صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ انتفاضة الأقصى و امتدادها الشعبي

نحن في أيام كل دقيقة منها تاريخ؛ وفي خضم أحداث أتوقع أن تغير فينا ومن حولنا الكثير، ونحن اليوم عند نهاية مؤتمر قمة عربية طارئة وبدايـة أحداث أتوقع أن تكون مؤثرة ومستمرة.‏‏

لم تكن الانتفاضة التي بدأت في 28/أيلول/2000 حركة غير عادية بالنسبة للشعب العربي الفلسطيني، فانتفاضاته المباركة ممتدة منذ النصف الأول للقرن العشرين، ومن ينسى أحداث 1936-1938 وسواها، ومن ينسى انتفاضة 1987 وما أوصلته من رسائل للرأي العام في العالم كله، وما غيرته من صورة قضية فلسطين وصورة الشعب الفلسطيني في العالم!!‏‏

انتفاضة الأقصى المبارك اليوم في مفترق طرق، لا سيما بعد أن اتضح أن مؤتمر القمة العربي شكّل سقفاً أعلى قليلاً من مؤتمر قمة شرم الشيخ ـ مؤتمر: كلنتون، باراك، عرفات، الملك عبد الله، والأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ـ وأدنى بكثير مما تطلبه الجماهير الغاضبة في أرجاء الوطن العربي. وأن المؤتمرين سوف تؤول نتائجهما إلى خدمة كامب ديفيد الثانية إذا قبل باراك بذلك، وهو الذي وجّه صفعة للقمة العربية في يوم انعقادها الأول، عندما أعلن من جانب واحد أنه "يوقف العملية السليمة" مؤقتاً ليعيد تقويم ما تم على طريقها أو يعيد النظر بها، بعد الأحداث الدامية التي حمّل مسؤوليتها، كالعادة، للجانب الفلسطيني؛ وأنه "سيضع الاتفاقيات النهائية مع الفلسطينيين والسوريين أمام استفتاء شعبي.".‏‏

وقبل أن تعقد قمة شرم الشيخ، وبتقديري، منذ بداية تحرك شارون - باراك المنسق نحو المسجد الأقصى، كانت هناك عملية مخطط لها ومدروسة تهدف إلى أن تفرض على العرب وعلى الفلسطينيين، رأس حربة العرب في فلسطين، وعلى العالم الإسلامي بشكل عام، ما يعتبره الصهاينة حقاً لهم في الحرم القدسي وحائط البراق، وفي الأرض التي تقع أسفل المساجد الثلاثة وكنيسة القيامة وباحة الحرم؛ حيث أخذوا يحفرون منذ سنوات تحت تلك الباحة، ودخلوا مما يسمى نفق الحشمونيين ـ الذي افتتحوه قبل أربع سنوات وأدى ذلك الحدث إلى مواجهات خسروا فيها أربعة عشر جندياً ـ إلى ما تحت ساحة الحرم وأقاموا هناك كنيساً وأقاموا أنفاقاً ليزعزعوا أساس المسجد الأقصى وسواه من المساجد، ليكون دمارها محققاً عند أول حادث طبيعي. وليست الحركة باتجاه العبث بالأقصى أو تدميره جديدة، فمنذ احتلال القدس / حزيران 1967/ بدأت تتشكل مجموعات صهيونية سرية يربو عددها الآن على العشرين مجموعة، منها مجموعة تسمى "إزالة الدنس" ـ حيث ينظر اليهود إلى الأقصى تلك النظرة ـ كلها تعمل في الكيان الصهيوني لتحقيق ما يسمونه بناء "الهيكل الثالث" على أنقاض الأقصى.‏‏

وعلى طريق ذلك كان العدوان على الأقصى والحريق المعروف في 21 آب 1969 حيث تم إحراق منبر نور الدين الشهيد الذي حمله صلاح الدين الأيوبي إلى الأقصى بعد تحرير القدس من الصليبيين في القرن الثاني عشر الميلادي، وكان أن قُتل المصلون داخل الأقصى، وكان أن تجددت أحداث ترمي إلى تنفيذ المخطط الصهيوني الموضوع للقدس والأقصى في السنوات الماضية.‏‏

وفي الأيام القليلة الماضية، في أثناء ما يسمونه عيد العُرش، كان اليهود يعدون لوضع حجر أساس لبناء كنيس لهم بالقوة في ساحة الحرم القدسي، وهو الحجر الذي يهيئونه في كل عام على مقربة من باب الساهرة منذ سنوات.‏‏

إنهم يعتبرون القدس ركيزة لمشروعهم، وحداً أقصى يعملون على بلوغه في هذه المرحلة من مراحل المشروع الصهيوني، ويشاطرهم في هذا أو يشاركهم فيه: قوى في أوربا لا يستهان بها، وحليفهم الأول الولايات المتحدة الأميركية التي اتخذ مجلسا الكونغرس فيها قراراً بنقل عاصمة الكيان الصهيوني إلى القدس قبل أن يتخذ الكنيست الصهيوني مثل ذلك القرار، وحمَّلا في 26 تشرين أول/ أوكتوبر 2000 مسؤولية الأحداث الجارية في فلسطين للفلسطينيين بكل وقاحة، في فعل ينضم إلى سلسلة تاريخ أفعال الانحياز الأميركي البغيض للعدو الصهيوني، وصوَّت ممثل الإدارة الأميركية في مجلس الأمن ضد قرار يدين الكيان الصهيوني لاستخدامه " العنف المفرط" ضد الفلسطينيين، وقررت هيلاري كلنتون، في التفاتة خاصة ليهود نييورك بعد أن زارت كنيسهم يوم 25 تشرين أول 2000 أن ترد خمسين ألف دولار كان تحالف الأميركيين العرب قد تبرع بها لحملتها الانتخابية في حزيران الماضي، لأن منافسها "ريك لازيو" قد وصف تلك الأموال بأنها مغموسة بالدم !؟؟" بينما لا يرى هو ولا ترى هيلاري كلنتون أو سواهما حقيقة أن أموال اليهود مغموسة بدماء الأطفال العرب الأبرياء ورمزهم محمد الدرة!؟!‏‏

إن شعبنا العربي في فلسطين عندما يدافع عن القدس لا يدافع عن الحرم والمساجد الثلاثة: الأقصى والعُمَري وقبة الصخرة، ولا عن كنيسة القيامة، ولا عن القدس الشريف كما هي محصورة جغرافياً، أو كما بدأت تأخذ حصراً جغرافياً في المجال السياسي، بأماكن المقدسات وتوابعها القديمة فقط؛ إنما يدافع عما ترمز إليه القدس. والقدس، في المحصلة، قضية، تمتد إلى كل فلسطين، إلى الهوية القومية، إلى العقيدة الدينية عند العرب: مسيحيين ومسلمين، وعند المسلمين كافة.. القدس تاريخ ورموز عبر التاريخ: رموز نضالية وحضارية وثقافية ترقى إلى 3200 ق.م. يوم وضع أسس بنائها الأول العرب اليبوسيون وأسموها " يبوس"، وهم الذين شيدوا فيها قلعتهم، قلعة صهيون ـ وصهيون كلمة كنعانية تعني الأرض المرتفعة أو الهضبةـ ولم يستطع أن يجتثهم منها يشوع يوم غلبهم عليها في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ولا أخرجهم منها خلفُه اللاحق داود الذي دخل قلعة اليبوسيين بعد أكثر من مئتين وخمسين سنة من عهد يشوع. وأخذت القدس عدة أسماء إضافة إلى اسمها العربي الأول/يبوس/ فكانت أورسالم أو أور شليم، ثم " إيليا كابيتولينا" في عهد هدريان الروماني ومن بعده إلى الفتح الإسلامي، ثم القدس. والعرب اليبوسيون هم فخذ من العرب الكنعانيين ـ العرب العموريين.. أي الغربيين، الذين كانوا ينتشرون في بلاد الشام وامتدادها في القسم الجنوبي من الجزيرة العربية، ويقابلهم العرب الشرقيون في امتداد ما بين النهرين إلى الأطراف الأخرى من الجزيرة.‏‏

القدس رمز للتآخي العربي: المسيحي -الإسلامي الذي جسَّدته العهدة العُمَرِية /668 م/، التي أنجزها اثنان عربيان: الخليفة عمر بن الخطاب" رضي " والبطريارك صفرونيوس العربي الدمشقي الأصل، مطران القدس، الذي اشترط في العهدة العُمَرِية، باسم المسيحيين، ألاّ يسكن القدس يهود، وكان لـه ذلك؛ إلى أن أتى صلاح الدين الأيوبي محرراً عام/ 583 هـ ـ 1187 م/ وسمح لبعض اليهود بسكنى القدس.‏‏

القدس عاصمتنا ثقافياً وحضارياً ودينياً، ورمز من أهم رموز نضالنا في التاريخ، والقدس لم يغادرها العرب في يوم من الأيام بينما لم يدخلها يهودي طيلة 1052 سنة. والقدس تحولت في يوم من الأيام إلى بديل للكعبة المشرَّفة حيث كان يحج إليها المسلمون عندما اختلف العرب المسلمون بين من استولى منهم على الحجاز واستقل فيها وبين من أنشأ الدولة الأموية في الشام واستقل فيها، وذلك في عهد عبد الملك بن مروان وابنه الوليد؛ فقد تحوّل حج الشام من مكة إلى القدس لأغراض سياسية، وكان الناس " يقفون عند الصخرة ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة، وينحرون يوم العيد، ويحلقون رؤوسهم .. ففتح عبدُ الملك بذلك على نفسه بأن شنّع ابن الزبير عليه ...الخ".‏‏

القدس فلسطين، وفلسطين الشام، والشام العروبة؛ وإذا لم نضع هذا التسلسل في اعتبارنا فإننا نفقد أشياء كثيرة، في الرأي والرؤية وفي الخيارات المبدئية الرئيسة. أقول هذا لأن هذه الانتفاضة هي انتفاضة القدس انتفاضة الأقصى المبارك، من أجله بكل مدلولاته قامت ومن أجل كل ما يمثله وما يرمز إليه وترمز إليه القدس، ينبغي أن تستمر وتنتصر. فهل نتطلع إلى أن نقرأ الانتفاضة قراءة مغايرة، هل نقرأها على أنها، الآن، ينبغي أن تكون حركة استقلال وطني تبدأ على أرضيتين استراتيجيتين أو ثلاث:‏‏

ـ أرضية رفض أوسلو كلياً والنظر إليها على أنها منتهية تماماً.‏‏

ـ أرضية البعد القومي للقضية الفلسطينية واستعادة هذا البعد سياسياً وفكرياً وعملياً، بوصف قضية فلسطين قضية قومية تاريخياً ومسؤولية قومية أيضاً.‏‏

ـ أرضية اختيار التحرير وليس اختيار الحل السلمي الذي عشش في سياسات وعقول وقلوب منذ قمة فاس حتى اليوم، واستمر يحصد الإرادات ويفتت الصفوف والمواقف، واستمر العرب يحصدون نتائج ذلك الاختيار ـ الحل السلمي: تنازلاً وتراجعاً وذلاً ودفع تكاليف باهظة في الاقتصاد وفي النهضة العلمية والعملية، وفي سوى ذلك من مجالات العمل والحياة؛ وهاهم اليوم لا يستطيعون أن يحركوا ساكناً وهم يقهَرون ويواجهون العجز بارتباك، ويتلمسون ما بأيديهم وما حولهم من قوة فلا يجدون إلا ما صنعته أيديهم من ضعف !! وما يسمونه الحرب ترديداً لما يلقنه لهم أعداؤنا، ونسميه الدفاع عن النفس؛ لا يشكل بالنسبة لكثير منهم اختياراً مقبولاً، فقد ولى زمن الحروب كما يقولون، في حين أن زمن الحروب التي يشنها أعداء العرب على العرب يبقى طازجاً ودانياً لا يولي ولا ينتهي ولا يتوقف عند حدود!! وحتى عندما تكون السكين على العنق لا يسمح لنا نحن العرب بأن نرفع أيدينا لنرفع السكين عن مذبَحنا، لأن ذلك يسمى حرباً وتعلقاً بالحرب، وروحاً عدوانية يجافيها منطق العصر ويمنع حدوثها القيمون على شأن الأمة.. لكن عندما يأتي ذلك كله من العدو الصهيوني نسكت ويسكتون، وإن تململنا لكثرة انسكاب الدم من حولنا وانصباب صراخ الضحايا في أعصابنا، التمسنا أو التمس لنا بعض الحكام العرب من العدو أن يفكر بالسلام الذي اخترناه بوصفه اختياراً استراتيجياً وحيداً وأن يحرص عليه ... وإلا ... وإلا صرخنا أكثر وقتَلنا الألم والإحباط قبل الرصاص!؟! "الحكمة والعقلانية والواقعية" كل ذلك من سلع الزمن العربي الرديء الذي يقتضي أن نُذبح فيه سكوتاً ومن دون حركة من أي نوع!!.‏‏

