صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

جئت لألقي سلاماً سيفاً!*

جاء في سورة مريم قوله تعالى:‏

" قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً، وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا، وبَراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً، والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيّا، ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ".(1)

قال المسيح عليه السلام: "من قَبِل نبياً باسم نبيّ فأجرَ نبيِّ ينال"(2) . فكيف ونحن، أخص المسلمين، نؤمن به ونعتز بإيماننا به ونرفعه مكاناً عليَّا؛ وكيف ونحن نجلّ مريم العذراء ونراها فضلى النساء في العالمين!؟ إنه لفخر لنا أن نكون عرباً نعتز بالإسلام، ومسلمين نعتز بالعروبة وننتمي للأرض التي كانت مهد الرسالات السماوية، وقد قال رئيسنا: " إن الواقع التاريخي يؤكد أن في العرب الإسلام وأن في العرب المسيحيّة، ومن الصعب أن نقول إنه كانت هناك صراعات هامة ذات مغزى بين المسيحيين العرب والمسلمين العرب ولا يوجد عربي، سواء أكان مسلماً، أو مسيحياً لا يفخر بالإسلام ولا يفخر بأصوله وعروبته."(3)

والمسيح عليه السلام كَ رَز في سورية وهذا مصدر فخر لأهلها، وكان روحاً مشرقياً، وهذا فخر للمشرقيين جميعاً، مسيحيين مشرقيّين نعتز بمواقفهم، ومسلمين في الشرق والغرب يعتزون بالمسيح وهذا المناخ الروحي الذي ينتعش فيه الإخاء على أرضية الإيمان هو الذي تتبناه السياسة وتعمقه الثقافة وتؤكده الممارسة.‏

في بيان القيادة القطرية المؤقتة، البيان الأول الذي أصدرته يوم بدأت الحركة التصحيحية في سورية، تأكيد جلي على حقوق الإنسان وحرياته ولا سيما حرية اعتقاده الديني، وتوجه لتعزيز موقع المواطن في الوطن وموقع الكرامة في الحياة، ولإطلاق سورية من أسر عزلتها حينذاك والتمسك بوحدتها الوطنية وانفتاحها على محيطها العربي؛ فهل حققت سورية في ظل الرئيس حافظ الأسد والحركة التصحيحية هذا التوجه!؟ إننا لم نشهد فُرقة، ولم نشهد تمييزاً، ولم نشهد نعرات طائفية بين مسلم ومسيحي، ولم يُستبعَد مسيحي لصالح مسلم ولم يُستبعَد مسلم لصالح مسيحي في أي موقع أو من أي موقع من مواقع العمل؛ فنحن بيت واحد تظِلُّه المحبة.‏

لم يبدأ إخاؤنا بحافظ الأسد، ولم يبدأ بالحركة التصحيحية ولم يبدأ بسورية، فنحن أبناء الإخاء روحاً وعقيدة وممارسة، وإذا كنا ننتظر قائداً أو رئيساً أو زعيماً ليؤثِّل للإخاء بيننا فإننا كلنا ينبغي أن نكون في حال إدانة أمام أنفسنا وإيماننا، لأن كلاً منا مسؤول عن هذا الروح بما هو مؤمن، وبما هو مواطن، وبما هو وطني وبما هو من هذه الأرض المباركة، التي أنبتت الأنبياء، وأكدت روح المحبة والإخاء على مدى التاريخ.‏

لقد قال المسيح عليه السلام: "فعَلِم يسوع أفكارهم فقال لهم كل مملكة تنقسم على نفسها تَخْرَب، وكل مدينة أو بيت ينقسم على نفسه لا يثبُت."(4)

وقال محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا"(5) ، وجاء في الكتاب الكريم: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا"(6) فنحن جميعاً مسؤولون عن بيتنا الواحد وسلامته، وعن صفنا الواحد وقوته، وعن موقفنا الواحد وثباته على المبدأ والحق؛ ولا يمكن أن نكون أبناء أمتنا الواحدة وإيماننا السليم إن نحن فرقنا على أرضية تعصب مقيت أو تفرقنا في ظاهرة موالاة لغير الوطن والأمة ووحدة أهداف الرسالات التي نؤمن بها ونعمل بهديها.‏

ولنا أن نسأل إذا وقفنا على شفا تيه أو فرقة: هل المسيح أقرب إلى محمد أم محمد أقرب إلى المسيح، وعلى أي أمر جوهري يختلفان!؟ إنهما من نور الله ولوحدانيته يدعوان، وعلى هديهِ يسيران.. وحين لا ندرك ذلك جيداً ولا نعمل به حقاً وصدقاً نكون نحن المسؤولين عن فعلنا ونتائج ممارستنا وعن الواقع الذي نخلقه جراء ذلك الفعل؛ وليس للمسيح ولا لمحمد ولا لهديهما دور فيما قد نصل إليه إذا أهملنا جوهر ما جاء به كل منهما من حقائق دعوتهما، لا سيما : المحبة والإخاء والعمل بمكارم الأخلاق.‏

إننا نُقبِل على مسؤولية كبرى ينبغي أن تستقطب جهدنا واهتمامنا بالدرجة الأولى، لستم في سورية بحاجة إلى براهين على مجتمع الإخاء ومسؤولية الأخوة، فسورية كتاب مفتوح تقرؤونه كل يوم، وقيادة الرئيس تعرفون حكمتها وحرصها على وحدة الجبهة الداخلية وتماسكها؛ ولكن المستقبل آت وهو يحمل لكل منا شيئاً؛ نذيراً قد يكون أكثر مما يكون بشيراً، وعلينا أن نكون في غاية الحرص والحذر لأننا نؤتمن في هذه الأرض ـ ونحن لسنا من ورثة سايكس ـ بيكو ولا من حراس تركتهما المُرَّة بأية حال ـ نحن نؤتمن في هذه الأرض على مقدسات وعلى حقوق شعب وحقائق تاريخ.. وعلى ثوابت ومبادئ ومنظومات قيم؛ وإذا لم نكن أهلاً لحمل هذه الرسالة فإننا نخل بديننا وتاريخنا وبمستقبل أجيالنا، ونورث في الأرض للأجيال شوكاً وزؤاناً.‏

يا أبناء هذه الأرض، التي بنى أهلُها الأوائل القدس، وخططوا بنيان أول مكان فيها من عمران عام 3400 قبل الميلاد، يا أبناء اليبوسيين الذين ذكروا في التوراة والإنجيل، وهم فخذ من الكنعانيين والعموريين العرب أجدادكم الذين ورثتم أرضهم، وتراثهم، وتاريخهم العريق.‏

أيها الناس: أنتم مسؤولون عن القدس، ومسؤولون عن العهدة العُمَرِيَّة وتجدد روحها، ومسؤولون عن موقف " صفرونيوس " راعي كنائس القدس وعن مطالبه الأولى، ومسؤولون عما جاء في الإنجيل في متّى حيث قال: "أخرجوهم من القدس". القدس لكم.. والقدس ليست الكنائس والمساجد فقط، إنها تلك التي بارك الله فيها، وفيما حولها، وجعلها في مكانة عالية من مواقع الأرض وفي قلوب المؤمنين؛ وهي التي لنا جميعاً شمعة وتاريخ وأرض وكرامة ومهوى أفئدة. وحينما نقول القدس لا نستثني الناصرة ولا بيت لحم ولا الخليل ولا أي من المقدسات الأخرى، لا نستثني الأردن ومعمدانية المسيح، والأردن اليوم مهدد بهيمنة صهيونية تتسلل إليه بأشكال عدة.. بتملك الإسرائيليين لأرض فيه من خلال وسيط ثالث لكي يحققوا مأرباً مستقبلياً وانتشار شركات وصناعات مشتركة ، وعلينا ألا نستثني من استهداف هذا المخطط لأرض في لبنان أو أرض في سورية مستقبلاً، فشايلوك اليهودي الطامع والعنصري البغيض، الذي اقتطع لحماً من صدر أنطونيو بسكين الحقد، يغزوكم بماله وبأسراب طائراته الحديثة وبصواريخه وبقنابله النووية وعليكم أن تواجهوا سؤالاً حاداً : هل أنتم أهل للحياة والبقاء ولتجسيد إيمانكم، مسيحيين ومسلمين، في فعل منقذ، أم أنكم خراف إبراهيم تثغو على عتبات المذابح اليهودية، تُستَقدمون في كل ليلة أو في كل صباح لكي يأخذ كل أو بعض طريقه إلى الآخرة، ثم تكونون دوماً "الغوييم" أولئك الذين يحتقرهم أبناء الأفاعي ويستحلُّون دمهم ومالهم وعرضهم وأرضهم.‏

السؤال ملقى، ليس على دولة، ولا على الأمة بسواد جمعها، السؤال ملقى على كل قلب وروح: من أنتم، ماذا تريدون، كيف يكون إيمانكم، وكيف تواجهون من يهددكم ويهدد أمنكم وإيمانكم معاً!؟،‏

الكلمة مسؤولية ويسوع جاء بالكلمة، والكلمة هي قرآننا أيضاً، فمن يفرق قلباً عن روح.. دماً عن جسد إذا لم نفرق نحن في إيماننا واعتقادنا أولاً ثم نجسد الفرقة في الأرض!؟ لا أحد يفعل سوى أيدينا، ولا أحد يجبرنا على أن نفعل ونندم فلات حين مندم ، ولا ينفع القول عندها: يداك أوكتا وفوك نفخ، لأن كل شيء يكون في هوة الهلاك.. فلنحذر الفتنة دائماً، والفتنة أشد من القتل.‏

قالوا، وقالت المسيحية الغربية، وأنا أعتز بمواقف المسيحية المشرقية التي هي الأصل، قالوا: إن المسيح "إسرائيلي" أو يهودي، فتم الرد عليهم بأن المسيح سوري.. وهو رد في مناخه الذي استدعاه قد يكون مسوغاً؛ وأنا أستميحكم عذراً والتمس منكم سعة صدر لما أعرض من اعتراض على القولين، إخلاصاً مني للمسيحية وللإسلام معاً. فإذا كان المسيح "إسرائيلياً" أو يهودياً، فهو من أب يهودي ونطفة يهودية؛ وإذا كان سورياً أو "إسرائيلياً" فهو يملك طبيعة بشرية خالصة واحدة وينتمي إلى جنسية سورية أو سواها. ونحن نعرف أنه، كما تقول المسيحية بمذاهبها: إما الرب أو ابن الرب أو كلمة الرب، وبالنسبة لنا نحن المسلمين نقول إن المسيح من روح الله ـ والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين"(7) ـ فهناك إجماع في الاعتقاد، على أنه ليس ابن البشر ولا من البشر وإنما أرسل إلى البشر، وكرز في سورية. فكيف يكون يهودياً أو سورياً أو إسرائيلياً!؟ وهل الله أو الرب أو أي من أطراف الثالوث المقدس: الآب والابن والروح القدس، من أتباع اليهودية أو ممن يتمتع بالجنسية حسب مفاهيم الدولة العصرية ومقوماتها وحدودها الجغرافية واعتباراتها السياسية أو القومية!؟ أليس في هذا تشكيك بعذرية مريم، وتشكيك بنورانية المسيح، وإقحام للديني في الصراع السياسي قد لا يكون مسوَّغاً ولا مقبولاً!؟.‏

المسيح كلمة الله والمسيح دعوة وهداية ورسالة إلى البشرية، ومحمد نبي الله وحامل رسالة إلى الناس كافة، وقد قال: "أخي المسيح" و " إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" و " الدين المعاملة"، وقد صدق المسيح وآمن به ودعانا إلى أن نؤمن بالله وكتبه ورسله وملائكته وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله تعالى؛ وهذا يشمل الأنبياء كافة، والكتب السماوية جميعاً؛ وعليه فإننا نؤمن بالمسيح ورسالته. وعليه فإننا إذا سُئلنا في سورية أو في الوطن العربي: هل المسيحيون أكثر أم المسلمون أكثر !؟ قلنا: إن المسيحيين أكثر، لأن المسلمين جميعاً يؤمنون بالمسيح، فالمسيحيون بهذا المعنى أكثر.‏

أشعر بأنني أخذت مالا يحق لي من وقتكم، أنا أشكر كل الجهات التي كرمتني بأن أكون بينكم هنا، ومتحدثاً إليكم بهذه المناسبة الجليلة العزيزة على شعبنا؛ وأشكر سورية التي حافظت دائماً على وجهها الأصيل، وأشكر القائد الأسد الذي دعانا قائلاً: " فلنكمل في سورية ما بدأناه من أعمال كبيرة ولنتابع طريق إنجازاتنا مسلحين بوحدة وطنية عزيزة، وروح وطنية عالية واستعداد للبذل والعطاء" (8) ، وهذه مسؤولية كل منا وهذه أيضاً مسؤولية نربي عليها أبناءنا لأن المستقبل بين أيدينا الآن، ومستقبلنا المهدد بأشكال من التهديد يتوقف على استجابتنا الإيجابية لأنواع التحديات المطروحة علينا؛ ونحن سنبقى على ثوابتنا أياً كانت موازين القوى واختلال تلك الموازين. فلسطين عربية ونحن منطلقنا قومي ووطني وثابت، وسوف نبقي الباب مفتوحاً أمام الأجيال القادمة لكي تحرر أرضاً مقدسة، وتستعيد موطئ قدم المسيح لأنه كرز في هذه الأرض المباركة. ولن يكون ذلك إلا بقوة تحمي الإيمان والحق وتجسدهما سلوكاً وعملاً وأداء مبدعاً في كل المجالات.‏

المسيح الذي نحتفي بميلاده وألفية جديدة من تاريخ ذلك الميلاد قال:" لا تظنوا أني جئت لألقي على الأرض سلاماً بل جئت لألقي سلاماً سيفاً."(9) فهل يجوز لي أن أفهم من ذلك: سلاماً تحميه القوة وتقيمه على العدل الذي يحتاج إلى أن تنصره القوة وتعلي شأنه وبنيانه في كل مكان وأوان!؟ إننا مطالبون بالكثير ومؤتمنون على الكثير، وفي مقدمة ما نطالَب به ونؤتمن عليه: إيماننا الحق وأخوتنا الدائمة، فاعملوا لذلك بإخلاص فـ " حينئذ يضيء الصديقون مثل الشمس في ملكوت أبيهم "(10) "‏

واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا".‏

دمشق في 25 /1/2000‏

الأسبوع الأدبي العدد 695‏

(1) ـ سورة مريم ـ الآية : 30ـ 34‏

(2) ـ إنجيل متى : 10/41‏

(3) ـ هكذا قال الأسد ص 115 ـ من حديث لأرباب الشعائر الدينية في 26/4/1991‏

(4) ـ إنجيل متى : 13/43‏

(5) ـ رياض الصالحين ص 107 ـ حديث شريف ـ متفق عليه‏

(6) ـ سورة آل عمران ـ الآية 102‏

(7) ـ سورة الأنبياء ـ الآية 90‏

(8) ـ هكذا قال الأسد ص 124 ـ من كلمته بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لثورة آذار في 8/3/1988‏

(9) ـ إنجيل متى : 10/34‏

(10) ـ إنجيل متى : 13/ 43‏

* أقيمت في سورية ندوتان ثقافيتان كبيرتان في إطار الاحتفال بالألفية الثالثة لميلاد السيد المسيح، كانت الأولى في مكتبة الأسد الوطنية بدمشق يومي 24 ـ25 /1/2000 والثانية في حلب يومي 31/1/2000 و 1/2/2000 على مدرج كلية الطب بجامعة حلب ويأتي هذا الاحتفاء تأكيداً لروح الإخاء الديني المستمر بين المسلمين والمسيحيين في سورية مذ كانت وكان أهلها من أبناء العروبة إذ يمارسون حرية الاعتقاد والرأي باحترام ومحبة.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244