صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ تشرين وانتفاضة الأقصى

في الذكرى السابعة والعشرين تدق قلوبنا وذاكرتنا قبضة دامية، مشبع وقعها بصرخات الاستغاثة ونداء المقدسات التي تتصاعد من انتفاضة الأقصى المبارك. وحرب تشرين كانت من أجل تحرير الأرض والمقدسات وإرادة الأمة في وطن العرب كله من الاحتلال الصهيوني والسيطرة الأمريكية.. حرب دخلها الرئيس الراحل حافظ الأسد بوصفها حرب تحرير، بكل ما يعنيه الفهم القومي الأصيل لمعاني التحرير وأبعاده، ودخلها شريكه الرئيس السادات من أجل تحريك القوات إلى  الشاطئ الآخر من قناة السويس ليتم فتح القناة وتحريك مسار من مسارات قضية فلسطين وما نشأ عنها، باتجاه الخيمة /101/ ثم كامب ديفيد.

وقد تمت الحرب في مناخ إيجابي من التضامن العربي استمر ستة أشهر، حققت خلالها الأمة ما لم تحققه في عقود من الزمن على الصعيدين العربي والدولي، وفي المؤسسات الدولية بشأن القضية المركزية لنضالها في القرن العشرين.

كانت حرب تشرين /1973/ من وجهة نظرنا، من أجل فلسطين وليس من أجل الجولان، فالجولان احتل على طريق فلسطين وليس العكس، والقنيطرة ليست أهم من حيفا ويافا والقدس كما قال الرئيس الأسد  حينذاك.

ونجد أنفسنا اليوم، في الذكرى السابعة والعشرين لحرب تشرين المجيدة، التي أعادت للمقاتل العربي ثقته بنفسه، وللأمة شعوراً بالكرامة فقدته في حزيران 1967، نجد أنفسنا أمام قضية فلسطين بكل ثقلها وأبعادها ومسؤولياتها التاريخية وأسئلتها التي تقض المضاجع.. نجد أنفسنا أمام فلسطين: القدس، والمقدس، والشعب الأعزل، وإرادة الحياة، والرغبة العارمة في المقاومة والجهاد، في مواجهة مع الوحشية الصهيونية المدججة بالسلاح، وسلطة التفريط، والغيبوبة العربية، وانتشار أدوات الصهينة والأمركة وسماسرتهما في أرجاء الوطن حيث يعمل كل ذلك على إسدال آخر ستار على القضية والحق، وسحب بساط من اليأس والبؤس تعقد فوقه موائد التفاوض على جثث الشهداء وأشلاء الشعب الممزق في مدى الانتهاكات الفظيعة للقدس والحق وكرامة الأمة العربية.

وإذا كان يدمي نفوسنا أن يستقبل بعض العرب تشرين /أكتوبر، العائد هذا العام بجبهة مرفوعة تزينها راية انتصار المقاومة على العدو الصهيوني في جنوب لبنان، بتهكم ساخر من فكرة الحرب وممن يتساءل عن كيفية الدفاع عن شعب أعزل فرضت عليه الحرب، ويحاول أن يدلق القار على نور الإرادة والحرية والمقاومة في الأمة ليدفن ذلك في دمن الهيمنة الأميركية على قرارات ساسة وإراداتهم؛ فإن مما يشعل مصابيح الأمل في تلك النفوس وقوف الشعب الفلسطيني بوجه آلة الحرب الصهيوني غير هياب يواجه الظلم والقهر والعنصرية بالحجر والصدر العاري والإيمان الذي لا يتزعزع بحق الأمة وقدرتها على الصمود.

وعلينا أن نقرأ معنى امتداد انتفاضة الأقصى المبارك إلى  الأرض المحتلة عام 1948 قراءة لا تغفل حقيقة أن الاحتلال الصهيوني بعد أكثر من خمسين عاماً على الممارسات الوحشية ضد عرب فلسطين، وبعد فرض مناهج تربوية وتعليمية معينة، لم يستطع أن يلغي الانتماء لفلسطين والعروبة والإسلام، ولم يستطع أن يخفف من فورة الدم الفلسطيني عندما تنتهك المقدسات والبراءة وتزهق الأرواح بدم بارد وأيد شريرة.

لقد هب الناس في فلسطين من الناصرة وأم الفحم إلى  رفح وخان يونس لمواجهة قوة الاحتلال، وتحرك الشارع العربي غاضباً متضامناً داعياً الدول العربية لاتخاذ خطوات عملية لحماية الشعب الفلسطيني من حملة الإبادة ولحماية القدس من التدنيس بالتهويد وهذا يؤكد للعرب الذين أعطوا ظهرهم للقومية العربية ولقضية فلسطين، وللغربيين الذين قالوا في مطلع التسعينيات من القرن العشرين: "وداعاً للقومية العربية وداعاً للأمة العربية"، يؤكد لهم أن الأمة لم تمت، وأن المسؤولية القومية عن فلسطين لم تنتهِ، وأن صوت معظم الأنظمة العربية لا يعبر عن وجدان الشعب واختيارات أبناء الأمة.

إنه من المؤسف ألا يجد الوجدان الشعبي العام صداه لا في الخطاب السياسي العربي ولا في القرارات السياسية، وأن يطرح علينا سؤال استنكاري ساخر من أحد الرؤوساء العرب، "هل تريدون الحرب"؟! في الوقت الذي يسقط فيه عشرات الشهداء ومئات الجرحى ويذبح شعبنا في فلسطين في عملية حربية يخوضها جنود الاحتلال بالطائرة والصاروخ والدبابة والرشاش في مقابل الحجر واللحم الحي، حرب مفروضة علينا لا نطلب في أثنائها إلا البحث عن سبل الدفاع عن النفس.. فلا نجد إلا السخرية من دمنا المستباح وأرواحنا المزهقة.

إن الشعوب تلجأ إلى  دولها وجيوشها للدفاع عنها في المحن وضد العدوان حتى لو كانت القوى غير متوازنة، فليس بعد الموت والقتل والتدمير لبنى الحياة مجال للتفكير بالرد الحكيم وحكمة القرار.. وفي أثناء تطبيق سياسة الإبادة العنصرية ضد شعب لا يبقى مجال أمام المنتمين إلى  الشعب أو العدل أو المؤسسة الإنسانية وقيمها خيارات من بينها عدم الدفاع عن النفس حماية "للسلام" ومسارات الاستسلام، وكسباً لرضا "رعاة البقر.. رعاة السلام" الذين يسوطون العالم بسياط صهيونية، ويضللون الرأي العام ويشوهون الحقائق، كما فعل الرئيس كلنتون مثلاً الذي قال، وهو يبدي تعاطفه مع الطفل الشهيد محمد رامي الدرة ووالده "إنه وقع ضحية لتبادل النيران" إذ لم يكن هناك تبادل للنيران في الأيام الحزينة التي مرت على الشعب الفلسطيني، فهناك نيران العنصرية الصهيونية التي يوجهها جيش الاحتلال ضد شعب أعزل وأطفال يواجهون الرصاص بالحجارة. ولم يكن محمد رامي الدرة ووالده يمسكان حتى حجراً عندما انهال عليهما رصاص جنود الاحتلال، لقد كانا في ظل جدار يحتميان ببرميل والطفل يحتمي بلحم أبيه، وهما جاثيان على الأرض يلوح الوالد بيده طالباً الأمن والسلام والحياة لطفله قبل نفسه ثم انهال عليهما الرصاص.

فكيف يرى الرئيس كلنتون الأمور، وكيف يريد أن يسوّقها في خدمة الحركة الصهيونية و"إسرائيل" وحملة حزبه الانتخابية، وفي سبيل إنجاح هيلاري بدعم صهيوني.

إن قلب الحقائق مؤلم، والمؤلم أكثر منه هو الاستجابة لقلب الحقائق ذاك والتعامل مع التضليل أو المشاركة فيه.

وفي هذا السياق تأتي الدعوة إلى  عقد لقاء باريس وشرم الشيخ بين عرفات وباراك برعاية أميركية صهيونية، فمادلين أولبرايت لا تقل صهيونية عن باراك، ولا تقل خدمة "لإسرائيل" عن مارتن انديك الذي افتضح أمره وما زال قيد التحقيق، ولا عن جونافان بولارد.

إن اللقاء مدخل لتسويغ نسيان الدم الذي أريق في الأيام الماضية، ولاجهاض انتفاضة الأقصى، ولتقديم دليل يقال إنه موجه للطرفين والحقيقة غير ذلك على أن الأجدى هو استئناف المفاوضات في ظل تنازل جديد يقدمه عرفات تحت ذريعة أن ليس أمامه إلا القبول بما يعرض عليه.. إذ ليس بإمكانه أن يواجه آلة الحرب "الإسرائيلية" في ظل أوضاع عربية ودولية معروفة.

إنه سيقّدم على أنه حكيم.. مفرط صحيح ولكن لحكمة.. ليصون دم الشعب وإذا لم يقبل ذلك في باريس برعاية من أولبرايت فسيقبله في شرم الشيخ برعاية الرئيس مبارك، الذي سيدخل راعياً ووسيطاً شئناً ذلك أم أبينا، ونحن نستغرب أن يستمر عرب في القيام بدور الوسطاء بين عرب والكيان الصهيوني حتى في وقت يسقط فيه ألف جريح عربي وعشرات الشهداء في يوم واحد؟!

إن تشرين المجرّح يقودنا إلى  فلسطين المثخنة بالجراح، ولذلك نركز على ما جرى ويجري في فلسطين، وفي أيام انتفاضة الأقصى وما أعقبها من أحداث.

كنا نتمنى ألا يذهب الرئيس عرفات إلى  باريس أو إلى  شرم الشيخ.. ولكنه ذهب ووصل إلى  ما وصل إليه، وأكاد لا أشك لحظة في أنه كان يتمنى ما حصل ويتطلع إليه ليقدم آخر ما في جعبته من تنازل ويأخذ "عرشاً" بائساً في غزة على حساب القدس واللاجئين وعودة الحق وحق العودة ودماء الأطفال.. ذلك لأن أوسلو معروفة النهايات منذ البداية، والفتح الذي وضع نفسه والشعب الفلسطيني فيه معروف النتائج اليوم وغداً ففي ظل تفلّت عربي من القضية وبعدها القومي، تفلّت هو شريك فيه وصانع لـه تحت شعار "يا وحدنا" و"القرار الفلسطيني المستقل" و"الممثل الشرعي والوحيد" الذي يجوز لـه أن يصنع أوسلو بكل ثقل بؤسها وكارثيتها..

وفي ظل "دولة" منتظرة بلا جيش ولا حدود موصولة مع عمق جغرافي واستراتيجي عربي، وبلا سيادة.. وبلا قامة.. ما الذي يستطيع أن يفعله عرفات سوى تقديم التنازل تلو التنازل اليوم وغداً وبعد غد وإلى أبد الآبدين؟!

إن انتفاضة الأقصى المبارك، وبطولة الشعب الفلسطيني الذي هب من رماده عملاقاً لا يستحقان مثل هذه النهاية.. كما أنهما لا يستحقان مثل هذا التفاعل الباهت من الأنظمة العربية، ولا هذا الموقف البائس من مجلس الأمن الدولي الذي عطلت فيه إدارة كلنتون صدور بيان تذكر فيه كلمة ضد "إسرائيل" بل تذكر فيه "إسرائيل" مجرد ذكر بوصفها دولة مارست العنف ضد الشعب الفلسطيني؟! وكأن الذي قتل الفلسطينيين في الأقصى وغزة ونابلس وأم الفحم وسخنين هو جيش من الأشباح بلا هوية؟!

إن هذا الوضع الجديد المستجد الذي سيتجدد، أعني وضع المواجهة غير المتكافئة يستدعي اختيارات جذرية، لأنه في الأحوال كلها محاط بسياج من الدم والقهر والموت.. وإذا كان ذلك مما لابد منه فليكن مع الكرامة والخيارات المبدئية والتوجهات القومية الواضحة التي تدرك أنها تواجه عدواً مستمر العداوة في كل الظروف والأوقات، وأنه لا يمكن أن يقوم سلام أو تعايش معه لعنصريته ولخطورة مشروعه الاستيطاني وأنه رأس حربة الاستعمار الجديد لوطن يرفض الاستعمار ويريد أن يقاومه، من هذا المنطلق نجد أن اللحظة ملائمة لا للاجتماع في شرم الشيخ أو في باريس مع باراك الصهيوني برعاية الصهيونية أولبرايت بل لاستعادة وحدة الشعب العربي الفلسطيني كله تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية صاحبة الميثاق الوطني الفلسطيني قبل التعديل الذي تم شكلياً بمباركة كلنتون وحضوره واستعادة اختيار المقاومة ضد الاحتلال، وإعلان الدولة على أرض محررة استكمالاً لخطوات تمت في الجزائر عام 1987 وإسقاطاً لأوسلو وما تمثله، ولطالبيه العرب الذين وقعوا اتفاقيات بإسقاط تلك الاتفاقيات وتحمل مسؤوليتهم التاريخية حيال قضية فلسطين بوصفها قضية قومية. وترك شعارات "الممثل الشرعي الوحيد" و"القرار المستقل" و"يا وحدنا" تسقط في بحر غزة الذي لن يشربه اليهود بناء على طلب عرفات، لأنه كلما قال لهم ذلك أسقوه منه فتنازل أكثر وبعث فينا المرارة أشد.

إن إعادة القضية الفلسطينية إلى  حيزها القومي ومسؤوليتها القومية مسؤولية فلسطينية أولاً وعربية ثانياً وهناك مسؤولية أخرى هي عربية أولاً وفلسطينية ثانياً وهي مسؤولية رسمية شعبية، وشعبية رسمية في آن معاً، أعني إسقاط اتفاقيات الإذعان التي جرّت على أمتنا الذل وكل هذه الويلات ولم تفدنا شيئاً بمقدار ما أفادت العدو وخدمته.

وإغلاق سفارات "إسرائيل" في الأقطار العربية التي "لإسرائيل" فيها سفارات وكذلك المكاتب التجارية والممثليات الأخرى، وإنهاء كل شكل من أشكال التطبيع، وتفعيل المقاطعة العربية "لإسرائيل" في حدودها القصوى.. وجعل الصراع يأخذ أبعاده الحقيقية بوصفه صراع وجود وليس نزاعاً على حدود ويبقى مفتوحاً أمام الأجيال وعلى مدى: "حق ساطع وشعب واسع" كما قال الرئيس الراحل حافظ الأسد، وإعداد الشعب والوطن في بلاد العرب للمواجهة وتحمل أعباء التحرير لأن "ما أخذ بالقوة لا يستعاد بغير القوة" كما قال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

هل هذا كثير على أمة العرب؟؟ وهل التذكير به غير ملائم لا سيما في أيام ذكرى تشرين وانتفاضة الأقصى المبارك؟! لا.. بل هذه هي الأيام الملائمة والمباركة لطرح القضايا الرئيسة في وضوح تام وموقف واضح وكلمة صريحة.

وعلى غير القادرين على فعل شيء من حكامنا ألا ينصحونا باليأس والبؤس والموت، وألا يسخروا منا إذا طالبنا أن ندافع عن أنفسنا وحقوقنا وأطفالنا ومقدساتنا.. صحيح أنهم يرون ما لا نرى.. من مواقعهم الآنية.. ولكنه صحيح أيضاً أننا نرى ما لا يرون من مواقعنا المتمسكة بالمبدئيات القومية وقراءة الحاضر في ضوء معطيات قراءة تاريخ الأمم والشعوب ونضالها من أجل الحق والأرض والعدل والحرية نضالاً تكلل بالنصر.

وإذا أراد الساخرون من أحلامنا وآمالنا وتطلعاتنا أن يجاملونا بشيء، و أن يواسوا جراحنا بكلمة بمناسبة تشرين العائد براية المقاومة وانتفاضة الأقصى المباركة وزحف الدم فليتجملوا بقول الشاعر:

لا خيل عندك تهديها ولا مال
 

 

 

فليسعف النطق إن لم يسعف الحال

 

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |