صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

المقاومة... أو... المقاومة

العدو الصهيوني المحتل ينسحب من جنوب لبنان ذليلاً، ويتذرع بالظلام وسواتر النار وينكفئ عن المواقع الحصينة التي كان يحتلها لسنوات ويذيق الجنوبيين منها صنوف الرعب والألم، وهو إذ ينسحب اليوم، وفي توقيت ذي دلالة يتزامن مع الذكرى الثانية والخمسين لاغتصاب فلسطين؛ يترك لنا فرصة التأمل وفسحة الأمل في كل ما يتعلق بالصراع العربي الصهيوني وآفاق تطوره وسبل حسمه، ويدعونا انسحابه مهزوماً ، تحت وقع الخسائر البشرية والمعنوية التي ألحقتها به المقاومة، إلى استقراء التجارب النضالية والمواجهات التاريخية واستخلاص العبر منها، والبناء على تلك العبر للمستقبل .‏

فالمقاومة اللبنانية التي نشأت في رحم المقاومة الفلسطينية قبل عقود ، استطاعت أن تتابع مسيرتها التحريرية على الرغم من تحول الثانية إلى الفعل السياسي، وتحول الفعل السياسي عند مجموعة عرفات إلى تفريط بالأرض والحق ومنجزات المقاومة. وهذا يستدعي طرح السؤال: لماذا ينجح مقاومو الجنوب، وفي مقدمتهم حزب الله، في استعادة الأرض اللبنانية المحتلة كاملة، ويصمدون في مواقعهم كرماء ويصمد معهم الناس في القرى والمزارع متحملين القصف اليومي والترويع الصهيوني، في حين يخفق الذين تحولوا من المقاومة إلى المساومة في الحصول على الحد الأدنى الذي كان يعرضه عليهم الكيان الصهيوني قبل تحولهم من المقاومة إلى المساومة؟‍! هل يكمن السبب فيهم أو في العدو أو في طبيعة الأشياء والأمور التي تجعل من القوة والصلابة الروحية مدخلاً للحضور وفرض الوجود واحترام الحقوق؟!.‏

ولماذا تنجح المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان بقهر العدو ورد آلته العسكرية الجهنمية وكسب المعركة ضده وهي لا تملك إلا سلاحاً محدوداً: الرشاش والكاتيوشا والقنبلة واللغم الأرضي والسيارة المفخخة؛ في حين تخفق قوات تملك عدداً أكبر وعدة أهم في الصمود والمواجهة؟!.‏

ولماذا يلهث العدو وراء حزب الله ليقبل معه اتفاقاً يجعل الحدود تبرد والاستقرار يستتب، مقدماً له المخارج من كل ما يعتبر أزمات أو معوقات للحل، في حين يتغطرس ذلك العدو مع قوى ودول وسياسات ويعطيها ظهره، ويجعلها تنتظر أن يلتفت لما يعتبر مدخلاً لحل الأزمات والمشكلات التي تعوق الاتفاق أو تمنعه؟!.‏

إن المقاومة في جنوب لبنان أثبتت ، بما لا يقبل الشك، أن العدو يستجيب لمنطق القوة، ويتأثر بالخسائر البشرية التي تلحق به، وأنه لا يستطيع أن يتعامل مع المقاومة عندما تشتبك معه في مناطق التداخل السكاني، فالجنوب اللبناني المقاوم الذي يتواشج مع الكثافة البشرية لشمال فلسطين المحتلة، يستطيع أن يلحق الأذى والرعب بالمستعمرات الصهيونية، ويسبب مشكلة تنعكس على السياسة والتجمعات الصهيونية والآلة العسكرية والعملاء في آن واحد، وآلة العدو الصهيونية تستطيع هي الأخرى أن تلحق تدميراً ببنى تحتية، وتسبب أرقاً ورهقاً للمدنيين من سكان الجنوب ويتوقف الأمر عندها على العامل البشري والقوى الذاتية للإنسان، التي كانت غائبة أو مغيّبة في معظم المواجهات العربية مع العدو الصهيوني، حيث كانت آلة الحرب الصهيونية- الأميركية المتقدمة والتنكنولوجيا العالمية تواجه آلة حرب أضعف منها وتسبب تدميراً وهزيمة من دون أن ينعكس أداء مماثل على بنية العدو العسكرية والبشرية والعمرانية بالقدر ذاته... ولما كان الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، يقوم بتعويض كل الخسائر المادية"الإسرائيلية" ويزيد في قوة العدو ودعمه المادي والمعنوي، فإن العدو لا يخسر ما لا يمكن تعويضه في المواجهات التي أشرت إليها، بينما تكلفه مواجهاته مع المقاومة من الداخل وفي المواقع التي تؤثر على الداخل وفيه، ما لا يمكن تعويضه وما لا يمكن تلافي مخاطر تفاعله وانعكاساته... وأعني الخسائر البشرية، وانعكاسات الخوف على بنية بشرية جبانة مجردة من مقومات الحق والإيمان اللذين يجعلانها تكتشف أفق ما بعد الموت، وأفق حياة الذل والتجرد من الكرامة.‏

المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان، مثلها مثل الانتفاضة الفلسطينية التي أحبطها عرفات على نحو ما، ومثل المقاومة الإسلامية الجهاد وحماس، والفصائل الفلسطينية الشريفة الرافضة لنهج الاستسلام ولاتفاق أوسلو، استطاعت وتستطيع أن تلحق بالعدو خسائر بشرية ومعنوية لا تعوض ، وتستطيع أن تضعه على محك المواجهة: رجلاً لرجل، وسلاحاً فردياً لسلاح فردي، وطاقة روحية لطاقة روحية، وبنية اجتماعية لبنية اجتماعية، وعندها تكشفه أو تنكشف أمامه؛ ولكنها تدرك كيف تملك القوة وتستخدمها، وكيف تلحق به الهزيمة، وأين هي مواطن ضعفه ومقاتله.‏

وهذا النوع من المواجهة يجلو الصدأ عن النفس والإرادة والروح، ويستنهض الهمة، ويجعل الدم ذا معنى تاريخي يستنهض الهمة والتاريخ، ويضع الشعوب على المحك.‏

من أجل هذا كان درس المقاومة فضَّاحاً لأنظمة عربية انهزمت قبل المواجهة ولم تمكن الشعب من خوض صراع يدرك فيه معنى التحدي الفردي والجماعي والحضاري والتاريخي العميق، ومن أجل هذا كان درس المقاومة فضَّاحاً لطبيعة العدو وحقيقته... لهمجيته من جهة وجبنه التاريخي من جهة أخرى. وكانت أيضاً فضَّاحة بالقدر ذاته لحقائق الصراع والأساليب المجدية في ساحاته المختلفة، وقادرة على تقديم الدليل الناصع الذي يثبت أن العرب في المواجهة الحقة قادرون على الصمود وتحقيق النصر، وأنهم بحاجة ماسة، من أجل المواجهة الحقة، إلى وضوح العقيدة القتالية والرؤية الروحية واستخدام سلاحي: الإرادة والشهادة على أرضية متينة من الإيمان: الإيمان بالله والإيمان بالحق، والإيمان بالوطن.‏

وإذا أردنا أن نقرأ درس المقاومة جيداً، ونشير إلى بعض القيم والمقومات فعلينا ألا ننسى عوامل التعبئة الحقيقية وعناصرها الفعلية المؤثرة ومقوماتها الرئيسة .. وأن التعبئة مدخل توضحه المواجهة وتجلو معالمه.. علينا ألا ننسى أن الإيمان هو العامل الأول في دفع المقاومة إلى التضحية والشهادة، وأن الإيمان لا يستنبت في جسد من دون روح أو في روح من دون جسد، وأنه يقدم للمقاوم طاقة روحية بلا حدود... والإيمان لا يلغي الانتماء القومي ولا يضعفه... بل يجعله يزدهي عطاء واقتداراً وانتماء في إطار العلاقة التي يحكمها القول الفصل:".. لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.." وتقوى المقاتل جهد قتل وفضيلة أداء ونوع استشهاد، وفضاء شهادة منشودة، أو حق منشود.‏

المقاومة هدف وطريق وسلوك ووسيلة، ومن يختارها بوعي وإيمان يختار عملياً منظومات من القيم والسلوك والأهداف لا يحكمها الآني والمادي والمصلحي والسلطوي ومعطى الشهوات بأنواعها والمساومات بأنواعها .. المقاومة: مبدأ واختيار وغاية تحفظ للإنسان في الحياة، وللحياة ذاتها معاني الكرامة والسلامة والتحقق النظيف في إطار من الأداء النقي. والمقاومة تخلق مناخاً اجتماعياً، وروحياً عاماً، تجعل الناس أقرب إلى أداء نوعي مترفع عن الأنانية والصغائر ، ويقود إلى نتائج تنعكس على الناس كافة.. الأمر الذي يجعل الشهيد ملكاً عاماً ومسؤولية عاماً ونتيجة تعود على الناس المعنيين كافة. والمقاومة المنتصرة في جنوب لبنان على الاحتلال الصهيوني ذي المشروع العنصري، تطرح على أمتها أسئلة ، وتطرح على نفسها أسئلة.‏

فهي في مجال هذا النوع من صراع الوجود مسؤولية قومية تستدعي بذل كل جهد من أجل استمرار وجودها بوصفها مقاومة تهدف إلى التحرير والدفاع عن الذات .‏

فهل هي مرشحة بعد انسحاب العدو الصهيوني من جنوب لبنان ، وفي ظل اتفاقيات الإذعان الموقعة بين أنظمة عربية والكيان الصهيوني، والاختراقات التي تتم لمصلحة العدو في مجالات عدة: سياسية واقتصادية وثقافية، هل هي مرشحة للاستمرار أو للمحاصرة؟!. وهل تنكفئ على ذاتها أو تراها تستمر في أدائها الموجه ضد العدو الصهيوني حتى تحرير فلسطين.. كل فلسطين ؟! وهل سيصفها الإعلام العربي، بعد إتمام الانسحاب، بالإرهاب إذا ما قامت بواجب التحرير واشتبكت مع العدو في مواقع داخل فلسطين المحتلة؟!.‏

وكيف سيكون موقف الأنظمة والناس منها؟! وهل تفلح المقاومة في جنوب لبنان في بعث الحياة في مقاومة نوعية في ساحات عربية أخرى لتكون الساحة الفلسطينية في الداخل ميداناً لأداء نوعي لمقاومة نوعية يتواشج فيها الدم والصوت كما تتواشج الإرادة والقيادة، لنجسد على الأرض من " بيرزيت إلى بيروت شعب واحد لا يموت" ومقاومة من أجل التحرير وليس من أجل التحريك؟!.‏

أي باختصار شديد: هل تكون مقاومتنا قومية بأفقها و أهدافها و مسؤولياتها و انتشارها ؟‍‍‍! أم تصبح الأمة ، و في المقدمة منها أنظمتها، عبئاَ على المقاومة و كابوساَ يلقي بثقله على صدرها حتى يقضي عليها و يقوم عسس من نوع ما يقدمه عرفات بالسعي لتسليم رموز مقاومة مثل محمد ضيف إلى العدو الصهيوني فنسلم المقاومة لليأس و الموت و العدو الصهيوني‏

أو حليفه الأمريكي؟!‏

إن السؤال الذي نطرحه و نحن على عتبة الأمل الذي يكبر و ينتعش اليوم بانتصار المقاومة و تراكض الموقعين مع العدو على اتفاقيات الإذعان والاستسلام ليحاصروا المقاومة، كما فعلوا بعد عمليات الجهاد الإسلامي وحماس و حزب الله.. في مؤتمر شرم الشيخ، يوم ناصروا شمعون بيريس ضد أبطال "بيت ليد" و جعلوه يرتدي من بعد قميصاَ قانياَ من دم أطفال "قانا" هو الرمز الذي ينبغي ألا ننساه لعمل مجرمين صهاينة نازيين مثل باراك وليفي و بيريس و نتنياهو وبيغن و باروخ غولدشتاين وشارون و كاهانا ... الخ.‏

إن السؤال يستدعي جواباً، و الجواب يستدعي تأملاَ... و التأمل يستدعي إدراكاً للمعطيات جميعاَ، و محاكمة للأمور جميعاَ.. و أمل أن يفضي ذلك إلى إيمان بأن المقاومة هي الحق المقدس و الطريق الأمثل لمواصلة الصراع حتى تحرير فلسطين ودحر الغزاة الصهاينة.‏

و أن الأمل ينبغي أن يتسع ليشمل الأمة بتحقيق نصر أكبر في صراعها مع عدوها الرئيس.‏

و بأن الحلول المرحلية و الآنية و الاستسلامية قيود تكبل الإرادة و الروح وتعوق مسيرة التقدم، وتقدم للأمة نماذج مزيفة.. بعد أن ثبت بالدليل القاطع و الفعل الناصع أن المقاومة طريق النصر، و أن العدو لا يفهم إلا لغة الخسائر البشرية و المعنوية التي تلحقها به مقاومة تختار طريق الشهادة أو النصر، و شعب يختار المقاومة أو... المقاومة.‏

دمشق في 20/5/2000‏

الأسبوع الأدبي العدد 709‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244