|
ـ ارفض بضاعة أميركية تمنع رصاصة عن أخيك في فلسطين
مطر ورصاص وصرخات استغاثة تهوي في تراب ممطور ومدى مقهور.. ونخوة تتقطع حبالها عند عتبات المخيمات والقرى ومداخل المدن الفلسطينية.. هذا الخليط المتداخل مع أنباء عن لجنة جورج ميتشل، ومحادثات دنيس روس في الرباط، وصعود جورج بوش الابن رئيساً لأعتى راع للإرهاب الصهيوني – إرهاب الدولة- وتوجه السودانيين إلى انتخابات رئاسية ونيابية وفي مدى النيلين رائحة دم المصلين .. هو ما استقر في نفسي صباح يوم الأربعاء الماضي /13/12/2000 ولكن الذي بقي طافياً متفاعلاً مؤثراً هو إقبال الكونغرس الأميركي على دراسة موضوع تقديم مساعدات جديدة للكيان الصهيوني وزحف قوات الاحتلال على المدن والقرى وحصارها للناس في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتوزعها في أماكن مع قطعان المستوطنين لتتصيد الفلسطينيين بطلقات مدافع الدبابات وصواريخ (لاو) وزخات رصاص الرشاشات..
لقد ارتفع عدد شهداء الانتفاضة إلى ما يزيد على /310/ شهداء، وتجاوز عدد الجرحى عشرة آلاف في أرقام وقارب خمسة عشر ألفاً في أخرى، وبلغ تدمير البنية التحتية الحيوية: مزارع وأشجار مثمرة وبيوت ومرافق حيوية، مدى مؤثراً في العمق الشعبي.. وبعد سبعين يوماً من بدء الانتفاضة وموت الأطفال، وانتشار الدمار والموت في كل مكان من فلسطين تأتي لجنة: "شرم الشيخ – ميتشيل" لتقصي الحقائق في المنطقة ووضع تقرير قد يصدر بعد أشهر؟! أية حقائق تلك التي يبحث عنها أنصار الاحتلال الصهيوني، وأية فائدة يجنيها شعب مدمّى من كلمة هنا وتصريح هناك، وأي خير يرجى ممن يدعمون صانعي الموت في منطقتنا علناً بالمال والسلاح والمساعدات الاقتصادية والتغطية السياسية والديبلوماسية والإعلامية.. عندما يستمرون في التحرك تحت غطاء الوسطاء وهم من مؤيدي المشروع الصهيوني وسدنته.. وأية إضافة يمكن أن يقدمها ميتشل على حقائق ممارسات الاحتلال الصارخة، الاحتلال الصهيوني – النازي الجاثمة دباباته على صدور المخيمات والقرى والمقدسات في فلسطين؟! عبثاً ننتظر من الجلاد وأعوانه وحماته وحلفائه إنصافاً وخيراً وحرية وعدلاً.. وعبثاً نفعل حين نعيش حالة التناقض المؤسفة: سياسياً واجتماعياً وثقافياً وإعلامياً.. حين ننتظر من الوسيط أو الراعي أو السمسار الأميركي حلاً يرضينا وهو الذي يحمي المشروع الصهيوني – الاستيطاني ويمولـه ويدفعه بخطوات ثابتة نحو التوسع والتجذّر في المنطقة، ممهداً لـه الطريق بشتى الوسائل.. وعبثاً نفعل حين نفاوض اليهودي المحتل عن طريق يهودي محتال يلبس لكل حالة لبوسها ولا يخلص إلا لدولة الاحتلال على الرغم من كثرة الجنسيات التي يحملها.. وعلى الذين كانوا –وربما ما زالوا- يثقون بمارتن انديك أن يتذكروا اليهود الوسطاء وأدوارهم جيداً.
وعبثاً ننتظر أن نرى في المرآة العربية المشروخة بقوة صورة صافية للذات أو للصديق أو للعدو تمكننا من العمل على أساس من سلامة الرؤية وثبات اليقين!؟..
ولكن العبث يستمر.. والعبث يتراكم.. والعبث يتوالد.. والازدواجية تصبح رمحاً مثلث الشعب ينغرس في القلب ويستطيب طعنتَه المغيبون عن الحضور أو المخدرون بأنواع وأنواع من الحضور!!؟
إن بعض المسؤولين العرب يرون في الكيان الصهيوني اليوم، وبعد كل هذا الدم والدمار اللذين يلحقهما بشعبنا في فلسطين، وبعد التمادي البشع في الممارسات العنصرية والتهويد والاستيطان والتهديد لأقطار عربية أخرى منها سورية ولبنان، يرون فيه: "بلداً لا يهددهم ولا يهدد مصالحهم، ويتعامل معهم على أرضية الاحترام التام للاتفاقيات المبرمة معه"!؟.
ويردون بصلف على الدعوات التي تقول بضرورة التلويح للعدو وحليفه الأميركي بما يمكن أن يؤثر على صورة علاقتهم واتفاقياتهم ومصالحهم معه، إذا لم يوضع حد للعدوان والتهويد والاستيطان والتهديد.. وتتوقف الحماية التامة لهذه الممارسات الصهيونية الوحشية.. يردون بصلف يذهب إلى حد السخرية ممن يدعون إلى تطبيق قرارت المقاطعة العربية للكيان الصهيوني، وقيام مقاطعة شعبية تكتسب تأثيراً وأبعاداً رسمية للعدو الصهيوني والبضائع الأميركية، التي تصب أرباحها عملياً في ذلك الكيان وتقدم لـه دعماً مالياً غير محدود وتضاعف من شهيته للدم والقمع.
وهناك مسؤولون عرب ربطوا مصيرهم ومصير بلدانهم بالعدو على نحو ما، وبحليفه الأميركي على نحو ثابت واستراتيجي، ولم يعد أحد منهم يرى حركة الشارع العربي الرافضة لهذا الوضع، ولا حركة الشارع في بلده التي تنادي بالخلاص من هذا القيد.
ويذهب هذا النوع من المسؤولين إلى حدود رؤية الخلاص والأمان والنهضة والتقدم، بعيون صهيونية، سواء أكانت في تل أبيب أم في واشنطن ونيويورك؛ ولا يرون بعيون عربية، تربطهم بمصائر إخوانهم وأقطارهم.. وتجعلهم يستعيدون حقائق وتجارب تؤكد أن الخلاص يكون قومياً أو لا يكون، وأن العدو يستهين بالمجموع إذا رأى الأجزاء تسعى إليه جزءاً بعد جزء، وأن دور كل جزء قادم وفق برنامج الأعداء.. قادم..وقادم لا محالة.. فالمشروع الصهيوني يستهدف الأمة وفق مرحلياته وقدراته و"تكتيكه" المدروس والمنسق جيداً مع حليفه الاستراتيجي: الولايات المتحدة الأميركية.
إن محاولات حرف الأمة عن طريق المواجهة الحاسمة لعدوها الصهيوني، وإعاقة اتخاذ قرار في هذا الاتجاه تقوم على أساسه عملية الإعداد البعيد المدى للطاقات البشرية والمادية من أجل استحقاق التحرير هو جوهر الدور المرسوم لمسؤولين وأقطار في الوطن العربي، حيث يشل أولئك الحركة في الاتجاه الصحيح، ويشوّشون الرؤية والخيارات والمواقف والمواجهات، ويظهرون في النهاية مدافعين عن وجهة نظر وعن استراتيجية قطرية وحكمة عصرية، ولكن ذلك الذي يختارونه ويمارسونه يكلف أقطاراً أخرى ثمناً باهظاً، ويكلف الأمة دماء وخسائر مادية، ويجهض كل حركة جماهيرية سليمة أو يحاول إجهاضها وإفراغها من مضمونها. وهم يفسحون في المجال واسعاً لكل الحركات التي تساعد على نشر ما يكلفون بتنفيذه والتهيئة العامة لـه من رعاية المحافل الماسونية وأندية الروتاري ..إلى دعوات التطبيع والتعاون مع أمثال باراك وبيريس وحت نتنياهو العائد على حصان أبيض ليأخذ نصيبه من دم الفلسطينيين!؟
لقد نادت جماهير الصحوة العربية بقطع كل علاقة مع العدو الصهيوني ووقف التطبيع معه وبمقاطعة البضائع الأميركية، وصدرت فتاوى من شيخ الأزهر وإمام الأقصى ومفتي سورية وسواهم من رجال الدين تدعو إلى ذلك كله، وهو أبسط إجراء تتخذه أمة لا تملك أن تعلن حرباً على عدوها وحليفه، أبسط رسالة لتوصل الجماهير رسالة لذلك الحليف /الولايات المتحدة الأميركية ولمن يسير في ركابه/ بأن صبر العرب قد نفد، وأن التواطؤ الأميركي المكشوف مع الاحتلال الصهيوني وممارساته النازية يكلفنا دماء غزيرة ويلحق بنا وبقضايانا المصيرية أضراراً فادحة وخسائر لا تعوض، وأنه لا بد من وضع حد للإجرام الصهيوني ولهذا الانحياز والتواطؤ معه، ضد أمة قدمت وما زالت تقدم الكثير للولايات المتحدة الأميركية، التي تقدم كل شيء للعدو الصهيوني.
ولكن يبدو أن مجرد التلويح بهذه الرسالة لا يريده بعض المسؤولين العرب ولا يريدون لرسالة من هذا النوع أن تصل، وهم يقاومونها بأشكال مختلفة.
وفي مواجهة ذلك هل يملك الشارع العربي أن يفعل شيئاً؟! أظن أن هذا ما ينبغي أن يقوم به الشعب العربي في كل قطر من أقطار الأمة، وفق المعطيات والإمكانات المتاحة في ذلك القطر. فرفض العدو الصهيوني، ورفض كل شكل من أشكال الاعتراف به وتطبيع العلاقات معه وطرد سفرائه وإغلاق السفارات والقنصليات والمكاتب الرسمية التي له.. واجب الشعب في كل قطر تقوم بينه وبين الكيان الصهيوني اتفاقيات وعلاقات، بل هو فرض عين على كل شخص مؤمن بالله والوطن وحق الأمة العربية بالحياة. والتحرك الشعبي واجب في هذا المجال ضد العدو وحليفه الأميركي ومصالحهما. والتأكيد على مقاطعة العدو ورفض كل شكل من أشكال الاعتراف به وتطبيع العلاقات معه واجب على الشعب وطلائعه الواعية في كل قطر عربي لا تقوم بينه وبين العدو علاقات، ولكن واجب الشعب العربي في كل أقطاره أن يلحق الأذى بالحليف الأميركي للاحتلال الصهيوني، الذي يقوم بدور مؤثر في اتجاهات عدة تخدم كلها الاحتلال والمشروع الصهيوني وتضعف العرب وتشل إرادتهم وقدراتهم.
إنني أدعو إلى أن تكون مقاطعة البضائع والسلع الأميركية.. مقاطعة متدرجة مع البحث عن البدائل في الأسواق العالمية للسلع الضرورية، لا سيما بالنسبة لمعدات وقطع غيار وأدوات يؤثر فقدانها على اقتصادنا وحركة العمل والإنتاج لدينا.
إن الشعب عملياً يقاطع سلعاً استهلاكية بالدرجة الأولى وهذا مما يمكن القيام به مباشرة ومن دون انتظار قرارات رسمية أو موافقات رسمية.. فمن الذي يستطيع إجبار مواطن على التعامل مع الكيان الصهيوني أو على شراء البضائع والمنتجات الأميركية!؟ إن هذا ما تستطيع الجماهير العربية بواسطته توجيه رسالة قوية وواضحة للإدارة الأميركية التي ترعى العدوان والاحتلال الصهيونيين وتمولهما وتوفر لهما التغطية الديبلوماسية والسياسية والإعلامية، كما ترعى الاستيطان وتقدم التسهيلات المالية لاستمراره وانتشاره.
وعلينا أن ندرك أهمية تلك المقاطعة وفعاليتها من جهة، وأن نعمل على تصعيدها من جهة ثانية، لتبلغ مستوى القرارات الرسمية العربية في كل مجال.
إن مقاومة العدو هي مقاومة لحلفائه أيضاً، وإن من يقدم للكيان الصهيوني دعماً مادياً ومعنوياً يقتل أطفالنا ويدمر مدننا وقرانا ومصادر الحياة في بلداننا ويساهم عملياً في تدمير إرادتنا وآمالنا والنيل من حقوقنا المشروعة.. ومن يدعم قاتل أطفالنا يقتل أطفالنا عملياً، ومن يشوه صورتنا وصورة نضالنا العادل يخوض حرباً معنوية ضدنا إلى جانب العدو؛ وحين نبادر إلى مقاطعة العدو وحلفائه، ونلحق الأذى بالمصالح الأميركية، فإننا نمنع بشكل ما وصول رصاصة إلى صدر طفل فلسطيني ومقاتل في صفوف انتفاضة الأقصى من أجل الحق والتحرير والقدس.
فهل يبادر شعبنا إلى عمل حقيقي في هذا المجال بعيداً عن مجرد الصراخ والشكوى!؟
إن هذا مطلوب بأي ثمن، ومطلوب في كل دقيقة من دقائق اليوم.. فالعدو يلاحقنا والدم الفلسطيني البريء يلاحقنا أيضاً. وقد ارتفع عدد شهداء الانتفاضة إلى ما يزيد على ثلاثمئة وعشرة شهداء وتجاوز عدد الجرحى عشرة آلاف، وتم تدمير مزارع الزيتون والبيوت، والدبابات الصهيونية تجثم على صدور القرى والمخيمات والمقدسات.. فلا أقل من أن يلغي الشعب العربي الغاضب: السيكارة الأميركية. ويحطم الكوكا كولا والبيبسي كولا..إلخ ويمنع الإعلان عن السلع الأميركية في إعلامه وأسواقه والمتاجر والمطاعم التي يرتادها ويبدأ بمقاطعة ذلك بتصميم ووعي وتصعيد.
ألا فليرفع شعبنا شعاراً يقول:
"ارفض بضاعة أميركية تمنع رصاصة عن أخيك في فلسطين.".
|