|
شيبردز تاون 3
في تقديري أن الورقة الأميركية التي سلمها الرئيس كلنتون لكل من الوزير الشرع وإيهود باراك في شيبردز تاون تمثل مسوّدة إطار اتفاق على نقاط أصبح بعضها واضحاً بما فيه الكفاية، ويحتاج الانطلاق منها والبناء عليها إلى توافر عدة عوامل نذكر منها:
1 ـ المناخ العام الملائم للتحرك في اتجاه التنفيذ، بعيداً عن الافتعال والغدر والتشاطر الصهيوني. وإلى مناخ في الداخل الصهيوني الذي يحشد قوة معارضة للانسحاب من الجولان تمثِّل الوجه والنزوع الحقيقيين للاستيطان العنصري الصهيوني وتطلعاته المستقبلية. وإذا افترضنا حسن النية - وهذا مستبعد في الصهاينة- وقلنا : إن هذه عناصر تتحرك، في الظاهر، ضد باراك وقد يقف هو وراءها ويوظفها للوصول إلى مكاسب في المفاوضات ومساعدات مالية وعسكرية من الجانب الأميركي؛ كما يستثمرها استثماراً دقيقاً في أوساط سياسية عربية للحصول على نتائج مباشرة في مجال توسيع العلاقات وتطبيعها مع بلدان عربية.(1)
(1)ـ فقد راسل وزير خارجيته ديفيد ليفي، قبل سفر الوفد الصهيوني إلى شيبردز تاون في 3/1/2000 ، راسل الخارجية التونسية وحصل منها على وعد بأن التقدم على المسار السوري سوف يترافق مع علاقات جيدة بين تونس والكيان الصهيوني . وهو الآن يحشد معطيات أخرى في هذا الإطار من زيارته للمغرب التي ركزت على إبراز ما قاله وزير الخارجية المغربي محمد بن عيسى "إن إسرائيل دولة صديقة"، وهو يسعى إلى أن يقوم الملك محمد السادس بدور عربي نشط على طريق تطبيع العلاقات العربية- الإسرائيلية والقيام بما يسميه " وساطة" لتخفيف سقف المطالب العربية، لا سيما في المفاوضات الحالية.
وكتب مراسل صحيفة الفاينانشال تايمز في القدس عن زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي دافيد ليفي إلى المغرب يقول "إن الهدف من الزيارة هو تأكيد المنافع التي يمكن أن تجنيها إسرائيل من مباحثات السلام، بإظهار مدى الترحاب الذي يلقاه المسؤولون الإسرائيليون لدى زياراتهم لبعض العواصم العربية"..ويتابع: " إن مثل هذه البوادر ذات أهمية بالنسبة لإيهود باراك رئيس وزراء إسرائيل في حملته لإقناع الرأي العام الإسرائيلي المتردد بالفوائد واسعة النطاق لإرساء السلام مع سورية . وعلى الرغم من الإعلان أن الجولة الثانية من المباحثات السورية الإسرائيلية ستبدأ في الأسبوع القادم،إلا أن دمشق متباطئة في إظهار أي بوادر إيجابية على تطبيع العلاقات بين البلدين"./ الفاينانشال تايمز ـ عن موقع : BBC.ON LINE ـ في 13 / 1/2000
2 ـ تكوين أرضية لنوع من الثقة، ضمن إطار نفسي عام بين المتفاوضين، لا سيما لدى الجانب السوري الذي يعرف جيداً أن الجانب الصهيوني يدمن الخديعة والمراوغة والمكر ولا يمكن الاطمئنان إليه؛ وهذا يجعل الجانب السوري يذهب إلى ما هو أبعد من الحذر في التعامل مع كل ما يطرحه الجانب الصهيوني.
3 ـ الاتفاق على رسم حدود في إطار تم إقراره تقريباً بالتوجه الذي تضمنته وثيقة كلنتون التي تقول في البند الثاني منها:" إن الحدود الدولية المعترف بها بين البلدين تلغي كل حدود سابقة أو خط فصل بينهما." وهذا يعني الاتفاق على إلغاء حدود 1923 التي رسمها الاستعمار/ البريطاني والفرنسي/ من جهة والأخذ بالعودة إلى "مواقع الرابع من حزيران 1967 " ، وهي مواقع اتفق الجانبان على أنها لم تكن مرسومة على شكل حدود؛ ومعنى سحب الكلام حول تلك الحدود من التداول في التفاوض هو التوجه نحو رسم حدود من قبل لجنة تقرر ذلك في ضوء ما تتفق عليه وقد أكد الجانبان ضرورة رسم تلك الحدود من قبل لجان مختصة شكلت لهذا الغرض، وتباطأ عملها وبدأ سحب الكلام أو بعضه في ذلك المجال، ومن شأن الاتفاق على الحدود أن يسهل على كل من الطرفين القبول بإعادة رسم الحدود على نحو يعفيهما من ضغط أية التزامات أو إعلانات سابقة. والحدود الجديدة، في هذه الحالة، ليست بالضرورة هي المواقع التي كان الجيش السوري فيها قبل الرابع من حزيران 1967 كما يقول العدو الصهيوني وليست على الإطلاق المواقع التي كان يقول بضرورة الأخذ بها، أي حدود 1923 ، وقد تأخذ عملية رسم الحدود بالاعتبار معطيات أمنية واحتياجات مائية لكل من الجانبين، ولكن رسمها يحتاج إلى حسم للجدل الذي قد ينشأ عن "عدم وضوح مواقع الرابع من حزيران"؛ وهو ما يناور عليه الجانب الصهيوني بقوة، بعد أن وجد الطريق مسدودة أمامه في مجال الحديث عن انسحاب إلى ما يسميه الحدود الدولية.. حدود 1923 وبنص المسودة.
وإذا كانت الأمور المطروحة فيما أشرت إليه في البند الثالث شبه متفق على إطارها العام، فإن ما يندرج تحت العاملين الأول والثاني من أمور ليست ميسرة حتى الآن ، وتيسيرها يحتاج إلى نقلة نوعية في الموقف الصهيوني من العملية كلها ومن جوهر الموضوع، وهو ما قد لا يحدث على الإطلاق ، إذ يطالب الجانب الصهيوني بحضور الرئيس حافظ الأسد شخصياً ليكون طرفاً في المفاوضات ؛ وهو ما يطلبه إيهود باراك بإلحاح، سواء بصورة رسمية أو عن طريق الإعلام، حيث قال في سياق مقابلة له مع شبكة CNN / 12/1 2000/: "على الرئيس ـ حافظ الأسد ـ أن يلتقي بنا نحن والرئيس الأميركي بهدف حل بعض المسائل الصعبة التي تظل قائمة.. لا يمكنني التكهن بموعد حدوث ذلك لكنني لا يمكن أن أتصور التوصل إلى اتفاق قبل لقاء مع الرئيسين.." وأكد ذلك أيضاً يوم 14/1/2000 وهو في هذا يختلق ذرائع للتراجع، لأنه يدرك جيداً أن الرئيس الأسد ليس السادات.
ويتابع الرئيس كلنتون تحقيق ذلك بعزم.. ولكن يبدو أن اتصاله بالرئيس حافظ الأسد ليل الخميس 13/1/2000 / بتوقيت دمشق/ الذي كان لمتابعة إنجاز أمور منها رأب الصدع الذي حصل جراء تسريب الوثيقة من قبل باراك إلى هآرتس ، وتأكيد أهمية ما ذهب إليه باراك، لم يصل إلى نتيجة إيجابية بشأن تأكيد المشاركة. وهو الأمر الذي جعل حزب الليكود يطلب من إيهود باراك عدم الذهاب إلى شيبردز تاون حيث كان يفترض أن تعقد الجولة الثانية من المفاوضات يوم الأربعاء 19/كانون الثاني الجاري وأن يوكل هذه المهمة إلى دافيد ليفي ؛ مادام باراك قد استجاب لهذه الدعوة فإن الكثير من الأمور سوف تراوح في مكانها لأنه يكون قد اتخذ قراراً سلبياً حيال التقدم في المفاوضات. وحين يضع الكيان الصهيوني، وعلى رأسه باراك، أمر مشاركة الرئيس حافظ الأسد على رأس سلم الأولويات ويلح عليه بهذا الشكل في هذه المرحلة من التفاوض، فإنه إنما يرمي إلى أحد أمرين:
أ ـ افتعال مواقف وأزمات تسمح له بالخروج من المفاوضات كلها، مدعياً أن الجانب السوري يتحمل مسؤولية تعطيلها ، إن استطاع إلى ذلك سبيلا.
ب ـ تقديم ورقة ـ حضور الرئيس حافظ الأسد ـ لمن يعارضونه من الصهاينة في موضوع الانسحاب من الجولان، وتقديم تلك الورقة أيضاً لكل الدول العربية، التي سوف يحفزها ذلك على إقامة علاقات مع كيانه أو السعي الحثيث في هذا الاتجاه، لأنها بحضور الرئيس حافظ الأسد شخصياً عملية التفاوض سوف تستنتج التوصل إلى اتفاق قبل الوصول إليه، فتهرول أكثر باتجاه العدو أو تبدي المزيد من الاستعداد للهرولة باتجاهه ، الأمر الذي سوف يستثمره باراك أفضل استثمار.
ولكن عدم استجابة الرئيس حافظ الأسد لهذا المطلب الصعب ستضع الكيان الصهيوني أمام امتحان يكشف حقيقة الاختيارات التي اختارها أو تلك التي يمكن أن يختارها فعلاً: فهل ما زال يفكر جدياً بالانسحاب من جنوب لبنان من دون اتفاق مع أحد واللجوء إلى استخدام القوة التدميرية العالية ضد لبنان وسورية وضد المقاومة ، ووضع المنطقة في أتون التوتر!؟ وإذا كان ذلك كذلك فإن من الطبيعي أن تكون لهذا انعكاساته الكثيرة والخطيرة على العدو الصهيوني بالدرجة الأولى ؛ وفي المقدمة من تلك الانعكاسات ما سوف يصيب اتفاقياته مع الدول العربية الأخرى من اهتزاز ، ومن ثم طي صفحة ما يسمونه " السلام" إلى مدى غير معروف ، وعودة المنطقة كلها إلى حافة الحرب.
إن حالة استمرار الصراع نعرف أهدافها ومسوغاتها وأسبابها ومعطياتها ونتمسك بحقيقة أنها الأساس الباقي الذي لن يتغير إلا بالتحرير وبعودة الشعب العربي الفلسطيني إلى وطنه سيداً، أما حالة التوصل إلى تسوية على أساس اتفاق تحدد خطوطه الرئيسة وثيقة "شيبردز تاون" أو وثيقة الرئيس كلنتون فهو أمر يرتب مواجهة استحقاقات والتفكير في أسئلة تطرح نفسها بقوة على المعنيين بالقضية والبلد. وفي حساب الأرباح والخسائر نجد أمامنا المعطيات والاحتمالات الآتية التي يراهن العدو على نتائج تفاعلاتها الداخلية:
في حال توصل المتفاوضون على المسار السوري ـ الإسرائيلي إلى اتفاق، ووقعت كل من سورية والكيان الصهيوني على وثيقة- لا سمح الله- ، تنضم إلى سلسلة الاتفاقيات العربية ـ الإسرائيلية في هذا المجال، منهية الصراع العربي الصهيوني من وجهة النظر الرسمية؛ فما الذي تخسره سورية بدقة وما الذي يمكن أن تربحه من ذلك، على الصعيدين: المادي والمعنوي وعلى المدى القريب والبعيد!؟ في الأسطر الآتية سوف أتوقف عند محطات مما أراه جدول الاستحقاقات والأسئلة ـ وليس جدول الربح والخسارة ـ التي لا بد من مواجهتها عاجلاً أم آجلاً والتي تطرح في مجالات رأي واجتهاد وتوقع احتمالات كثيرة، وتقدم في غير مصلحتها ومن ذلك:
أولاً ـ إن مصداقية سورية في مجال العمل والدعوة والنضال القومي، لا سيما على المستوى الشعبي، سوف تتعرض لامتحان قاس إن لم تهتز بشدة ووضوح؛ فالبلد ذو التاريخ العريق الممتد عمقاً وشمولاً في مجالات العمل القومي، الذي ناضل وما زال يناضل ويعمل عربياً من منطلقات قومية لنصرة قضايا عربية عامة، على أرضية فكر قومي ورؤية مستقبلية عامة؛ وتقوم دعوته على تحرير الأرض العربية من الاستعمار والعمل من أجل الوحدة العربية بوصفها مصدر القوة وهدفاً قومياً رئيساً من جهة وسبيلاً إلى النهضة والمنعة والتحرر وتحقيق المشروع القومي، في عصر التكتلات الكبيرة وزحف العَوْلَمَة والكتل السياسية والثقافية والاقتصادية الكبيرة أو العملاقة، من جهة أخرى؛ هذا البلد سوف تتأثر دعوته ومصداقيته إلى حد بعيد حين يوقع اتفاقاً مع الكيان الصهيوني يعترف بموجبه بنتائج فعل القوة ومخططات الاستعمار، وسوف يواجه استحقاقات داخلية وخارجية صعبة جداً، وقد تكون مصيرية، في هذا المجال. لأنه عندما يعترف بالكيان الصهيوني دولة على أرض فلسطين، ويقر بشرعية للكيان الصهيوني " دولة في المنطقة"،ساحباً بالنتيجة والضرورة على نحو ما : الشرعية من الفلسطيني صاحب الحق الشرعي ـ أو مقراً بتمثيل قطري حصري ونهائي للقضية الفلسطينية تقوم به سلطة الحكم الذاتي، منهياً البعد القومي لقضية العرب المركزية قضية فلسطين ـ فإنه بذلك يسحب من رصيده القومي بنفسه وبيده، ويسحب حقاً تاريخياً له انتزعه وكرسه بالدم والتضحيات وغذَّاه بسيل منهما على مدى عقود بل قرون من الزمن. وحين يفعل ذلك يقف في مفترق طرق بين العري والكسوة، يبحث عن وجهه بين ذاته وذاته.. إذ ما الذي يبقى له من نفسه، وما الذي يقدمه من مسوِّغات للداخل القطري والخارج القومي في هذا المجال؟!؟ هل سيهيل على الناس مقولات الخلل الفاضح في موازين القوى، وهي مقولات على صحتها ودقتها وواقعيتها وضخامة حضورها لا تغير من حقائق الأمر ونتائجه وانعكاساته شيئاً!؟! أم أنه سيكرر القول : إنه بقي وحيداً في ساحة الصمود بعد أن هرول العرب إلى أعتاب العدو، وتخلوا عن المسيرة وخذلوه، ولا يستطيع البقاء وحده إلى أبد الآبدين!؟ أم سيتبنى المقولات القطرية والطرح الإقليمي الضيق، وفي هذا مقتله العقائدي ومقتل الدعوة القومية وأهدافها والنهضة القومية المنشودة ذاتها!؟!
وحين تقيم سورية مع العدو الصهيوني "علاقات ديبلوماسية وقنصلية كاملة بما في ذلك تبادل السفراء مما يسمح بحرية تنقل الأشخاص والممتلكات والخدمات بين البلدين دون عراقيل .. "وينهيا" المقاطعة الاقتصادية التي يفرضها كل طرف على الآخر ويلغيا كل القوانين التمييزية ويتعاونا لإنهاء المقاطعة المفروضة على الآخر من قبل دول أخرى" . كما جاء في ورقة "شيبردز تاون" أو وثيقة كلنتون تحت البند الثالث: " العلاقات الطبيعية السلمية".
ويُفرَض عليها أن تتعاون مع ذلك العدو في مجالات أخرى: اقتصادية وسياحية .. منها الأمن، الذي يقدمه العدو الصهيوني على ماعداه من أمور، ويأتي ذلك التعاون في إطار اتفاق يؤكد بموجبه الجانبان الموقعان: " التعهد بعدم إقامة أي تحالف معاد ـ أي ضد بعضهما بعضاً ـ وضمان عدم استخدام الأراضي الخاضعة لكل منهما من قبل قوات عسكرية تابعة لطرف ثالث لمهاجمة الطرف الآخر."(1) حسبما ورد في ورقة "شيبردز تاون" التي تعترض
(1)ـ لقد ورد شبيه لهذا النص ، أو ورد حرفياً في كل الاتفاقيات التي وقعها العدو الصهيوني مع أقطار عربية؛ ورد في اتفاقيات : كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة. وهو يهدف إلى عزل كل قطر عربي عن الأقطار الأخرى وتكبيله بقيد الاتفاق والمواثيق الدولية ، وجعله أبعد ما يكون عن التحالف مع أشقائه، وأقرب إلى التحالف مع العدو والتعاون معه ، تحت ضغط الحليف الأميركي والقوى الغربية بشكل خاص.
سورية على نقاط كثيرة فيها؛ حين تُقْدِم سورية على ذلك- لا سمح الله- فأية شرعية أو مصداقية تبقى لما قالته بحق كامب ديفيد ووادي عربة وأسلو!؟ وهل يشفع لها أن تكون آخر الموقعين؟! وأية طريق تسلكها في مجال العمل القومي من بعد وعلى أية أسس وفي أية طريق، وهل ستبقى ثمة طريق؟! وكيف يمكن أن تفكر وتعمل في المستقبل ، إذا أرادت أن ترعى الاتفاق الذي توقع عليه مع العدو الصهيوني !؟ هل سيمنعها ذلك الاتفاق حقاً من أن تقف إلى جانب أي بلد عربي أو إسلامي ينشأ بينه وبين الكيان الصهيوني صراع من نوع ما يستدعي تعاوناً عربياً في إطار الجامعة العربية وميثاقها، أو في إطار الصلة القومية وقيمها وأخلاقها؟! أم أن الجامعة العربية ذاتها سوف تصبح أثراً بعد عين عملاً بشرق أوسطية شمعون بيريس ومشروعها، الذي يدعو إلى نسف ما يسميه " جامعة الكراهية " ليحل محلها جامعة شرق أوسطية يكون الكيان الصهيوني طرفاً مؤسساً ومهيمناً فيها.. وأن الصلات والقيم والأخلاق القومية دفنتها القطريات العربية المتورمة قبل سورية بزمن ولن يجدي العمل على إحيائها بعد أن تنكر لها الكل إلا قليلا..!؟
لقد كانت سورية تقف ضد هذا التوجه دائما وحذرت من نتائجه ، لا سيما منذ مؤتمر مدريد حتى اليوم، وحين تسقط هذه القلعة ـ لا سمح الله ـ فإن العمل العربي والتوجه القومي في هذا المجال سيتهاوى بشكل واضح وسريع.
إن من يضغطون على سورية في مثل هذه الاتجاهات يدركون أنهم يضعون قضية للتفاعل في داخل الحزب ويراهنون على ما قد تنتجه.
نعم الجولان مما نربحه ، وعودة الجولان إلى حضن الوطن أمر لا يستهان به على الإطلاق . الجولان سوف يعود إلى حضن الوطن، وليس من فرحة في حياتنا تساوي فرحتنا بعودة الجولان .. فهو قطعة من أعز الأرض على القلب، ومن أكثرها إيحاء في تاريخ العرب والمسلمين ".. أرض اليرموك.."، ومن أشدها قرباً إلى النفس وإيحاء للذاكرة وحفزاً للوجدان، وهو موقع استراتيجي إضافة إلى موقعه الجغرافي وغناه من حيث هو من أخصب المناطق في سورية ومصدر مياه نحن بأمس الحاجة إليها. والجولان كما نعلم تم احتلاله من قبل العدو الصهيوني مع أرض عربية أخرى : " سيناء والضفة الغربية بما فيها القدس الشريف وجنوب لبنان "، تم احتلالها في صراع العرب مع العدو الصهيوني على فلسطين ومن أجل تحريرها.. وطالما قلنا في هذا القطر المناضل .. وطالما قال الرئيس حافظ الأسد: القنيطرة ليست أكثر أهمية من حيفا أو يافا أو الجليل!؟ فهل عودة الجولان باتفاق يقر بشرعية وجود الكيان الصهيوني دولة في فلسطين على حساب أهلها وتاريخها وانتمائها لجغرافية الشام وهويتها العربية منذ بدأت أولى خطوات الحضارة على هذه الأرض/ الألف العاشرة قبل الميلاد في سهل نطوف قرب أريحا/ هل عودة الجولان تحت هذا السقف من
المعطيات ترجح بالكفة لمصلحة سورية والأمة العربية!؟ إن عودة الجولان من أسمى المهمات ، وعلينا أن نجعلها تتحقق بأقل الخسائر.سيقول قائل : إن الوضع الآن ليس خالياً من الضعف والرخاوة والفساد، وأن عودة الجولان خير من ذهابها كلياً، وأن بضعة مليارات من الدولارات ، مع توقعات بإعفائنا من ديوننا، خير ألف مرة من أحلام اليقظة أو من الأوهام التي تخطبون علينا بمضمونها؛ وأن شد الحزام لن يفيد لأنه لم تبق لنا خصور تستقر فوقها الأحزمة.. !!؟ وأنا أقول: إن في ذلك بعض الصواب الذي ينبعث من واقع مرٍّ نحن فيه: دولياً وعربياً ومحلياً؛ ولكن من الذي يمكن أن يغير، على المستوى: الدولي والقومي والمحلي القطري، حقيقة أن الجولان أرض سورية محتلة لن تكون أبداً إلا لأهلها الشرعيين، ولن تبقيها لهم كذلك إلا قوة أهلها واستعدادهم للتضحية من أجلها!؟ وإذا كانت الجولان على وشك أن تعود اليوم فلأن دماً طهوراً كرس حقيقة انتمائها للوطن والتمسك بها على المدى البعيد؛ ولأن قوة سورية حقيقية تستطيع أن تلحق ضرراً ملموساً بالعدو تحول عملياً دون تناسيه لحقيقة أن الجولان أرض يطالب بها أهلها، وهم مصممون على استعادتها، وكذلك حقيقة وجود قيادة صلبة في سورية تدير دفة الأمور بقوة ودقة وتعرف معنى الحق القومي والحق الدولي في آن معاً، ومواقف الشعب والأمة تاريخياً؟! ومن يقول إن الحق سيكون في يوم ما لمستعمرين يستطيبون العيش في أرض الغير، إذا كان لأولئك الغير صوت وأنياب وأظفار ؟! ومن الذي يضمن ـ إذا لم نملك القوة الكافية التي ندافع بها عن أنفسنا وأرضنا وسيادتنا وحرية قرارنا.. ـ ألا يعيد الكيانُ الصهيوني ،بدعم من حلفائه وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية ، حاميه الأول، احتلال الجولان وحتى سواه إن استطاع، في إطار مشروعه الاستيطاني ـ الاستعماري ـ العنصري المستمر؟! وهل يمكن أن تبقى أمة تحت رحمة قوة أعدائها، مجردة من كل قوة ولا يتاح لها إلا أن تملك "حرية مطلقة" في أشكال القبول بصيغ وحلول يتيحها منطق القوة.. منطق العدو؟! وهل نعيش حقاً أوهام أن تقوم الولايات المتحدة الأميركية ـ أو توحي لبعض حلفائها بأن يقوم ـ بتزويدنا بأسلحة وتجهيزات متقدمة!؟ إن هذا لن يحدث ، وإذا حدث فلن يكون خارج حدود سقف الرضا والموافقة الصهيونيين؛ ولن يصل في أي يوم من الأيام إلى حدود مقبولة ومعقولة بالنسبة لبلد ذي طموح ومشروع قوميين وحدويين تحريريين...إلخ مثل بلدنا؛ .. إن ذلك لن يكون أبداً إلا في حالة أن الصراع على سورية قد حسم بالفعل لغير مصلحتها ومصلحة أمتها العربية.. وأنا أستبعد ذلك كلياً؟!
إن الجولان.. الأرض العزيزة معقل ينبغي أن يُسترد بكل الوسائل الممكنة.. ومنها أن يسترد بالقوة ولو بعد زمن، وليس لنا معدى عن امتلاك القوة سواء أكان ذلك لاستعادة الجولان أو للمحافظة عليه، أو لمواجهة العدو الصهيوني وأطماعه ومشروعه التوسعي المستمر، أو لمواجهة سواه من الطامعين بالأمة.. ولن يسمح لنا الذين سوف يساعدوننا بأن نبي، بأموالهم أو تحت إشرافهم وبرضاهم، قوة تحمي أو تحرر أو توظَّف لتحقيق هدف قومي كبير. إنهم الأعداء الذين يقوون مشروعهم الأول : إسرائيل، ويضعفون كل ما عداها في طول أرض العرب والمسلمين وعرضها... إنهم الأعداء وعلينا ألا ننسى ذلك أبداً .
وإذن : الجولان كرامة بكل معيار ولا ينبغي أن تكون عودته قيداً للإرادة بأي معيار، وهذا ما ينبغي أن نستفيده من الاتفاقيات التي تمت حتى الآن مع العدو؟! إن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال عدم التشبث بعودة الجولان إلى حضن الوطن بكل الوسائل الممكنة، ولكنه يعني بالضرورة ألا تكون عودة الجولان بأي حال باهظة التكاليف إلى الحد الذي نفتقد معه الإحساس بالحرية القومية والمكانة التي لسورية وبالقدرة على الحركة بإرادة طليقة وبرؤية قومية شاملة، وبإحساس عارم بانتماء وكرامة هما الأبقى والأهم والأعلى قيمة ومرتبة في حياة الأفراد والدول والأمم.
أمَّا بشأن المساعدات المالية التي تلوح بها جهات وتوظفها بأشكال مختلفة، فإنها ستكون قيداً على نحو ما ، وهي بالضرورة مقيدة .. نعم قد نأخذ "بضعة مليارات" من الدولارات ، تأتي مساعدة من المانحين/ الدول الأوربية واليابان ودول الخليج العربية، أما الولايات المتحدة الأميركية فقد لا تعطينا شيئاً لأنها لا تعطي إلا الكيان الصهيوني، والود بين " مجلسي الكونغرس" فيها وبين سورية مفقود ، ولن تكون زيارات أعضاء الكونغرس للمنطقة إلا مثل سابقاتها في هذا المجال فالكونغرس صهيوني ويستأذن إسرائيل و"إيباك" في الكثير من الشؤون المتعلقة بالمنطقة - وقد يستمر في حال فَقْدٍ؛ وربما كانت "جائزتنا" لدى الإدارة الأميركية أن "ترفعنا من قائمة الإرهاب- وهي الدولة الأولى التي ترعى أعتى أشكال إرهاب الدولة في العالم- إرهاب الكيان الصهيوني-" وتحض الآخرين على منحنا المساعدات؛ على أن تبقى هي صاحبة الأمر والنهي في موضوع المنح والمنع، بحكم سيطرتها وسطوتها وقدرتها على فرض ما تريد / وفي حالة المساعدات قد تنفرج بعض أزماتنا المادية، مؤقتاً ولكن غِلاً وقيداً سيكونان في أعناقنا وأيدينا جراء مساعدات ليست بريئة؛ والحذر في هذا المجال من أوجب الواجبات!؟. فمن قال إن الغير يقدم لنا " هدايا" مجانية، لاسيما إذا كان محكوماً بإرادة أو رؤية صهيونية ؟! ومن قال إن المساعدات لن تفسدنا أكثر، وأنها لن تجعلنا في بُحْرَان من الترهُّل والتآكل والتواكل والأحلام الفاسدة والرؤى المفسدة لكل ما يبني كياننا حقاً بناء سليماً متيناً قادراً على البقاء والمواجهة!؟
نعم إن المساعدات المالية غالباً ما تكون قيداً على نحو ما ، بل هي بالضرورة مقيدة، وينبغي ألا تغيب عن ذهننا حقيقة إن كل مساعدات الدنيا لن تبني بيتنا ما لم نبنه بأنفسنا، وأن "الرخاء" الذي وُعِدّت به أقطار عربية من قبلنا كان "رخاء" البعض وموت الكل وموت كرامة الكل في النتيجة؛ وأن الكرامة في نهاية المطاف لا تباع ولا تشترى، وحرية أرضنا وقدرتنا على تحريرها وعلى النهوض بشؤوننا هو الأساس الذي يمكن أن نبني عليه بنياناً متيناً راسخاً باقياً.. إن مثلنا العربي يقول : "ثوب العيرة ما بدفي ، وإن دفا لا يدوم" : وكل مساعدة لها ثمن وشروط ولها نهاية أيضاً ؛ وإذا ما ارتحنا لذلك وتراخينا على بساطه وازددنا ترهلاً وتواكلاً وتآكلاً ، فإن النتيجة ستكون في صالح عدونا على المدى البعيد، الذي سيبقى عدواً مادام يحتل أرضنا ويستقر في بقعة من أعز بقاع وطننا : فلسطين العربية وعاصمتها القدس الشريف.وهو يحشد لذلك كل أنواع الأسلحة وينمي قدراته العدوانية حتى في مفاوضات شيبردز تاون ذاتها وعلى أرضية أي اتفاق قد يتم.
دمشق في السبت، 15 كانون الثاني، 2000
الأسبوع الأدبي العدد 693
|