|
حـزيـران العائــد على جناح المقاومة
يقوم العدو الصهيوني هذه الأيام بالاعداد والاستعداد للاحتفال بما يسميه "توحيد القدس" وجعلها عاصمة "أبدية" له. وهي الذكرى المُرّة الثالثة والثلاثين لهزيمة حزيران التي مني بها العرب وأدت إلى احتلال سيناء والجولان والقدس والضفة الغربية من فلسطين وغزة ومزارع شبعا.
وإذا كان الدم والسلاح العربيان قد حررا بعض تلك المواقع وأعادا شيئاً من الثقة للإنسان العربي بنفسه وبالنصر بعد تلك الهزيمة في حرب تشرين 1973 فإن معظم ما احتل من أرض لم يحرره الدم والسلاح، وعاد بعض الأرض في مقايضة "أرض بسلام" وأدى إلى اتفاقيات إذعان نبتت على جذع كامب ديفيد الذي لم يلبث أن تعرّب ثم انتشر نسله في ممرات السياسة ومراكز بعض العواصم العربية ليؤدي إلى هرولة ما زالت مستمرة بأشكال مختلفة إلى يوم العرب هذا.
وتأتي ذكرى حزيران الحزين اليوم على وقع انتصار المقاومة الوطنية والإسلامية في جنوب لبنان التي حررت الأرض بقوة الإيمان والسلاح، وعززت الإرادة والثقة بالنفس بدفق دم طهور وتضحيات جسام لم يبخل بها المقاومون الصامدون وأهل الجنوب الصابرون، الذين استعادوا فرحة مستلبة بعودة أرض مستلبة وأسرى ومعتقلين لا قوا في سجن الخيام هواناً دام سنوات.
وإذا كان حزيران الحزين العائد اليوم محملاً بأوضار الذكريات المُرّة، يتدفق على سطح صقيل لامع وشفاف من ذكريات حارة قريبة رفعت رأس العرب عالياً بنصر المقاومة في الجنوب، فإن حزيران ما زال مثقلاً بنتائج الهزيمة، التي تخيّم ظلالها اليوم وتتجسد نتائجها: احتلالاً للجولان واستيطاناً فيه، وتهويداً للقدس واستعماراً لمحيطها، وقضماً لأرض الضفة الغربية وإنهاكاً لأهلها، مع ما أنتجه الوضع كله وخيار استراتيجية الحل السلمي للصراع، من تهالك على التفريط بالحق العربي في فلسطين، وانتهاك لكل المحرمات التي ثبتها مجرى الصراع العربي- الصهيوني.
إن القدس اليوم أحد أهم مفاتيح الحرب والسلام في المنطقة إن لم تكن المفتاح الأهم، ولا أظن أن المفاوضات الجارية في استوكهولم بين ممثل الاحتلال وممثل سلطة عرفات يمكن أن تؤدي إلى حل من أي نوع لموضوع القدس والتفريط المنتظر بها ليس حلاً -ولذا فإن سياق الأحداث الذي فرضته هزيمة حزيران لا يمكن أن يغيره أو يوقفه إلا نصر ناجز كذلك الذي تحقق في جنوب لبنان، مع التقدير العالي لكل ما أنجز في تشرين 1973 لا سيما في الجانب المعنوي، لأن نصر تشرين حوّله السادات إلى هزيمة، والعبور الرائع الذي حققه الجيش المصري لقناة السويس أصبح عبوراً بلا حدود للجغرافية والتاريخ معاً ابتداء من "الدفرسوار" مروراً بالخيمة 101 وانتهاء بكامب ديفيد ونسلها المقيت الذي ما زال ينبت رؤوس شياطين في مفارق رؤوس ودروب.
ولأن وصول المقاتل السوري إلى بحيرة طبرية أدى إلى ارتداد وصل إلى "سعسع" جراء حركة السادات في المكان على ما أسماه "المدحلة الروسية" التي استمرت ثلاثة أيام بعد العبور تمكن العدو الصهيوني خلالها من تحويل قواه وما أسند به من قوة، حملها الجسر الجوي الجوي الأميركي الذي لا سابقة لقوته وسرعته إلى الجبهة السورية، الأمر الذي أدى إلى توسيع الاحتلال للجولان بدلاً من تقليصه.
أما القنيطرة فلم تحرر إلا نتيجة لصمود القوات السورية الرائع مدة تسعة وسبعين يوماً، هي أيام حرب الاستنزاف التي واجه المقاتل السوري بها قوات الاحتلال، وأدت إلى انسحاب العدو من القنيطرة بعد تدميرها بوحشية ما زالت شاهداً على همجيته ونازيته تضاف إلى الشواهد الأخرى من قرى مدمرة تعد بالمئات ومذابح تمتد من دير ياسين إلى قانا، ومعسكرات اعتقال تضاهي أوشفيتز وبوخنفالد تمتد من سلسلة معتقلات: أنصار والسجون "الإسرائيلية" إلى معتقل "الخيام" الذي ينضم بجدارة إلى الشواهد العنصرية على نازية الصهيونية وهمجيتها البغيضة. الدرس الذي يحمله حزيران 2000 المحمول اليوم على جناح انتصار المقاومة في جنوب لبنان يتلخص بجني ثمر المقاومة الصادقة الصارمة: نصراً وتحريراً، وبضرورة تعزيز التوجه نحو المقاومة اختياراً يُبقى خيار التحرير مفتوحاً إلى أن تملك الأمة قوة وتستعيد صحوة تمكنانها من تقديم المقاومة على المساومة وصولاً إلى الاستقرار والحرية والأمن على أرضية الكرامة والتحرير لأن العدو يستهدف الأرض والروح المعنوية والهوية الثقافية والوحدة القومية معاً، وهو لا يطيق صحوة عربية وإسلامية من مقوماتها الوعي والاختيارات المبدئية ومن قيمها ووسائلها: التضحية والشهادة والجهاد، ورفع العام فوق الخاص، وإعلاء الشأن القومي على القطري.
إن حزيران المقعد على حصير الشعارات التي جوفها الجهل وقلة الحيلة، يركض به اليوم "أيار" الذي يحمل راية وصلت إلى حدود المحتل من الأرض ورابطت هناك..
وهي حين تستظل بـ "شقيف أرنون" تحيي ذكريات وتاريخاً يعود إلى صلاح الدين الذي كانت قلعة الشقيف منطلقه إلى القدس يوم حررها من رجس الاحتلال الاستيطاني الذي أقامه الغرب الاستعماري في زمن الحروب الفرنجية وإذا كانت رسالة حزيران إلى أبناء هذا الزمان مسكونة بألف لغز ولغز وألف درس ودرس، فإنها تتنزى اليوم، من أسف، ببعض ما كان من عوامل الفتك الذريع بالأمة أيام حزيران 1967 وببعض ما كان من مسببات الخلل في الصف العربي.
والعدو المتوافق مع حلفائه وعملائه على خطة عمل وأسلوب تحرك، يحرك أوراقه ليقدم انكساره واندحاره بثوب "انتصار" وليكلل احتلاله "بشكر دولي" على الانسحاب؟! ويلقى من يقدم له ذرائع ويساعده على إلحاق أذى بالمقاومين والجبهة الشعبية والرسمية التي احتضنت المقاومة الباسلة في جنوب لبنان.
ويعمل جاهداً على أن يقابل اندحاره بانكسار في الصف العربي وخلخلة في بنية الجبهة التي اختارت الصمود موقفاً والمقاومة وسيلة لإبقاء الطريق مفتوحة باتجاه التحرير والمستقبل.
إنه يحرك دُماه.. وأفواهاً شانئة شائنة تساوي بين احتلاله العنصري وممارساته النازية في لبنان، وبين الوجود السوري الشرعي في لبنان الذي تم بقرار لبناني وعربي ولأغراض إيقاف عجلة الدم والنار والدماء في لبنان ومواجهة زحف الاحتلال الصهيوني الذي كان يهدد دمشق من مواقع جغرافية يحتلها في لبنان ومن أخرى نفسية واجتماعية ما زال يحتلها في بعض مساحات من لبنان.
ولا أظن أن المعنيين بقراءة درس حزيران 1967 غافلين عن قراءة ما يعنيه كلام يتدفق في حزيران 2000 حول الوجود السوري في لبنان، والقراءة ليست مجرد استذكار ولا مجرد اعتبار.. وإنما هي مدخل قرار حكيم يأخذ معطيات الماضي ومجريات الحاضر في الاعتبار وهو يصنع القرار الذي يواجه به وضعاً عربياً متردياً، وهجوماً استعمارياً -أميركياً على الخصوص -مستشرياً، وحقداً صهيونياً تحركه الهزيمة لتحوله إلى عدوان منتظر، وتهديد بعدوان يقول به الإرهابيون الذين يحكمون في فلسطين المحتلة، ويوجهونه ضد سورية بالدرجة الأولى، إذا لم تستجب لما يفرضونه، وإذا لم ترفض كل اختيار يُبنى على استقراء واستنتاج تقدمهما المقاومة والمواجهات الحاسمة مع العدوان والاحتلال باسم الأمة ومن أجل التحرير.
إن العدو يريد فرض شروطه لاستئناف المفاوضات، أو يريد كسب بعض المواقع عندما تستأنف المفاوضات، ولأنه يدرك جيداً أن سورية لن تتنازل، وأنها في الموقع الأفضل الآن، يريد أن يحرك أوراقاً تضعفها، أو يلوّح بتلك الأوراق لجعلها تعيد النظر بمواقفها، وهو لا يدرك أن سورية لم تخضع سابقاً ولن تخضع الآن لأي ضغط أو تهديد يجعلانها تفرط بشبر من الأرض أو بشيء من الحق، وأن لبنان ليس ورقة فقدتها أو يمكن أن تفقدها، كما يقول، وإنما هو سند سورية كما أن سورية سند له، ومن يؤذيهما أن يتفق لبنان وسورية ويكونا جبهة صمود شعبي ورسمي، عليه أن يوقن بأن ذلك لن يتغير، لأن ما بين سورية، ولبنان أكبر بكثير من عوادي الزمن، وتغيرات الأحوال، وتدخل القوى الاستعمارية وعملائها.
دمشق-1/6/2000
الأسبوع الأدبي العدد 711
|