صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ الليل لا يمنع قدوم الصباح

مسحة من بساطة مكسوة بخمار من ذهول ملفوفة بكساء أسود، نزيف الدم في قلبها وعلى وجهها تغيب كل آثاره. امرأة تحمل ذكرياتها وتدحرجها على لسانها كما الحجارة في الماء منها ما يترقرق الماء فوقه فيزيده جمالاً، ومنها ما يجعل الماء يجفل ويتناثر هرباً من الحجر- الذكرى أو يتشظى بين يديه.‏

آمال الدرة، أمّ محمد أنموذج لجيل من الأمهات اللائي اعتدن على الفقد وعلى الذهول، دمعهن يتجمد في المآقي لأنه لا وقت للبكاء، ودمهن يتضوّر في العروق ويتلقط الحالات التي يرى فيها دماً يسيّحه الثأر لدم يراق صباح مساء.‏

مصادفة نادرة تلك التي جمعت في لحظة شاردة على دروب الزمن، شعراء يتفاعلون مع حدث الانتفاضة، وفرسان شعراء كانوا يقاتلون الأعداء: بيزنطيين وفرنسيين، وشعراء يكتبون بالدم رسالة المقاومة والتحرير، ويقاومون الاحتلال، ويرسلون إلى الأحياء حين يستشهدون من يحمل رايتهم ببساطة وشفافية وصمت ليقولوا للأمة: نحن على الطريق فلا يضيعنّ أحد أهدافنا ولا ينسينّ أحد ذكرانا.‏

أبو فراس الحمداني يتجول مقهوراً في حصن خرشنَّة ثم لا يلبث أن يصب دمعه على زرد القيد سجيناً أسيراً، والأمة لاهية عنه وابن عمه يماطل في إطلاق سراحه بالفدية؟! وعبد القادر الجزائري ينتقل من لحظة المقاومة إلى لحظة القيد أسيراً ثم سجيناً ثم منفياً مبعداً عن الجزائر الوطن والشعب الذي يقاوم الاحتلال. وحشرجة الموت تتداخل مع صلصلة زرد القيود متداخلة مع صوت جنازير الدبابات وهي تمر على بقع من الدم وبقايا اللحم المنتثر مع الحجارة في شوارع وقرى ومزارع من أرض فلسطين، يشكل زحفاً على المشاعر ممتداً من المعتقلات إلى الزفرات في المخيمات الحزينة.‏

كل ذلك التقى في قصر الأمم - قصر الصنوبر في الجزائر وفي نهاية تشرين الأول/ أكتوبر بداية تشرين الثاني نوفمبر يوم انطلقت الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي. وكان على المرء أن يقرأ جيداً، وأن يربط مفاصل الزمن جيداً، وأن يُحْسِن القراءة والربط والاستنتاج. ولكن كيف السبيل إلى ذلك والوقت يغصُّ بما يحشى في حلقه من أفعال وأقوال وأحداث؟!‏

وعلى أزيز رصاص ودوي طلقات مدفع أخذت أبصر بعض معالم الطريق إلى القراءة في الساعة الأولى من صبيحة نوفمبر الذكرى ونوفمبر 2000.‏

لم يكن الحديث في قصر الأمم على الرغم من رسميته أو بسبب من رسميته، قد لامس الحدث المتفجر في فلسطين: الانتفاضة والشهداء والجرحى والشعب الذي يموج في الساحات.. ولكن حضور الذكريات والمقارنات التي تجمع بين ما قام به أبو فراس ضد البيزنطيين، وما قام به الأمير عبد القادر الجزائري ضد الفرنسيين، كان يشد الماضي إلى الحاضر، ويغيب الحاضر أو يغيّب تحت بساط الماضي، وربما كانت هذه هي الحالة الأنموذج في التفكير والتدبير العربيين.‏

الجزائر مخاض قاس جديد في صبح ذكرى ثورة نوفمبر التي أدت إلى التحرير، والرصاص الذي يذكرك بالماضي والحاضر معاً يأخذ طريقه مع الدقائق الأولى من صبيحة الأول من نوفمبر إلى أن يكون ماضياً يحرك الحاضر وينضجه على ناره.. ومن زوايا الصوفية ومواقع الرباط يشدك الخيال إلى الجبال والمواقع المستعصية في الريف التي تطل عليها من شرفة "الأوراسي" إلى ذرا الأوراس.‏

وفلسطين مخاض أقسى في مطلع شهر تشرين الثاني /نوفمبر وهي على عتبة استحقاقات تقودنا إلى كل الاحتمالات: من العودة إلى كامب ديفيد الثانية وشرم الشيخ الأخيرة، وما قد يجره ذلك من قتل للانتفاضة بعد قتل ذكرى من استشهدوا على طريقها، والعودة بالوضع والذاكرة إلى الماضي الذي يقتل آمال الحاضر: انتشار أوسلو بكل ما تعنيه على صحوة أبناء الأمة وما يعنيه الدم الذي صنع تلك الصحوة وأنار الطريق إليها.‏

-ومن إعلان المحرر من أرض فلسطين مواطئ قدم لدولة ترفض أوسلو وتقوم على أشلائها، وتعلن هدف التحرير، وتهيب بأمتها أن تحتضنها وتعترف بها وتدعو العالم إلى احتضانها والاعتراف بها.‏

إن صلصلة زرد تستفزُّ مشاعري وهي تزحف، بقوة سياسية وعسكرتاريا لكي تبتلع الصحوة والشعب وتغيبهما في خضم "الواقعية الحكمة، والحكمة السياسية الأميركية" فلا يبقى لنا مما زرعنا من حقول، وما أنرنا من شموع سوى الحسرات والزفرات والذكريات.. وتغيب انتفاضة الأقصى في جوف الحوت، ولا ينفع مع ذلك صراخنا وقرعنا الطبول والدعاء لكي يطلق الحوت قمرنا.‏

الزمن العربي الذي يقف دائماً على مفصل /الحاضر /الماضي، والماضي/ الحاضر يخيفني لأنه لا يحسم خياراته، ولا يذهب إلى المدى المجدي في استنتاجاته ولا يبني استراتيجيات العمل على ضوء تراكم واع للخبرة والفعل ضمن برنامج يؤدي إلى نهايات ملموسة الحضور في سلسلة تؤدي إلى الهدف أو الأهداف المنشودة.‏

والارتباطات السياسية التي لبعض الدول العربية بالعدو الصهيوني أو بحليفه الأميركي، تجعلني أقف على شفا حفرة من التآمر والتواطؤ مخيفة قد تقودنا إلى تفريط بعد تفريط، يشفع لـه ضعف عربي ووضع دولي، وتسحبه إلى الماضي المغيّب ذاكرة عربية مثقوبة اعتادت على النسيان.‏

والصحوة العربية التي تلامحت في الأفق الشعبي تشحنني بالأمل؛ لأنها لن تذهب هباء، ولن تموت في مهدها، ولن تتوقف عن الدفع باتجاه التغيير.. وقد تدفع أنظمة إلى السقوط، وأخرى إلى أخذ المبادرات التي يطلبها الشعب ويتطلع إليها بيد من حديد، وتنطلق لتزرع راياتها في كل قطر ليحتضن الشعب تلك الرايات ويسير نحو فجر جديد طال انتظاره.‏

وشباب الانتفاضة والأطفال الذين يقابلون الرصاص والقذائف الصاروخية بالحجر، ويبذلون دماءهم ويغيبون عن بيوت آبائهم ومن عيون أمهاتهم.. يدفعونني دفعاً نحو رؤية مغايرة فيها كل الآمال والاحتمالات والتوقعات.. وفيها عدوى انتقال صوت الدم والثأر لـه إلى مساحات من قلوب الشباب والأطفال العرب تحول مساحة الأرض إلى عمل نضالي كبير في ظل اختلال قد يزيد من مساحات الخلل.‏

لكن كل ذلك الذي يضعنا على مشارف شتى الاحتمالات لا يجعلنا نيأس من وضعنا بأي حال، ولايجعلنا ننكفئ ونتراجع عن السير في الدروب التي قطعنا مسافات على مساراتها.. ولا عن الاختيارات التي اخترناها وننادي باختيارها.‏

- العدو الصهيوني لا يمكن التعايش معه، ولا بد من العمل على اجتثاثه من أرضنا، وصراعنا معه صراع وجود.‏

- والاتفاقيات التي وقّعتها أنظمة عربية معه، وكل ما قد يوقّع معه من اتفاقيات تؤدي إلى الاعتراف به، وجعله يتقدم ويبني ويتوسع على أرضية من الاستقرار والاطمئنان، كلها شر ولا بد لنا من مقاومتها وإسقاطها والتحرر من قيودها حتى نأخذ طريقنا إلى البناء والتحرير والعمل الهادف إلى صنع الاستقلال العربي التام، لأنه مع وجود الكيان الصهيوني لن يكون هناك استقلال عربي ناجز.‏

- والمواقف المراوغة لساسة أو أحزاب أو تنظيمات أو منظمات أو مثقفين.. لن توصلنا إلا إلى المزيد من البؤس والضياع والتشتت. ولن تزيدنا إلا ضعفاً وتخلفاً وستؤخر كل عمل نقوم به على طريق الاختيارات السليمة والأعمال الصحيحة.. ولا بد من حسم تلك المواقف والاختيارات .. ليكون التحرير هدفاً، وليكون التضامن العربي هدفاً، ولتكون الشراكة العربية تامة من أجل تحقيق الأهداف وتحمل التبعات.‏

إن دم الأطفال.. والقدس.. وشهداء معارك التحرير.. والذين قضوا على طريق بناء الدولة العربية وإقامة الصروح الحضارية التي ميزتها، كل أولئك يناشدوننا وينتظروننا.. فهل نلتفت إليهم ونكون عند حسن ظنهم بنا؟ أم ترانا نطمر الرأس بالرمال وننسى، ونمر بين مشاهد الدم ومشاهد التاريخ من دون أن يهزنا الدم والتاريخ؟! لقد وجدت من بعد اللهاث على سفح جبل الذاكرة العربية والعمل العربي الضائع.. وجدت أبا فراس بسيفه وشعره وسلاسل الحديد في معصميه وساقيه وعنقه يسابقني إلى القمة ليسد علي طريق التردي منها.. وهو يجاهر بأنه سلك طرقاً أصعب ونظر إلى ماض أبعد وعانى من زمن عربي أردأ.. ولكنه بقي الفارس والشاعر المؤمن بأمته وبالنصر. ووجدت الأمير عبد القادر يمسح الريف الجزائري بعين مطمئنة ليرى الخلل الكبير بين سلاحه وسلاح عدوه المحتل لأرضه، وبين إرادته وإرادة الذين ناداهم إلى التحرير.. وهو يقول: لم أضع السلاح خوفاً على نفسي ولكن.. خشية أن تمتد النار إلى مواقع ناشدتني ألا أحرقها.. فأخرت الطلقة ولكنني لم أقل لا تطلقوا.. أنا أمامكم ومعكم وقد عدت من دمشق إلى الجزائر عظماً وتاريخاً.. ولكن روحي وقضيتي وتسامح عقيدتي لم تغادر أرضاً تحتاج إلى مثل هذا اليوم.‏

ووجدت محمد الدرة ببراءته ورموز دمه، ونوع المواجهة التي سقط عند عتباتها.. يصرخ بأخوته الصغار وبنا نحن الكبار ألا تتركوا غيري يلقى مصيري.. وكونوا الأقدر على النجدة والحماية والأوفى للقضية، والأقدر على عمل يحمي الأوطان والمقدسات والأمهات.‏

وجدتني مع هؤلاء جميعاً، ومع كل ما يمثلونه ويرمزون إليه أقول بكل الثقة: لا بد أن نعمل ليتغير ما بأنفسنا وما هو من حولنا، ولا بد من أن تستمر صحوة جماهيرنا وانتفاضتنا وأن تستثمرا بمسؤولية ووعي. ولا بد من أن ننتصر في مواجهاتنا.. إذ لا يمكن لليل أن يحجب الصباح أو أن يمنع قدومه..‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |