|
اثنتان و خمسون سنة على اغتصاب فلسطين
اثنتان وخمسون سنة مضت على اغتصاب العدو الصهيوني لفلسطين العرب، بتآمر غربي وتواطؤ دولي جعلا الانحياز وازدواجية المعايير سمتين بارزتين لسياسة هذا العصر وللدول الغربية المهيمنة على القرار والسياسة طوال العصر.
اثنتان وخمسون سنة مضت، شاب فيها شباب، وهرم أطفال قبل الأوان، وأنجبت أرحام.. في أثناء تشعب التشرد، الذي عانى ويعاني منه شعبنا العربي الفلسطيني خارج وطنه، وتجدد ذلك التشرد في أرجاء الأرض.
زمن ثقيل.. لم ينقطع فيه الدم عن الانسكاب على جذع زيتون فلسطين يرويه ويجدد العهد له، ولم تهدأ فيه أرواح الشهداء الذين تتجدد قوافلهم وتتوالى، وهم يحدون بنداء العودة.. ويطوفون بالمقدسات الدينية والقومية والوطنية رافعين أهداف الأمة وراياتها في ظلام الليالي وظلمات الدروب.
زمن ثقيل فرّخت فيه الخيانة والعمالة في أعشاش العدو وحلفائه، وأطلقت أسراباً من وجهات النظر التي سوّغت التفريط والاستسلام وبيع الأرض والحق والشعب، تحت لافتات الواقعية وسلام الشجعان، ورؤية المستقبل من زاوية العدو والمصلحة الشخصية وفساد الرأي والرؤية والإرادة والقلب.
زمن ثقيل.. أنهك دولاً وكثرت فيه النكبات والنكسات والمذابح.. واستسلم فيه فريق من الناس للإحباط واليأس.. ولكنه بقي، على الرغم من ذلك كله، زمن الرجال والتضحية والمقاومة.. وزمن فلسطين التي لا تكف عن الانبجاس في عمق القلب والروح إرادةً وشهادة.. وهديل حمام فوق أفاريز الأقصى وقبة الصخرة وكنيسة القيامة.. يرسل إلى أهله رسائل الشوق، وينتظر من أهله تواصل المحبة.. بما تكلفه المحبة من ثمن، وبما تدعو إليه من جهد وجهاد.. لإراحة أفئدة متعبة، وأكباد محروقة، وأرواح أضناها التشرد وأضنته فتاق كل منهما إلى خلاص من صاحبه.
زمن ثقيل..
ولا أريد أن أعيد عليكم في هذا الزمن الثقيل قصة قضية تعرفون تفاصيلها من الألف إلى الياء، وتحفظها ذاكرتكم حفظها لذاتها بل يزيد.. وإنما أود أن ألتمس وإياكم طريقاً نعرفها ولا نسلكها، ونقرّ بأنها الوحيدة الموصلة إلى الهدف ومع ذلك تزوّر نفوسنا عنها كلما وقفنا في حلاقيمها.. ونذهب بعيداً ثم نعود إلى تلك المداخل.. لنبدأ موضوع الأسئلة.. المهزلة من جديد.
يا أصحاب الهم والهمم.. لا عدمنا رؤانا.. والرؤية يقين بصيرة قبل أن يكون يقيناً يصنعه ترنيق البصر..
يا أصحاب الهم والهمم.. تعالوا نسأل أنفسنا بشفافية القلب والروح وبمسؤولية المنتمي لأرض وأمة وتاريخ: هل نحن من فلسطين وإليها أم لا؟! هل هي منّا الجسد ونحن منها الروح أم لا؟! وإذا كان الجواب نعم.. فما الذي يوصلنا إلى فلسطين المغتصَبة بقوة الحديد والنار.. أليست قوة تفل الحديد وتطفئ النار أو تغمرها بما هو أشد منها؟!
ومن الذي يفعل ذلك وما الذي يحققه؟! أليست إرادتنا نحن تحت مظلة قرار نصنعه نحن وننفذه نحن وندفع تكاليفه نحن؟!
سوف نقول: نعم.. ولكن..
وهنا يندفع في حلق كل منا، وفي عينه وقلبه سهم نار توجهه حقائق الحياة وقراءات التاريخ، ويتفجر أسئلة؟!: سهمٌ ترجمته تقول:
إن التوجه نحو اختيار التحرير يحتاج إلى نعم بلا ضفاف، نعم للتضحية والثبات على المبدأ والبحث عن الوسيلة وتأمين الأداة والإبداع في الأداء والأداة. وحين نصل إلى حالة لا تكون معها القلوب والنفوس مدخولة بطمع وشهوة سلطة ومصلحة آنية يحوزها أحدنا على حساب الآخرين، ويكون ثمنها دم زميل أو تضحية مواطن أو أنين فاقدة لعزيز.. عندها تصبح كل القلوب قوة واحدة تدير رحى الأحداث باقتدار لتوفير كل ما يحقق القوة التي تصنع النصر؛ والقوة إرادة قبل أن تكون أدوات، وطاقة روحية مؤمنة بأهدافها قبل أن تكون مادة على الأرض قد تصبح عبئاً على مستخدمها إذا لم يملك الإرادة والإبداع.
إننا نحتاج إلى أن نقف تحت شمس ضحى المكاشفة لنسأل أنفسنا: ماذا نريد.. وكيف نبلغ ما نريد؟!
فلسطين لن تعود سلماً، ومن يريد جزءاً من فلسطين على شكل "غربال" سلطة الحكم الذاتي يمكنه أن يقول: فزت بما أريد وقبلت بما تحقق لي، أما من يريد فلسطين الجغرافية والتاريخ بصلابة الأرض والصخر والقلب المؤمن بالله والحق والوطن، فعليه أن يعرف أنها لن تعود إلا بالقوة.. وأن تلك الطريق مكلفة كثيراً .. وهي طريق تتعارض كلياً مع اختيارات معظم الأنظمة العربية، التي دأبت منذ قمة فاس تبحث عن حلول سلمية.. وهي حلول لن تعيد فلسطين وإنما ستؤدي إلى تقديم صكوك للمحتل تعترف له بشرعية العدوان والاحتلال وتكرس نتائجهما.
فلسطين تعود محررة، وبذلك تحرير لإرادة الأمة وإطلاق لطاقاتها.
فهل هذا أكبر منا ومن تطلعاتنا؟! وهل هو من المستحيلات التي تضم إلى ماعرف العرب من مستحيلات..؟!.
أم أنه مما يمكن تحققه، وما يمكن أن نسلك طريق الوصول إليه قائلين: علينا أن نبقي باب التحرير مفتوحاً وعلى الآتين أن يتابعوا السير نحو الهدف غير مكبلين بصكوك وبإرث من التواكل والإحباط؟!
التحرير ممكن.. والعدو ليس فولاذاً.. وحتى الفولاذ تصهره النار وتخترقه الإرادة بوسائلها ومعارفها وعلومها وأدواتها.
تعالوا نسأل أطفال الانتفاضة.. ألم يرسموا بالحجر خريطة جديدة للقضية الفلسطينية في أذهان الناس وعلى أرض الواقع ، ألم يغيروا نظرية الرأي العام العالمي للقضية في أربع سنوات أكثر مما فعلنا في عشرات السنوات؟!.
لقد فعلوا، ولكن أوسلو وما تحمل من قصور وتفريط وتآمر، بل خيانة.. شلت إرادتهم وعطلت وسيلتهم، وأقامت من بعض قلوب وعيون وسواعد هناك رقيباً على قلوب وعيون وسواعد، فشلّت الأداء وجيرته لمصلحة العدو... ولكن هذا النوع من الاختيارات الشعبية لم يدفن... ولم يُهجر وما زال يجدد من آن لآن.. وها هو اليوم في الذكرى الثانية والخمسين لاغتصاب الوطن .. فلسطين، يرفع صوت الإرادة والشعب والوطن، ويقدم مئات الجرحى والشهداء.. ويصبغ الأوقات والطرقات بالدم ليؤكد حيوية الشعب وحياة القضية وتجدد الوجدان والتعلق الشعبي بالإرث النضالي.
تعالوا نسأل المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان.. تعالوا نسأل حزب الله تحديداً.. كيف تكون نتيجة المقاومة ضد العدو الصهيوني؟! وهل هو عدو لا يعرف الهزيمة، أم أنه يذوقها اليوم بذل كأسه دهاقا، وينسحب من الجنوب تحت وطأة الخسائر البشرية والمعنوية التي تلحقها به المقاومة وذَنَبُه بين رجليه.. وينهار جيش عملائه انهياراً تاماً وتستسلم عناصر ذلك الجيش بالمئات، ويدخل أهل القرى الجنوبية قراهم غير هيابين، ويصنعون أعراس النصر بروح معنوية عالية، ولا يخشون المدافع والصواريخ المعادية المنصوبة فوق الهضاب المطلة على قراهم..؟!
ها هي حقيقة الحال اليوم في القنطرة والطيبة وبرعشيت..وفي عديد القرى الجنوبية ..
العدو ينهزم والمقاومة تنتصر
الاحتلال ينهزم.. والشعب يعود إلى أرضه.. المقاومة تنشر راياتها فوق تراب الوطن.. والدخيل يرحل ممزق الرايات، محروق الوجنات، مخترق القلب والوجه بفعل القوة المحرِّرة، ويحمل عنواناً واحداً: المهانة .
إنها المقاومة التي لم تنحرف عن أهدافها.. المقاومة التي صبرت يوم لم يكن معها نصير، ويوم لم يردد صوتها صوت، ولم تتعاطف معها الأنظمة العربية..
لقد انتصرت..
نعم كان هناك ظروف وشروط ومناخ ومعطيات سياسية وجغرافية.
ولكنها هي التي ساهمت بالدرجة الأولى في توظيف ذلك كله لمصلحتها أو لمصلحة أهدافها التي هي أهداف قومية، ومن ثم جعلت المناخ العام في خدمتها.
إن حزب الله لم يكن ليقاوم وينتصر لولا دعم سورية وموقفها الصامد، ولولا دعم إيران وموقفها المبدئي من الاحتلال الصهيوني لفلسطين ومن قضية فلسطين، ولولا المتغيرات اللبنانية ووقوف الحكومة ورأس الدولة مع المقاومة..
هذا كله صحيح..
ولكن مثل هذا وأكثر كان للمقاومة الفلسطينية يوم كانت على تلك الطريق وفي مواقع ومواقف نضالية وقتالية مشابهة.. والمقاومة اللبنانية نشأت في رحم المقاومة الفلسطينية وعلى هديها.. فما الذي غير السلوك والأفعال ومن ثم الدروب والأهداف والنتائج؟!
إنه السؤال الذي فحصناه طويلاً، والذي لم نخرج بعد من صدمته إلى أرض المقاومة من جديد لتكون مقاومة من أجل التحرير، وليس مقاومة من أجل التحريك، مقاومة من أجل تحرير فلسطين كلها، وليس من أجل غزة التي كان سينسحب منها العدو أصلاً لما لقيه فيها من مقاومة.
إنه السؤال الذي يحتاج منّا اليوم إلى إنارة هوامشه، كل هوامشه، بالأسئلة الجريئة والأجوبة الشافية لنخرج إلى اختيارنا الأساس وأهدافنا الواضحة:
التحرير هدف والمقاومة اختيار، فهل سنجابه بالقول: إن الوقت ليس ملائماً وليس هذا هو وقت المقاومة والتحرير!!
إنه كلام الخذلان والهروب من المسؤولية التاريخية والنضالية..
الوقت يكون دائماً ملائماً لتبدأ الشعوب خطواتها على دروب قضاياها الرئيسة وصنع مصائرها وكتابة تاريخها، والتاريخ لا ينتهي وإنما يبدأ التجدد في كل وقت وعند كل انبثاق يفجر إرادة تصنع التاريخ.. والشعوب تكتب تاريخها وتجدده فالتاريخ لا ينتهي .
ولا تتوقف مسيرة الحرية المرتبطة بالتحرير والنابعة منه. إذ لا حرية لمن تُسْتَعمر أرضه وتحتل إرادته ويزيّف قراره، وتنتهك أعماقه باختيارات الذل والحلول المشبوهة، والتغييب أو الغياب عن مجال الحيوية، والحضور.
تعالوا.. نقل بصوت واضح..
نحن مع المقاومة طريقاً للتحرير.
نحن مع فلسطين عربية.. كل فلسطين عربية ... هكذا كانت، وهكذا ستبقى، وهكذا ينبغي أن تقدم للأجيال القادمة وتبقى في كل التاريخ والوجدان والذاكرة.
نحن ضد اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة وضد كل اتفاقيات نشأت أو يمكن أن تنشأ على شاكلتها.. ولسنا ضد بعض نتائج تلك الاتفاقيات فقط مثل التطبيع بأشكاله، ومنه التطبيع الثقافي .
نحن مع شهدائنا ولسنا مع، من يعرضهم في سوق السياسة ويساوم عليهم ويكتفي منهم بتحريك خطواته على طريق حل لا يحقق أهدافهم.. حل لا يحرر فلسطين ولا يعيد شعبها إليها حراً سيداً فيها وعلى ترابها كله.
نحن مع أطفالنا الذين يقدمون الدم ليولد صبح فيه طعم الكرامة والحرية والاستقلال الحقيقي والهوية العربية.
نحن مع تاريخنا وثقافتنا وهويتنا القومية، ومع ديننا ومنظومات قيمه وما يمليه على المؤمن من جهاد حين تحتل أرضه وتنتهك حرماته ومقدساته، وتهان كرامته وتسلب منه الإرادة.. نحن مع ديننا ومع ما يمليه علينا من واجبات مسلمين كنا أم مسيحيين .
نحن مع أبطالنا ورموزنا الثابتين على المبدأ، الذين بدأوا مسيرة الجهاد من أجل فلسطين منذ نهاية القرن الماضي، عندما بدأت طلائع الاستيطان الصهيوني تدب في أرضنا، أولئك الذين لم تتوقف قوافلهم التي قدمها شعبنا على التقدم.. وما زالت مستمرة على نحو ما.
تعالوا نجدد عهدنا للقضية وللشهداء وللرموز وللتاريخ الذي صنعه الآباء والأجداد.
تعالوا ننهي خلافاتنا التي تبدو قزمة حيال أهدافنا العظيمة ونكوّن جبهتنا القوية العريضة، ونصنع برنامجنا النضالي، ونبدأ مسيرة الوفاق بفرز حقيقي للحنطة عن الزؤان تصنعه المعركة بنارها والمقاومة بنقاء جهادها فجرها ومجدها..إذا أردنا أن نكون على طريق ما نرفعه من شعار، بوصفنا حركة عربية تعمل على تشكيل تيار عريض يعمل من أجل التحرر. وإن العرب لأهل لذلك.. ولكن.. فلنبدأ فلنبدأ أرجوكم.. فالوقت يمر.. وعلينا ألا نترك العدو يستقر ويرتاح في أرضنا.. كما أن من الواجب أن نتابع طريق المقاومة المزدانة اليوم بنصر في جنوب لبنان يصنعه مجاهدون يستحقون التقدير والتحية، كما يبشر به مقاومون في فلسطين المحتلة يخوضون نضالهم في ذكرى اغتصاب فلسطين، ويتضامنون مع المناضلين السجناء في سجون العدو الصهيوني والسلطة المتعاونة معه، ويواجهون باللحم والدم والحجر آلة الحرب والحقد والنازية الجديدة والتآمر ويبشر به أيضاً مناضلون فلسطينيون ثبتوا على المبدأ وتمسكوا بالحق ورفضوا الهزيمة والمساومة والتفريط بالحق.
أيها المناضلون.. هذه ساعاتكم المباركة وساحاتكم المباركة.. فتقدموا نحو واحد من اختيارين: المقاومة... أو المقاومة..
والنصر بعون الله لأمتنا
وفلسطين وطننا العائد إلينا.. العائدون نحن إليه وعاصمته القدس.
والمجد لشهداء أمتنا العربية على طريق الحرية والتحرير.
وتحية للمقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان وعلى رأسها حزب الله. ولأبناء فلسطين الذين يخوضون نضالاً مستمراً ضد العدو الصهيوني.
دمشق في 23/ 5/ 2000
|