هذا ما أوصلنا إليه تحييد مصر عام 1978 وتكبيلها باتفاق كامب ديفيد وما فرَّخ وتفرع عنه من بعد من اتفاقيات، وما تم التركيز عليه في المجالات كلها، لا سيما سياسياً وثقافياً، منذ ذلك التاريخ، وهذا ما أوصلنا إليه شعار طرحه السادات عندما اجتمعت القمة العربية في بغداد وقالت: إنها مستعدة لتقديم العون الكامل لمصر الشقيقة إذا رفضت كامب ديفيد، وأرسلت القمة في حينها وفداً إلى القاهرة بقرار تقديم /10/ مليار دولار لمصر لكي تستعيد وضعاً مقاوماً وترفض كامب ديفيد. ولم يتخط الوفد المطار وأعيد على صدى صوت السادات الذي ارتفع يقول يومذاك: "إن مصر ليست للبيع"، وفعلاً مصر ليست للبيع ولن تكون للبيع أبداً، ولا يريد أحد من العرب أن تكون للبيع؛ ولكن السادات، الذي لم "يبعها" لأمتها.. للعرب، باعها للولايات المتحدة الأميركية بملياري دولار سنوياً، فاستلبت منه الإرادة والقرار، واستلبت منا مصر العزيزة، التي لا حرب إلا وهي عماد الصف العربي فيها، ولا قوة للعرب من دونها.‏‏

وشعب مصر لا يرضى إطلاقاً عن دور مصر السياسي الآن، ومصر ليست شيئاً قليلاً في العرب، مصر مفتاح الحرب ومفتاح السلام ولكنها ليست كل الحرب وكل السلام، وإذا صدقت مقولة كيسنجر فـ " لا حرب من دون مصر ولا سلام من دون سورية". كما أن القدس بالنسبة للأمة كلها مفتاح الحرب ومفتاح السلام ومسؤولية العرب والمسلمين جميعاً.‏‏

فكيف نتحرك وكيف نتصرف والحال على هذا المنوال!!؟.‏‏

الانتفاضة يجب ألا تتوقف، هذا صحيح، ولكن كيف تستمر!؟ هل نفرح لمجرد تقديم أسماء الشهداء وأسماء الجرحى، ويزداد فرحنا كلما كبرت القائمة وارتفع الصوت يردد الأسماء!؟ إن هذه العملية الاستنزافية ستوصلنا إلى سؤال عنده بداية مرحلة مغايرة، لأن هذا الخزان البشري المقهور والمحاصر حتى بلقمة عيشه، والمحجوب عن التواصل مع الأمة، بحكم سيطرة العدو على الحدود بشكل كامل وإغلاقه لها بشكل تام؛ إن هذا الخزان سيصل في لحظة من اللحظات إلى أن يصرخ من دون أن يستجيب لـه أحد، ومن ثم يصرخ من دون أن يستجيب لـه أحد، ثم يتعب من الصراخ.. ثم ينضب معين صراخه ويذبل فتيل سراجه الوهاج.‏‏

ليس شيئاً مستبعداً، وليس شيئاً غير إنساني، وليس شيئاً غريباً أو مستغرباً أو معيباً أن يقول أهل الداخل الفلسطيني في يوم ما من الأيام القادمة، بعد سنة أو عشرة، إذا ما بقيت الأوضاع على هذه الحال من الحصار والقتل والدمار: لا نستطيع الاستمرار وحدنا.‏‏

إذن إذا أردنا انتفاضة مستمرة ذات مواقف جذرية وأهداف تحريرية فلا بد من أن نفكر بكيف يمكن أن نشعرها بأنها ليست وحدها في المجابهة.. بكيف أن نكون نحن جزءاً منها، كيف نمدها بالبشر، بالسلاح، بالمال، وكيف نخفف عنها الضغط بتقاسم عبء المواجهة للعدو!!؟ وليس هذا وحسب، إذ أننا لا نكون عادلين إذا فعلنا ذلك وتوقفنا عند حدوده، بل ينبغي أن نأخذ بالاعتبار حقيقة أنه ينبغي أن لا يقع الثقل على فلسطينيي الداخل ولا على الفلسطينيين وحدهم، إنما يجب أن نتحرك نحن، ونتحمل نحن، لأننا شركاء في القضية والمسؤولية والهدف والمصير.‏‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |