صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ شرفات الرئيس كلنتون

قال الرئيس الأميركي السابق وليم كلنتون في السابع من شهر كانون الثاني 2001، أمام تجمع صهيوني، قال كلاماً يستحق أن نشير إليه:‏

أقول للفلسطينيين: "سيكون هناك دائماً أولئك الذين يجلسون في شرفات الفستق والبندق في الشرق الأوسط ويحثونكم على عدم القبول أملاً في الحصول على مكاسب أكثر، أو يحثونكم على زرع قنبلة أخرى، ولكن كل من يقولون لكم ذلك ليسوا اللاجئين الذين يرزحون في المخيمات، بل أنتم هم اللاجئون، إنهم ليسوا آباء أطفال يكبرون في كنف الفقر وتقل دخولهم اليوم عما كانت عليه في اليوم الذي أقيم فيه حفل التوقيع في حديقة البيت الأبيض عام 1993 بل أنتم هم الآباء.‏

"كل الذين يقولون لأبناء الشعب الفلسطيني ظلوا على طريق الرفض، هم أناس لهم مصلحة في فشل عملية السلام، وهي مصلحة لا علاقة لها بكيف سيكبر أطفال غزة والضفة الغربية وكيف سيعيشون ويربون أطفالهم"‏

إن الكلام الذي يطرحه الرئيس كلنتون كلام جاد ويستحق التوقف عنده والتفكير فيه وتفنيد ما ذهب إليه في هذه الفقرة على الخصوص.‏

إن شرفات البندق والفستق في الشرق الأوسط هي في بعض الأحيان شرفات يمولها الأميركيون، ولكن أياً كان من يمولها فهي شرفات فستق وبندق مرتبة، ونحن لا نراهن عليها ولسنا من روادها وإنما نحن لا نرفض منطقها عندما ترفض منطق كلنتون في التسوية، ولكن الإشارة إليها تطرح علينا أسئلة منها:‏

أن الذين ينادون برفض المعروض على الرئيس عرفات في أوسلو، وفي وثيقة كلنتون /أفكار – كلنتون/(1) ويحثونه على تحقيق مكاسب أكثر، بل والتمسك باختيارات جذرية أفضل، هم في كثير من الحالات فلسطينيون من مخيمات في سورية ولبنان والأردن وفلسطين والعراق.. إلخ مخيمات يعيش فيها الفلسطينيون أوضاعاً بائسة لا يعرفها كلنتون ولا يريد أن يعرفها، ويهمهم أن يعودوا إلى وطنهم وأن يربوا أبناءهم تربية جيدة، وأن يلبس أبناؤهم ملابس نظيفة، وأن يحضروا حفلات كتلك التي يتكلم فيها الرئيس كلنتون، وهم على استعداد لدفع ثمن ما يطالبون عرفات بفعله.. وهم يدفعون بالفعل ضريبة الدم في الانتفاضة التي يسعى كلنتون للقضاء عليها بكل الوسائل، وإلى إخماد نارها قبل أن تمتد إلى أرجاء من الوطن العربي توقظ المشاعر وتحشد الناس ضد المحتل العنصري الصهيوني وحليفه الأميركي.‏

وهناك فلسطينيون ممن يحاورهم كلنتون وفريق عمله الصهيوني، وممن يوجه إليهم خطابه بوصفهم آباء ومسؤولين معنيين، هم عملياً من أصحاب شرفات الفستق والبندق في الشرق الأوسط ويتعلم أبناؤهم في الولايات المتحدة الأميركية وأوربا، وممن يمضون في السوء إلى أبعد مما قيل بكثير، حيث يمارسون الفساد وينشرونه، ويتاجرون بالدم ويقبضون الثمن، الأمر الذي يرفضه الشعب الفلسطيني الذي ربما توجه إليه كلنتون بخطابه بوصف أفراده آباء تعنيهم تربية أبنائهم ومستقبل أولئك الأبناء.‏

إننا نستحق فعلاً تسمية أصحاب شرفات الفستق والبندق في الشرق الأوسط إذا بقينا نطالب الانتفاضة بالاستمرار، ونطالب الشباب الفلسطيني بتقديم ضريبة الدم، ونمضي في القضية وأهداف الصراع العربي الصهيوني إلى المدى البعيد من دون أن نقوم بواجبنا في المقاومة، ونتحمل مسؤولياتنا في الصراع، ونتحمل ضريبة الدم… ونبقى كمن يقول: نطالب بالمقاومة حتى آخر فلسطيني من دون أن يمسنا الأذى أو ندفع تكلفة الكلام.. أو يتأثر مناخ الفستق والبندق في شرفاتنا، بل ونستحق أن يصمنا التاريخ بما هو أسوأ من ذلك وبأن يفقد كلامنا مصداقيته. وفي هذا المقام أود أن أفهم كلام كلنتون وأسوقه دعوة صريحة للانخراط في النضال من أجل تحقيق الأهداف المنشودة، حتى لا يتحول الأمر في يوم من الأيام القريبة القادمة إلى نقيق ضفادع من شرفات الفستق والبندق!؟.‏

إن الرئيس كلنتون على حق حين يلوح بواقع، وعلى باطل حين يستخدمه لتثبيط الهمم وتحرير حلول وصفقات على حساب الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية والبعد العربي والتاريخي لتلك القضية. ذلك لأن العرب الذين غسلوا أيديهم ـ أو يريدون غسل أيديهم ـ من المسؤولية عن قضية فلسطين، وألبسوها ثوباً فلسطينياً خاصاً وخالصاً، وقال إنها بخيرها وشرها تخص الفلسطينيين وحدهم، مستجيبين لنداء بعض الفلسطينيين القائل : يا وحدنا، ولمطالب الصهيونية وحلفائها في ذلك العزل، تحت راية القرار الفلسطيني المستقل، حتى إذا ذهب صاحب القرار إلى حد التفريط الأبعد من كل تفريط ممكن، قد اختاروا نهج التصفية؛ وسواء أجلسوا في شرفات الفستق والبندق وأيدوا حلول كلنتون ونهج عرفات أو رفضوا ذلك فهم يتكلمون عن قضية أعطوها ظهورهم منذ زمن.‏

أما الذين يتكلمون عن القضية والمبدأ والحق والشعب والتاريخ والقدس وفلسطين كلها.. ويراهم كلنتون من شرفات الفستق والبندق، فهم أبناء الأمة الحقيقيين ووهج روحها التاريخي الذي لن يفهمه كلنتون أبداً.. إنهم يتكلمون لغة شوارع المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، ويمثلون التشبث بالقضية والحق والتاريخ والهوية والعقيدة، ويرون في استمرار الصراع مدخلاً للتحرير والاستقلال والخلاص من النفوذ الصهيوني ـ الأميركي.. إنهم يؤمنون بفلسطين ويعملون من أجلها.. يعملون بصدق من أجل فلسطين والقدس والحق التاريخي للأمة والمسؤولية القومية عن القضية.. فأولئك متفقون في الهدف مختلفون في المواقف والأداء ودرجة القيام بالواجب.. ولكنهم جميعاً يحبون الحياة، وهم آباء لأطفال أو سوف يصبحون آباء لأطفال.. وتهمهم تربية أبنائهم، ويتأثرون منذ بداية الصراع العربي الصهيوني بنتائج ذلك الصراع فيدفعون الثمن من دمائهم وأموالهم وراحتهم ومستوى معيشتهم ونوع الأمل الذي يراودهم. صحيح أنهم لا يحضرون حفلات كلنتون ولم يسمع صوتهم عندما زار غزة لتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني، ولكنهم موجودون ومؤثرون جداً.. وبينهم فاسدون وتجار قضايا ومبادئ وأفكار.. وعملاء.. وطغاة، ولكن الكثرة الكاثرة منهم أبناء شعب عريق طيب يربط الحياة بالكرامة، والكرامة بالحق، والحق بالوجود والهوية والعقيدة والانتماء والبقاء. ومعظم أولئك ممن قدم ثمناً بشكل أو بآخر لجرائم الصهيونية وحلفائها وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية.‏

وهم يقدرون أنهم سوف يستمرون في دفع ثمن فادح، هم وأبناؤهم وأحفادهم، إذا ما استمر المشروع الصهيوني.. لأنه حالة العدوان والاستعمار والاحتلال والهيمنة المستمرة، التي تستهدف الأرض والإنسان والمصالح والهوية والشخصية القومية للأمة العربية. وهم حين يقولون لا ويفعلون ويدعون الآخرين للقول والفعل، فإنما يعبرون عن اقتناع عميق بمخاطر المشروع الصهيوني، الاستعماري المستمرة، وعن تعلق لا ضفاف لـه بالحرية والاستقلال والتخلص من الاستعمار.‏

وإذا كان الرئيس كلينتون يعلن عن فرح كبير بحصول "إسرائيل" على "قدس يهودية" أكبر من أي وقت مضى في التاريخ واعتراف دولي بها عاصمة لإسرائيل، في مقابل أرض أقل ومستوطنين أكثر مع سلام وأفق وأمن، فإنه لا بد أن يدرك أن ذلك يعود علينا نحن العرب، فلسطينيين وغير فلسطينيين، بخسارة كبيرة جداً لمعظم فلسطين ومعظم القدس، وبفقدان مستمر للمصالح والوجود، وبتهديد لا ينتهي.. لأن الكيان الصهيوني شر مطلق وعدوان مستمر، ومن يدعمه أكثر شراً وأشد عدواناً.. والانحياز في تلك الرؤية مكشوف بل ومعلن عنه بوضوح من الإدارات الأميركية كلها.‏

إن علينا نحن العرب المعنيين بفلسطين والقدس وحق العودة والانتفاضة أن ندرك أن الانتفاضة تتعرض لإحباط.. لإماتة.. لمساومة، لكي يكون ثمن الدم البريء تحسين بعض شروط التفاوض الفاسد الكريه في كامب ديفيد الثانية، وترويج أفكار كلنتون التي تنهي القضية: قضية فلسطين وحق العودة، وتعطي للصهاينة من القدس أكثر مما حلموا به مع الاعتراف بأنها عاصمة لهم معترف بها دولياً؛ وتحاصر الفلسطينيين في معتقل كبير تحت الحراسة الصهيونية، هو دولة بلا سيادة ولا قوة ولا حدود.. الخ، وتسويغ الاتفاق الكارثة، اتفاق أوسلو وتسويقه، وجعله يمر بوصفه انتصاراً قطفته سيوف المحاربين في تلك الظلمة الحالكة، ظلمة أوسلو، التي انتفض شعبنا ضدها أساساً. وهناك عرابون عرباً يتابعون هذا الموضوع بدفع أميركي وغربي تحت لافتات "إنسانية" وبدوافع الحكمة المريضة، التي تجلت صورها اليوم في اجتماعات التنسي بين الأجهزة الأمنية: الصهيونية والفلسطينية والمصرية بإشراف الـ: G.I.A وهم هناك لا يلتقون لبحث قضايا مصيرية وجوهرية في الموضوع ترفعها الجموع الشعبية العربية بشكل عام والفلسطينية بشكل خاص، وتكتبها بالدم وتمهرها الأرواح، وإنما لوقف الانتفاضة باسم وقف العنف؟!‏

إن العمل العربي المطلوب، رسمياً وشعبياً، يتناقض مع ما نراه اليوم في ساحات عربية كثيرة، وأرى أن العمل الرسمي ينبغي أن يتجاوز ما تقوم به لجنة المتابعة الوزارية العربية المكونة من تسع وزراء خارجية، تلك التي يبدو كأنها ولدت ميتة، وأنه يراد منها في بعض الحالات أن تشكل غطاء، أو أن تقدم غطاء للتنازلات ولوقف الانتفاضة، كما بدا من المحاولات في اجتماع القاهرة العاجل / مطلع كانون الثاني /يناير 2001/، وأن العمل الشعبي العربي ينبغي أن يتصاعد بوتيرة أقوى وأفضل بكثير مما هو عليه اليوم، فقد خمد الشارع العربي، وليس المطلوب منه أن يلتهب بل أن يستمر دفعه للسياسة وللانتفاضة على الأقل، حتى لا يبدو وكأنه عاد إلى السبات بعد صحوة النائم العابرة. إن عملاً رسمياً وشعبياً مطلوبٌ –من وجهة نظري- لدعم الانتفاضة وجعلها تمتلك جناح مقاومة مسلحة منظمة ذا بعد عربي، وحاضنة عربية إسلامية ترعى استمرارها وتتحمل تبعات ذلك الاستمرار وما قد يقتضيه من مواجهات؛ ومما أرى العمل عليه تحقيقاً لهذا الذي يشكل بداية لمشروع التحرير ببقاء القضية حية في الأذهان والوجدان:‏

1- حماية انتفاضة الأقصى من الاغتيال، ودعمها مادياً وبشرياً وسياسياً بكل الوسائل، وتشكيل لجان الدعم، وفتح باب التبرع والتطوع الشعبيين لتحقيق ذلك الغرض، وتشكيل لجان في كل ساحة عربية وإسلامية، تقوم بمبادرات ذاتية خلاقة في هذا المجال. على أن يتم ضبط وطني للعمل من خلال هيئة قطرية: شعبية –رسمية، أو شعبية فقط للتنظيم والضبط والربط وإيجاد القنوات التي تؤمن وصول الدعم المادي والبشري للانتفاضة – المقاومة، لجعلها تستمر وتقوى، وتطور أساليب أدائها لتصبح مقاومة مسلحة منظمة محمية بقدرة شعبها أولاً، تلحق خسائر بشرية ومادية أكبر بالعدو المحتل، وتمهد لصحوة عربية وإسلامية أوسع وأشمل تؤدي إلى قرار التحرير وخوض معركته في الوقت المناسب.‏

2- أن يقوم الرسميون العرب بحسم خياراتهم وإنهاء ترددهم، ويأخذوا بحقائق الصراع مع العدو بوصفه صراع وجود وليس نزاعاً على حدود، وأنه لا يمكن التعايش بين العرب والصهاينة، فالصراع صراع وجود وليس نزاعاً على حدود، وأنه لا يمكن التعايش بين العرب والصهاينة، والصراع مستمر والحرب قادمة إلى أن يحسم موضوع التحرير، ووضع السياسات على أساس تهيئة الأقطار والشعب لذلك الاستحقاق، ومن البديهي أن هذا يستدعي حسم خيارات داخلية وخارجية، وإقامة تحالفات، ولكنه يستدعي أولاً وقبل كل شيء دعوة بعض الحكام العرب إلى إنهاء الازدواجية المخاتلة والهرولة نحو العدو، وإلى أن يضعوا حداً للولاء الأعمى، أو الخضوع الكسيح، للولايات المتحدة الأميركية(2): الحليف الاستراتيجي للكيان الصهيوني، والعدو الأكبر لتطلعات أبناء الأمة العربية، والمنحاز التاريخي للعدو المحتل وممارساته العدوانية والعنصرية، والراعي الأول للإرهاب الصهيوني –إرهاب الدولة- في المنطقة. وإلى إيذائها في مصالحها، وإلى مقاطعة البضائع الأميركية شعبياً.‏

3- تفعيل المقاطعة العربية للكيان الصهيوني بكل درجاتها، تلك المقاطعة التي توقفت منذ التوقيع على اتفاق أوسلو المشؤوم من دون قرار رسمي عربي، فقد بدأت بعض الدول العربية منذ ذلك التاريخ بمقاطعة اجتماعات مكتب المقاطعة، بعد أن رفعت درجة من درجات المقاطعة. وحتى بعد قرار القمة العربية الأخيرة، وبعد قرار لجنة المتابعة العربية المكونة من تسع وزراء خارجية عرباً بالدعوة لانعقاد لاجتماع مكتب المقاطعة لم يكتمل النصاب كالعادة، حيث لبت الدعوة ستة دول فقط، بزيادة دولة واحدة فقط على من كان يلبي الدعوة منذ اتفاق أوسلو هي تونس، ولكن الاجتماع لم يعقد. وللمقاطعة العربية تأثيرها الكبير: معنوياً ومادياً، فكيف تنادي الجماهير العربية بمقاطعة البضائع الأميركية ولا تنفذ الدول العربية قرار المقاطعة للبضائع والشركات المتعاملة مع العدو الصهيوني؟ وكيف نطالب الدول الإسلامية ومؤتمر القمة الإسلامي بتنفيذ قرار المقاطعة للعدو الصهيوني ونحن لا ننفذه عربياً؟؟‏

4- قطع العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني بشكل تام وفعال ونهائي. ووقف تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني بشكل كامل وشامل، بوصف ذلك التطبيع حاضنة لسلام الاستسلام ولاتفاقيات الإذعان والذل، ومدخلا لتشويه تربية الأجيال العربية، وحقيقة الصهيونية العنصرية ومشروعها المضاد كليا لأي مشروع نهضوي عربي، ومدخلاً لتشويه تاريخ قضية فلسطين، ووسيلة لسحب بساط النسيان على تلك القضية القومية بطمس معالمها في الذاكرة والوجدان العربيين.‏

5- العمل، شعبياً ورسمياً، عربياً وإسلامياً ودولياً، من أجل إعادة الحياة للقرار 3379 الذي اغتالته الولايات المتحدة الأميركية مع بعض الأيدي العربية والفلسطينية للأسف، وهو القرار الذي ينص على أن "الصهيونية شكل من أشكال العنصرية"، وذلك في ضوء الممارسات الصهيونية العنصرية ضد الشعب الفلسطيني.‏

6-العمل على محاكمة مجرمي الحرب الصهاينة، ومحاكمة الكيان الصهيوني ذاته في محكمتين:‏

أ- محكمة ضمير عالمية تتكون من شخصيات ورموز فكرية ونضالية كبيرة تعرض عليهم الوقائع والوثائق والشهادات، ولا سيما ما كان من مذابح وما تم في المعتقلات الصهيونية من تعذيب وقتل.. الخ ونشر ذلك على أوسع نطاق في أوساط الرأي العام العالمي. ومن شأن ذلك أن يجعل كل مقاتل، وكل أسرة شهيد أو معتقل أو أسير، على ثقة من أن قضيته/ قضيتها لم تهمل ولم تمت ولم تكن من دون قيمة أو تأثير.‏

ب- العمل على عقد محكمة رسمية دولية وفق نظام المحكمة الجنائية الدولية التي اضطر الكيان الصهيوني إلى التوقيع على ميثاقها في آخر يوم من أيام العام الماضي 2000 وتشمل الجرائم تشريد الفلسطينيين، والاستيلاء على الأرض واقتلاع السكان الأصليين منها، وكل ما يتعلق بجرائم ضد السكان، فضلاً عن الجرائم التي ارتكبت في مذابح جماعية وبحق الأسرى والمعتقلين، مما يخرق اتفاقية جنيف الرابعة ويتعارض مع أحكامها.‏

ومن أجل ذلك وسواه، من أجل تعزيز القضية وتاريخها في الذاكرة والوجدان وفي تكوين الأجيال العربية القادمة، نحن بحاجة إلى تكوين متحف عربي توضع فيه الوثائق والمعلومات والصور.. وتسجل فيه الشهادات، ويزوَّد بالأفلام.. عن جرائم الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني وأبناء الأمة العربية، ليكون بمتناول الناس والأجيال والبشرية كلها إن أمكن. وهو ما سنحتاج إليه في المحاكمات التي أدعو إلى العمل على إقامتها.‏

7- إن قضية فلسطين قضية قومية بتاريخها وأبعادها ومسؤولياتها وتبعاتها، ولابد من أن تعود إلى هذه المكانة التي لها، رسمياً وشعبياً، بكل ما يعنيه ذلك وما يرتبه؛ لتحكم الاستراتيجيات والسياسات والعلاقات والعمل العربي كله، ولتؤسس لجهد عربي مدروس وليقظة عربية تستفيد من الماضي المجهَض ومعطياته الكثيرة.‏

8- إقامة قنوات اتصال بين مكاتب عمل عربية لدعم الانتفاضة وتحويلها إلى مقاومة منظمة- مسلحة، وبين مكاتب مماثلة تنشأ في بلدان إسلامية تهدف جميعها لتقديم الدعم المادي والمعنوي للانتفاضة، وحشد طاقة بشرية واعية ومدربة تمدها بما تحتاج إليه، لأنه لا يجوز ترك هذا الخزان البشري الفلسطيني وحده في المعركة، حيث يحس بالعزلة مع الزمن ويتراخى تحت وطأة الأحداث، فلا بد من تقديم الرفد المستمر لـه بشرياً ومادياً.‏

9- العمل على تكوين جسور اتصال وبناء علاقات على أساس من الثقة المتبادلة والمصالح المتبادلة، بين الأقطار العربية والتنظيمات العاملة من أجل دعم الانتفاضة- المقاومة فيها، وبين بلدان وتنظيمات في البلدان الإسلامية والمهاجر العربية الإسلامية تنشأ للغاية ذاتها؛ وتقوم بتوعية وحشد وتقريب وجهات نظر وتقديم العون الملائم في الوقت الملائم لخدمة الانتفاضة وأهدافها.‏

10- توسيع دائرة المواجهة للعدو الصهيوني، حيث لا يجد قبولاً ولا تعاوناً ولا أمناً في أي بلد عربي وإسلامي.‏

11- الاستفادة من تجربة المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان لتطوير عمل الانتفاضة- المقاومة من جهة وتعزيزها من جهة أخرى، ودعوة الجهات المعنية إلى العمل على وضع استراتيجيات عمل وخطط وبرامج مشتركة للتدريب والحشد والعمليات المشتركة ضد العدو المحتل؛ مع التركيز الشديد على إيجاد السند العربي والإسلامي الملائم؛ حتى لا يصاب هذا التوجه بنكسة أو ضربة قاصمة.‏

12- تعزيز الوعي المعرفي بشؤون الصراع العربي الصهيوني ومعطياته وأهدافه البعيدة لدى الأجيال العربية الصاعدة على الخصوص في بلدان عربية وإسلامية؛ لأن الملاحظ وجود انصراف أو محاولة صرف الشباب عن ذلك بوسائل وإغراءات وحجج عديدة، ولا بد من التركيز على الجانب التربوي والتكويني في المدارس والجامعات في هذا المجال.‏

13- حشد الجهد الثقافي للقادرين، المؤمنين بقدرة الأمة العربية على المواجهة وتحقيق النصر، حشد جهد أولئك في مواقع عمل، ومراكز بحث، وساحات أداء جماهيري وسياسي رسمي؛ لتعزيز التوجه نحو خيار التحرير، وللتركيز المستمر على مخاطر المشروع الصهيوني وما يقوم به من أعمال على الصعد العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية لتنفيذ مشروعه وتفكيك البنية الاجتماعية والثقافية المضادة لـه أو تخريبها واختراقها بأشكال مختلفة.‏

إننا أحوج ما نكون، ونحن نتطلع لدعم الانتفاضة المباركة وجعلها تستمر وتتحول إلى مقاومة منظمة- مسلحة ضد العدو الصهيوني، إلى توسيع دائرتها من جهة، وجعل الدول العربية تهيئ نفسها لما سيؤول إليه أمر التصعيد المحتمل مع استمرار المواجهة مع العدو وحليفه الاستراتيجي أو حلفائه الاستراتيجيين.. وما من شك في أن هذا يستدعي من دول عربية على الأقل، إن لم يكن ذلك منها جميعاً:‏

* تعزيز التضامن العربي بشكل ملحوظ.‏

* إقامة علاقات استراتيجية مع بلدان قوية في العالم، ولا سيما مع بلدان إسلامية على رأسها إيران وباكستان.‏

* تعزيز مكانة القمتين العربية الإسلامية في الحياة السياسية الدولية، وكذلك تعزيز العمل في مجالات التعاون العربي الأفريقي.. لما لذلك من انعكاس إيجابي مستقبلاً، ومن تأثير في تكوين قاعدة اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية عريضة تتفهم حقنا وموقفنا وتتفاعل معنا وتتعاطف مع نضالنا.‏

* ولكن مدخل المداخل كلها هو أن نمتلك قوة شاملة، وإيماناً عميقاً بالنصر والحق، وأن نعمل بكل ما أعطينا من قوة وصبر على الاستمرار في جعل قضيتنا حية، ورؤيتنا سليمة، وخياراتنا واضحة، وأملنا بالنصر كبير.‏

والنصر لنا بعون الله .‏

(1) اقترح كلينتون على عرفات رفع الحرم القدسي ليتمكن اليهود من الوصول إلى بقايا هيكل سليمان الموجود أسفله بحسب اليهود، وسيصبح الموقع مقصد السياح الأكثر مردوداً في التاريخ:" وقال له:" ثق بي فأنا لست يهودياً."/ جاء ذلك في حديث لـه مع جريدة كندية:" أوتاوا سيتزن"/ عن السفير 2/12/2000.‏

(2) قال الرئيس كلنتون يوم الأحد 7/1/2001 ".. وإذا ما ثبت استحالة ذلك فسيكون الحل الأفضل التالي هو أن تكون إسرائيل قوية إلى أكبر حد ممكن، وأن تكون فعالة في استخدام تلك القوة "عن جريدة الخليج ص16 تاريخ 10/1/2001.‏

"لا يمكننا أن نتوقع من إسرائيل أن تتخذ قراراً من شأنه أن يهدد أساس دولة إسرائيل بالذات، وأن يقوض منطق السلام برمته. وهذا يجب ألا يحدث".‏

وقال: "الخطوط العريضة التي أطرحها تعتمد على حضور دولي في فلسطين لتوفر الأمن الحدودي على طول نهر الأردن ولمراقبة تطبيق الاتفاق النهائي، إنها تعتمد على دولة فلسطينية مجردة من السلاح، وعلى انسحاب إسرائيلي على مراحل، من أجل تأمين الحاجات الأمنية الإسرائيلية في نهر الأردن، وترتيبات أخرى أساسية لضمان قدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها" –دولة فلسطينية تكيف نفسها مع متطلبات الأمن الإسرائيلي" – ودلل على عواطفه المشبوبة باستمرار حيال الدعوة الصهيونية "المنطقة التي باتت مركز شوق يتوق إليه اليهود منذ ألفي سنة.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |