنسبة للإسرائيليين واستبداله بشعور حقيقي متبادل من الأمن والسلام .
وانطلاقاً من ذلك سيكون السلام الذي تتوصل إليه الأطراف بموجب اتفاق قائم على العدل والشرعية الدولية هو المنتصر الحقيقي بعد خمسين سنة من الصراع.
إن الذين يرفضون إعادة الأراضي العربية المحتلة لأصحابها الشرعيين في إطار الشرعية الدولية يعطون رسالة للعرب إن الصراع بين إسرائيل والعرب هو صراع وجود لا ينتهي فيه سفك الدماء وليس صراع حدود سوف ينتهي بإعطاء كل ذي حق حقه كما أكد الرئيس حافظ الأسد هذه المعاني أكثر من مرة قبل مدريد وبعده.
لقد حانت ساعة الحقيقة ولا شك أن الجميع مدرك بأن اتفاق سلام عادل بين سورية وإسرائيل وبين لبنان وإسرائيل قد يسجل فعلاً بالنسبة لمنطقتنا نهاية تاريخ من الحروب والصراعات وقد يؤذن ببداية حوار حضاري ومنافسة نزيهة تأخذ أشكالاً مختلفة في السياسة والاقتصاد والثقافة والعلوم.
ولا شك بأن السلام سيطرح تساؤلات جدية لدى جميع الأطراف وخصوصاً بالنسبة للطرف العربي الذي سيتساءل بعد استعراض المسيرة خلال الخمسين سنة الماضية : هل الصراع العربي الإسرائيلي عزز وحدة العرب أم أنه هو الذي أحبطها.
ففي منتصف القرن الأخير على وجه الخصوص تم تجاهل رؤية العرب وعذاباتهم نتيجة عدم توافر نوافذ إعلامية لهم تشرح وجهة نظرهم للرأي العام العالمي وآخر مثال على ذلك هو ما نراه اليوم وللأيام الأربعة الأخيرة من محاولات تشكيل تعاطف دولي مع بضعة آلاف من مستوطني الجولان مع تجاهل مطبق إزاء أكثر من نصف مليون سوري اقتلعوا من عشرات القرى السورية حيث عاشوا هناك وأجدادهم آلاف السنين وأزيلت قراهم من الوجود بما فيها بعض القرى التي كانت على ضفاف بحيرة طبريا . كما أن الصورة التي تم تشكيلها في أذهان الرأي العام بأن سورية كانت هي المعتدية وهي التي كانت تقصف المستوطنات الإسرائيلية قبل حرب حزيران 1967 من هضبة الجولان لا أساس لها من الصحة باعتراف موشيه دايان الذي شرح في مذكراته أن الإسرائيليين هم الذين كانوا يصرون على استفزاز السوريين إلى أن يشتبكوا معهم ثم يصيحون بأن السوريين هم المعتدون ، نقول ذلك لنؤكد أمام المجتمع الدولي بأسره أن عودتنا إلى الجولان لن تكون أبداً عنصر تهديد مزعوم في المستقبل.
السيد الرئيس
منذ ثماني سنوات والمفاوضات بين سورية وإسرائيل بين استئناف وتوقف ، ونأمل أن يكون هذا هو الاستئناف الأخير الذي يتوج باتفاق سلام، سلام قائم على العدل والشمولية .. سلام مشرف يحفظ الحقوق والكرامة والسيادة لأن السلام المشرف والعادل فقط هو المؤهل أن تحتضنه الأجيال المستقبلية وهو الوحيد القادر على فتح آفاق لعلاقات جديدة تماماً بين شعوب المنطقة .
لقد أعلن الرئيس الأسد منذ سنوات أن السلام هو خيار سورية الاستراتيجي ، ونرجو أن يكون قد أصبح اليوم خياراً استراتيجياً للآخرين أيضاً كي نورث أجيال المستقبل منطقة لا تكتوي بأتون الحرب ولا تلوث سماءها وماءها رائحة الدم والدمار .. الجميع هنا متفقون على أننا على أعتاب فرصة تاريخية للجميع.. فرصة للإسرائيليين والعرب وللولايات المتحدة والعالم ، ولهذا لا بد أن نتحلى جميعاً بالموضوعية وبروح عالية من المسؤولية كي نحقق السلام العادل والشامل الذي تنتظره شعوبنا وشعوب العالم.
