|
ـ ماذا يجري في الأرض المحتلة!؟
ما الذي يجري في الأرض الفلسطينية المحتلة اليوم!؟ سؤال لا يطرحه الجهل بل الخشية والاستغراب. ففي الوقت الذي تحركت فيه الجهاد الإسلامي ونفذت عملية ناجحة في الخضيرة، وقامت كتائب عمر المختار بعملية ألحقت خسائر بشرية بالعدو الصهيوني في معبر " إيرتز"، وتابعت صقور فتح قيادة الانتفاضة بنجاح في ظل وحدة متميزة للشارع الفلسطيني في الداخل؛ تم ليل الخميس الماضي / 24 تشرين الثاني 2000 / عقد اجتماع بين مسؤولين فلسطينيين ومسؤولين صهاينة برئاسة نائب وزير الدفاع إبراهيم سنية، ويوم الجمعة تم اتفاق بين عرفات والإرهابي باراك، عبر موسكو، على :
" وقف المواجهات في المناطق، وعودة التنسيق الأمني بين الشرطة الفلسطينية والعدو الصهيوني، وإعادة فتح مكاتب التنسيق والارتباط في المناطق، التي طالب الصهاينة بإغلاقها. وقدم عرفات الشكر للكيان الصهيوني على تقديمه العلاج للجرحى الفلسطينيين؟!. وتم تأكيد صهيوني على ضرورة وقف العنف والتحريض ولم يعترض الجانب الفلسطيني على العبارة ـ وكأن الفلسطيني هو الذي يملك السلاح ويقتل ـ كما تم الاتفاق على تطبيق اتفاق شرم الشيخ الذي سبق القمة العربية الأخيرة. والنظر في المقترحات الروسية لوقف العنف في الشرق الأوسط.".
هذه المتغيرات ليست بلا معنى، ومن المنطقي أن نتساءل عما إذا كانت سوف تصمد أم أن مصيرها هو مصير سابقاتها من الاتفاقيات خلال الشهرين الأخيرين على الخصوص؛ ولكن التساؤل الأهم هو لماذا، وعلى أي أساس يتم مثل هذا الاتفاق ويستأنف طرفا أوسلو اتصالاتهما بعد قصف غزة وبيت جالا، وبيت لحم، والخليل، وبعد عمليات ناجحة للمقاومة التي رفضت أوسلو؟! هل هو الخوف من الذات أم هو الخوف من الآخر !؟ والذات هنا أوسلو بأطرافها، والآخر هو الذي يرفضها جملة وتفصيلاً!؟ هل هو الخوف من الشارع العربي أو الخوف من الشارع الفلسطيني ؟!
من مخزون الذاكرة يبرز لنا طيفا فتحي الشقاقي والمهندس عياش، وعلى وقع المتغيرات التي أخذت تجرف صقور فتح نحو الشاطئ الآخر، شاطىء التمرد على أوسلوـ الكارثة؛ ينفتح دفتر حساب جديد. فبعد عمليتي بيت ليد والخضيرة وعمليات القدس في عام 1996 عقدت شرم الشيخ الأولى بحضور 29 رئيس دولة لمناصرة شمعون بيريس ضد المقاومة الإسلامية؛ وكان عدوان صهيوني وحشي على لبنان وكانت مذبحة " قانا"؛ وتكاتفت السلطة الفلسطينية مع الكيان الصهيوني بعد ذلك، وتمت ملاحقة حماس والجهاد الإسلامي بشكل لا مثيل له. لقد كان الخوف على أوسلو وأطرافها ومناخها العربي يوم ذاك هو الدافع وراء ذلك الإجماع ضد المقاومة والفتك بها، وكان الخوف من صحوة إسلامية نظيفة واعية لأهدافها ووسائلها تضع الحاكم العربي أمام حقائق ومتغيرات في الشارع العربي، من أهم العوامل التي حشدت قوة خلف العدو الصهيوني وأوسلو العدوان؛ وجاء انتصار حزب الله بعد سنوات ليضع حقائق يصعب القفز فوقها كما يصعب تزييفها وتحريف تفسيراتها: الإيمان الحق بالله وبالقضية والوطن، والعقل المفتوح على العصر وعلى أبناء الوطن جميعاً يعطي نتائج طيبة ويلحق بالعدو هزيمة مزرية به، ويضع الأمة على طريق أمل وعمل جديد، ودخلت معطيات حزب الله في جدول الحسابات وقواعد البيانات الجديدة. وفي مقدمة عوامل الحساب الصهيوني ـ الأميركي: أن ضعف سلطة أوسلو معناه قيام قوة أخرى لا ترضى بالاتفاق وستقلب الطاولة على أهله، وسوف يتزعزع أكثر من مسار في ما يسمونه "عملية السلام"، وقد غدا الشارع العربي والشارع الإسلامي مهيئين لعطاء جديد ووضع جديد، ولا تملك الحكومات إلا أن تستجيب لمطالب الجماهير ولو بنسب بسيطة، وهاهي مصر تستدعي سفيرها بعد طول تشبث بالهدوء وضبط النفس؛ وإن عملاً عسكرياً كبيراً تقوم به قوة الاحتلال سوف يأتي على ما تبقى من وجود سلطة الحكم الذاتي، وقد يؤدي إلى أن يفلت زمام الأحداث من السيطرة كما يقولون!! ولذلك كان إجماع الاجتماع على نقض معمار المقاومة الجادة بأي شكل وتعطيل مسار الصحوة الجماهيرية العربية ـ الإسلامية حتى لو بدا باراك أقل بطولة ودموية مما يجب.
لقد تم فتك قل نظيره بالمقاومة الفلسطينية المعارضة لأوسلو وصفيت قيادات ذات وزن كبير ووضع في السجن من وضع، فكان هدوء أفضى إلى كامب ديفيد الثانية. واليوم تعود عملية حسابية يشترك فيها أطراف أوسلو من جديد، وستكون نتائجها خطيرة على تيارات من المقاومة الفلسطينية بالدرجة الأولى، ومن المقاومة الإسلامية والعربية بالدرجة الثانية.
إن العدو الصهيوني يسأل نفسه : ما ذا بعد إضعاف سلطة عرفات، سواء بالحصار والقمع والاضطهاد، أم بالقتل والقصف والتدمير للبنى التي أقامتها تلك السلطة؟! أليس هو إنهاء لتيار أوسلو الذي صنعه العدو وحليفه الأميركي، ذاك التيار الذي أوصله إلى اتفاق الاتفاقات، وفتح أمامه ساحات الوطن العربي للتطبيع، وجعل العالم يتعامل مع الكيان الصهيوني على أساس أن القضية الفلسطينية قد تم حلها، وأن السلام قد ساد في المنطقة؟! وإذا تفككت السلطة وخرج عرفات خارج غزة مثلاً، وعمت فوضى في المناطق، ألن تكون تكاليف ذلك أكبر بكثير مما يمكن تصوره؟! ومن هو البديل الذي سيتابع اتفاق أوسلو ويساهم في تثبيت الاتفاقيات الأخرى المعقودة مع أطراف عربية إذا ما تزلزلت الأرض من تحت أقدام الماسكين بأعنة الخيول التي تجر تلك الاتفاقيات على جباه جموع عربية ترفضها!؟
والحسابات من جانب آخر حسابات من نوع آخر، وهي ذاتها التي كانت وراء الإسراع في اتفاق أوسلو أصلاً؛ ولها طبيعة مشابهة ـ مقابلة لحسابات العدو، ولكنها تلتقي مع تلك الحسابات على خدمته أو تصب في برنامجه؛ و تجري داخل جماجم عربية من نوع خاص ولأغراض صغيرة خاصة، جماجم لا يهمها أن ينتصر العرب في فلسطين، بل يهمها من ينتصر من العرب ومن يبقى في الواجهة. ولأنه لم يتحقق نصر في الماضي، بل تحقق " استسلام، وتطبيع و.." فمن الضروري أن تتم "لغْمَطَة" الجميع وزجهم في مسار الاتفاق.
وهذا يجعلنا أمام حقيقة التهافت الرسمي العربي الذي يريد أن يقول من دون كلام: إذا لم أكن أنا المنتصر فلا كان النصر. وهو لا يعمل من أجل الانتصار فليعمل من أجل "العطلة"؟! وهكذا يفني البدلاء بعضهم بعضاً، ونبقى سلاسل ضعف يجرها العدو ويكورها حول أعناقنا وحول معاصمنا وأقدامنا.
لقد قال قوالون : " مثقفون وسياسيون" عرب، قالوا صراحة : لا نريد نصراً يأتي به تيار إسلامي؟! قد يكون ذلك عجيباً وغريباً، ولكنه حصل، وكشف أصحاب ذلك التوجه عن أنفسهم وإذا بهم دعاة التطبيع وسدنته في كل مجال، وإذا بهم المشككون بالهوية العربية وبالأصالة وبالعقيدة، والمنادون بالقطيعة مع التراث العربي، وإذا ببعضهم، من الذين قاتلوا إلى جانب المحتل الصهيوني في جنوب لبنان، يدعون ـ بعد تحرير الجنوب من العدو ـ إلى تحريره ممن حرره وممن ساند من حرره من الصهاينة؟! أوضاع عجيبة غريبة ولكن الوطن العربي كله اليوم في وضع أفضل يبشر بتغيير المناخ. فلم لا يتدارك الصهاينة والأميركيون الذين يشاركونهم في سفك الدم العربي بتقديم وسائل القتل وبالتغطية الرسمية والدبلوماسية لـه، لم لا يتداركون الوضع وينقذون صنائعهم؟!
قبل أوسلو قال الحساب الصهيوني : حماس ليست مقبولة بديلاً في عملية السلام وليست مؤهلة لها، وقال حساب الفلسطيني الشيء ذاته، وتراكض عرب وفلسطينيون ليقولوا للكيان الصهيوني ولحلفائه ذلك، وكانت حماس وما زالت غير مؤهلة فعلاً لعملية السلام" لأنها تعمل وتؤمن بتحرير فلسطين لا بالتفاوض عليها وكذلك شركاؤها في الاختيار. ولكن الذي سبق بتقديم مواصفات البديل هو " أعلام السلطة الفلسطينية ورموزها" وكان لهم ما نشدوه في مربع أوسلو الذي أخذ يضيق بهم وعليهم. وهم وسواهم لا يجدون اليوم، بانتصار إرادة الجماهير العربية وباختيارات: حماس والجهاد وصقور فتح وكتائب عمر المختار وكتائب عز الدين القسام، وحزب الله، والعرب الذين يقولون بالتحرير، رسميين وغير رسميين، لا يجدون في أولئك بديلاً مقبولاً؛ وما زال رجال أوسلو على استعداد للقبول بالعودة إلى طاولة المفاوضات ولو بشروط أقل من سقف كامب ديفيد الثانية، حتى لا يفقد أحد منهم موقعه، يشجعهم على تلك "الحكمة" مسؤولون عرب لا يريدون أن يفقدوا مواقعهم ولا أن يغيروا اختياراتهم. فما الذي يمكن أن نشهده في فلسطين المحتلة على ضوء قاعدة البيانات ودفاتر الحسابات الجديدة يا ترى؟!
إن غداً لناظره لقريب.
|