|
انتصـــار المقاومــة... لـكــل اختيـــار ثمــن
لبنان يتعافى من سرطان الاحتلال، ومزارع شبعا في طريقها إلى التحرير، وقد بدأ العدو بتدمير بعض مواقعه العسكرية المشرفة على تلك المزارع تمهيداً للاندحار منها، والمقاومة الباسلة وعلى رأسها حزب الله عادت إلى مواقع التَّماس المباشر بين فلسطين المحتلة والحدود التي صنعتها اتفاقية سايكس ـ بيكو، وأهل القرى الجنوبية عادوا إلى قراهم مغمورين بالثقة والبهجة والأمل، والعملاء يخيِّمون في الأراضي السورية المحتلة على الشاطئ الشمالي لبحيرة طبرية تحت رعاية أسيادهم الصهاينة(1) ">(1) ، ورأس العمالة أنطوان لحد يقطر أسفاً وبؤساً وجبناً لأن "إسرائيل" أمرت قواتها فجأة بالانسحاب فعجلت بانهيار قواته، وسلم المئات منهم أنفسهم للمقاومة التي سلمتهم بدورها للجيش اللبناني.
تمثال سعد حداد حطِّم وداسته أقدام المقاومين اللبنانيين الشرفاء، وسجن الخيام تم اقتحامه وإطلاق المعتقلين منه/ مئة وأربعون معتقلاً/ والمعابر التي كانت مفتوحة بين الجنوب وفلسطين المحتلة أغلقت وكان آخرها معبر "فاطمة" الذي أغلق في الساعة السابعة من صباح يوم الأربعاء 24/ أيار 2000 بعد أن انسحب آخر جنود الاحتلال في الساعة الرابعة من صباح اليوم ذاته من آخر المواقع في الجنوب؛ وقام مجاهدو حزب الله خلال الأيام الماضية بالحراسة على طول الحدود لا يفصلهم عن الحراسة التي يقوم بها جنود الاحتلال في شمال فلسطين سوى خمسة أمتار في بعض المواقع.
رأس الدولة اللبنانية قام الأربعاء بزيارة قرى الجنوب، ويوم الخميس
25/ أيار كان اليوم الوطني للمقاومة في لبنان حيث غمر الفرح قلوباً وقرى في لبنان من شماله إلى جنوبه ومن غربه إلى شرقه، فيما عدا بعض الزوايا المظلمة في نفوس ومواقع عاشت الحزن على حليفها التاريخي "إسرائيل" وعلى حلمها التاريخي الذي انهار بانهيار لحد وجيشه بعد انهيار آخرين.. لبنان يولد من جديد، وأوضاع جديدة في لبنان تقدم معطيات جديدة ليس للبنان وحده وإنما للمنطقة كلها.
فأين نحن اليوم، وعلى أية مفارق طرق ومشارف أحداث نقف؟! الوضع الجديد يقدم الآتي:
1-تهديداً صريحاً ومتنامياً لسورية يتكرر ويتجذر ساعة بعد ساعة، يعلنه المسؤولون الصهاينة من فلسطين المحتلة ومن واشنطن على التوالي، وما يعلنه ايهود باراك ودافيد ليفي تكرره مادلين أولبريت ويؤكده وليم كوهين، وهو يرمي إلى جعل سورية مسؤولة عن أية طلقة يطلقها حزب الله في لبنان باتجاه قوى الاحتلال في شمال فلسطين، ويعمل على تهيئة الرأي العام العالمي وشحنه ضد سورية ولبنان ليكون متعاطفاً مع أي عدوان يشنه الكيان الصهيوني ضد لبنان والمواقع السورية في لبنان، بل ضد مواقع في سورية ذاتها.
ويبدو من زج دول أخرى مثل فرنسا في هذا التيار أن العدو الصهيوني يهيئ لانتقام تقوم به قواته الجوية يرد به هزيمته المنكرة، ويعيد التوازن إلى التجمعات والنفوس الصهيونية المختلة داخل فلسطين المحتلة، ويعيد بعض الثقة لقواته التي تواجه المقاومة في جنوب لبنان.
