|
ـ إلى طفل في مخيم اليرموك
في مخيم اليرموك بدمشق، يوم التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني 2000 ، وبعد أن انتهى خطباء المسيرة الحاشدة من إلقاء كلماتهم في مقبرة الشهداء هناك، اقترب مني صبي فلسطيني في العاشرة من العمر وقال والابتسامة على ثغره: باراك سقط وستجري انتخابات بعد أشهر وقد يكون لنا رئيس عربي هناك، أليس كذلك!؟ دهشت للسؤال ومن دون إعمال تفكير في الحالة والوضع والدوافع والفكرة التي طرحها الصبي قلت لـه: اليهود لا ينتخبوننا ، إنهم أعداؤنا. قال : ولكن شخصاً عربياً رشح نفسه في المرة الماضية وقد ينجح هذه المرة.
نظرت إلى وجه الصبي ووضعت كفي على كتفه وقلت : هل تعلق أهمية على ذلك!؟ قال ببساطة: يصبح هناك حاكم عربي في فلسطين. طوَّحت بي الفكرة بعيداً في متاهات الزمن العربي وحلقات التآمر الغربي، وقادتني في مسارات الذاكرة ومساربها إلى الحروب والخيانة والمساومات والمفاوضات، التي أغرقت الأمة في التيه وشتت الرأي وأعشت الرؤية ومزقت الصفوف بتعدد الخيارات وتضاربها، وتوقفت عند الحكام العرب الذين يكبلون شعوبهم حتى لا تتحرك في مناصرة فعالة لأطفال فلسطين، الذين يقتلون في انتفاضة الأقصى دفاعاً عن الحق والمقدَّس والوطن والاستقلال والدولة؛ وسلكت بي الذكريات معبراً ضيقاً قاتماً تقرَّيت على جدرانه دماً فلسطينياً كثيراً في انتفاضة سابقة ساوم عليه حاكم فلسطيني ووقع اتفاق أوسلو البائس متناسياً الأهداف النهائية لذلك الدم، ودماً فلسطينياً يبذل اليوم ويُراد له أن يحسِّن شروط المفاوضات، التي تسعى أطراف أوسلو إلى العودة إليها " لأن هدف الانتفاضة السياسي هو تغيير قواعد التفاوض" حسب اجتهادات وليس انطلاقة مبدئية نحو مقاومة تشد إليها الفلسطينيين والعرب والعالم الإسلامي ومن يرون حقائق الأمور في العالم حسب من يختطون طريق الجهاد من أجل تحرير فلسطين؛ هدف الانتفاضة: تحسين شروط الكارثة المسماة اتفاق أوسلو وآخر حلقاتها : " كامب ديفيد الثانية" وكأن لأوسلو وجهاً يمكن أن يكون حسناً وهي التي أدانها حتى صَنَعَتها!؟. وقلت في نفسي ماذا يتوقع صبي من حاكم عربي في فلسطين يضعه اليهود أو يمكن أن يفوز بثقة اليهود !؟ هل فكَّر بذلك يا ترى أم سمعه ممن يروجون سموماً سياسية وفكرية لأطفالنا!؟ هل عرف شيئاً عن معاملة بعض الحكام العرب الذين تحيط بهم شعوبهم فيقهرونها، ثم فكر بمن يحيط بهم أعداء تلك الشعوب ويسخرونهم لقتل شعوبهم ولإجهاض قضاياهم؟! هل تراوده أحلام الفتيان بحاكم عربي أنموذج يعيدهم إلى فلسطين محمولين على أجنحة النصر أو على أجنحة الديموقراطية!؟.
التقطتني الفكرة وحاصرتني وضاع الصبي بين آلاف الوجوه، التي كانت تشارك في المسيرة الحاشدة في المخيم، وأخذت عيناي تتصيدانه بين شواهد مثوى الشهداء، التي تتفيأ بظلال شجر الكينا الفتي، فأراه يحرق علماً صهيونياً مع أترابه، أو يرفع شارة النصر بأصبعيه، ويتراءى لي معفراً بالتراب ودمه يسيل من صدغيه.. غاب عن عيني وبقي في ذاكرتي . وسلكت طريقي بين الجموع ساهماً لا أشعر بانصباب المطر الغزير على رأسي وتناثر الوحل على ثيابي في شوارع المخيم .. صبي يحلم بوطن يعود إليه ، وبحاكم عربي يسود ذلك الوطن المغتصب، وبيهودي إنسان ينصِّب له حاكماً عربياً على فلسطين.." يا للعجب.. يا للعجب"!؟.. وربما يحلم بانتصار تحققه الأصوات العربية في انتخابات "صهيونية" ديموقراطية يتساوى فيها الضحية والجلاد!؟ أية معادلة صعبة تلك، وأية أوهام وأية أحلام ؟! أية رصاصة وجهها ذلك الصبي الفلسطيني إلى رأسي، فاخترقته وأخذت تتجول في دماغي وتملك علي تفكيري؟!
باراك سقط في الوحل السياسي الذي أغرقته فيه الانتفاضة، وتوجهت الكنيست الصهيونية إلى حل نفسها وإجراء انتخابات عاجلة، لأنها لم ترض عما أوصلها إليه من أحوال. وربما يتنافس هذا الإرهابي العريق مع إرهابي آخر لا يقل عنه دموية وعراقة في الإرهاب، على حكم كيان لا يعرف إلا لغة الدم والقهر والقوة الغاشمة، يتنافس مع : نتنياهو أو شارون أو أي إرهابي آخر؛ لقد سقط باراك وكان من بعض أسباب سقوطه أنه راهن على القوة ولم يراهن على العدل ـ ومن وجهة نظر يهود أنه لم يراهن على القوة وراهن على العرب ـ وراهن على المراوغة ولم يراهن على الوضوح، وأنه غفل طويلاً عن حقيقة ما يجري في الشارع الفلسطيني من إحباط ، ومن نقمة على أوسلو ونتائجها ورموزها، وعما يختمر في النفس الفلسطينية من نقمة على الاحتلال وممارساته وأطماعه وانتهاكاته، وعلى الأسلوب الذي يتبعه المفاوض الصهيوني ويستطيبه أو يقبل به المفاوض الفلسطيني . وباراك أسقطته انتفاضة الأقصى، وطمعُه التاريخي بوصفه يهودياً يستطيب دائماً ابتلاع حق الآخرين ويتأكَّله الطمعُ والحقد عليهم، وأسقطته معادلات صهيونية وفلسطينية وعربية ودولية متشابكة: إن ما يرغب فيه وما يُطلب إليه تحقيقه هو :
ـ أن يسحق الانتفاضة سحقاً تاماً لا تعود من بعده إلى الظهور أبدأً، على ألا يؤثر فعله ذاك على العلاقات التي للكيان الصهيوني مع البلدان العربية والعالم، ولا على وجه الكيان الصهيوني في الخارج، ولا يثير عليها منظمات وهيئات هي في خدمتها دائماً.
ـ أن يسحق الانتفاضة من دون التعرض لخسائر بشرية في صفوف جنوده والمستعمرين الصهاينة الذين تغزو قطعانهم بأسلحتها وهمجيتها ووحشيتها الوجود الفلسطيني المدني كله فتقتلع الأشجار وتدمر البيوت وتقتل الأطفال وتدنس المقدسات ، وتفتك بكل أشكال الحياة والعمران في ما تبقى للعرب من فلسطين.
ـ أن يأخذ من الفلسطينيين كل ما يريد وأن يعطيهم ما يريد فقط؛ من دون أن ترتفع نأمة احتجاج من أي نوع، لا سيما على الصعيد الشعبي.
ـ أن تستمر سلطة الحكم الذاتي في منح الكيان الصهيوني : " الأمن الذي لم يستطيعوا أن يحلموا بأفضل منه " على حد تعبير الضابط محمد دحلان، وأن تلاحق السلطة عناصر حماس والجهاد وكل التنظيمات والعناصر التي تعترض على أوسلو وعلى كل ما قد تفضي إليه من كوارث جديدة وتفريط بالحقوق وتنازل عن المقدسات والحقوق التاريخية للشعب العربي الفلسطيني. وأن تتابع السلطة القيام بدور الشرطي لأمنه، وجسر التطبيع والداعي إليه بين العرب والمسلمين من جهة وبين الكيان الصهيوني من جهة أخرى ؛ وكأن السلام والعدل قد حلا في فلسطين والوطن العربي كله!؟.
ـ أن تقبل السلطة بالشروط التي يفرضها المفاوض الصهيوني وحليفُه الأميركي، محافظة منها على "سلام الشجعان" والاتفاقيات التي كان آخرها وأخطرها اتفاق أوسلوـ الكارثة.
ـ وسقط باراك بضغط من اليمين الصهيوني، الذي يريد أن يأخذ كل شيء وألا يعطي العرب شيئاً، مستفيداً من اختلال ميزان القوى لمصلحته، ومن الأوضاع العربية المتآكلة والطرف الفلسطيني الشريك، الذي لا يستطيع إلا أن يسير في الطريق المرسومة، لأنه ربط مصيره ومصالح قياداته الاقتصادية به. تلك المصالح التي وعد نتنياهو ـ المتطلع إلى العودة رئيساً للكيان العنصري الصهيوني ، في مكان باراك نتيجة للانتخابات القادمة ـ بأن يضربها أولاً ليفرض الحل الذي يريد.
لقد سقط باراك، أو أوشك على السقوط، ولكنه لم يستسلم ، وهو يراهن على أن يستعيد تأثيره ، وينتزع من السلطة وعربها اتفاقاً لا يقدم فيه القدس ولا حقوقاً للاجئين ولا يتنازل عن لاءاته المعروفة، وعلى أن يعود رئيساً؛ وهو في هذا المجال يستعيد بزته العسكرية ورتب القيادة وأسلوب الإرهابي العنصري العريق.
فهل يمكن لمنطق من هذا النوع ، مشبع بالعنصرية والقوة الغاشمة والنزوع النازي، منطق المتسابقين من الصهاينة مع حلفائهم الأميركيين على سحق العربي وإذلاله؛ أن يشكل مناخاً مقبولاً أو شرطاً إنسانياً من أي نوع ، يقوم على أساسهما وفي ظلهما تعايش من أي نوع ، بين العدو الصهيوني العنصري والعربي الذي يحتل الصهيوني أرضه ويلاحق وجوده وحياته وحضارته بكل أشكال التشويه والإبادة!؟! هل يمكن التعايش مع العدو الصهيوني ، بعد الذي ذقنا وعرفنا وخبرنا وشاهدنا بأم أعيننا من مذابح وفظاعة وحشية ومراوغة وحقد عنصري!؟!
واهم يا طفلي.. واهم، فالأفعى الصهيونية تريد أن تبتلع وطنك وأحلامك وجسدك الذي قد تجول في خلاياه أية أحلام بفلسطين، وبحاكم عربي نظيف يحكم فلسطين بثقة صهيونية فيعيدها إليك ويعيدك إلى بيتك ومقدساتك فيها.. وتريد أن تشوه هويتك ودينك إن استطاعت إلى ذلك سبيلا؛ واهم يا طفلي .. أنت تعيش سادراً في أحلام وأوهام وتخيلات إنسانية مما أدمنته حضارتُك العربية الإسلامية إلى حد المرض، وما عليك إلا أن تقيم هامشاً واسعاً لحقك في الدفاع عن نفسك إلى جانب احترامك للغير، وأن تقيم درعاً من القوة الشاملة تدافع به عن حقوقك ومنها حقك في الحياة والكرامة وفي وطن مستقل، وتحتمي به عندما تهاجمك الغربان الصهيونية والأميركية المميتة. عليك أن تموت واقفاً مثل شجرات الكينا التي تنحني فوق أضرحة شهدائك في مقبرة اليرموك.. وعليك أن تقرأ جيداً درس الشهيد الطفل محمد الدرة، الذي لم يستطع أبوه، غير المسلح ، الذي قدَّم جهد عشرين سنة من عمره للعدو في "هرتسليا"، ولم يستطع أن يحمي ابنه محمد من الموت بيد ذلك العدو؛ لأنه لم يكن مسلحاً إلا بنوع من الأوهام التي يفترض أصحابها بأن اليهودي الصهيوني العنصري يمكن أن يكون إنساناً، ويمكن أن يعرف الرحمة ، ويمكن التعايش معه!؟!
وهم كبير يا طفلي .. وهم كبير فلا تبتلعن الوهم إلى حد الموت ، ولا تجعلن الوهم سلاحك : تعلَّم وامتلك وعياً وسلاحاً وقاتل حتى لا تلقى مصير أخيك الطفل الإنسان محمد الدرة، الذي حصده رصاص الوحش الصهيوني وهو لم يرشقه حتى بحجر.
|