|
متى يكون لنا اختيار آخر!؟
" إن أساس المشكلة هو في مطالبة العرب بالعودة إلى حدود العام 1967 الأمر الذي تراه إسرائيل غير مقبول" هذا ما قاله شلومو بن عامي وزير الداخلية في الكيان الصهيوني ؛ وهو قول يلخص الوضع على نحو واضح، وشبه دقيق من وجهة النظر الصهيونية وبلسان صهيوني. ووجهة النظر هذه تنطوي على مجمل الحقائق والخفايا التي تجعل الكيان الصهيوني يناور ويداور كل هذه السنوات على المسارات المختلفة، منذ مؤتمر مدريد حتى اليوم، ولا يصل إلى نتيجة ترضي من يتمسكون بجوهر الحق ومنطق القرار. ولا يرى الصهاينة وأنصارهم التناقض الفاضح والصارخ بين ما يعلنون الالتزام به وما يطبقونه عملياً ، ومع ذلك يلقون من يتبنى أكاذيبهم ويروج لها بوصفها حقائق أو وجهات نظر موضوعية وواقعية صالحة لتكون أرضية لحلول مرضية، لمن يدافع عنها ويطلب التعامل معها انطلاقاً من الحرص على التفاوض والحوار اللذين يقودان إلى تفاهم واتفاق وسلام.
لقد وافق الكيان الصهيوني على القرارين 242 و338 ومبدأ " مقايضة الأرض بالسلام" وهو ما عرف بمرجعية مدريد عام 1991، وأضافت الأحداث إلى ذلك القرار 425 على الرغم من عدم ارتباطه بتلك المرجعية. ويعني الالتزام بذلك كله الانسحاب من الأرض العربية المحتلة عام 1967 بشكل تام، بما فيها القدس .
وفي المفاوضات والإعلانات الديبلوماسية كلها يقر العدو الصهيوني بهذه المرجعية ويقبل النص عليها ، ولكنه عندما ينفذ اتفاقيات أبرمها أو يتفاوض على وقائع محددة بجلاء مما يتصل بصلب تلك المرجعية، يبدأ التملص من ذلك والتخلص منه، ويعود إلى جوهر القول الذي لخصه شلومو بن عامي؛ مطمئناً إلى وقوف الحليف الأميركي معه، وإلى جانبهما الحاشية الأوربية، ومَن أصبحت إرادته مستلبة من دول عربية وأجنبية.
ونحن اليوم أمام فصل من تلك الفصول الفاضحة، وأمام تواطؤ أميركي مكشوف مع العدو الصهيوني يدخل في ذلك المجال. فعندما استؤنفت المفاوضات على المسار السوري ـ الإسرائيلي في "شيبردز تاون" تم التأكيد على مرجعية مؤتمر مدريد، والاعتراف بما سمي " وديعة رابين " إي التعهد بالانسحاب من الجولان حتى حدود الرابع من حزيران 1967 ، وهو أمر أكده رابين حين أشار إلى أن أربعة رؤساء وزارات للكيان الصهيوني منهم : شامير، ورابين، ونتنياهو وافقوا على الانسحاب من الجولان حتى حدود الرابع من حزيران.
وعندما بدأ وضع النقاط على الحروف، وطالبت سورية برسم الحدود على ذلك الأساس ، راوغ باراك وتنكر لوعوده وأخذ يطرح المنطق الاستعماري العنصري، الذي يريد أن ينهش من الأرض ما يستطيع، وأن يجبر خصمه على التنازل عن حقه أو بعض حقه؛ وسواء أفعل ذلك إعمالاً منه لإرادته أو إعمالاً لإرادة غيره من المستعمرين الصهاينة، فإنه إنما ينفذ ما تمليه الطبيعة الصهيونية الطماعة الحاقدة التي يجسدها المرابي اليهودي "شايلوك"خير تجسيد.
ونعرف ما الذي انتهت إليه "شيبردزتاون" ـ بصرف النظر عن موقفنا منها ومن مبدأ التفاوض مع العدو المحتل ـ فقد دمرها الطمع الصهيوني، والمراوغة، والرغبة في انتزاع حقوق الغير والنيل منهم، والخروج على ما سبق وتم الاتفاق عليه بصورة مبدئية مما تمثله المرجعية، والوثيقة المستندة إليها أو المنفذة لها والمستمدة منها.
وفي لقاء جنيف تكرر الفصل ذاته من خلال ببغائيَّة كلنتون الذي مثل دور باراك وردد مطالبه وكلماته، ولم يلتفت الرئيس المهيب إلى حقيقة أنه بوصفه ممثلاً لبلاده التي ترعى المفاوضات، يتنكر لمرجعية أقرتها بلاده في مدريد، ولقرارات صوتت عليها في مجلس الأمن الدولي؛ وأنه دعا الرئيس الأسد إلى جنيف ـ حتى لا نقول استدرجه ـ على أرضية احترامها، وبزعم تحقيق شيء ملموس على أسسها المعلنة بوضوح. وإذا به يقدم النكوص تقدماً في سلامة الفهم وسلامة النية، ويريد أن يحمِّل الآخرين مسؤولية عدم تنازلهم عن أرضهم وعدم تفريطهم بحقوق شعبهم؛ فعرض كلنتون انتزاع الشاطئ الشمالي الشرقي لبحيرة طبريا من سورية بما في ذلك الحقوق في المياه إلى جانب تفاصيل أخرى، ليبقى تحت السيادة " الإسرائيلية" ؟! ولما رفضت سورية ذلك وتمسكت بمرجعية مدريد وبما عرف بـ " الوديعة"، أصبحت الكرة ـ من وجهة النظر الأميركية ، الصهيونية ـ في ملعبها، ثم " أصبحت تتحمل وحدها مسؤولية إغلاق باب المفاوضات فيما إذا أغلق، وتأجيل الحلول إلى أجيال قادمة؟! وبعد ذلك أخذ العدو وفريقه الأميركي يطرح الحدود الدولية بعد أن تم الاتفاق في "شيبردزتاون" على حدود الرابع من حزيران حين يجري رسمها، ثم بدأ الإعلان ـ حسب النازي الجديد ديفيد ليفي ـ عن عدم حق سورية " الدولة العدوانية" باسترداد أرض خسرتها في الحرب!؟
ليس عجيباً هذا المنطق، وليس منفراً ومثيراً فقط، ولكنه يثير الاشمئزاز باستهتاره بكل منطق، ويثير الاشمئزاز أكثر من يقبله أرضية منطقية ويؤسس عليه عملاً دبلوماسياً. ومع ذلك يتم الترويج لهذا المنطق في "العالم المتحضر!؟" بوصفه منطق الذي قدم " تنازلات من أجل السلام" وحرص على إنجاح المساعي للعودة إلى المفاوضات على المسار السوري " الإسرائيلي"، ومن يعنيه الحرص الأشد على السلام، وعلى نجاح المفاوضات؟!
لا يمكن أن توجد حدود للوقاحة الصهيونية، ولا تتشكل أبداً ضفاف لمن يخشاها أو يتملقها أو يسير في ركابها، تلك بتقديري حقيقة، وذلك عندي مرض تصاب به شخصيات ودول وشعوب.
إن هذا الوضع الذي جربه العرب لسنوات وسنوات، يفرض عليهم أن يتوقفوا قليلاً عنده ليقرؤوا بعض معطياته قراءة مغايرة لكل أساليب القراء التي أدمنوها وسوَّغوها، وربما يستعصي عليهم الخروج على أقانيمها.
العدو يقول بصريح العبارة : إن حقاً لا تعيده قوة يجب أن يدفع طالبه ثمن إعادته منقوصاً من كرامته ذاتها، وينبغي أن يطلبه صاغراً، فهو المغلوب، والمغلوب لا يتكلم من " فوق" وإنما يلتمس ما يُعطى له التماساً، ويسترضي غالبه ليمنحه شيئاً مما يطلب. وفي هذا السياق أرى أن نفهم كلمة الرئيس الأميركي بيل كلنتون : إذا لم توافقوا على هذا فانتظروا حتى تملكوا قوة تستعيدون بها ما تطلبون." وفي هذا الكلام شيء مسكوت عنه يقول: " ولن تملكوا... قوة، فنحن هناك معهم، ولن نسمح لكم بأن تتقدموا في مجال امتلاك القوة، وما عليكم إلا أن تذعنوا.. ولو بعد ضرب وضيق وحصار وقهر..".
الكرامة تأبى الانصياع لهذا الذي يطلبه الكيان الصهيوني بلسان أميركي، والرجال الرجال لا يتنكرون لتاريخهم، أو يصعب عليهم كثيراً أن يتنكروا له ، فكيف تتنكر الأمم لتاريخها، لا سيما عندما تكون على حق؟! إن هذا يطرح علينا السؤال ، ونحن على أعتاب مرحلة قاسية قادمة، مرحلة تتلفع فيها الفتنة بثوب الحرص على الوطن، ويدخل فيها العدو مدخل أبناء البلد!!.
ماذا نختار : بعض الأرض وبعض الحق وبعض الكرامة، مع سلامة اللحم والشحم، ووعداً بائساً بتورم الذات تورماً سرطانياً؟!! أم ترانا نختار وعداً بهياً وأملاً بالأرض والكرامة.. ونحن نعرف أن الحق لا يتحقق إلا على جسر من التعب ، وفي خضم تضحيات جسام قد تستمر عقوداً من الزمن، وتحققه أجيال قادمة!؟
أعرف أن هناك من يختار الاختيار الأول ، وأن هناك من يختار الاختيار الثاني؛ وكل يسوق حججاً ويحشد قواه ليقنع بمنطقه؛ ولكن منطقاً واحداً لا بد أن يعلو ويسود: هو منطق العدل والحكمة والمصلحة العليا للأمة، بعيداً عن الصراخ في أي اتجاه. ولا أرى أن منطق القبول بأنصاف الحقوق ،وأنصاف الحلول وأنصاف الحقائق، مما يحقق مصلحة قومية أو عدلاً يقيم قوام الاستقرار والأمن والسلم على أسس متينة دائمة وثابتة وسليمة؛ ومن باب أولى ألا يكون ذلك المنطق حكيماً لأن الحكمة ليست ذليلة ولا ظالمة ولا ضارة، ولا تلغم المستقبل تحت الأجيال والتاريخ والحقائق.
التاريخ البعيد يقدم لنا دروسه المكثفة بعبارات مكثفة: الحق يحتاج إلى قوة تحميه وتقيمه وتستعيده، وإلا فهو رهينة القوي حتى لو كان تحت يد الضعيف؛ والحق لا تحميه قوة مادية فقط وإنما يحميه إيمان وطاقة روحية عالية وإبداع في وسائل الدفاع عنه، وتضحية من أجله تسقيه ماء الحياة وتديمه قوياً عزيزاً . والحق يعطي القوة شرعية ما دامت في رحابه مراعية لحدود العدل، وينتزع الشرعية من قوة لا تقوم على العدل أو يضعف منطقها ويفضحها، وينتقص من قدرتها على التأثير.
ونحن نملك حقاً ولا نملك قوة، ونميل إلى استجداء حقنا بمنطق قوي آناً ومتضائل القوة آناً آخر.. ولكنه دوماً بلا سند متين من القوة؛ فترانا نخسر ونُحبَط.. ثم نخسر ونُحبَط.. ثم نخسر ونُحبَط، حتى تغدو الخسارة والإحباط ديدناً أو شبه ديدن لنا، ونخال من بعد أننا أضعف من أن نملك القوة المنقذة، ونحمي الحق الساطع، ونكبر بعين أنفسنا؟!
في جنوب لبنان درس حي معاصر هو ذاك الذي تقدمه المقاومة، وفي فلسطين المحتلة، بمواجهة المقاومة ، هناك درس حي نقيض هو الذي يقدمه وضع العدو الصهيوني حيال المقاومة وعلى رأسها حزب الله. الدرس يقول : إن المقاومة استطاعت أن تجبر العدو على التفكير بالانسحاب، ثم الإعلان عن الانسحاب صاغراً وذنبه بين رجليه.. مهزوماً عارياً .. هكذا بصريح العبارة؛ وحين قرر الانسحاب تحت وطأة الخسائر البشرية التي ألحقت به، فكر بإخراج ملائم ، فوجد أمامه الاعتراف بالقرار 425 الذي مضت اثنتان وعشرون سنة على اتخاذه ولم ينصع له، ولم يعترف به خلال تلك السنوات كلها؛ وكان طوال تلك المدة يرفض التعامل مع الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ويلقي بهما وبقراراتهما خلف ظهره، ويقول :"إنهما منحازان ضده" واليوم يكتشفهما ليغطي بهما وجهه القبيح وهزيمته الفاضحة.
ومن عجب أن ينجح هذه المرة أيضاً في قلب حقائق الأوضاع ويصور للعالم، الذي احتقر قراراته طوال كل هذه السنين، أنه يحرص على تنفيذ قرار الانسحاب رقم 425 ولكن لا يرضى المحتلة أرضهم بأن ينسحب منها؟! وأنه يستصرخ العالم ويستنصره ليساعده على الانسحاب تنفيذاً لقرار دولي /مجلس الأمن رقم 425 / ويقف معه في ذلك ضد : اللبنانيين والسوريين الذين يقدَّمون على أنهم يرفضون ذلك الانسحاب، يقف معه فريق من مزوري الحقائق والوقائع!؟
وقاحة ما بعدها وقاحة، وتتوجها المباركة الأميركية لها ، تلك التي تصدق ذلك وتروجه وتفرضه وتسعى لتغيير قرار الأمم المتحدة/ 425/ بما يحقق طموحات العدو وتطلعاته بأن يحمي المحتلة أرضهم حدودَه؟! ويقول الأميركي وهو يتوعد المقاومة ضد الاحتلال ، يقول بصلف مقيت: " .. إذا انسحبت إسرائيل وفقاً لقرار الأمم المتحدة فما هو المبرر الذي سيتذرع به أحد من أجل العنف." ؟! ويضطرنا صلفه للتساؤل : ترى أين كان منطقه وضميره طوال اثنتين وعشرين سنة مرت على هذا القرار 425 وهو من دون تنفيذ، والمحتل يمارس العنف ضد المحتلة أرضهم إضافة إلى وطأة الاحتلال، ويجتاح بلادهم ، ويدمر عاصمتهم ، ويقيم لهم معسكرات الاعتقال النازية الصهيونية في أنصار وسواها من المعتقلات الشهيرة ، ويدمر بنيانهم وأمنهم ومستقبل أطفالهم!؟ هل ذلك عنف مقبول لأنه يصدر عن يهودي ـ صهيوني عنصري يمارس في أرضنا نازية جديدة، وعنف المقاومة ضد الاحتلال، الذي مازال يستنزف الأرض والعمران والبشر في الجولان وفلسطين والقدس ، ويُبقي ملايين الفلسطينيين والسوريين مبعدين عن أرضهم ، هو عنف مدان وليس له ما يبرره على الرغم من وجود الاحتلال؟؟! مضحك مبك منطق الرئيس الذي يودع البيت الأبيض، وهو يناصر الظلم والعنصرية الصهيونية والاحتلال والقهر البغيض بحماسة تفوق تلك التي كانت له حيال ذلك يوم دخل ذلك البيت الحزين بقرارات شاغليه وتعسفهم الأعمى؛ وأكثر إضحاكاً وإبكاء ومرارة وإيلاماً تهجد أمة على أبواب ظلامها ومحتلي أرضها ومزوري تاريخها ومدنسي مقدساتها، طالبة القبول في عداد من يشملهم سلام الضعفاء يغدقه الأقوياء في تيار من الذل والإذلال.
إننا لم نلتفت جيداً إلى حقيقة أن العدو لا ينسحب تنفيذاً للقرار 425 وإنما ينسحب مهزوماً، ويريد أن يبرقع هزيمته بواجهة دولية بهية، محمِّلاً الآخرين نتيجة فرية يقدمها للعالم.. فرية يستنبتها على أرضية حقيقة قال بها أهل الأرض الذين اكتووا بنار الاحتلال النازي ـ الصهيوني، أو الصهيوني النازي لا فرق؛ حين قالوا إنه حينما ينسحب من دون اتفاق فإنما ينسحب مخلفاً في الأرض فتنة وألغاماً وتوتراً يندلع شرره ليحرق ويميت... وتلك حقيقة ما يفعله العدو بتجنيده قوة عملاء تعمل لإثارة الفتنة من الداخل في لبنان على أسس طائفية، وقد بدأت ممارسات أفرادها تظهر؛ ليقوم هو بدعم الاقتتال وهو في مواقعه ظانّاً أن الأمور سوف تسير وفق ما يرسم ويهوى، متناسياً أن الكثير من المعطيات والوقائع والحقائق تغيرت ، وأن لبنان اليوم غير لبنان الجميِّل أمس، حين كان يعيث شارون وبارك وأمثالهما فساداً في ربوعه انطلاقاً من ضعف في نفوس كان لها صولة وصوت أبَّدَتهما في الفتنة فانتهت وانتهوا بانتهائها ، وينبغي أن نحرص جميعاً على ألا تعود. ومتناسياً أيضاً أن انسحابه إلى خاصرة رخوة من فلسطين تجعله يكتوي بنار الفتنة التي قد يخلقها ، وأن المقاومة تناله وسوف تناله من هناك بشكل أقسى وأكثر تأثيراً حتى يلوذ بانسحاب جديد.
ولكن يبقى السؤال الأهم مدوياً في فضائنا وسمائنا : متى تصبح المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني، وضد كل أشكال الاستعمار هي اختيارنا جميعاً نحن أمة العرب، ومتى نسقط كل الاختيارات التي تنتج ضعفاً وذلاً وهزائم وتنازلات؟! متى نضع لليل الضعف والفرقة والتآكل حداً ، وننطلق نحو رؤية جديدة تتصل بحقائق الحياة ووقائعها؟!.
الخميس، 13 نيسان، 2000
الأسبوع الأدبي العدد704
|