صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

بين استئناف المفاوضات أو استئناف القصف

هناك محوران ظاهران في الكلام السياسي حول المرحلة الثالثة من المفاوضات المستأنفة على المسار السوري ـ الإسرائيلي: محور يظهر التشاؤم ويحاول أن يبحث عن أسباب ومشاجب يلقي عليها المسؤولية ويحملها لأحد الطرفين. ومحور يظهر التفاؤل ويعِد باستئناف الجولة الثالثة قريباً / في نهاية شهر شباط ـ فبراير الحالي أو في مطلع آذار ـ مارس القادم/ ويسعى إلى التمويه لينمو الفطر في الظلام ولتكون المفاجأة التي تتلخص بإعداد أشمل وأدق وإنجاز أسرع لاتفاق على المسارات: السوري ـ الإسرائيلي ، واللبناني ـ الإسرائيلي، وحتى الفلسطيني الإسرائيلي في " تفرده وانفراده" !؟!.‏

وكل من يدخل على خط محور من المحورين: المتشائم أو المتفائل، أو على أحدهما يؤكد أن تسعين بالمئة من موضاعات التفاوض التي تم إنجازها، كما قال الرئيس الأميركي بيل كلنتون، لا تستطيع أن تذوب أو يزول تأثيرها أمام 10% مما هو متبقٍ، فهل تتفتت التسعون بالمئة وتنهار أمام العشرة بالمئة المتبقية يا ترى، أم أن قمة جبل الجليد الظاهرة تعطي مؤشرات مغايرة ومخاتلة لما هو مستقر أو مستمر الحركة تحت سطح الماء!؟‏

من الواضح أن اضطراباً في الرأي والموقف يعصفان بالطبقة السياسية في الكيان الصهيوني، حاكمة ومعارضة، فهناك من يدعو إلى وقف المفاوضات كلياً مع سورية، والانسحاب فوراً من جنوب لبنان من طرف واحد، والتوجه نحو استخدام القوة لضرب حزب الله ، والمدنيين اللبنانيين لا سيما في الجنوب والبقاع، وضرب البنية التحتية في لبنان والمصالح السورية والقوات السورية فيه. وهناك من يريد الانسحاب من جنوب لبنان باتفاق مع سورية ولبنان عبر استئناف المفاوضات بينهما، مع استجابة لمطالب سورية، محافظة على ما تم إنجازه مع دول عربية وعلى مسارات عربية أخرى؛ ومعالجة موضوع المقاومة في جنوب لبنان بمشاركة عربية تفرضها الاتفاقيات التي تم ويتم التوصل إليها.‏

إن ضغط الشارع الصهيوني لم يعد يترك مجالاً لأي سياسي " إسرائيلي"/حاكم أو معارض/ لمناقشة قضية الانسحاب أو عدمه، فالكل يجمع على ضرورة الانسحاب، ولكن : كيف ومتى وبأية شروط؟! لأن الخسائر التي ألحقها حزب الله بجنود الاحتلال الصهيوني وبجيش العملاء المتعامل معه المسمى " الجنوبي " ، جعلت أشد التوسعيين العنصريين يقول بضرورة الانسحاب الفوري من لبنان.‏

فقد قال إبراهام بورغ رئيس الكنيست أمام منظمة : أمهات أربع من أجل الخروج من لبنان: " إن الجيش الإسرائيلي ما كان يجب أن يوجد في لبنان، وأن اللحظة التي دخل فيها الأراضي اللبنانية كان عليه أن يخرج منها فوراً"، وقال بالانسحاب الفوري كذلك وزيرا دفاع سابقان هما: موشيه آرنز وإرئيل شارون الذي ينطق اليوم باسم المعارضة، وأكثر وزراء حكومة باراك، وقال به عسكريون ومدنيون، وقال به رئيس الكيان الصهيوني ذاته، وقالته منظمات وصحافة ..إلخ/ والتعجيل بالانسحاب فرضته الخسائر بالأرواح، وفرضه رعب الجنود الصهاينة الذين قالوا: " إنهم لم يعودوا قادرين على حراسة المواقع العسكرية الإسرائيلية التي أصبحت مراكز موت وانتحار" ورغبتهم في الخروج من الجنوب، لا سيما بعد أن تم تحديد موعد للانسحاب من جانب باراك في أثناء حملته الانتخابية عام 1999 وفرضه ضغط الشارع؛ لأن الرعب الذي يجتاح عناصر جيش الاحتلال، وهو ما وصل أو تم إيصاله إلى كل بيت في فلسطين المحتلة بشكل مقصود ـ لا سيما بعد عمليات دبل والرادار والعزيَّة ـ لاستثماره بشكل مدروس عند طرح موضوع الانسحابات والاستفتاءات المقبلة، ذلك الرعب جعل وزير الدفاع ورئيس الحكومة باراك يقول: " ما من فائدة في إقناع الشباب بالقتال". والعدو اليوم يستعد للانسحاب من مواقع رئيسة منها: موقع " بركان " قرب رأس الناقورة وموقع "ستيبوران" قرب المنارة، وفق خطة " أفق جديد " التي وضعها للانسحاب من الجنوب ورصد لها مليار ومئتي مليون شيكل، أي ما يعادل 350 مليون دولار تقريباً.‏

وتبقى المسألة معلقة بين:‏

1 ـ انسحاب عاجل ومن دون اتفاق يجعل العدو في وضع المنهزم من جهة والمقبل على معركة جديدة من جهة أخرى، معركة لا يعرف متى تنتهي وكيف، وسوف تعرض مستوطنيه في شمال فلسطين المحتلة للقصف وتجعلهم رهن الملاجئ .‏

2 ـ انسحاب باتفاق من سورية ولبنان عبر استئناف المفاوضات ، وهذا يتطلب الاستجابة لشرط سورية: الإعلان عن الاستعداد للانسحاب حتى حدود الرابع من حزيران ورسم الحدود في ضوء ذلك، وهو يتضمن عودة الحمة وبانياس والحدود الشمالية الشرقية لبحيرة طبريا، مع ترتيبات أمنية يتفق عليها وعلاقات طبيعية تحدد مواصفاتها.‏

إن العدو يضع على طاولة البحث الداخلية عدة اختيارات واحتمالات، ويلعب الجانب الأميركي دوراً مؤثراً في ترجيح اختيار على آخر، لأنه ليس خارج تلك الطاولة بأي حال من الأحوال؛ إنه يضع خلاصات وتجارب سابقة، ويجرب عملياً ويستخلص النتائج مما يجربه، إنه يضع احتمال العودة إلى سياسة فصل المسارين اللبناني والسوري أحدهما عن الآخر. وقد استخدم القوة وضرب البُنى التحتية عملياً في : " الجمهور وبعلبك ودير نبوح" ، ليجبر المستوى الرسمي اللبناني ، تحت وقع الضربة والخسارة والتهديد المستمر بحرق تراب لبنان، ليجبره على التفكير بالتصرف من جانب واحد ، مادام الشريك السوري لا يدخل المفاوضات التي تقرب ساعة الانسحاب ـ وفق الشروط الإسرائيلية ـ ولا يدخل المعركة لحماية لبنان ومنشآته، ولا يستطيع أن يحقق قاعدة دفاع أرضية قادرة على منع العدو من تنفيذ مهامه القتالية ، بَلْهَ ردعه وهو في سماء لبنان وفي أرضه المحتلة. ووضع المستوى الشعبي اللبناني أمام واقع المعاناة والتهديد والخسارة ومنطق القوة ، ليقوم هذا المستوى بالضغط على المستوى الرسمي لاتخاذ خطوات من شأنها أن تجنب لبنان ويلات الحرب القادمة أو بعض تلك الويلات.‏

ويستند هذا الطرح إلى قوى وقاعدة مبثوثة في مواقع إعلامية وسياسية و " اجتماعية" محدودة جداً، تطرح منطق العدو وتنميه وتدعوا إلى العمل بـ" واقعية" انهزامية وبـ " حرص " على لبنان يفصله عن محيطه وانتمائه وتاريخه العربي!؟، وتعزف على أوتار الحس الوطني المرتبط باستقلال القرار والإرادة والسيادة؛ وكأن لبنان قد جرِّد من ذلك!؟ ومن الواضح أن ميشيل عون ومن هم على شاكلته وبطانته، وأنصار جيش العملاء المسمى " الجنوبي" الذين يتسللون إلى الساحة بمنطق يبدو أنه ينبثق من الداخل؛ من الواضح أن أولئك ومن ترتبط مصالحهم بالوجود الصهيوني وبانتماء لبنان لغير محيطه العربي، يشاركون العدو في طرح مثل هذا التوجه، ويبادرون هم إلى إثارة قضايا ومشكلات تساعده على أن يستثمرها لمصلحته لتنفيذ استراتيجيته.‏

إن هذا النوع من الخيارات سقط للمرة الألف بعد المئة، وربما أيقنت الولايات المتحدة الأميركية قبل الكيان الصهيوني، الآن وبشكل نهائي، أن هذه الطريق غير سالكة ومن الصعب أن تكون سالكة في يوم من الأيام؛ فترابط المسار والمصير، كما يقول اللبنانيون والسوريون، مستمر وقوي ولا يمكن اختراقه، ومن ثمة فالجولان السوري المحتل مرتبط على نحو عضوي مع جنوب لبنان المحتل، ليس في واقع الجغرافية والتاريخ فقط وإنما في الاقتناع الوجداني والعقلي العميق، وفي جبهة المقاومة التي لا ترى أن انسحاباً من جنوب لبنان كله يشكل نهاية من أي نوع لأعمالها، فالجولان أرض عربية محتلة كما الجنوب أرض عربية محتلة، وكل من الجولان وجنوب لبنان أرض عربية احتلت على طريق القضية المركزية، قضية فلسطين، وليست مرجعيون أو مجدل شمس أو بانياس أكثر أهمية وقدسية من القدس ومدن فلسطين وبلداتها. وما دامت الأرض المحتلة أرض عربية إسلامية فإن مواجهة الاحتلال مسؤولية عربية إسلامية. وأن تتحمل جبهة في مرحلة ما من مراحل الصراع أكثر من جبهة أخرى فذلك من طبائع الأمور ومقتضيات التحرك والعمل المرحلي، وهو قضية تهم الداخل العربي وهو الذي يعالجها بما يحقق استراتيجيتي عمل وأمل متكاملتين. ولا يوجد شك من أي نوع لا بين الأطراف العربي المعنية بهذا الموضوع على المسارين، ولا في موضوع الإخلاص لقضية التحرير والقضية الفلسطينية، بين اللبنانيين والسوريين والكثرة الكاثرة، التي تمثل الشعب العربي الفلسطيني تمثيلاً صحيحاً وسليماً.‏

وقد قدم طلبة الجامعات اللبنانية يوم الخميس / 19ـ 2ـ 2000 / رداً ملائماً على الرسالة التي وجهتها كل من الولايات المتحدة الأميركية و" إسرائيل" للسوريين واللبنانيين بالطائرات والقنابل والحقد النازي الأسود، ومفاد تلك الرسالة باختصار شديد : نحن نرفض التواطؤ الأميركي الإسرائيلي ضدنا ونعي أهدافه، ولن نستسلم لمنطق القوة العدوانية الهمجية ومشروعها العنصري، وشعبنا اللبناني متماسك ومؤيد للمقاومة في الجنوب التي تمثله وتنبثق منه وتخوض نضالاً مشروعاً ضد الاحتلال ، وأن المسارين اللبناني والسوري متلازمان شعبياً ورسمياً ونضالياً ومصيرياً.‏

وأظن أن على الوزيرة مادلين أولبرايت أن تقرأ الرسالة الطالبية جيداً وأن تنقلها للرئيس كلنتون بأمانة ودقة شديدتين. وأنه لا يكفي أن يعبر جيمس روبن عن تراجع في الموقف الأميركي حيال العدوان الإسرائيلي الهمجي على لبنان ويلمح بخفر شديد لعدم الموافقة عليه ، بعد أن أعلنت " إسرائيل " أنها أعلمت الولايات المتحدة مسبقاً بغاراتها على لبنان، وأعلنت الأصوات الأميركية المسؤولة : كلنتون وألبرايت عن تفهمها لما قامت به إسرائيل ، وأنه رد فعل على ما يقوم به حزب الله في ضد الجنود الإسرائيليين!؟ إن عين الرضا عن كل عيب كليلة كما يقول الشعر ، فكيف إذا كانت العين الأميركية في هذا المجال متواطئة ومتآمرة ومتحالفة مع الفعل الصهيوني وممارسات النازية الجديدة، التي تهدد بحرق تراب لبنان، وتتخذ القرارات التي من شأنها تصعيد الأوضاع إلى ما يرقى إلى إعلان حالة الحرب، وذلك بعد أن خوَّل مجلس وزراء الكيان الصهيوني باراك ووزيرين آخرين من وزراء حكومته باتخاذ القرارات المتعلقة بشن هجمات على لبنان والمصالح والقوات السورية في لبنان، ونادى شاؤول موفاز ، رئيس أركان جيش الاحتلال، علناً : " أنه سيوصي بضرورة الرد على عمليات إطلاق النار التي يقوم بها حزب الله من القرى ويضرب حزب الله بحزم كلما أصاب الجنود الإسرائيليين. " وهو بهذا يعلن عن استعداد الجيش لقصف المدنيين اللبنانيين في قرى الجنوب والبقاع. " وعد الاكتفاء بتدمير البُنى التحتية للحياة المدنية والاقتصاد اللبناني. وهذا مسار يؤكد النازية الصهيونية السابقة، كما يؤكد على دعوة أصواتها الجديدة التي تهدد بحرق تراب لبنان!؟‏

وربما يكون باراك قد عبر عن طبيعته أو أنه وقع تحت تأثير شارون واستجاب لمطالب اليمين المتطرف عندما شن هجوماً وحشياً ودمر البُنى التحتية اللبنانية في مجال الطاقة الكهربائية وكاد يغرق في "قانا" جديدة؛ ولكنه في مواقف ومجالات عدة يبدو متذبذباً بين توجه نحو استئناف المفاوضات وفق الصيغة التي تطالب بها سورية: " إعلان الاستعداد بالانسحاب حتى خطوط الرابع من حزيران" ورسم الحدود وفق هذه القاعدة مع ما تحتِّمه الجغرافية من مراعاة لعوامل معينة، وبين منطق أقرب إلى الطبيعة الصهيونية التي يمثلها، أي استخدام القوة وممارسة العدوان والتهديد بالعدوان على أوسع نطاق لحسم قضايا معلقة.‏

ونحن أمام أقوال ومواقف وقرارات تشير بوضوح إلى هذا التذبذب الذي يمكن أن يكون مؤشراً سلبياً أو إيجابياً، فيما يتعلق بالمفاوضات المعلقة ومساراته، إضافة إلى ما يتعلق بالطبيعة الصهيونية ويعبر عنها خير تعبير وهو مجال الغدر وضرب المسارات العربية والقوى العربية بعضها ببعض. ومن المفيد أن نقف على المؤشرات الآتية ونحسِن قراءتها:‏

قال إيهود باراك المحبَط بكل الأشكال كما وصفته جريدة معاريف :‏

ـ " إنه لم يفهم سلوك الرئيس / حافظ الأسد/ وأنه بدا غريباً بالنسبة إليه أحياناً وعلى رغم ذلك ينوي القيام بمحاولة أخيرة لاستئناف المفاوضات " / عن معاريف / وقال باراك أيضاً، خلال لقائه يوم 15 شباط ـ فبراير الجاري، مع أفراد وضباط من الجيش الإسرائيلي : " إنه ما من جدوى من العناد مع الرئيس / حافظ الأسد / حول مئات من الأمتار / إذاعة العدو يوم 16 شباط بين الساعة السادسة و45 دقيقة والسابعة صباحاً/ وقالت معاريف في ضوء ذلك : " إن رئيس الوزراء يلمِّح إلى إمكانية الموافقة على طلب دمشق العودة إلى حدود الرابع من حزيران. "‏

فهل نحن أمام استعداد لجولة ثالثة من مفاوضات شيبردز تاون ، تواكبها ولو بشكل متأخر قليلاً جولة مفاوضات على المسار اللبناني ـ الإسرائيلي" !؟ وإذا ما حصل ذلك فإنه سيكون مدروساً بشكل يفضي معه إلى اتفاق، كانت مسوَّدته الأولى التي وضعتها الإدارة الأميركية، مع الاعتراضات التي عليها، قد سربت إلى الإعلام ونشرت في ها آرتس الصهيونية ومن ثمة في السفير اللبنانية؟!‏

أم أننا أمام مأزق حقيقي دخلته المفاوضات ولن تخرج منه، وأن ما تحاول الأطراف المعنية إنقاذه الآن هو تفاهم نيسان الذي يريد العدو الصهيوني أن يحوله إلى تفاهم مع الحكومة اللبنانية وسورية ليضعهما ، بموجبه ، حارسين لقوة الاحتلال وشرطيين يلاحقان المقاومة اللبنانية ويؤسسان لتآكل القوى العربية داخلياً في المنطقة : دول تلاحق مقاومة للاحتلال وتعمل على تجريدها من السلاح بحجة حماية "السلام" والتمهيد له!؟ أياً كان هدف العدو ، وهو غير نظيف وغير موثوق ولا يمكن أن يُركَن إليه، فإن الثابت أن سورية ولبنان لن يقعا في فخ من هذا النوع ، لأن توجههما المبدئي دعم المقاومة المشروعة ضد الاحتلال وتفعيلها مادام قائماً ، فكيف وهو يمارس أشد أنواع التدمير الهمجي على لبنان وعمرانه، ويستمر في قصفه اليومي لقرى الجنوب ، ويعد العدة لما هو أسوأ تمشياً مع منطقه، ومع ما يتلقاه من تأييد ودعم أميركيين؟!‏

إن الأسابيع القليلة القادمة، إن لم أقل الأيام القليلة القادمة، ستحمل لنا فصل الخطاب بين استئناف المفاوضات أو استئناف القصف، وعلينا أن نعد لكل أمر عدته.‏

دمشق في 19/2/2000‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244