|
قمــة جنيف *
أعلن الرئيس كلنتون يوم الاثنين الماضي من "داكا" عاصمة بنغلادش، أنه سيلتقي الرئيس حافظ الأسد في جنيف، يوم الأحد السادس والعشرين من آذار الجاري؛ وهذا لقاء منتظر، بدأت التلميحات لعقده منذ أسابيع، وأصبح شبه مؤكد منذ زار وزير خارجية سويسرا جوزيف ديس دمشق في / 1 آذار 2000 / يرافقه وفد برلماني ضم رجال أعمال، ليبحث هذا الموضوع إضافة للعلاقات الثنائية بين البلدين؛ وقد قال جوزيف ديس آنذاك في دمشق:" إن الهدف من الزيارة الإطلاع على وجهة نظر السلطات السورية من عملية السلام المجمّدة، بالإضافة إلى تعزيز العلاقات الثنائية".
في ذلك الوقت تم تلميح إلى لقاء ثلاثي بين الرئيس الأسد والرئيس كلنتون وباراك، وهو لقاء بدا مطلوباً منذ بدايات " شيبردز تاون"، ولكن لقاء بين الرئيس الأسد ورئيس وزراء العدو الصهيوني مستبعد، فيما يبدو لي، إلا إذا أدت المفاوضات إلى اتفاق، واستلزم الاتفاق توقيعاً احتفالياً في البيت الأبيض، كتلك الاحتفالات التي يتعلق بها الرئيس الأميركي بيل كلنتون، ويعلق عليها الآن أهمية شخصية له وانتخابية لمصلحة نائبه آل غور؛ وأصبح الموقف يقتضي أن يقوم الرئيس الأسد بتلك المهمة، التي لا تسره على الإطلاق فيما أقدِّر!؟
ومن المعروف أن هذا المطلب " الإسرائيلي" تم التصريح به مراراً وتكراراً من باراك وسواه ومن شخصيات صهيونية وأميركية مسؤولة، وكان وراء كثير من التحركات الأوربية، ومنها زيارة وزير خارجية سويسرا لسورية؛ ومازال الإعلام الصهيوني يردده ويؤكد على ضرورته في نهاية المطاف . وربما كان هذا ما عناه مستشار الأمن القومي الأميركي الصهيوني صمويل بيرغر في قوله للصحافيين:" إني لا أتوقع نتيجة فورية للقاء، لكني آمل أن يؤدي إلى تحريك العملية قدما.. ولا يمكن تحريكها قدما من دون لقاء وجها لوجه مع الأسد" ، مشيراً إلى أن هذا ما عناه كلينتون بالخطوة المنطقية التالية، أي بعد استئناف المفاوضات على المسار الفلسطيني في إطار المرحلة النهائية .
وكما قال الوزير الشرع :"بطبيعة الحال إن هذا الاجتماع هام ويكتسب أهمية خاصة بسبب توقف عملية السلام على المسارين السوري واللبناني، ونأمل أن تحقق هذه القمة بين الرئيسين الأسد) وكلينتون) استئناف محادثات السلام على الأسس التي قامت عليها في مؤتمر مدريد، وأيضا متابعة القضايا التي أظهرت فيها الحكومة الإسرائيلية في شيبردزتاون) موقفاً لم يساعد على انطلاق عملية السلام، ونأمل أن يكون اللقاء بين الرئيسين مناسبة هامة لفتح ملف عناصر السلام كافة التي تساعد على إقامة سلام عادل وشامل وخصوصا على المسارين السوري واللبناني، ونتمنى أن تنجح كل المسارات في تحقيق الهدف المنشود."
إن لقاء جنيف هام ليس من حيث موضوعه وأهدافه فقط وإنما من حيث توقيته وظروف انعقاده، ومعاني غيابه أو إخفاقه، ومن حيث التطورات الحاصلة في المنطقة أيضاً، ومزامنته لتحركات مدروسة وربما مقصودة، منها: استئناف المفاوضات على المسار الفلسطيني، وزيارة بابا الفاتيكان إلى فلسطين المحتلة ودعوته للسلام، واجتماع وزراء خارجية الدول العربية في بيروت وبيانهم التضامني مع المقاومة ، الذي أعقب العدوان الهمجي على لبنان وتصريح ديفيد ليفي في خطابه النازي أمام الكنيست الصهيونية، المعروف بخطاب : " الدم والنار وحرق تراب لبنان وقتل الأطفال"، الذي كشف حقيقة الصهيونية وعن روح نازية جديدة أحرجت بعض الإسرائيليين وحلفاءهم الغربيين، أميركيين وغير أميركيين ... إلخ
في لقاء جنيف القادم كل شيء متوقع وكل شيء ممكن في الظروف الراهنة، ولكنني ممن يذهبون إلى القول إن هذا اللقاء سيحقق أهدافه، وليست كلمات الرئيس كلنتون من دون مدلول عندما يقول " إن الصفقة أصبحت وشيكة... إن الرئيس حافظ الأسد نادراً ما يغادر الأراضي السورية، وهو لا يضيع وقته، وأن لقاء جنيف لم يكن ليتم من دون أن يكون للرئيس سبب مهم لحضوره". وهذا كلام دقيق وما وراءه شفيف تماماً؛ فما كان لهذا اللقاء أن يُعلن عن انعقاده أصلاً إلا على أرضية التوصل إلى اتفاق على كثير من التفاصيل القضايا المتعلقة بموضوع انعقاده وأهمها:
1 ـ المفاوضات على المسار السوري ـ الإسرائيلي التي توقفت في شيبردز تاون/ 10ك2 2000/ وتلك المرتبطة بها على نحو عضوي ، أعني المفاوضات على المسار اللبناني ـ الإسرائيلي.
2 ـ العلاقات بين الجمهورية العربية السورية والولايات المتحدة الأميركية، في ضوء التوصل إلى اتفاق على المسار السوري الإسرائيلي، ومستقبل سورية، والدور السوري في المنطقة من منظور كل من الطرفين: سورية والولايات المتحدة الأميركية، والمتغيرات التي تواكب عملية التسوية أو تنتج عنها.
لا أظن أن قمة جنيف يمكن أن تخفق، لا سيما فيما يتعلق بالإعلان عن استئناف المفاوضات على المسار السوري ـ الإسرائيلي ومعه اللبناني هذه المرة، فكل التفاصيل تم بحثها من خلال الاتصالات، التي لم تنقطع، بين المتفاوضين عبر الإدارة الأميركية، ومن تكلفهم تلك الإدارة أو يقومون بمهمة ما بالتنسيق معها حول أمر من الأمور المتعلقة بالمفاوضات على المسار السوري ـ "الإسرائيلي"، سواء أكانوا أوربيين أم عرباً.
وقد كانت هناك تحركات عربية لا فتة للنظر في الإطار ذاته ومن أجل تحقيق الهدف ذاته، قام بها مسؤولون عرب في أعلى درجات المسؤولية في بلدانهم؛ بعد تحرك منسق لمن هم أدنى منهم درجة في المسؤولية، كان يهدف إلى تعزيز ثقة المفاوض السوري بأمته، والإيحاء بإمكانية قيام ثقة على أساس من الاهتمام الأميركي المؤكد.(1)
وتمت تعمية دبلوماسية وإعلامية "ملائمة" خلال الأسابيع الماضية، جعلت قطع الثلج المدوِّمة في تيار السياسة ورياحها الباردة تغطي عيون العصافير والبواشق المحوِّمة في فضاء هذا المسار المضطرب فتمنعها من الرؤية؛ حتى تمكنَّت الجهات المعنية من إنضاج وجهات النظر وبلورتها حول الموضوعات التي كانت مثار خلاف في "شيبردز تاون"؛ كما أنضجت ساحات معينة وشخصيات وظروفاً، ومُهد الطريق أمام تحركات من شأنها أن تجعل الرأي العام الصهيوني على الخصوص ـ فالرأي العام العربي غائب أو مغيب أو مستقيل ـ مستعداً لتقبل النتائج التي سوف يسفر عنها التفاوض، على الرغم من تقديم سلفان شالوم لمشروع قانون عنصري حول ما يسمى الاستفتاء على الانسحاب من الجولان وتصويت نواب من التحالف الحاكم ـ شاس على الخصوص ـ إلى جانب المشروع في القراءة الأولى له. ومن ذلك الذي تم: تسريب تصريح باراك في جلسة مجلس الوزراء بأن وديعة رابين صحيحة، وأن أربعة رؤساء لحكومات " إسرائيلية" وافقوا على مبدأ الانسحاب من الجولان حتى حدود الرابع من حزيران على أرضية اتفاق مع سورية؛ مع وجود تفاوت في بعض التفاصيل فيما بينها. والإعلان عن هذا يعني تأكيد المبدأ والعودة بالأمور إلى ما بعد حرب حزيران 1967 مباشرة حين قررت الجهات الصهيونية وأعلنت: أن الأرض المحتلة رهينة لإطلاق الاعتراف العربي بالكيان الصهيوني. وهو ما قضت عليه الأحزاب الدينية والمتطرفون اليمينيون الصهاينة لاحقاً.
وقد تم التوصل، عبر الاتصالات الرامية إلى استئناف المفاوضات على المسار السوري " الإسرائيلي"، التي أشرفت عليها الولايات المتحدة الأميركية ، تم التوصل حسب تصريح صهيوني إلى:
" ...نعم للانسحاب على أساس خطوط الرابع من حزيران. نعم لتواجد إسرائيلي مؤقت فقط في جبل الشيخ، نعم لصفقة تبادلية: الحمَّة للسوريين وطبرية لإسرائيل.".
صحيح أن سورية لم تحصل على وثيقة خطية من باراك تؤكد الانسحاب، ولكنها مطمئنة إلى أنه قدم شيئاً من ذلك للأميركيين، والضمانات الأميركية بهذا الخصوص سبقت استئناف المفاوضات في " شيبردز تاون" وسوف تقدَّم رسمياً لسورية في لقاء جنيف، بعد أن تم الإشعار بحصولها بأكثر من طريقة ـ حتى عبر تصريحات مراوغة لباراك ذاته من مثل : إننا لم نقدم أي تعهد للسوريين، وهو يعني أنه قدمه عبر الأميركيين ـ وبعد أن عزز عرب بأشكال مختلفة هذا الأمر ، ربما بنخوة حركها التلميح ، أو بتكليف أميركي صريح.
الانسحاب الإسرائيلي من الجولان حتى حدود الرابع من حزيران، ورسم الحدود في ضوء ذلك الانسحاب ، حقيقة واقعة الآن، ولكن كما قلت منذ شهور، فإن خط الحدود الجديد سوف يمر في بعض المناطق بين حدود تقسيم الاستعمار الفرنسي البريطاني لبلاد الشام ـ خطوط 1923 ـ وخطوط الرابع من حزيران، في إخراج "تجميلي" يجعل أقدامنا على بعد عشرة أمتار من بحيرة طبرية ونصطاد السمك بسواعد طويلة!؟ وبعد تسرب ذلك أو تسريبه أقام بعض الصهاينة، في الأيام القليلة الماضية، ما يشبه " تمثالاً" قرب بحيرة طبرية يصور الرئيس حافظ الأسد وهو يصطاد السمك من البحيرة.
إن رسم الحدود بشكلها النهائي مهمة تقوم بها لجان مختصة، وسوف يسوَّغ ويسوَّق ما تتوصل إليه على أساس أن حدود الرابع من حزيران حدود قتالية وليست حدوداً دولية ثابتة. ولكن معالم تلك الخطوط ـ المواقع، واضحة تماماً على كل حال، ويؤشر عليها مدى المدفعية السورية التي كانت مقامة في المواقع المشرفة على البحيرة من 1 إلى 5و1 كم. ومن الطبيعي والمنطقي أن العدو كان أبعد من مدى تلك المدافع ولكن زوارقه كانت في البحيرة التي لم يكن لنا زوارق حربية فيها . وهذا يعني أن مفهوم حدودنا في هذا الإطار الجغرافي "العملياتي أو العملاني" الضيق كان يشمل جزءاً من ماء البحيرة وشطها الشمالي الشرقي وسمك المياه العذبة.
تبقى الأسئلة المتعلقة بالتطبيع والمياه والترتيبات الأمنية... ببحيرة طبرية ومرصد جبل الشيخ ومنابع نهر بانياس ونهر اليرموك وروافده، وبالمناطق المنزوعة السلاح والمخففة السلاح والمسلحة بأنواع محددة من السلاح، وبحجم القوات ونطاق انتشارها...إلخ ـ وهي أسئلة محالة مع طلب أجوبتها على اللجان الفنية المختصة التي سوف تجتمع بعد استئناف المفاوضات لتنجز الاتفاق أو لتخرجه إلى العلن. إنها مسؤولة عن الإنجاز النهائي، وهي سوف تجتمع بتوقيت واحد تلافياً لتكرر مراوغة الجانب الصهيوني التي حدثت في "شيبردز تاون"، وهو إخراج ملائم لعملية شبه منتهية، إذا ما سارت الأمور سيرها المرتقب في جنيف.
ولكن السؤال متصل على نحو ما بأمور منها:
1 ـ التطبيع الذي يرفضه الداخل السوري ، بل العربي كله على المستوى الشعبي على الأقل، ويطلبه الكيان الصهيوني بإلحاح ويشترطه، وهو مما لا يمكن فرضه على الناس.
2 ـ وتعلق الصهيوني بمشروعه التوسعي وبالاستيطان والطمع والنزوع العنصري والممارسة النازية ، واستشعار القوة الباعث على المزيد من الغطرسة، وهو ما يمثله الداخل الصهيوني ويتشبث به...
وهو الداخل " الإسرائيلي" ذاته، كما كان شأنه في السابق بعد "شيبردزتاون"، حيث حال ذلك الداخل دون مواصلة باراك لما كان يعتقد أنه التزامات منتهية ـ كما فعل ذلك الداخل مع اسحق رابين ـ قبل أن يسرّب الوثيقة " الأميركية " للصحافة بهدف التأثير في الشارع "الإسرائيلي"، وإظهار أنه انتزع من سورية الكثير؛ الأمر الذي أحدث الزوبعة المعروفة وأوقف المفاوضات .
فهل باراك اليوم أقدر على تنفيذ التزامات وتنفيذ استحقاقات، أكثر منه قبل "شيبردزتاون" أو بعهدها مباشرة، أم أنه أضعف بكثير!؟ إن الإجابة تستدعي فحص الأمور الآتية :
أ ـ وضع باراك داخل الائتلاف الحكومي، لا سيما بعد خلافات شاس وميريتس الأخيرة، التي نتجت عن تهديد الحاخام عوفاديا يوسيف/ شاس / ليوسي ساريد/ ميريتس/ والتحريض عليه بوصفه "هابيل الشرير الذي ينبغي أن يُمسح ذِكْرُه.، واتهام ذلك الحاخام للعرب ووصفه لهم بأنهم:" أقذر الحيوانات، أو المخلوقات، على وجه الأرض".
ب ـ وضع باراك وحكومته الائتلافية في الكنيست، بعد أن أخذ نواب الائتلاف ووزراء الحكومة التي يرأسها باراك يصوتون ضده أو ضدها بأشكال مختلفة. وهذا الوضع إلى جانب الخلاف شبه المستمر مع "شاس"، قد يدفع باراك إلى التفكير بإعادة تشكيل تحالفاته، ومن ثمة حكومته، فقد يخرج حزب ميريتس من الحكومة التي تحتاج إلى حزب " شاس"، وربما أدخل باراك النواب العرب في التحالف الحكومي. ولكن هذا سيجعله أمام موقف أكثر صعوبة، لأن " شاس " قد ترضى بتحصيل أموال وصلاحيات أكثر لمسؤوليها في الحكومة، أمَّا المزاج الصهيوني المعادي للعرب بشكل مطلق والذي يمارس التمييز ضدهم بشكل معلن، ومنه " شاس"، فما الذي يرضيه أو يصلحه؛ وهو ينطلق في أدائه ذاك استناداً إلى الطبيعة العنصرية للصهيونية، التي تغذيها التربية التلمودية وتعززها الأساطير الدينية والسياسية!؟ وعلينا أن نتذكر مشروع قانون "سلفان شالوم" العنصري المتعلق بالاستفتاء على الانسحاب من الجولان، وموقف ديفيد ليفي، الذي وصفه باراك ذاته بـ " المعتدل"، موقفه من النواب العرب يوم خطاب الدم والنار وقتل الأطفال في الكنيست!؟
ج ـ وضع الاستيطان والمستوطنين والتهويد والوكالة اليهودية ومشاريعها وأهدافها ، ووضع القوى المتطرفة التي تحكم القرار الصهيوني عملياً في هذا المجال، من داخل فلسطين المحتلة ومن خارجها.
د ـ المنافع الصهيونية ـ الإسرائيلية التي سيجنيها الكيان الصهيوني من الاتفاق المنتظر . وهذه تتعلق بأموال وأسلحة وتحالفات وتطبيع عربي شامل، وبنفوذ معلن في المنطقة ، وبمنافع ومطامع أخرى.(2)
هـ ـ وضع جيش لحد العميل، ووقع وضعه وانهياره وتفرقه على التجمعات "الإسرائيلية" من الداخل وعلى المرتبطين به وبدول غربية متعاطفة معه في الخارج. كيف سيوطن أفراده وأين!. وهل يبقون في زوايا من فلسطين ، أم أن مهمتهم، بوصفهم مرتزقة وعملاء، قد انتهت وما عليهم سوى أن يشكروا " إسرائيل" التي أعادت لهم الاعتبار بشرياً حين كلفتهم بخدمتها وبالموت من أجلها، وأن عليهم أن يمضوا الآن إلى حيث لا يعودون إلا في وقت الحاجة إليهم؟!
وإلى جانب أسئلة تتعلق بالموقف الصهيوني تستدعي فحصاً لها وتعاملاً مع معطياتها ومع ما تقدمه من احتمالات ، هناك أسئلة من نوع آخر تطرح نفسها علينا ، شئنا ذلك أم أبينا؛ وهي متصلة على نحو مؤكد ومؤثر بعملية التسوية وبما ينتج عنها، في حال التوصل إلى اتفاق، وأذكر منها:
1 ـ تأثير المقاومة وروحها أو وضعها العام.. هل هي على مشارف وضع أفضل الآن ، لا سيما بعد التضامن العربي مع لبنان، ومعها ضمنياً من خلال لبنان، في أثر العدوان الهمجي الصهيوني على البنى التحتية اللبنانية وتدمير محطات الكهرباء!؟ وهل هناك استعداد لدفع المقاومة عملياً إلى الأمام بما يحقق أهدافاً ويحفظ روحاً عربياً حياً للمستقبل البعيد؟! وهل هناك إمكانية فعلية لإعادة النظر في تطبيع العلاقات مع العدو في ضوء ممارساته العدوانية وتهديداته النازية، كما جاء في بيان وزراء الخارجية العرب!؟ أم أن ذلك الدعم عبارة عن موازنة للروح المعنوية لبنانياً وسورياً من جهات عربية يأتي تحركها في أغلب الأحيان منسقاً مع جهات أخرى من خارج الوطن العربي،أو موحى به بشكل ما ولأغراض آنية!؟
هل المقاومة الآن في وضع معنوي ومادي أفضل ، بعد دخول الصوت الرسمي العربي على الخط ، أم أنها غدت تفكر بطريقة "مسؤولية" لا تحرج الجمع الرسمي العربي الذي يشجع الحلول "السلمية" ويتبناها؟! ذاك الجمع الذي يتضامن مع لبنان ومقاومته ضد القصف الإسرائيلي للبنى التحتية ولا يتضامن معها عندما تُقصَف مواقعها يومياً، كم لا يتضامن معها من أجل التحرير الشامل ليس للبنان المحتل وإنما لفلسطين المحتلة؟!
والوضع في جنوب لبنان بعد الانسحاب باتفاق، إن تم اتفاق، مع مجاوزة لموضوع القرى السبع المحتلة منذ عام 1949 ومزرعة شبعا وشجون إقليم الخروب وشؤونه؛ هل يكون وضعاً هادئاً مع بقاء الإيمان والمقاومة وأهدافهما؛ أم أنه وضع مرشح للانفجار مما يؤهله عملياً للاجتثاث أو يرشحه للاجتثاث؟! وفي حال كان ذلك كذلك هل نصبح على مشارف فتنة من نوع جديد يكتوي العرب بنارها، أو نقف على مشارف ماذا يا ترى!؟
2 ـ ما هو وضع التوطين واللاجئين والحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، وما هو مستقبل مشاريع التصفية النهائية للقضية الفلسطينية، التي هي أساس الموضوع كله!؟ هل أدارت الأمة ظهرها لذلك وأبقته شأناً عرفاتياً وهي تعرف حدود ما اختاره عرفات الذي تحكمه مرجعية أوسلو المعروفة جيداً!؟. وما موقف المقاومين لسلام الاستسلام : لبنانيين وفلسطينيين وعرباً رافضين لهذه المسيرة من ألفها إلى يائها، هل لهم وجود أو لهم غم اللحود وعتمة المهود!؟
3 ـ يبقى أخيراً موضوع فحص المحاولة الأميركية الخبيثة للالتفاف على المقاومة وبقايا سواند الصمود، باستيعاب مناصريها والمؤمنين بمشروعيتها وبأهدافها البعيدة، ورسالتها الشريفة؛ وذلك من خلال تحرك أو تحريك رسمي عربي يضع مرهماً على الحرق ثم يغيب؛ ومن خلال التقارب مع إيران ، ومحاولة إلقاء زهرة مسمومة لها عن طريق جذب سجاد بهي يكوَّم عليه الفستق والكافيار، لكي تتخلى عن دعم المقاومة وتركن إلى دور " حضاري " يزينه لها الراعي الأميركي .. فتلغي دورها الإسلامي وموقفها الجهادي، وتتصالح مع "إسرائيل" ، وتلغي دعمها للقضية الفلسطينية، ما دام أهلها قد باعوها، وتتعامل مع الغرب والصهيونية على أساس من المصالح المتبادلة ، ملغية المبادئ والواجبات الدينية والنضالية والجهادية . فهل تستجيب إيران لهذا الإغراء الذي يمتد ويتمطَّى ملوحاً لها بدور أكبر في الخليج وفي شرق أوسط جديد ترسم معالمه الصهيونية التي تمسك خيوطاً سياسية ومالية وإعلامية واقتصادية في " إسرائيل" وفي الولايات المتحدة الأميركية والغرب الاستعماري معاً؟!
إن فحص هذه الأسئلة وسواها يحتاج إلى عودة أخرى إلى الموضوع ، على أن تلك العودة لن تجعلني خارج مسار الانهيار العربي المر، الذي بدأه السادات في كامب ديفيد أو في "الدفر سوار"، وما زال حبله على الجرَّار!؟ وهو مسار لم ينتج سوى الخسائر والشرور والانهيارات المتتالية والكآبة القومية والضعف المقيم.
فهل لهذا الليل من آخر يا ترى بخيار عربي آخر مشرِّف، يقي أمة من سقوط تاريخي مهين إلى وقت غير معلوم؟! إنني لا أَمَلّ انتظار ذلك الفجر العربي الآتي والتعلق به والدعوة إليه.
والله من وراء القصد.
ـــــــــــ
* عندما أتطرق إلى موضوع المفاوضات وعملية السلام ، وأقدم رأياً في مجرياتهما ، فإن ذلك لا يعني على الإطلاق موافقة عليهما أو قبولاً لهما أو تخلياً عن موقفي المعلن في رفض الاعتراف بالكيان الصهيوني ومقاومة كل أشكال تطبيع العلاقات معه" .
الخميس، 23 آذار، 2000
الأسبوع الأدبي العدد 701
(1) ـ كشفت صحيفة "القرار" السياسية الشهرية التي تصدر في باريس، في عدد مارس أن الأمير بندر بن سلطان سفير المملكة العربية السعودية في واشنطن بحث في دمشق خلال زيارات مكوكية في شباط- فبراير استئناف المباحثات "بضمانات أميركية " حول" جميع النقاط المتعلقة بالمفاوضات العربية ـ الإسرائيلية ".
وقالت "القرار" نقلا عن مصادر دبلوماسية مطلعة إن زيارات بندر المكوكية جاءت بعد أن تبين أن جميع المهمات التي قام بها مسؤولون أجانب إلى دمشق لم تكن كافية لتحريك المباحثات."
جريدة الوطن ـ الدوحة 29/2/2000
(2) وقد غادر "إسرائيل" إلى واشنطن المستشار السياسي لرئيس الحكومة "الإسرائيلية"، تسفي شتاوبر للبحث في رزمة التعويضات التي تطالب بها "إسرائيل" في حال الاتفاق مع سورية، وهي بقيمة 17 مليار دولار وصفقة أسلحة تضم أحدث الطائرات في العالم "أف 22" وطائرات التجسس"أواكس"، وذخائر موجهة بالغة الدقة.. وصواريخ كروز توما هوك ..إلخ
|