والسلام عليكم
- نص البيان الذي ألقاه الأستاذ فاروق الشرع في حديقة الورود في البيت الأبيض ـ واشنطن ـ الأربعاء 15/12/1999 الساعة السابعة عشرة والدقيقة الثانية عشرة بتوقيت دمشق./ النص مأخوذ عن جريدة البعث ـ العدد 11084 تاريخ 16/12/1999 ـ الصفحة الأولى والصفحة الحادية عشرة ./
(2) ـ أورد هنا نص مشروع اتفاق حمله رجل الأعمال اليهودي الأميركي رون لاودر مبعوث نتنياهو إلى دمشق في 29 آب 1998، كما أورد نصه أليكس فيشمان في جريدة يديعوت أحرونوت / 15/12/1999 ترجمة حلمي موسى/ السفير 8481 في 20/12/1999/ وقد توقف سعيه عندما طلبت سورية مصورات وخرائط تحدد منطقة الانسحاب من الجولان لتبحث الموضوع، فذهب إلى نتنياهو ولم يعد، الأمر الذي كشف خديعة أخرى من خدع الصهيونية ، وأظهر صلابة الموقف السوري ووعيه لما يدبر من خطط لتمرير الرغبات الصهيونية ـ الأميركية. وفي الضجة التي يثيرها اليمين الآن في الكيان الصهيوني حول الانسحاب من الجولان، قال إيهود باراك مشيراً إلى ما أخذ يعرف بوثيقة " رون لاودر" ما معناه: إن التفريق بين ما قدمته وما قدمه إسحق رابين وشمعون بيريس ونتنياهو يحتاج إلى ميكروسكوب، وهذا هو النص، مع الإشارة إلى أن ما ورد بين معترضتين أو قوسين هو من وضع ناشر الوثيقة أليكس فيشمان:
" قررت إسرائيل وسوريا أن إحلال السلام بينهما ، يستند إلى مبادئ الأمن ، المساواة ، احترام السيادة، التواصل الإقليمي ، الاستقلال السياسي لكلتا الدولتين".
على ضوء ما تقدم ، يتفق الطرفان على ما يلي :
1 ـ وضع حد لحالة الحرب بين الطرفين وإحلال السلام بينهما فور التوقيع على هذا الاتفاق.
2 ـ تنسحب إسرائيل من الأراضي السورية التي تم الاستيلاء عليها عام 1967 ، وذلك وفقاً لقراري مجلس الأمن 242 و 338 اللذين يعترفان بحق الدولتين بحدود آمنة ومعترف بها ، ووفقاً لصيغة الأرض مقابل السلام".
وسيكون الانسحاب الإسرائيلي حتى خط الحدود الذي يتفق عليه بين الطرفين ويستند إلى خط الحدود الدولي من عام 1923، وسيتم الانسحاب على ثلاث مراحل لمدة ...) أشهر ـ الفترة التي لم تحدد في المصدر ـ ويستكمل التطبيع عند استكمال الانسحاب ، ويتم تبادل السفراء مع بدء الانسحاب.
3 ـ بالنظر إلى الاتفاقيات القائمة بين سورية ولبنان ، يجب ، بصورة متزامنة، إجراء مفاوضات بين سوريا ولإسرائيل وبين لبنان وإسرائيل. على أن يبقى هذا التزامن أيضاً في مرحلة التوقيع على اتفاقيات السلام بين سوريا وإسرائيل وبين لبنان وإسرائيل./ ـ وردت العبارة الأخيرة : وبين لبنان وسوريا " وأظنه خطأ فأوردت ما أظن أنه الصواب ـ/ .
4 ـ كل طرف يلتزم بضمان أن لا تنطلق من أراضيه أي نشاطات أو تهديدات بالعنف. وتبذل سوريا كل جهدها من أجل ضمان وضع حد لنشاطات شبه عسكرية ونشاطات عنف معادية أخرى ضد إسرائيل، تنطلق من الأراضي اللبنانية.
5 ـ عدم التهديد بالهجوم المباغت ، هو الهدف الأسمى للترتيبات الأمنية التي يتم الاتفاق عليها ، وهذه تستند إلى التبادلية وتقتصر على مناطق مناسبة في طرفي الحدود ، من خلال الأخذ بالاعتبار الفوارق في مساحة المنطقة بين الدولتين. وهذه الفوارق ـ في حجم المناطق التي تجرد من السلاح في كل واحدة من الدولتين ـ تنبع من الأخذ بعين الاعتبار الفرق في المساحة وستساعد في إحراز التوازن في تنفيذ الترتيبات الأمنية .
