صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

حتى لا تصبح الخيانة وجهة نظر

الخيانة.. وجهة نظر، والذي يقاتل أبناء وطنه إلى جانب المحتل يفترع فتحاً وطنياً ومفهوماً متقدماً في الوطنية، يدافع عنهما وينتظر من التاريخ حكماً إيجابياً عليه وعلى دوره (الرائد) في الأداء والفهم والتفسير والتدبير، والمهزوم مع حليفه أمام المقاومة في جنوب لبنان يهدد باللجوء إلى السلاح إذا لم يصدر عفو عام عن عمالته وخيانته، وكأنه لم يستنفد فرص استخدام السلاح للقضاء على الوطن وأهله وسيادته من أجل تكريس الاحتلال والفتن الطائفية المهلكة!؟!‏

عجيب منطق الخونة والعملاء عبر التاريخ، والأعجب هو منطق من يستغلهم ويقولب فكرهم وجهدهم وطاقتهم لخدمته، ثم يتطلع إلى المقايضة عليهم باسم الحق والإنسانية؟!‏

لا يستغربن أحد منطق العملاء والصهيونية التي توظفهم وتعدهم بوطن على حساب الوطن وبمكانة على حساب القيم، وبتاريخ على حساب حقائق التاريخ.. فهذا هو منطق الفساد في العصر الصهيوني، ومنطق المتآمرين على أوطانهم ومواطنيهم عبر التاريخ.‏

ولا يستغربن أحد إذا ما استهجن استغرابه لمنطق العملاء اللحديين وسادتهم الصهاينة، ومن أراد وما زال يريد أن يزرع بهم فتنة في لبنان تمتد إلى سورية ويستعيد تلك الفتنة كلما وئدت، لا يستغربن أحد ذلك فالعداء المستمر على العرب والمسلمين في هذه المنطقة تتوارثه أجيال من المستعمرين والطامعين بها، وتجدده ثقافة جوهرها العداء للشعوب والقيم وسلعها السياسية: "دفاع عن حقوق الشعوب وظاهر القيم؟! وذاك نهج حملة الصليبيون وطوره الاستعمار الأوربي، وأبدع في تطويره الأميركيون المعاصرون، واستفاد من ذلك كله ووظفه توظيفاً متقناً الصهاينة في أطوار صهيونيتهم العنصرية ومرحلية مشروعهم الاستعماري - الاستيطاني، الذي يهدد الأمة العربية وشعوب المنطقة، كما يهدد ثقافتها وعقيدتها وتطلعاتها المشروعة.‏

أنطوان لحد وريث لسعد حداد واستمرار لخطه ولخطط من صنعوه ووظفوه، وسعد ومن هم على شاكلته رفعوا صوتهم بوراثة الجَرَاجِمَة وباستمرار خطهم وخططهم، وأولئك في القديم كانوا مع الصليبيين ضد الوطن والأمة، وأجبروا عبد الملك بن مروان على دفع الجزية للصليبيين فترة من الزمن وكأنهم يفتحون باب الأمس على اليوم والغد، ويحملون راية المقتول باتفاق 17/ أيار/ 1982 بشير الجميل، ليكون باراك في وضع بيغن، وليعود تاريخ الفتنة الذي طواه اتفاق الطائف ولتكون عزلة جديدة في ظروف جديدة، على سورية.. خدمة لأهداف الصهيونية ومن يحملون أحلاماً طواها التاريخ ولم تطو من ذاكرتهم وتكوينهم الثقافي ونزوعهم العنصري الاستعماري.‏

الخيانة.. وجهة نظر..‏

ومن يقاتل أبناء وطنه مع المحتل، يفترع وطنية ومفهوماً جديداً لها، ويهدد باللجوء إلى السلاح من أجل إشعال نار الفتنة ليضرب بسلاحها، ويستعدى الآخرين على أبناء وطنه وعلى الأمة من أجل "حمايته" بوصفه ماذا؟! بوصفه عميلاً لعدو وطنه ضد أمته ووطنه.‏

وهذا المنطق يلقى من يدعمه ويروج له، ويتستر عليه.. حتى أولئك الذين أدانوا حكومة فيشي والجنرال باتان وقاوموا النازية والاحتلال مع ديغول يغيرون قواعد المنطق بغية الوصول إلى نتائج مغايرة لتلك التي قادهم تاريخهم ونضالهم إليها، وأصبحت مسلمات مقدسة، أو مقدسات مسلم بها، يقلبون المِجن للحقائق والتاريخ والمعايير السليمة: فيسمون المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الصهيوني إرهاباً، ولا يرون في أنطوان لحد صورة الجنرال باتان؟!‏

عملاء "إسرائيل" في جنوب لبنان، الذين قاتلوا تسع سنوات ضد وطنهم بعد إخماد الفتنة فيه، وشاركوا في مذابح بشعة ضد مواطنيهم، ومجدوا مرتكبي تلك المذابح من الصهاينة، وعملوا المستحيل من أجل إلحاق هزيمة تامة.. بل إبادة تامة باللبنانيين الذين تمسكوا بعروبة لبنان وبحقائق التواصل العضوي: تاريخياً وجغرافياً واجتماعياً وثقافياً واقتصادياً وسياسياً بين لبنان وسورية، يرفعون صوتهم اليوم بمنطق هزيل لعميل مهزوم يقول: إن لبنان لا يحتمل صيغة غالب ومغلوب؟! فإذا كانوا يعرفون ذلك، ويقرون به، فلماذا أصروا إذن على إنجاز تلك الصيغة بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وخمدت الفتنة وانطفأت نارها أو كادت بموجب اتفاق الطائف؟! لماذا لم يلتحقوا بالوطن وبالاتفاق وبصيغة لا غالب ولا مغلوب التي يرون أن لبنان لا يحتمل سواها؟!‏

هل كانوا خارج تلك الصيغة، أم خارج لبنان، أم خارج الانتماء، أم خارج حدود اليقين بأن لبنان يمكن أن يصمد بوجه الاحتلال، وتلازم المسارين السوري واللبناني يمكن أن يصمد بوجه المؤامرات المستمرة لفصلهما، وأن المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان لا يمكن أن تهزم "الجيش الصهيوني الذي لا يقهر" وتجبره على الانسحاب مهزوماً ومتذرعاً بتنفيذ القرار 425 الذي تنكر له اثنتين وعشرين سنة منذ صدوره عام 1978.‏

الواضح من وراء طرح موضوع الجيش العميل "لإسرائيل" بهذا المنطق أن المفلسين يلتمسون مخرجاً بعد أن رفضهم الغيتو اليهودي سكاناً فيه، وبعد أن أعلن عرب فلسطين الذين لم يخرجوا منها عام 1948 أنهم يرفضون توطين العملاء بينهم، وبدا أن ذلك سيخلق فتنة أو يجددها بين فلسطينيين ولبنانيين من نوع ما"، وبعد أن وجد أولئك أن هجرة واسعة للعملاء تضعهم خارج المنطقة، ربما تكون بقسوة المساءلة داخل المنطقة بالنسبة لهم ولكنها أشد أثراً من ذلك على أسرهم وعلى من غرروا بهم.‏

وما يكمن خلف الكلام الذي قدمه العميل أنطوان لحد في مرجعيون يوم الاثنين 8/ أيار 2000 من خلال رسالته الموجهة للرئيس إميل لحود، يشير إلى تلازم وتنسيق وتعاون بين "جيش العملاء" وما يسمى بتيار المعارضة التي يمثلها عون والجميل ومن هم في اتجاههما.. ولكنهم يتوازعون أدواراً ومواقف لخدمة مخطط واحد وأهدافاً مشتركة فهناك من يقاتل مع "إسرائيل" ومن يحرض ويهاجم ويصرخ من فرنسا، ومن يحشد قوى معادية للعرب ومناصرة للمشروع الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية واستراليا وكندا وفي أماكن أخرى من أوربا. ويحرك هؤلاء جميعاً معلم واحد، ويحشد لهم من يضخم تحركهم، ويأتي ذلك دائماً في توقيت ملائم يخدم الكيان الصهيوني بشكل مطلق، ويرمي إلى إلحاق أذى بسورية ولبنان والقضية الفلسطينية بشكل مطلق.‏

وهذا يجعل الاستنتاج الذي يصل إليه المتتبع يقود إلى تنسيق متكامل لطابور خامس مع أعداء الوطن والأمة العربية، وتوظيف مدروس للأوضاع والحوادث والطاقات بما يحقق أهداف الصهيونية والاستعمار من جهة، ويضعف المقاومة ضدهما والصمود بوجههما من جهة أخرى.‏

وهو أمر يستدعي حسماً تاماً، إن لم يكن على الأرض ففي إطار العقل والإرادة والروح والقرار والرؤية، فالخيانة لا يمكن أن تكون وجهة نظر في ظل معايير واضحة ودقيقة وسليمة، لا سيما إذا كانت تلك المعايير تستند إلى منظومات قيمة وثوابت مبدئية وحقائق تاريخية ومعطيات راسخة في الذاكرة والوجدان من جهة وفي واقع الحياة من جهة أخرى، معطيات مما يعرفه الناس ويدافعون عنه ويستنهضون عندما تمس.‏

والتعامل مع العدو، لا سيما إذا كان قتالاً إلى جانبه بشكل معلن ومستمر لا يمكن أن يعمّى ويموّه ويلفّق ليصبح فعلاً وطنياً أو فهماً يرمي إلى تشويه الوطنية ومفاهيمها ويبقي الباب مفتوحاً أمام العملاء والمغامرين والخونة لكي يعودوا من مغامراتهم سالمين. إلى أوطان منخورة المعايير والقيم والوعي، فيكون لهم ما يريدون عندما يريدون، ويكون لأسيادهم ما يشاؤون.‏

إننا مطالبون في هذه الظروف بتفعيل الوعي وإعلاء شأن المعايير والقيم، وبإعلان الموقف من كل من يحاول تشويه الوقائع والمفاهيم والأحكام، حتى لا يتم العبث بكل شيء، والوصول إلى مَقاتل البلاد والعباد وجواهر المواقف والانتماء. إن كل من يحاول أن يغشّي نظر الآخرين بضباب رؤيته أو عتمتها، وكل من يحاول أن يسوّغ فعلاً شائناً وجريمة بحق الوطن والمجتمع يجب أن يكشف ويوضع في عراء الرؤية ليحكم على فعله الناس، حتى نبقي على سلامة مجتمعنا واختياراتنا، وفي المقدمة من ذلك تحرير الأرض والإرادة ودعم المقاومة والانتماء ونبذ العدو والداعمين له والمروجين لحضوره وشراكته والتعامل معه، ونبذ الاستعمار الذي ما زال يزحف على أوطاننا ومصالحنا وثقافتنا ووحدة مجتمعنا بأشكال متعددة، ومنها الجديد المبدع في تشويهه للحقائق والأفعال والأحكام والرجال. حتى لا تصبح الخيانة والعمالة وجهة نظر.‏

الثلاثاء 9/5/2000‏

الأسبوع الأدبي العدد 708‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244