|
لبنــان و العــدوان.. و النازيـــة الجــديدة
العدوان النازي الجديد على لبنان ألحق به خسائر جسيمة، وجعل معاناة المدنيين فيه تمتد شهوراً طويلة قادمة جراء تدمير البنية التحتية ، تجهيزات ومنشآت، في مجال توليد الطاقة الكهربائية، التي تغذي مرافق حيوية كثيرة وتمس حياة الناس اليومية في كل مكان؛ وإذا أضفنا إلى هذه الخسائر أكثر من عشرين جريحاً في المستشفيات، والدمار الذي أصاب قرى ومساكن في الجنوب والبقاع، كنا أقرب إلى تقدير فداحة ما حدث وخطورته وانعكاساته على لبنان، الذي مازال يعاني من الاحتلال ونتائجه وممارساته الهمجية منذ أكثر من اثنين وعشرين عاماً، ومن نتائج حرب مدمرة امتدت أكثر من خمسة عشر عاماً.
والعدوان الصهيوني المستمر منذ يوم الثلاثاء الماضي جاء على خلفية ما حققته عمليات حزب الله من نتائج مشرّفة في مجال مقاومة قوة الاحتلال وعملائه، لا سيما العمليات التي وقعت ضد مواقع: الرادار ودبل والعزيّة، ووضعت العدو الصهيوني أمام حقيقة انهيار جيش العملاء المسمى بالجنوبي بعد مقتل قائده الفعلي عقل هاشم، وأمام تردي المعنويات والأوضاع النفسية بين جنوده وأفراد تجمعاته الاستيطانية في شمال فلسطين المحتلة، بعد مقتل ستة من جنوده وجرح أكثر من عشرة آخرين، سوى قتلى وجرحى جيش العملاء، وأمام حقيقة أن المقاومة تحقق تقدماً في أدائها وتعرف كيف تنفذ برنامجاً يؤدي إلى تغيير جدي على الأرض؛ سواء أكان ذلك في انسحاب العدو من موقع سُجد الحصين أو في تصاعد حملة التأكيد على ضرورة الانسحاب من جنوب لبنان بأسرع وقت ممكن داخل الكيان الصهيوني ، أو في حال المستعمرين المقيمين في شمال فلسطين المحتلة الذين لو كان مع بعضهم المال الكافي لغادر إلى غير رجعة.
من الواضح أن العدوان الإجرامي جاء بموافقة الولايات المتحدة الأميركية التي أُعلِمَت مسبقاً بذلك وأبدت موافقة عُبِّر عنها بالإعلان عن تفهُّم أميركي لما قامت به " إسرائيل"، وقد أُعْلِن عن ذلك بلسان مسؤولين أميركيين في أعلى مستويات السلطة. وقد ترافَق هذا العدوان مع تحريك مطالب صهيونية قديمة معلنة بإعادة النظر في تفاهم نيسان، وتلويح بفرض مناخ جديد وسقوف جديدة لمفاوضات شيبردز تاون، لا سيما ما يتعلق من ذلك بالحدود والترتيبات الأمنية والتطبيع.
إن الكيان الصهيوني يهدف إلى :
1 ـ جعل اتفاق نيسان بين الحكومة اللبنانية وسورية ، إن استطاع، وليس مع حزب الله. وهو يرمي من وراء ذلك إلى جعل الجيش اللبناني والقوات السورية في لبنان حرساً للاحتلال وللحدود الشمالية من فلسطين حيث المستعمرات الصهيونية؛ وتحويل المواجهة بين المقاومة وقواته من مواجهة لقوات الاحتلال إلى مواجهة داخلية بين المقاومة والجيش اللبناني والقوات السورية في لبنان. وجعل لبنان الرسمي وسورية شرطة لحرس حدود الاحتلال، ويبطل مفعول المقاومة المشروعة ويشوه مفهومها؛ومن الطبيعي أن يُرفض هذا المخطط الصهيوني ـ الأميركي السام والمكشوف الأغراض.
2 ـ جعل سورية في موقف حرج مع لبنان ، لأنها لم تستطع أن تقدم له الدعم اللازم عسكرياً، في وقت كانت فيه سماؤه مسرحاً مكشوفاً للطيران المعادي ، يعربد فيها كيف شاء. ولهذا انعكاساته النفسية والاجتماعية والسياسية، التي يراد لها أن تتفاعل وتطرح أسئلة متصلة بوقائع ومعطيات منها:
أ ـ إن سورية لا تستطيع أن تتدخل تدخلاً مجدياً تجاه التهديد العسكري للبنان: بنية تحتية، وتجمعات سكانية، ومقاومة عسكرية. ومن ثم فإن السؤال مطروح: لماذا يتمسك لبنان بتلازم مسارين يلجم أحدهما الآخر ولا يقوى على الدفاع عنه؟! ولماذا لا يحرر لبنان نفسه، وهذه دعوى يطلقها بعض اللبنانيين المرتبطين بالعدو الصهيوني والمتعاونين معه، كما تطلقها زعانفهم في مواقع لبنانية محدودة- من هذا التلازم وتلك الشراكة، ويعقد اتفاقاً مستقلاً مع "إسرائيل" يؤدي إلى انسحاب واستقرار في مناطق الحدود؟؟
ب- إن سورية ذات التأثير في لبنان قادرة على التدخل لمنع حزب الله من القيام بأعمال ذات مردود سلبي، إن لم يكن مدمراً، على أوضاع وبنى ومراكز حيوية في لبنان. وهذا العدوان يشكل رسالة في اتجاهين: اتجاه سورية من جهة واتجاه لبنان الرسمي من جهة أخرى. للوصول بهما أو بأي منهما إلى حالة جديدة من التفكير والتعامل مع المعطيات الراهنة بـ "واقعية".
3- جعل سورية تدرس جيداً أقل الاحتمالات الممكنة، وتتخذ قراراً في ضوء ذلك، يجعلها أقرب إلى قبول المطالب "الإسرائيلية" المتعلقة بمفاوضات شيبردز تاون. فتخفّض سقف مطالبها بشأن حدود الرابع من حزيران والترتيبات الأمنية ومياه طبريا ومنابع نهر بانياس والحمة.. الخ....
4- لفت نظر العرب عامة والمتفاوضين منهم معها بشكل خاص؛ وكذلك العالم إلى قوة "إسرائيل" وقدرتها على فرض ما تريد عند اللزوم. وكشف الغطاء عن القوى التي يمكن أن تؤثر في اتخاذ مثل هذا التوجه، والوقوف بوجهه في حال التحرك العسكري لتحقيق أهدافه. والتركيز على كشف المساحة العربية على الخصوص التي لا تملك إلا الكلام في أحسن الحالات، وكذلك التركيز على وقوف الحليف الأميركي إلى جانب القرارات والرغبات والتوجهات "الإسرائيلية" بشكل تام.. حتى لا يفكر أحد بأن شيبردز تاون أو سواها يمكن أن تغير من حقائق التحالفات الأميركية- الإسرائيلية وأبعادها.
5- وضع حزب الله أمام قائمة حسابات جديدة على أرضية التهديد الغبي الذي أطلقه ديفيد ليفي بجعل أرض لبنان تحترق إذا ما أطلق حزب الله الكاتيوشا من جديد.
إن هذه الرسائل الصهيونية قُرئت بشكل جيد، وهي في معظمها ليست جديدة، وإنما التأكيد عليها في ظل الادعاء العريض بالتوجه نحو "سلام" من قبل باراك وكلنتون وأولبرايت هو الجديد، لمن يظن أن الصهيونية تغيرت والإدارة الأميركية راغبة رغبة مؤكدة في أن تكون عادلة ونزيهة ومحايدة وحريصة على "سلام شامل عادل.. الخ..." إلى آخر المعزوفة الحزينة المملة.
إن الذي تأكد على الأرض، خلال الأيام القليلة الماضية، وجرَّاء العدوان الأخير على البنية التحتية في لبنان، وعمليات حزب الله الجريئة والدقيقة هو الآتي:
1- أن باراك لا يختلف عن أي إرهابي صهيوني عنصري منذ حاييم وايزمن وجابوتنسكي وبيغن وغولد شتاين وصولاً إلى شمعون بيريس المحنى بدم أهل قانا مروراً بشامير وشارون ونتنياهو ونسل كاهانا حي الذين منهم اليوم جوناثان يوسيف ابن الحاخام عوباديا يوسيف.