6 ـ الترتيبات الأمنية تنفذ بواسطة تحديد ثلاث مناطق في كل طرف من طرفي الحدود . وهذه المناطق تقام بالتزامن مع تنفيذ مراحل الانسحاب الإسرائيلي .
أ ـ منطقة منزوعة من السلاح.
ب ـ منطقة محدودة القوات والتسلح.
ج ـ منطقة من الممكن أن ترابط فيها قوات غير هجومية.
7 ـ من أجل تعزيز الاستقرار في المنطقة والحفاظ على الثقة ، تبقى في منطقة الجولان مراكز الإنذار المبكر القائمة. ووفقاً لتطورات العلاقات بين الدولتين في المستقبل ستدمج القوات الإسرائيلية في منشآت الإنذار المبكر الدولية التي تشمل طواقم سورية ، فرنسية و أميركية.
8 ـ يشمل السلام تطبيعاً كاملاً للعلاقات والاعتراف المتبادل وفتح سفارات وعلاقات اقتصادية ـ بشرط أن تنسجم مع القوانين الداخلية لكل واحدة من الدولتين وتتناسب مع السلام الدولي .
9 ـ يعالج موضوع المياه وفقاً للقوانين والقواعد الدولية مع الوعد بالاستخدام الحالي للمياه وتطوير مصادر مياه جديدة.
10 ـ تعمل سوريا على تنفيذ سلام شامل في المنطقة مع التأكيد على أن السلام الحقيقي والثابت بين إسرائيل وسورية هو في الخط الأمامي من هذا السلام الشامل. ويتفق الطرفان على منع دخول قوات عسكرية لأي طرف ثالث في ظروف من شأنها أن تهدد أمن الطرف الثاني. وسيعمل الطرفان على أن تنخرط دول أخرى ـ في المسيرة السلمية ـ) من أجل تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
ضمانات منفصلة : إحراز وقف شامل للنشاطات المعادية في لبنان بعد التوقيع على هذا التصريح. ) . / أليكس فيشمان ـ يديعوت أحرونوت 15/12/1998 / عن جريدة السفير العدد 8481 تاريخ 20/12/1999 ـ ترجمة حلمي موسى./
(3) ـ قال السفير الإسرائيلي السابق في تركيا " زفي ألبليغ" : " إن الجانب الإسرائيلي قد يطلب من تركيا إعطاء مزيد من المياه إلى سورية حتى يتم التوصل إلى اتفاق سلام." / عن : الديلي نيوز التركية في 18/12/1999 ـ نشرة سانا رقم 1406 ـ تاريخ 18/12/1999 ـ ص 8 / وقال ألان ماكوفسكي أحد أهم الخبراء الأميركيين في الشؤون التركية : " إن تركيا مهتمة بمفاوضات السلام بين سورية وإسرائيل بسبب قضايا المياه والأمن والإرهاب ومستقبل العلاقات التركية ـ الإسرائيلية .. و .. "إن تركيا ستؤكد على مصالحها خلال تقدم العملية السلمية المذكورة ".. وأكد : " أنه إذا توصلت إسرائيل وسورية للسلام فإن تركيا لا تعتزم التوصل إلى اتفاق حول المياه مع سورية دون الحصول على فوائد مقابل ذلك . " / وكالة الأنباء للأناضول 21/12/1999 ـ عن نشرة سانا رقم 1410 ص 7 ـ تاريخ 22/12/1999 /.
وفي وقت لاحق " تعهد إيهود باراك لتركيا بإطلاعها بشكل دائم على سير المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية ... كما تعهد بالابتعاد عن إعطاء أية التزامات لسورية من شأنها أن تؤثر سلباً على علاقات إسرائيل بتركيا./ صحيفة ملليت التركية بتاريخ 23/12/1999 ـ عن نشرة سانا رقم 1411 تاريخ 23/11/1999 ص 10
(4) ـ إنه مرض الطمع اليهودي الذي جسده شايلوك ، وها هي شالوميت ألوني تذكره بشيء من الاحتجاج عليه اليوم إذ تقول: " الطمع الذي لا حدود له ومشاعر التعالي لدينا هي التي أدت بنا إلى أن نجعل كل شيء مباحاً ولا يهم ما يقوله الأغيار أو ما يقرره القانون. / من الصهيونية إلى الطمع ـ معاريف 16/12/1999 ـ عن السفير العدد/ 13433 / ترجمة حلمي موسى.
|