صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

هل ننجح في المقاومة ورد الخداع؟

أمران هامان أرى التركيز عليهما بوضوح شديد، وتأكيدهما في العمل السياسي والمتابعة الإعلامية- الثقافية، وهما يتعلقان بالانسحاب القادم للعدو الصهيوني من جنوب لبنان والبقاع الغربي المحتلين منذ عام 1978.‏

الأول: أن العدو الصهيوني ينسحب مهزوماً تحت وقع الخسائر البشرية والمعنوية التي ألحقتها به المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان، بعد عجزه التام عن هزيمتها وتشويه أدائها المشروع، وإخفاق خططه وخطط حليفه الأميركي في فصل المسارين السوري واللبناني أحدهما عن الآخر في عملية التفاوض.‏

وأن هذا الانسحاب لا يأتي تنفيذاً للقرارين 425 و426 اللذين رفضهما العدو وتنكر لهما منذ صدورهما عام 1978، ولا يمكن النظر إلى تذرعه بالانصياع لهما وللإرادة الدولية، التي رفض كل قراراتها السابقة وما زال يرفض تلك القرارات ويحتال عليها لا سيما القرارين 242 و 338 إلا بوصفه غطاء للهزيمة من جهة وإعداداً لمناخ دولي يمهد لحملات عدوانية صهيونية جديدة من جهة أخرى.‏

ثانياً: أن الانسحاب، الذي طالما طالب به اللبنانيون والسوريون خاصة والعرب عامة، وتخوض المقاومة قتالاً مراً في سبيله، ويدفع الجنوب يومياً ثمناً للعدوان الذي حاول أن يكرسه ويكرس سلطة عملائه اللحديين فيه، يقدم من قبل المؤسسة الصهيونية البارعة في تزوير التاريخ والحقائق والوقائع، في صيغة تهديد بإتمامه، مع إعداد واستعداد تامين لتوجيه ضربات عسكرية ذات قوة تدميرية واسعة قد تصل العمقين السوري واللبناني، تحت غطاء الرد على تهديد حزب الله، وفي إطار ملاحقة الإرهاب، ومن يرعاه ويدعمه"؟!‏

وهي ترمي إلى:‏

1-إظهار هزيمتها انتصاراً، وانسحابها والذيل بين الرجلين، على أنه إنجاز يخيف السوريين واللبنانيين، ويزكيها في "المجتمع الدولي" بوصفها تنفذ قرارات مجلس الأمن، وتريد ترك المحتلين ولكنهم يتشبثون بها.‏

2-تغطية البلبلة الداخلية والانهيارات المعنوية بإلباسها للآخرين وتحريك عملائها لجعل لبنان وسورية يبدوان وكأنهما في حالة ارتباك وبلبلة جراء الانسحاب الذي هو نصر لهما سجلته المقاومة التي يدعمانها بالدم والصبر والتضحيات الجسام.‏

3-الضغط على كل من سورية ولبنان للدخول في مفاوضات بشروط العدو، وجعل سورية تقبل بالتنازل عن أجزاء من الأرض حول طبرية وعن حقوق في المياه، وتحويل الانسحاب غير المشروط إلى شروط وتنازلات تقدم من أجل الانسحاب.‏

إن العدو لا تنقصه القدرة ولا الإمكانية ولا الحلفاء الذين يساعدونه على أن يظهر بالمظهر الذي يخطط للظهور به، ويكاد ينجح في تقديم نفسه "مسالماً" يمسكه "المعتدون" من ثيابه ليتعاركوا معه، بينما يستنجد هو بالعالم لكي يتركه هؤلاء يعيش "داخل حدوده بسلام" ويلجأ للأمم المتحدة ولقواتها لتغطي انسحابه بقواتها وفي إطار شرعيتها"؟!‏

ولكن من تنقصه المهارة في الرد على خداع العدو وتلفيقه هو نحن الذين يستهدفنا العدوان كما يستهدفنا "الجوق الدولي" الذي تقوده الإدارة الأميركية ليحملنا مسؤولية ممارسات العدو، ومسؤولية عدم "التنازل عن حقنا" لكي نكون من محبي السلام والعاملين له، والمؤهلين لحمل رسالته؟!‏

من المفيد أن نتذكر أنه في لقاء للرئيسين حافظ الأسد وحسني مبارك، تركز حول موضوع الانسحاب الذي كان يطالب باتفاق وشروط ليقوم به، وكان وقتها يئن تحت الضربات ويكتم ألمه ويبحث عن مخرج، في ذلك اللقاء قال الرئيسان ما معناه:‏

"لتخرج إسرائيل من جنوب لبنان من دون استئذان كما دخلته من دون استئذان".‏

وفي هذا القول خلاصة لواقع المطالب العربية في جنوب لبنان منذ تم الاجتياح الصهيوني للبنان.. ولكن العدو الذي وصل إلى بيروت، ولم يكن يفكر بالعودة عنها، اضطر هو وعملاؤه إلى التراجع عن مشروعهم، تحت وقع الخسائر البشرية بالدرجة الأولى، ولملم نفسه شيئاً فشيئاً إلى أن وصل اليوم إلى الاقتناع بالانسحاب التام من لبنان حتى الحدود الدولية 1923 من دون أن يجلس معه لبناني واحد ليتفاوض معه، ومن دون شرط واحد يفرضه على لبنان.. ولذلك يلجأ للتهديد والوعيد ولتغطية خذلانه بأشكال مختلفة.‏

وقد استنفر عملاءه وحلفاءه معاً، لا سيما في الولايات المتحدة وفرنسا ولبنان ومناطق من الوطن العربي والعالم لكي يخلق لسورية وللحكم في لبنان مشكلة تضطرهما للتفاوض معه بشروطه. وملخص ورقته البائسة: إظهار سورية بمظهر المحتل في لبنان، والطلب إليها الانسحاب منه، كما ينسحب هو، وإلا فهي تريد أن تفرض هيمنتها على لبنان حسب قول آلان ريشار، أو أن لبنان أهم لديها من الجولان؟!‏

إن البؤس بكثافته لا يكمن فقط في الموقف الإسرائيلي- الأميركي الذي روج ويروج هذه الورقة، ويستخدم عملاءه لوضع هذا الأمر على نار حامية، ولكنه يكمن أيضاً في جهات سياسية وإعلامية عربية تروّج هذا وتردده ببغائية مسمومة محمومة خدمة للعدو وهي بذلك تنال من الحقيقة والقضية العادلة قبل أن تنال من سورية ولبنان والمقاومة التي يتقدمها حزب الله.‏

لقد أعلنت سورية أن "الانسحاب من دون اتفاق" يؤسس لتوتر وينطوي على مخاطر، ولم يكن ذلك تعلقاً بالاحتلال ولا هرولة باتجاه الاتفاق وتهالكاً عليه، وإنما هو تشخيص لواقع تتموضع عناصره ومعطياته في الواقع السياسي وعلى الأرض المحتلة تلك التي تواجه الاحتلال.‏

وهو عملياً نوع من الإعلان عن عدم الانصياع للشروط والضغوط الإسرائيلية- الأميركية التي تطلب تنازلاً يمس الكرامة والسيادة لتستأنف مفاوضات تقضي إلى اتفاق يسهّل على العدو الانسحاب الذي يبدو محتماً بوصفه نتيجة للمقاومة وما تركته من تفاعلات في الداخل "الإسرائيلي".. وهو بهذا المعنى رفض وإعلان لاستمرار الرفض السوري- اللبناني لأي ضغط ولأي تنازل ولأية شروط لتنفيذ القرارات /242-338-425-426/ فمن أين يجيء معنى التمسك بالاحتلال ونحن نقاتل من أجل إزالته.. اللهم إلا إذا كان قرار العدو بأيدينا، ونحن نريد أن نبقيه في مواقع نستنزفه فيها.. وهذا لو تحقق يكون نتيجة قصور مطلق في الفهم والوعي لدى المحتل الصهيوني وقدرة طيبة لدينا نحن الذين نتمسك بحقوق أبعد من الانسحاب من جنوب لبنان والبقاع الغربي والجولان، فهل العدو قاصر وقراره بأيدينا، أم أنه في الحقيقة ماكر وصاحب مشروع توسعي وتاريخ من المخاتلة والغدر والإجرام يشوه صورة التاريخ!!‏

أنا أرجح الشق الأخير من السؤال، ولذلك أرجح أنه، في الوقت الذي يهدد فيه بالانسحاب من دون اتفاق يسعى بكل الوسائل إلى اتفاق مع طمع شايلوك التاريخي ليفوز ولو بنحاسة يكسبها من غريمه ويعمل في ظل الانسحاب الذي أُجبر عليه ليقوم بعدوان يعوّضه عن الخسارة والهزيمة اللتين لحقتا به، ويجمل الوجه البشع الذي له كلما انكشف أمام الداخل والخارج.‏

وبناء على هذا لا أستبعد مطلقاً أن يصبح الباب الموارب، أو شق الباب الباقي في المفاوضات السورية- الإسرائيلية باباً مفتوحاً على مصراعيه قريباً، بعد أن تيقن من:‏

1-أن سورية لن تتنازل عن شبر من الجولان، وعن مبدأ الانسحاب التام حتى حدود الرابع من حزيران، وبسط السيادة على كامل الأراضي المحتلة قبل هذا التاريخ، بما في ذلك الشاطئ الشمالي الشرقي لبحيرة طبرية.‏

2-وأن المسارين السوري واللبناني لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.‏

3-وأن المقاومة في لبنان مستمرة، ولن تُجرد من سلاحها، وأن الرابط العضوي بين الجولان وجنوب لبنان قائم سلماً وحرباً.‏

4-وأنه مضطر لانسحاب حتمي من جنوب لبنان، وهو انسحاب لا يجنبه الخسائر، ولا يجنب مستعمراته التهديد، ويدخل وضعه الداخلي في متاهة فعلية جراء انكفاء المستعمرين إلى الداخل ومطالبتهم بأمن لا تحققه لهم القوة العسكرية وهناك مؤشرات فعلية لمثل هذا المعطى "التفاوضي القادم" قد يعجل في زيارة أولبرايت إلى المنطقة، بتحريض ذاتي أو أوربي أو صهيوني.. لا فرق.. حاملة مشروعاً جديداً يتضمن رداً على آخر المقترحات السورية التي أرسلت، ولم تلق رداً أميركياً -إسرائيلياً بعد.‏

والمشروع يتركز بالدرجة الأولى على حل المشكلة الأخيرة في قضية الانسحاب حتى حدود الرابع من حزيران 1967، ورسم الحدود في ضوء ذلك وهي مشكلة بحيرة طبرية، والمطروح فيما يبدو: سيادة سورية على الشاطئ الشمالي الشرقي وعدم استفادة من مياه البحيرة "الفقيرة بالسمك.." الآن!! مع وعود بمشاريع، وبإسالة مياه من تركيا لسورية تكون مفيدة لها، كما يقال، أكثر من مياه البحيرة التي تكلف الاستفادة منها مبالغ طائلة؟!‏

وهذا، كما يرى حاملو هذا الحل، يلبي مطالب سورية بالانسحاب والسيادة، ويلبي مطالب "إسرائيل" في الحصول على مياه البحيرة كاملة وضمان تدفق المياه من نهر بانياس والروافد الباقية لنهر الأردن والبحيرة، وإذا ما تم اتفاق على ذلك خلال الفترة القريبة القادمة خلال شهر أيار تقريباً، واستؤنفت المفاوضات فإن الانسحاب من جنوب لبنان يتم باتفاق، وتصل الجهات المعنية إلى ما تراه بر الأمان.‏

وهناك "حرتقات" مسجلة في الملف يمكن طرحها على سورية لجعلها تقتنع بالحل الذي يقدم لموضوع طبرية، ومنها أن يطرح على سورية موضوع وحدة حوض المياه في الجولان وما جاورها بوصفه حوضاً واحداً تشترك فيه "دول المنطقة" وتأخذ كل دولة نصيبها بموجب القوانين الدولية، وفي هذه الحالة فإن "إسرائيل" ستحصل على مياه طبرية كلها بموجب هذا التقاسم، وهو فخ لا بد من الحذر الكبير منه في أثناء التعامل معه.‏

إن طرح موضوع وحدة الحوض المائي للجولان وما جاوره، يُدخل نهري الحاصباني والدان ومنابع مياه لبنانية أخرى في الحوض، وكذلك بحيرة المزيريب ونهر اليرموك ومياه الحمة إلى جانب طبرية ومجرى الأردن ونهر بانياس. ويجعل الكيان الصهيوني بشكل غير مباشر شريكاً مستقبلياً في عصب الحياة في المنطقة أعني الماء.. على امتداد في كل من سورية ولبنان.. ويرشحه لممارسة أي عمل من شأنه أن يحافظ على مصالحه الحيوية، ومنها الماء، في المستقبل، بما في ذلك حفر الآبار الارتوازية داخل الحوض المشار إليه.. والسدود ونوعية الاستثمار للمياه. وفي هذا ما فيه من مخاطر تطال السيادة السورية واللبنانية على المياه، وتطال المياه واستثماراتها، وتجبّ الحق الأصلي الذي نعلن تمسكنا به دائماً وهو حق الشعب العربي الفلسطيني‏

في العودة إلى وطنه وما ترتبه تلك العودة من حقوق في الأرض‏

والمياه وممارسة للسيادة!؟‏

إن التهديد، أو الإغراء، الأميركي يأخذ بالاعتبار مياه الفرات والجانب التركي.. وعلى الرغم من أن الرئيس سليمان ديمريل الذي ودع الحلم في تركيا، رفض المساومة على مياه تركية في هذه الصفقة، إلا أن المؤكد هو أن النفوذ الأميركي الصهيوني على تركيا في هذا المجال قائم، وأن هذه الصفقة تدرس ويخطط لها منذ بدأ موضوع الضغط التركي على كل من سورية والعراق في موضوع تقاسم مياه دجلة والفرات..‏

إن استئناف التفاوض قد يجيء، والانسحاب باتفاق قد يحمل في تياره، ولكن القادم فعلاً هو انسحاب، والقائم فعلاً هو انسحاب "إسرائيلي" من جنوب لبنان والبقاع الغربي، تحت وطأة الهزيمة بغطاء القرارين 425 و 426 فهل ننجح في جلاء الأمر وتسجيل حقائقه في الأحوال كلها، أي إبراز حقيقة أن العدو ينسحب مهزوماً وليس تنفيذاً لقرارات الشرعية الدولية التي لم يحترمها مطلقاً، وأن العدو يجهز نفسه وظروفه والأوضاع السياسية لعدوان يعوضه بعض ماء وجهه في هذه الهزيمة، وأن المقاومة في جنوب لبنان جعلت العدو يدقق في الخرائط وحده مع الأمم المتحدة لينسحب من كل أرض لبنان، حتى يبطل حجج حزب الله في مقاومته مستقبلاً؟!‏

وهل ننجح أولاً وأخيراً في وضع الأمة أمام حقيقة أن المقاومة هي مفتاح الحل للصراع العربي- الصهيوني، وليس المفاوضات، وأن التحرير يحتاج إلى القوة التي أهملنا أهميتها باختيارات تبدو بعيدة عنها؟!‏

وهل ننجح في إعلاء الصوت، في كل الأحوال والظروف أنه في حال انسحب العدو من جنوب لبنان والبقاع الغربي حتى حدود 1923 والجولان كله حتى حدود الرابع من حزيران 1967 وحصلنا على المشاطأة وحقوقها في بحيرة طبرية بعيداً عن حسابات الحوض المائي للجولان وما جاوره..‏

لا ينتهي الصراع.. بل تبقى القضية الأساس قضية فلسطين والقدس والشعب الفلسطيني المقتلع من وطنه.. ويبقى المشروع الصهيوني -الاستيطاني العنصري الذي يتهددنا بأشكال مختلفة.. ومن ثم يبقى الصراع العربي- الصهيوني صراع وجود، ولا يمكن أن يحسم إلا بوصفه كذلك.. وأن حسمه مسؤولية قومية.. ومسؤولية أجيال عربية.. ومن ثم فالعدو الصهيوني يبقى عدواً دخيلاً على المنطقة مطلوب اجتثاثه منها لتكون هناك كرامة وحرية وسيادة ومستقبل ليس للفلسطينيين وأبناء بلاد الشام وإنما للعرب كلهم الذين يهددهم السلاح النووي "الإسرائيلي" كما تهددهم مشاريع الشرق أوسطية وأشكال النفوذ والتبعية والاختراقات الثقافية.؟!‏

إن تلك مسؤوليتنا جميعاً.. تلك التي يغذيها الأمل الحقيقي بأن المستقبل لنا والنصر لنا.‏

دمشق في 27/4/2000‏

الأسبوع الأدبي العدد 706‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244