وأننا نحتاج فعلاً إلى "مايكرو سكوب" للتمييز بين مفهوم نتنياهو للسلام وما قدمه له، ومفهوم باراك للسلام وما يمكن أن يقدمه له، كما قال باراك نفسه أمام الكنيست الإسرائيلية منذ أشهر.
وأن حزب العمل دموي عنصري يجسد النازية الجديدة، كما يجسدها حزب الليكود.. والفرق يكمن في الوسائل والأدوات والأساليب وليس في الأهداف البعيدة.
2- أن أي مفهوم "للسلام" وأية اتفاقيات تعقد على طريقه، لا تحقق المصالح الصهيونية هي عرضة للنقض من قبل الكيان الصهيوني الذي يقوم تاريخه على نقض العهود والمواثيق، وعدم الالتزام إلا بما يلبي طمعه المتضخم وعنصريته البشعة، وآفاق توسعه المتجددة والمرتبطة ببرنامج مرحلي على طريق تنفيذ المشروع الصهيوني في المنطقة العربية.
مما يلقي على العرب جميعاً، وليس على المعنيين بالمسارات التفاوضية العالقة، أسئلة تتعلق بالاستراتيجية والتكتيك المتصلين بالصراع العربي- الصهيوني، وسبل حسمه، وكيفية العمل على حسمه بما يؤمّن الحدود الدنيا من مصالح الأمة وأبنائها على المدى القريب.
3- إن المقاومة الوطنية في لبنان وعلى رأسها حزب الله، استطاعت بأساليبها الخاصة وإمكانياتها الضئيلة، وبالتأييد والدعم النسبيين اللذين يتأتيان لها، استطاعت أن تجبر العدو الصهيوني على الانسحاب من مواقع حصينة، والاعتراف بقرارات دولية لم يكن يعترف بها -القرار 425- والتفكير الجدي بالانسحاب من أراض احتلها، وهو الذي لم يعتد على ذلك؛ ودخلت نداً له في اتفاق نيسان، وهي القوة التي لا تملك سوى الإيمان بالحق والاستعداد للتضحية، والكاتيوشا التي لا تعادل صواريخ كروز توما هوك وطائرات فانتوم E16 وحوامات الأباتشي.
وأن هذه المقاومة التزمت باتفاق نيسان أكثر مما التزمت به قوى الكيان الصهيوني، ولم تنهزم في المواجهات الأخيرة، ولم تذعن لتهديد الدموي باراك، وصاحب الغباء النازي الذي يهدد بحرق تراب لبنان /ديفيد ليفي/، بل اختارت بذكاء أن يكون ردها في وقت مناسب جداً ومؤثر جداً، لأن المستعمرين الإسرائيليين هجروا المنطقة إلى عمق فلسطين المحتلة خوفاً، وبقاء بعضهم في الأوكار لا يسوِّغ إطلاق الصواريخ في الفضاء.
واستطاعت أن تثبت للعرب والعالم، وللعدو الصهيوني بالتحديد، أن المقاومة حق، وأنها قدر الشعوب التي تتعرض للعنصرية وهمجية العدوان، وأنها طريق الحرية والتحرير.. وأن خياراتها باقية ومستمرة، وحساباتها لن تتأثر إلا بما يحقق نتائج أفضل على طريق أهدافها الثابتة.
إن رسالة "الكاتيوشا" مستمرة، وأن توقيت إطلاقها منوط بحسابات لا يتحكم بها جدول العدو وبرنامجه.
لم تنته المقاومة ولن تنتهي، ولم يتوقف التأييد لحزب الله ولن يتوقف، ولم تنته معركة الجنوب.. ولن يختمها على نحو مذلّ برنامج إرهاب الدولة الصهيوني المدعم بكل قوة الولايات المتحدة الأميركية الراعي الأول للإرهاب في العالم.
- إن لبنان لن ينقسم على نفسه، ولن يكون ضد المقاومة الوطنية من أجل تحرير أرضه، وأن العملاء وحدهم عبر التاريخ هم الذين يؤيدون المعتدين ضد شعوبهم وأوطانهم، ويقدمون الحجج والذرائع لدعم العدوان وتفعيل آثاره.. ولن يحكم على هؤلاء إلا بوصفهم أعداء لشعوبهم وأوطانهم، وخارج دائرة التاريخ المضيء الذي يلتزم الناس فيه بالحق والعدل والحرية والانتماء لحقائق الحياة، وحقائق التاريخ.
- إن تلازم المسارين والمصيرين بين سورية ولبنان لن يتأثر، وأن المفاوض السوري لن يتراجع عن ثوابته التي أعلنها وأكدها في كل مراحل التفاوض وعلى رأسها الانسحاب التام حتى حدود الرابع من حزيران، وعدم الاستجابة للمطالب الصهيونية وبالتعامل مع المقاومة بوصفها إرهاباً، أو بالعمل شرطياً على حدود الاحتلال الصهيوني لحماية مستعمريه وجنوده.
صحيح إن اختلال موازين القوى لمصلحة العدو الصهيوني وحليفه الأميركي يمنع سورية من التدخل العسكري لمصلحة لبنان، لأن المغامرة والمقامرة لا تمتان بصلة للتبصر والحكمة والحسابات السياسية الدقيقة. ولكن عدم التدخل العسكري لا يعني بحال من الأحوال التخلي عن المسؤولية وعن تلازم المسارين، وأن تفاوضاً ما يدور ضد لبنان أو على لبنان كما يحلو لأبواق العدو التاريخي للأمة العربية أن تذيع.
هناك رسالة هامة مستنتجة من هذا كله أرى ضرورة الإشارة إليها، وهي تتعلق بالموقف العربي الذي يمكن أن يشكل رافعة آنية وبديلاً أو بداية على مسار إيجاد البديل لهذا التهافت والتآكل في الموقف العربي الذي ينعكس سلبياً على الأوضاع والمصالح والحقوق والثوابت العربية جميعاً.
إن موقفاً عربياً بسيطاً مثل وقف كل أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني، وسحب السفراء- ولو مؤقتاً، ولو للتشاور- من قبل دول عربية لها سفراء لديه، وسحب ممثلي المكاتب المتبادلة بين دول عربية والكيان الصهيوني؛ إن مثل هذا الموقف البسيط قد يكون له تأثير محدود على العدو في مجال حساباته العدوانية وممارساته الدموية وإرهابه المستمر.
هل نطلب فوق ما يستحق لبنان وما تستحق سورية.. وما تستحق الأمة من بعض دولها وأبنائها يا ترى؟! هل تجاوزنا الحد الذي يجعل "دولة" مثل "إسرائيل" صديقة لعرب لا يلتفتون إلى تاريخ يربطهم بالعروبة والعرب؟! إذا كنا قد فعلنا ذلك فالعذر كل العذر من أصدقاء شمعون بيريس الذي قال في دافوس قبل أيام:
"إن إسرائيل دولة غنية ومتقدمة في محيط فقير وقذر.. الخ..."
شمعون بيريس الذي يجد حلفاء له بين العرب -للأسف- يتحرون الصدق والمصداقية مع كيانه وعدوانه ومشروعه الموجه ضدهم، في حين لا تجد المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال ولا المقاومة اللبنانية.. ولا لبنان ولا سورية.. ولا من يرفض عنصرية الصهيونية وممارساتها النازية.. من أولئك حليفاً أو متفهماً أو محايداً ينظر للأمور بحس العدل والموضوعية.
إن تحيةً واجبة علينا لحزب الله على جهاده وجهوده، وموقفاً مؤيداً للبنان وشعبه وحكومته ورئيسه مما هو أكثر وجوباً؛ لأن هذا البلد تحمل عن الأمة ما لم يتحمله قطر عربي آخر.
وإن إدانةٍ معلنة واجبة وضرورية أيضاً للنازية الجديدة التي تمثلها العنصرية الصهيونية وقواها المحتلة للبنان والجولان وفلسطين، تلك العنصرية التي تؤكد في كل المناسبات طبيعتها الفاشية وإن إلغاء القرار /3379/ الذي يساوي الصهيونية بالعنصرية كان خطأً تاريخياً من الأمم المتحدة.
دمشق في 10/2/2000
الأسبوع الأدبي العدد 696
|