2-مناخاً جديداً يحيط بمسار التفاوض المجمد بين سورية والكيان الصهيوني.. يقوم على الوعد والوعيد، ويقدم التهديد بعزل وحصار مرين بين ثنايا التصريحات والزيارات والاتصالات.
وتريد الجهات المعنية أن تقدم هزيمة العدو الصهيوني في الجنوب على أنها التزام من "إسرائيل" بالقرارين 425-426 ومن ثم فإن " إسرائيل" تستحق "الشكر" والثقة جراء انسحابها من جنوب لبنان، وأن ذلك الانسحاب يمهد الطريق أمام حل معضلة الجولان لأن سورية تدرك، أو ينبغي أن تدرك، من وجهة نظر المفاوضين اليهود من روس إلى مايكل ليفي ومن تيري رود لارسن إلى مادلين أولبرايت أنها:
أ-فقدت ما يسمونها ورقة لبنان، وذرائع استمرار المقاومة ضد "إسرائيل" انطلاقاً من لبنان، بعد الانسحاب "الإسرائيلي" التام من الأراضي اللبنانية.
ب- مدعوة لاستئناف المفاوضات على أساس حلول مقترحة للعقبات المتبقية ومنها عقبة طبرية، حيث يتم الاعتراف بسيادتها على الشاطئ الشمالي الشرقي للبحيرة من دون أن يكون لها نصيب في مياه البحيرة أو سيادة عليها، وقد تفصِل قوة دولية بين المياه والأرض السورية العائدة على أن يتم ضمان تدفق المياه عبر الليطاني وعدم تلويثها.. وهو ما يمكن أن يكون حكم القانون الدولي الذي ارتضته سورية في وقت من أوقات التفاوض السابقة لهذا الموضوع.
ج- محكومة بموقف دولي تقوده الولايات المتحدة وبريطانيا يحملها مسؤولية قيام مقاومة من نوع ما فلسطينية أو لبنانية أو.. الخ لأن ذلك يعرضها لتحمل تبعات: الرد العسكري الإسرائيلي المدعم أميركياً، ومطالبتها بتطبيق القرار /520/ أي أنها منذرة على نحو ما: بقبول العروض الأميركية الإسرائيلية الأخيرة للتفاوض وإنهاء التسوية، أو بفتح ملف حصارها وإخراجها من لبنان وفرض فصل المسارين اللبناني والسوري أحدهما عن الآخر بحكم ما تحقق على أحدهما وتعذر تحققه على الآخر.
ء- مطلوب منها مراعاة واقع دولي وعربي يعترف لسلطة عرفات بتمثيل الفلسطينيين ومن ثم فتحريك الفصائل الفلسطينية أمر تتحمله هي وعليها أن تجمده هي لكي لا تدفع ثمن غضب "المجتمع الدولي" الذي قدم لها فرصاً وإنذارات.. ولكنها لم تأخذ ذلك على محمل الجد، أو أنها لم تستفد منه كما ينبغي ولم تقرأه كما ينبغي.
3-محاولة إسرائيلية -أميركية- غربية تشارك فيها بعض الأنظمة العربية ترمي إلى محاصرة الانتصار العظيم الذي حققه حزب الله على العدو الصهيوني في جنوب لبنان، وجعل انتشار آثار ذلك في أضيق الحدود، حتى لا يتشكل مناخ عربي وإسلامي جديد يأخذ بالمقاومة اختياراً بديلاً للمفاوضات المذلة ونتائجها البائسة، ويجعل من تجربة المقاومة اللبنانية أنموذجاً يحتذى، لأنها حققت على الأرض ما لم تحققه المفاوضات، وأجبرت الكيان الصهيوني على احترام الحق العربي، وكشفت البنية الجبانة للمحتل الذي يتدرَّع بالتكنولوجيا المتقدمة بينما هو منخور من الداخل تماماً.
وهي محاولة مستميتة تسير في اتجاهين:
إعادة الثقة لقوات الاحتلال بنفسها وبإمكانياتها من جهة وقتل عوامل الثقة الجديدة المنبعثة في النفوس العربية جراء انتصار المقاومة في جنوب لبنان من جهة ثانية، والتغطية أساساً على العوامل الرئيسة التي جعلت تلك المقاومة تنتصر على الرغم من الخلل الكبير بينها وبين العدو بالعدة والعتاد والعدد، وهي عناصر: الإيمان- والثقة- والاعتماد على الذات، وخوض الجهاد استناداً إلى مرجعية الإسلام ومنظومات قيمه وحقائق ما يدعو إليه في حال وقوع الناس والأرض والمقدسات والكرامة والهوية تحت الاحتلال أو في دائرة التهديد.
ويمكننا من بعد أن نلقي الأسئلة الآتية: هل يمكن أن يفرض العدو وحلفاؤه على سورية ولبنان والمقاومة وعلى الشارع العربي، كل ما يرمون إلى فرضه، لا سيما في مجال محاصرة انتصار المقاومة وقتل تأثيره في النفوس، وإلغاء دروسه التي يمكن أن تقرأ فلسطينياً على نحو إيجابي؟! وما هي الاحتمالات القادمة التي يشي بها انتصار المقاومة وانكفاء العدو مهزوماً من الجنوب؟!
في معرض التفاعل مع معطيات التساؤل الأول أقول: إن انتصار المقاومة حدث لا يمكن محاصرة نتائجه الإيجابية ومنع تسربه إلى أعماق نفوس العرب والمسلمين في كل مكان. فهو نصر طال انتظاره، وعظم ثمنه، وانتشر خبره، ولا يمكن محاصرة تأثيره ورسالته ودعوته، التي ينبغي أن تبث وتؤكد ويتم الانحياز إليها من أولئك الذين يؤمنون بعروبة فلسطين، ويرفضون الهزيمة وأشكال الاستعمار والهيمنة الصهيونية ـ الغربية على المنطقة، ومن أولئك الذي يقولون بحرية الإنسان وباحترام حقوقه الأساسية؛ لأن الاستعمار والاحتلال العنصري الصهيوني والممارسات النازية التي لذلك الاحتلال هي قمة العدوان على الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، وهي قمة الاستلاب والسيطرة الإمبريالية على الشعوب والدول والمجتمعات والأفراد.
لقد انطلق تأثير شرارة المقاومة في كل اتجاه من وطننا العربي، وارتفعت هذه الراية فوق القمم العالية في الأرض والنفس، وانداح موج هذا المحيط العارم يضرب الصخور ويجتاح رمال صحراء العرب.. فمن ذا الذي يستطيع أن يوقف ذلك يا ترى؟! إن المقاومة آية العصر العربي القائم التي تشع نوراً وتتدفق باتجاه الظلم والاحتلال والاستلاب ناراً حارقة.. ولا يمكن محاصرة النور وعلينا أن نبقي جذوة نار المقاومة مشتعلة إلى أن ننجز التحرير.
أما في مجال التواصل مع التساؤل الثاني المتصل بنتائج اندحار العدو من الجنوب وسيطرة المقاومة على الوضع هناك في غياب قوات الأمم المتحدة، التي فاجأتها سرعة انهزام الصهاينة، فأجدني على عتبة القول بأن المنطقة مرشحة للاحتمالات الآتية:
-عدم تسخين جبهة الحدود اللبنانية مع شمال فلسطين إلا في مساحة منطقة شبعا في حال تأخر العدو عن الانسحاب منها، ولن يكون ذلك الانسحاب بعيداً.
-احتواء الأوضاع التي كانت مرشحة لخلق فتنة في الجنوب بعد انهيار خطط اللحديين والإسرائيليين معاً، فلم تعد هناك احتمالات لحرس حدود يدعمه الكيان الصهيوني ولا لأسلحة فردية أو أكثر يؤدي استخدامها إلى تفجير في الجنوب قد يمتد إلى الداخل محدثاً فتنة طائفية، فكل المخططات الشريرة التي من هذا النوع سقطت بسقوط العدو وعملائه في وهدة الهزيمة والذل، وفي هوة اندحار الخطط والمخططين معاً؛ وقد اندحرت مع ذلك الاندحار محاولات إزعاج سورية في لبنان من خلال تحريك العملاء.
وفي تقديري أن لبنان، والمقاومة الوطنية على الخصوص وفي المقدمة منها حزب الله، قد تصرفا تصرفاً مسؤولاً ومتسامحاً ورفيع المستوى في الجنوب حيال الذين قاتلوهما بحقد وشراسة مدة خمسة وعشرين عاماً.. ولبنان يتجه لمعالجة هذا الموضوع بحكمة تترك للقانون المحاسبة وللعوامل الاجتماعية والإنسانية هوامش تأثير لإعادة الوئام إلى جنوب مزقته الحرب ويحتاج إلى أمن واطمئنان وسلام نفوس مؤمنة بالله والوطن وبالمصير الواحد لأبناء الوطن الواحد والأمة الواحدة.
لقد بدأ العملاء يستيقظون على فجيعة كبرى هي أن الكيان الصهيوني خذل ويخذل المعتمدين عليه، وأنه ليس قوة لا تقهر، وأنه كان يستغل جهدهم ودمهم في خدمة مصالحه، وأنهم ضحوا بوطنهم ووطنيتهم على مذبح نتن.. وأنهم ارتكبوا المعصية الكبرى حين خانوا الوطن وتخلوا عن الانتماء للأمة التي هم جزء منها.. هذه الصحوة قد تكون مقدمة لحساب ذاتي واجتماعي يعطي دروساً لكثير من العملاء الكبار والصغار الذين يخدمون الكيان الصهيوني وسواه، ويتعاملون مع الغير ضد أمتهم ووطنهم.
وأعتقد أن ما تم في الجنوب من اندحار للعدو وانتصار للمقاومة سوف يكون له تأثير على شرائح اجتماعية في لبنان وخارجه ربطت مصيرها بالعدو الصهيوني وتعلق آمالاً على ربط مشاريعها المستقبلية به.
وأعتقد أن التحالف السوري -اللبناني سوف يتعزز، وأن الموقف العربي من هذا التلازم في المسار والمصير سوف يتحسن، وقد تكف الأنظمة العربية عن تحريك هذا الرماد لأنها ستكتشف أن الجمر الذي دفنته تحته قد انطفأ.
بقي أن أؤكد أمراً أكدته الأحداث التي مرت على المنطقة منذ عشرات السنين، كما أكدته معطيات الصراع العربي- الصهيوني منذ بدأ، وهو أن سورية لن تخضع للشروط الصهيونية والأميركية، ولن تتنازل عن دورها القومي ولا عن دورها الإقليمي في المنطقة، وأنها ليست ممن يخشى التهديد ويركض وراء الإغراء الذي يزيغ النظر عن المبادئ والثوابت والحقوق.. سورية ستبقى صاحبة مشروع قومي ورؤية مستقبلية، وثوابت قومية.. وهذا مكلف.. ولكنه قدرها واختيارها.. ولكل اختيار ثمن.
ونحن اليوم نقرأ درس المقاومة التي اختارت ودفعت ثمن اختيارها وقطفت ثمار النصر.
دمشق في 25/5/2000
الأسبوع الأدبي العدد 710
(1) ">(1) ـ أقيمت مخيمات أخرى للعملاء منها في : تل حاي، كريات شمونة، عسقلان،..إلخ ورفض سكان القرى العربية في شمال فلسطين المحتلة أن يسكن العملاء بينهم. بعض القرى الدرزية هناك بدأت يوم 26 أيار تبدي استعدادها لذلك.
|