|
الانسحاب من جنوب لبنان
انسحاب العدو الصهيوني من جنوب لبنان يفرحنا وينمي الأمل في نفوسنا لأنه انسحاب المهزوم تحت وقع المقاومة وانسحاب العنصري- النازي أما الإنسان المرتبط بمنظومات قيمة وبعقيدة تملي عليه الالتزام بالحق والعدل والخير والكرامة والحرية والمحافظة على الحياة بكل مقومات الحياة وقيمها ومعطياتها
" من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً."
ومن ينسحب مهزوماً اليوم هو صاحب سلسلة المذابح الفظيعة بحق العرب وأخرها مذبحة قانا، ومن يهزمه هو أهل قانا وأصحاب الأرض المحتلة، ومن أصبحت المعاناة من جهة والتضحية من جهة أخرى عنواناً لحياتهم خلال عقود من الزمن، والذين يرفعون راية المقاومة ومصابيحها في ليل العرب الدامي الحزين.
العدو الصهيوني ينسحب من الجنوب والبقاع الغربي في لبنان والانسحاب من جنوب لبنان تنفيذاً للقرار /425/ أصبح هو الخيار النهائي للعدو الصهيوني، وهو خيار أجبر عليه العدو تحت وقع الخسائر التي ألحقها به رجال المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان. وبعد إبلاغه هذا القرار رسمياً للأمين العام للأمم المتحدة أصبح الجهد منصباً على التنفيذ والتوضّع في مواقع يحاول العدو أن يلتف عليها ، فيقول بمواقع 1978 ومواقع الهدنة 1949 ؛ ولكن الذي لا معدى عن التقيد به هو حدود 1923. وقد شرع مسؤولون من الأمم المتحدة، مختصون في هذا المجال، بالبحث عن الخرائط القديمة لرسم الحدود في ضوء ذلك. ولا أظن أن العدو يمكن أن يتلاعب في موضوع رسم الحدود ، دفعاً منه لكل سبب يؤدي إلى استئناف المقاومة ضده، من وجهة نظره، ولذلك سوف يعمل على رسم الحدود بما يتلاءم وحدود 1923 ويضغط باتجاه جعل سورية تستأنف المفاوضات بشروطه أو تحت وقع " الهزيمة" كما أعلن الصهيوني افراييم سنيه نائب وزير الدفاع في تصريح له .ولكن هذا يطرح قضايا جديدة إضافة إلى القضايا التي يعمل العدو على إثارتها، مما يجعل المنطقة مرشحة للتوتر وربما للانفجار.
فالعدو يعمل على الانسحاب من جنوب لبنان، من دون اتفاق، وبتغطية أميركية وأوربية واسعة، ويريد لها تغطية دولية واسعة أيضاً تحت عنوان تنفيذ القرارين /425/ و /426/ وسيعمل، إن استطاع ، على جعل هذا التنفيذ يرتبط بشكل ما بتسوية مع لبنان تطل به على القرار /242/ الذي غدا مرجعية " لسلام مدريد" أو بإضافات وتعديلات ما تجعل الانسحاب يكتسب صفة تسوية عامة على المسار اللبناني. وهو أمر لن يكتب له النجاح في تقديري نظراً لثبات البلدين لبنان وسورية، على سياسة تلازم المسار والمصير، وهذا يترك الباب مفتوحاً أمام إعادة نظر في المواقف في ضوء هذا التوجه وما يترتب عليه من نتائج، في حال اختيار ما من الاختيارات الآتية الممكنة، فالانسحاب من جنوب لبنان يتم :
ـ إما باتفاق مع لبنان، وهو اتفاق مع سورية أيضاً نظراً لتلازم المسارين، اللذين لم يستطع العدو أن يفصلهما أحدهما عن الآخر؛ وهو اتفاق لا يمكن أن يتم من دون استئناف المفاوضات على المسار السوري "الإسرائيلي"، التي لا يمكن أن تُستأنف بدورها من دون الإقرار "الإسرائيلي" بالانسحاب التام من الجولان حتى حدود الرابع من حزيران؛ ذلك الذي يعني: المشاطأة في بحيرة طبرية، والسيادة على منابع نهري بانياس والحاصباني اللذين يشكلان الرافدين الرئيسين لنهر الأردن وللبحيرة الساحرة، بحيرة طبرية؛ وكذلك ضمان السيطرة والسيادة على مرصد جبل الشيخ. ومن ثم يكون الاتفاق السوري اللبناني ـ " الإسرائيلي" إذا تم، أقرب ما يكون إلى الهدنة بنظري لأنه يعيدنا إليها أصلاً، ولأنه لن ينهي الصراع العربي- الصهيوني بأي حال من الأحوال، ولكنه سيفضي حتماً إلى خلق معادلات ومعطيات جديدة في المنطقة ينبغي التفكير بها.
ـ وإما باضطرار صهيوني للتخفي وراء تنفيذ القرارين 425 و 426 لعام 1978 وهما قرارن لا يشترطان أي اتفاق بين لبنان و"إسرائيل"، ويمهدان لعودة السيادة اللبنانية على الأرض المحتلة من جنوب لبنان عام 1978 حتى الحدود الدولية، بمساعدة دولية عبر مجلس الأمن، وليس عبر قوات متعددة الجنسية؛ ويعيدان الأمور إلى وضع الهدنة بين لبنان و " إسرائيل" عام 1949 مع ما يتصل بذلك من بقاء صراع لبناني " إسرائيلي " على:
1 ـ القرى السبع، التي ضمتها "إسرائيل" إليها في ذلك الوقت، وطردت سكانها إلى لبنان مع من طرد من الفلسطينيين.
2 ـ مزارع شبعا، التي استولى عليها العدو الصهيوني عام 1967 وما زال يسيطر عليها ويخرجها من دائرة الموضوعات المطروحة، مركِّزاً على وضع عام 1978
3 ـ موضوع اللاجئين الفلسطينيين الموجودين في لبنان، وعددهم ما يقرب من 350 ألفا ترتبط أية تسوية مع لبنان بتسوية أوضاعهم وإلا تحولوا إلى قنبلة موقوتة، فمن حقهم أن يقاتلوا ليعودوا إلى بيوتهم.
4 ـ وجوهر القضية الفلسطينية في بعده العربي، الذي يدخل لبنان طرفاً فيه شأنه في ذلك شأن الأقطار العربية الأخرى.
وفي كل من الحالتين السابقتين فإن الانسحاب "الإسرائيلي "من جنوب لبنان لا يمكن أن ينهي الصراع كما أسلفت، ولكنه يخلق أوضاعاً جديدة في المنطقة تؤدي إلى التوتر حتماً، وقد تؤدي إلى فتنة في لبنان، وإلى صراعات عربية ـ عربية جديدة. وأستبعد أن يؤدي الانسحاب إلى تعاون عربي من نوع ما ، ولكنني لا أفقد الأمل بأمتنا في أن يتم نوع من التضامن بعد الدروس القاسية التي مرت بنا على أن العدو يفعل ذلك، ويفتعل ما يفتعل من مواقف لينتزع ما يسميه "ورقة" لبنان من يد سورية كما يقول، وليلعب وعملاؤه ورقة ضد سورية من لبنان ، وهي ورقة بدأ يرتفع الصوت بها من خلال تفجيرات وتسيير بعض المنحازين لعون والجميل في مظاهرات، وتحريك عملاء في الشريط الحدودي وفي مناطق أخرى من لبنان ، وهي خروج القوات السورية من لبنان، وهي القوات التي دخلت لبنان بقرار : لبناني ، عربي ، دولي؛ وأوقفت سفك الدماء في الحرب التي استمرت هناك من 1975 إلى 1990، وتصدت للاجتياح " الإسرائيلي للبنان عام 1982 وساهمت في إسقاط اتفاق
/17/ أيار . وهذا شأن يتعلق بالسيادة اللبنانية أولاً وبقرارها الشرعي، ويتعلق بمصلحة البلدين: سورية ولبنان اللذين تربطهما وحدة مسار ومصير عبرا عنها مراراً وتكراراً، كما أنه شأن عربي قبل أن يكون شأناً صهيونياً أو أميركياً أو فرنسياً !؟. ولا أظن أن من مصلحة لبنان ولا من مصلحة سورية ، التي تهدد " إسرائيل" عاصمتها دمشق من مواقع محتلة في لبنان، ولا من مصلحة العرب أن يكون لبنان تحت النفوذ الصهيوني ، أو بيد من يربطون مصالحهم ومصيرهم بذلك العدو!؟ لقد أسقط اللبنانيون والسوريون معاً اتفاق 17 أيار 1982، وصمدوا لمخططات العدو وعملائه وحلفائه معاً، ولا أظنهم يسمحون بعودة ذلك بأي حال من الأحوال؛ فذاك زمن ولَّى ولن يعود، ولبنان اليوم غير لبنان 1975.
ما أرغب في أن أسترعي الانتباه إليه هنا، والتأكيد على أهمية الأخذ به والتأكيد عليه وإيصاله للرأي العام ، هو:
أن الانسحاب " الإسرائيلي" أو إعادة الانتشار في -ضوء بقاء القرى السبع ومزارع شبعا تحت الاحتلال-لا يتمان تنفيذاً للقرارين 425 و426 لأن العدو لم يعترف بهذين القرارين، ولم يعلن عن قبوله بهما، ولا عن استعداده لتنفيذهما مدة عشرين سنة وأكثر؛ وقد أضطر إلى الإعلان عن الانسحاب- بذريعة تنفيذ القرارين المشار إليهما- تحت ضربات المقاومة الوطنية اللبنانية وعلى رأسها حزب الله، جراء ما ألحقته به المقاومة من خسائر بشرية جعلت جنوده يهربون من الخدمة في جنوب لبنان ويرتجفون ذعراً، بل ويفضلون السجن على الالتزام بالأوامر التي تطلب منهم الدخول إلى مواقع متقدمة بمواجهة حزب الله. والعدو الصهيوني يعمد إلى تغطية هزيمته في جنوب لبنان، وهزيمة عملائه اللحديين هناك بإظهار الإذعان للقرارين المشار إليهما ـ وهما لا ينطويان على إعادة انتشار، بل على انسحاب تام غير مشروط ـ ليستفيد مما يهيئانه من تغطية له ومن تحسين لصورته أمام الرأي العام العالمي، ومن تمويه على أزماته السياسية، ووضعه الداخلي، ووضع عملائه المنهار.
أن الإيحاء بوجود أزمة جراء هذا الانسحاب لسورية ولبنان، وللبنان قبل سورية، هو صناعة " إسرائيلية ـ لحدية ـ أميركية من جهة، ومحاولة لجعل الانسحاب يرتبط بشروط لا يتضمنها أي من القرارين 425 و426 ترمي إلى حماية حدود الاحتلال الصهيوني ومستوطناته وأمن قواته المحتلة للأرض العربية فلسطين من جهة أخرى. وهو توجُّه ينبغي أن نرفضه ونقاومه ونعريه تماماً، ونحصن مواطنينا بالوعي من مخاطره ومخاطر الانغماس في تياره بأي شكل من الأشكال.
أن العدو الصهيوني وحليفه الأميركي يرميان إلى خلق ظروف تؤدي إلى تفاقم فتنة داخلية تشغل أهل المنطقة، بل تشغل العرب والأصدقاء الشرفاء المعنيين عن الجوهر الرئيس للصراع وعن أهدافه، وعن مراحل التصفية النهائية للقضية الفلسطينية التي تجري المفاوضات من أجل إنجازها الآن بسرية تامة، ومن ذلك موضوع توطين الفلسطينيين، الذين يشكلون جوهر الحق القائم ومظهره وقوته واستمراره، وهم أربعة ملايين فلسطيني يطالبون بحقهم في العودة إلى وطنهم، وممارسة سيادتهم التامة فوق ترابه، وإقامة دولتهم المستقلة فيه وعاصمتها القدس.
والوضع الذي يرمي العدو وحلفاؤه وعملاؤه إلى خلقه؛ وضع يمهد لقيام:
أ ـ مواجهة لبنانية ـ لبنانية: رسمية شعبية، أو شعبية شعبية، لتجريد حزب الله من سلاحه، أو لجعله يدخل في مواجهة مع من يسميهم العدو " الحرس الوطني"، وهو تنظيم مسلح ينشئه في الجنوب متناسياً هزيمة جيش لحد، الذي أنشأه وسخره ثم انهار تحت ضربات حزب الله !!
- خلق واقع ديموغرافي جديد في جنوب لبنان - إن استطاع- يقوم فيه صراع طائفي ويستمر؛ وتغذيه " إسرائيل" وحلفاؤها وعملاؤها من الجنوب. ومثل هذا الصراع لا يمكن أن يبقى محصوراً في منطقة من لبنان، بل لا يمكن أن يبقى محصوراً في لبنان نظراً للتداخل السكاني في بلاد الشام كلها، وهو ما يعمل العدو وعملاؤه على إنجازه لإدخال لبنان وسورية في دوامة دموية. وهذا الفخ يرمي إلى جر سورية قبل لبنان إلى الفخ الطائفي ، وإعادة الأوضاع في المنطقة إلى ما قبل اتفاق الطائف، لتستفيد الولايات المتحدة من كونها الطرف الدولي الوحيد الذي يفرض ما يريد، وليستفيد حلفاؤها من ذلك؛ بغية جعل سورية توافق على ما تريده " إسرائيل" وتنهي الصراع العربي- الصهيوني بما يؤمن مصلحة الصهيونية وعملائها ومشاريعها في المنطقة. ومن أسف أن وزير الدفاع الفرنسي في تصريح له عن" فقدان سورية لورقة لبنان، ورغبة سورية في السيطرة على لبنان"، ينجر إلى هذا الموقع، ويغذي هذا النوع من المشاريع التي ينخرط فيها عملاء "إسرائيل" في لبنان، والمقيمون منهم خارجه، لاسيما في باريس.
ب ـ تطلع العدو لخلق مواجهة لبنانية ـ سورية قد تجر إليها أطرافاً عربية وربما دولية، بحجة "تحرير لبنان من سورية"، وهو ما يقول به الكيان الصهيوني، وما ينادي به لحد وعون والجميل وبقية عملاء "إسرائيل"، وكذلك أصحاب الحلم المريض بكانتونات طائفية تعيد المنطقة قروناً إلى الوراء، وتمهد لتجديد الغزو الصليبي والاستعمار الغربي المباشر، بحجة حماية الأقليات ومقاومة الإرهاب والأصولية القومية والإسلامية..إلى آخر المعزوفة التي تركز على تدمير مقومات الهوية العربية والعقيدة والدين والحضور الحي لأمة العرب فوق أرضها!؟ وهو الموال القديم الذي أكل الدهر عليه وشرب، ولكن المتعلّقين بسماعه وترديده وتوظيفه واستثماره، يجدون فرصتهم برفع الصوت به من جديد تحقيقاً لمشاريع قديمة وأحلام مريضة في ظروف ومعطيات عربية ودولية جديدة!! وقد ظهرت بوادر التركيز على ذلك في تفجير عبوات في صيدا وفي مواقع أخرى، وكذلك في مظاهرات لعدد قليل من الأعوان.
يبقى السؤال الأهم : هل نبتلع هذا الطعم السام كما ابتلعنا غيره من قبل، فنزداد مرضاً على مرض وبؤساً على بؤس، وتورّم قلوب على تورّم؛ أم ترانا ندرك الأهداف الشريرة لما يدبَّر لنا، ونأخذ بحقائق الأمور التي تقول ببساطة شديدة : إن الكيان الصهيوني ينهزم في جنوب لبنان، ولا يستجيب لإرادة دولية أو منطق أو حق ، ولا يتراجع عن أطماعه، وإنما يعيد ترتيب أوضاعه ليجدد عدوانه ممارساً طبيعته العنصرية وخبرته النازية. وأن الذي يفهمه، والذي ينبغي أن نتمسك به ونمارسه هو خيار المقاومة والاستعداد لما يرتبه ذلك الخيار.
وأن العدو الصهيوني لا يمكن أن يتخلى عن عنصريته وعدوانيته وأساليب خلق الفتن في منطقتنا لخدمة مشروعه التوسعي المستمر؛ وأنه لا يمكن أن يقوم سلام في المنطقة مع وجوده فوق أرضنا المحتلة ومنها فلسطين .. كل فلسطين وبقاء الشعب الفلسطيني مشرداً؟! .
إن الأمر في الأحوال كلها لا ينهيه حاكم أو ظرف عابر أو جيل، فهو ملك الأمة التي لا يمكن أن تتخلى عن حقوقها وتاريخها وعقيدتها، التي تدعوها إلى الجهاد والكرامة والمحافظة على ما يبني الحياة بكرامة ويديمها بسلامة، وجوهر الحياة إيمان وعدل وحرية وكرامة ووعي تام بذلك.
والله من وراء القصد.
دمشق في نيسان 2000
الأسبوع الأدبي العدد 705
|