|
ـ أمتي تصحو
مثل قصف الرعد يترامى إليّ صوت اصطفاق أجنحتها المجرّحة، وهي تتقارب حانية على الجسد المنهك ناهضة به من وهدة التردي الذي أصابها.. وعلى وميض برق خاطف أبصر واستبصر طحالب تتآكل فوق سطح المستنقعات الضاغطة على القلب والرئتين، تلك التي كونها رشح الوقيعة والدم وتراكم غبار الوقائع ومُرّ الأيام العجاف..
الماء الآسن يتحرك، وحين يتحرك الماء يطيب، والحركة حياة تحمل التغيير، والتغيير تصنعه الإرادة وتوجهه بهذا المنحى أو ذاك.. الماء الآسن يتحرك.. والحركة حياة، وما تراكم على العيون والقلوب في سنوات الدم والمقت والركود.. أراه عرضة لما يعصف به فيتركه عصفاً مأكولاً وأثراً بعد عين..
أمتي تصحو..
وفي صباح يتوهج من دمشق والقاهرة وبغداد يمتد الضوء ليغتسل في جوهرة الخليج ويتفيأ في ظلال تونس، وتنداح دوائره عبر الوطن كله…
أمتي تصحو..
لقد هزها الدم المراق حول القدس ومن أجلها، هزها أطفالها الذين حجبوا الكبار على نحو ما.. ووضعوهم أمام امتحان السؤال المرّ على نحو ما: من يحمينا ويحمي الوطن؟!! ووضعوا التاريخ العربي المعاصر أمام مفصل من مفاصله.. والمسؤولين العرب أمام وقائع وحقائق سجلها صحو الشارع العربي وتحركه، الذي هز شجرة الأمة هزاً قوياً فسَّاقط ثمر وورق ودم وشهداء، زوبعوا في الأرض وزوبعوا الأرض..فانتعش في الأرض شيء، وفي مدى النفوس أشياء.
أمتى تصحو.. وتلملم أطرافاً وأشلاء ومشكلات، وتمسح دموعاً وجراحاً، وتنظر إلى ما تركته سيوفها من جراح بليغات في كبدها، وما خلفته سطوتها من دمار في ذاتها وساحاتها، يوم استعان بعضها بالعدو على الذات، ويوم حمل بعضها السيف على قلبه وتنكر للانتماء والهوية والمصلحة والصلات.. تنظر أمتي خلفها فتراع من هول ما خلفته في نفسها من جراح ودمار.. فتذرف دمعاً. وتعمِل عقلاً، وتعيد حسابات..
وحين أراها مقبلة على ذاتها ولهى بالذي كان من فكر وعمل ومبادئ ونضال وثوابت قومية.. يشدني الفرح إلى ساحة لم يدخلها قلبي منذ عقود من زمن.. ساحة فيها أمل وفرح ونشوة وجود..
أمتى تصحو..
ولن تترك قيادها لمن ترتبط مصالحه بالعدو، ولن تترك المبادرات التي تبعث الحيوية والحياة لمن كانوا على مدى تاريخهم موالين للغير، يتشوقون إلى دم المؤمنين بتلازم عضوي بين العروبة والإسلام.. القائلين بانتصار الأمة ووحدتها وحريتها وبناء استراتيجياتها على أساس مكين من الانتماء إلى الماضي والحاضر والمستقبل و المسؤول عن كل من الماضي والحاضر والمستقبل، لتوفير مقومات النهضة والقوة والتحرير. ولن يعلمها معنى الحرية والديمقراطية أولئك الذين انتهكوا حريات الغير وسحلوهم في الشوارع وآمنوا بالدكتاتورية واستشرفوا مستقبل الأمة من خارج أرضها وفكرها وعقيدتها وتربتها الثقافية ليلحقوها بذلك الخارج.
أمتي تصحو..
ورموزها المنقذة، ورموز ثقافتها ليسوا على الإطلاق من الفاسدين المفسدين، ومن تجار الشعارات ومثقفي الصالونات، وأصحاب الصناعات التجارية والتجارات الصناعية، رموزها عبر التاريخ… هم من قادوا النضال ضد الظلم والطغيان والإقطاع والاستعمار والصهيونية في المدارس والجامعات ومواقع النضال مع الفلاحين والعمال.. وليسوا من اعترفوا بالصهيونية والكيان الصهيوني يوم إقامته بقوة الإرهاب والاستعمار على أرض فلسطين.. وليس رموزها ممن يتخذون الثقافة تجارة…وركوب الموجة شطارة…
بل هم الذين قدموا الشهداء والتضحيات، وناضلوا من أجل الوطن والتاريخ والعقيدة والهوية، والوحدة والحرية، بانتماء والتزام كلفا دماً وتضحيات ونفياً وتشريداً ومرارات.
أمتي تصحو..
جوهر تمدنها ينغرس عميقاً في معطى حضارتها ومنجزاتها عبر التاريخ، ومدنيتها ليست شهادة تعطى من المستعمر والصهيوني العنصري، ومجتمعها الحي يقيمه أبناؤها على أساس مكين من منظومات القيم: احترام القانون، وفصل السلطات، والعمل تحت سقف الدستور ومصلحة الوطن والمواطن، ولا يقيمها الذين يحاولون تشويه صورة الوطن في ظروف يستهدف فيها الوطن من المحتل الصهيوني وحليفه الأميركي، ويستهدف فيها المواطن من سدنة السوق الاستهلاكية الغربية بقيمها ومصالحها وأغراضها.
أمتي ليست مقالة عابرة.. وتوقيعاً على ورقة.. وفوقية تقطر ضعفاً وحقداً ومرضا وتلبس لكل حالة لبوسها وتتلطى في العتمة لتغتال الحقيقةً… أمتي عمل وإنجاز وتضحية وانتماء.
من قال إن منقذها هو سمسارها أو جلادها أو طاغيتها أو فاسدها أو مدعيها.. يكذب ثم يكذب.. ومن قال إن عناكب الانتهازية ونسيجها الواهي في إدارات ومواقع ومؤسسات هي صورتها وربما مستقبلها يكذب أيضاً..
أمتي هي هذا الفكر القومي الحر الإنساني النزعة العميق الجذور، المرتكز على تلازم عضوي بين العروبة والإسلام، القائل بحيويتها وقدرتها على النهوض من كبواتها، الرافض لكل شكل من أشكال تكبيلها باتفاقيات إذعان وذل تؤسس لبقاء الاستعمار الصهيوني في جسدها وتهديده الدائم لوجودها، وإلغائه المستمر لمشروعها النهضوي..
أمتي هي هذا النهوض المتجدد من كبوات، والتغلب المستمر على نكبات، والخروج منتصرة من محن على شاكلة ما لحقها من هؤلاء ومن الصليبيين والاستعماريين الغربيين..
أمتي هي كل الأطفال الذين يتصدون بالحجر واللحم العاري للدبابة والصاروخ ولا يزايدون بدمهم على أحد، والذين يقاومون الاحتلال والاستعمار والتبعية لمركزيات ثقافية أخرى.. أمتي هي الفلاح الذي يؤكَل ويتجدد ويقوم من رماده ويقيم الوطن من رماده كل صباح، وهي هذا الانفتاح الواعي الواثق المقتدر علىالآخرين.. وهي كل أولئك الذين يقدمون الدم والتضحيات بصمت ومن دون ضجة وادعاء.. وليست أمتي على الإطلاق شرائح المدعين وتجار الدم والتضحيات..
أمتي تصحو.. وعلى كل من تهمه صحوتها ونهضتها وقدرتها على الوحدة والتحرير والتحرر أن يقف معها ليستحق الانتماء إليها.
|