|
ـ في مدخل مرحلة جديدة
في الساعات الأولى من يوم الأربعاء 7/شباط 2001 وجدتني محاصراً برائحة الدم وصرخات الاستغاثة ودخان الحرائق ومناظر الدمار.. بيروت كانت في محرق الرؤية وفضاء الذاكرة، وصبرا وشاتيلا عنوان بيروت، وصورة الجزار العنصري ترفع بيد نجمة سداسية وبالأخرى صليباً معقوفاً: الصهيونية والنازية في ثنائية شارون الدموي رمز الصهيونية الجديد بعد هزيمة نسخته الإرهابية باراك: كاسر عظام الأطفال، وقاتل المثقفين، وصاحب خريطة دم الأطفال الممتدة من انتفاضة إلى انتفاضة.
عنوان سنتنا هذه ،على الأقل، إرهابي من الوزن الثقيل يداه ملطختان بالدماء العربية، وشهوته إلى الموت والدم والدمار تتبع شهوة "يهوه" الذي يعشق الدم والدمار ويمتد ظله من أريحا في الماضي السحيق إلى القدس المجرحة اليوم: نحن على عتبة جديدة من عتبات المشروع الصهيوني والعمل الصهيوني، قد تكون أسوأ من سابقتها ولكنها حلقة من حلقات هذا الوجود الكريه، الذي يفرض نفسه على وجودنا ويستنزف ذلك الوجود بأشكال مختلفة.
هل سيكون شارون أفضل من باراك؟! ولكن سيكون أفضل لمن؟!
للصهاينة المتعلقين بمفهوم الاحتلال والقوة والقدس عاصمة لهم، وبسيطرة على الحدود مع أقطار عربية.. الخ. نعم سيكون أفضل.. فهو يمثل لهم خطاً دموياً يمينياً متشدداً اختاروه وفي اختيارهم لـه دلالة على دمويتهم المستمرة، أما لعرب فلسطين داخل الخط الأخضر وخارجه فهو الأبشع والأشنع من صاحبه نتنياهو، وقد جاء إلى حكم الكيان الصهيوني بعده في سلسلة الليكود، ولكن مقارنته مع باراك تلخص مقارنة اليسار الصهيوني مع اليمين، فاليسار هو الذي قتل ودمر وشن الحروب واحتل، واليمين كان يتعطش لذلك ويندفع أمام اليسار فيه ليبرهن كل منهما للآخر على أنه الأشد في العداء للعرب، والأكثر قتلاً لهم من أجل مزيد من الأرض والأمن والنفوذ والهيمنة للكيان الصهيوني في وطن العرب، ومزيد من الاختراقات يحدثها مع حلفائه في جبهات صمودهم وفي مواطن تكوينهم وقوتهم المعنوية.
أما بالنسبة لما يسمى "عملية السلام" فإنها ستبقى مطروحة في السوق السياسية للأخذ والرد بينما يتسع الاستيطان والتهويد ويمتدان، لا سيما في القدس وما حولها، وفي مناطق من الجولان للضغط على سورية، بعد موجات التهويد من باراك بوصفه رئيس حكومة سابق، ومن شارون بوصفه رئيس تجمع الليكود في ظل الحكومة السابقة ورئيس الحكومة الحالية.
وهذه العملية التي فضلت وزارة الخارجية الأميركية أن تسحب عنها التسمية أي "عملية السلام" يوم الثلاثاء الماضي لتعطيها اسماً أكثر تواضعاً يتلاءم مع التوجهات الحالية، فإنها تأخذ حجم واسم: خطوات من أجل السلام أو مفاوضات على طريق السلام، هكذا أشارت الخارجية الأميركية على موظفيها، بل طلبت منهم، أن يسموها، في إشارة واضحة إلى تراجع ملحوظ ليس عن أفكار كلنتون التي قدمها قبل رحيله عن البيت الأبيض بل أكثر قليلاً؛ وذلك استعداداً لتعامل مع واقعية يمليها تشدد شارون، الذي لا يمكن أن يكون رجل سلام إلا بالمفهوم الذي يكرس مكاسب أخرى للكيان الصهيوني على حساب كل ما يعنيه السلام من عدل وشمول واستمرار واستقرار.
قد تكون فرص التفاوض متاحة، ولكن فرص التوصل إلى سلام مستبعدة، وكل "سلام " يصل إليه نظام عربي مع الكيان الصهيوني هو بنظري نوع من الهدنة، إذ لا يمكن أن يقوم بين أمة العرب والكيان الصهيوني سلام مستقر من أي نوع لأن الصراع يتصل بحق تاريخي ووجود استعماري ومقدسات تنتهك وتهود، وبمشروعين يتضادان ويتناقضان بجذرية كاملة هما: المشروع النهضوي – التضامني- الوحدوي العربي، والمشروع الصهيوني- العنصري- الاستعماري- الاستيطاني.
نحن في مدخل مرحلة جديدة من الصراع سوف يكون التركيز فيها على سورية قوياً وشديداً سواء أكان ذلك في تبادل المسؤولية عما يسمى تعطيل عملية التفاوض، أم في خلق الظروف التي تجعل من التنازل – ولو في مدى المسؤولية القومية عن قضية فلسطين، وعن الدور الحيوي في المنطقة – أحد المداخل لتفاوض يفضي إلى شيء..من وجهة نظر الأميركي ـ الصهيوني؛ وسورية ترفض التنازل عن دورها القومي وعن دورها الإقليمي.
والمرحلة التي بدأت لن تكون شديدة الوطأة على سورية فقط، بل على الشعب الفلسطيني في الداخل، وعلى العرب في فلسطين 1948 وعلى لبنان والمقاومة، ولكنها، بتقديري، سوف تكون أشد على شارون والكيان الصهيوني الذي أخذ يتآكل فيه شيء في العمق.
فإذا كان باراك قد استغرق سنة ونصف السنة تقريباً من مدته القانونية في الحكم على أرضية من القلق والدم وعدم الاستقرار، فهل سيقضي شارون أكثر من تلك المدة مع حمقه ودمويته وشهوته التي لا تحد للتوسع في الاستيطان، وتاريخه المليء بالإرهاب والمذابح وتدنيس المقدسات والحث على استخدام القوة ضد العرب والتهديد المستمر لهم؟!!
إن سورية التي يهددها زعماء الإرهاب في الكيان الصهيوني ليست من دون قوة ولا من دون تأثير.. وإذا كانوا يقدرون ويخططون لنقض معمارها من الداخل بأساليب التشويش والتشويه وتحريك الأدوات وبرمجة الأزمات، فإنها وهي تقبل على تغيير واسع يؤهلها للتقدم في مجالات مواجهة استحقاقات الاحتلال والعصر المتقدم والواقع الذي يستدعي التغيير، قادرة على ضبط الإيقاع الداخلي، واستنفار قواها الحية، وتصليب موقف قومي- نضالي، وحشد قوة أشقاء وأصدقاء من حولها تواجه بها مخططات العدوان وموجات التهديد. والشعب في سورية هو عنصر القوة بما لديه من وعي وثبات على الموقف واستعداد للتضحية، وتماسك خلف وحدة موقف نضالي وصلابته، ومبدأ قومي وقدسيته؛ ولن يكون حقلاً خصباً تنمو فيه غراس يرعاها الأميركي أو الصهيوني أو من حالفهما، عند اللزوم.. إنه الشعب الذي يوثق به في الشدائد والذي يرخي الحبل إلى حد الشك في وجوده ويشده في لحظة فيثبت أنه القوة الموجودة على الدوام.
نحن في مدخل مرحلة جديدة.. سنجد فيها عرباً ممن اعترفوا بالكيان الصهيوني أو ساروا خطوات على طريق تطبيع علاقاتهم معه، يتململون من شارون وتاريخه، ويستشعرون الخطر من توليه رئاسة حكومة العدو، ولكن الأمر لن يصل بهم إلى درجة إعادة النظر بالعلاقات مع الكيان الصهيوني مهما بلغ اشمئزازهم من شارون، لأنهم مضوا في طريق المعاهدات مع ذلك الكيان إلى درجة اللاعودة.. وسنجد عرباً يساطون لكي يتقدموا من شارون خطوات، ويزيّن لهم وجهُه، ويقدم لهم أنموذج بيغن الذي عقد اتفاق كامب ديفيد مع السادات، وتخفى عنهم الصورة الإرهابية الدموية للاثنين.. ولكنهم لن يتمكنوا من التقدم نحو القدس خطوة، ولن يتراجعوا عما كانوا عليه من درجة القرب من كيانه خطوة، فضابط الإيقاع الأميركي ذو تأثير، وهو يعلن في كل حين أنه مع الكيان الصهيوني وسيتعامل باحترام مع من يختاره الناخب فيه رئيساً مسؤولاً، ومع مطالب هذا الرئيس أياً كان وأياً كانت.
نحن على أعتاب مرحلة سيقوم فيها الإعلام الصهيوني- الأميركي، بدفع شارون إلى مصاف رجال السلام بعد أن يجهد ويجتهد في تحسين صورته وتلميعها ليزيل الدماء وآثار الجرائم عن وجهه وكفيه.. وليغير من صورته وقوامه: صورة الضفدعة المسحوقة وقوامها، إلى صورة " جذابة" وقوام رشيق يحسن النظر إليه بعين "سليمة" وعقل "منصف"؟! ولن يتأخر إعلام عربي، ولا أقول الإعلام العربي، عن المساهمة في هذا الأمر.. فالإعلام الذي خاض الانتخابات الصهيونية في فلسطين المحتلة وقدم لنا ممثلي الليكود والعمل وسواهم بأفضل مما قدم لنا أية انتخابات عربية.. سيجد نفسه في التيار ذاته وسيواكب الإعلام الغربي والصهيوني في الحملات الإعلامية اللاحقة، التي تهدف إلى تحريك المفاوضات بهدف التغطية والتعمية، ليتم التوسع في الاستيطان والاستعداد لمراحل أخرى من التنازل لمصلحة العدو، وليتم تخدير الأنظمة العربية والشارع العربي مدة أطول من الزمن، بينما يستمر الكيان الصهيوني في الاعداد والاستعداد وكسب القوة وزيادة مساحة الأرض المقضومة، والخروقات في مجالات سياسية وثقافية واقتصادية عربية.
إن صباح يوم الأربعاء 7/شباط 2001 هو صباح مرحلة جديدة.. ذات مسحة وظل قديمين.. إنها مرحلة الإرهاب الصهيوني البشع وهو يسعى لتقديم نفسه عملاً مشروعاً وعادلاً ومقبولاً في عالم تسفعه الرمال فتعشي منه الرؤية، ومرحلة تستيقظ فيها الذاكرة العربية على نشيج بيروت، وصبرا وشاتيلا من بين أحيائها المدماة، ومرحلة يتقدم فيها الموالون لأيديولوجيات غريبة عن تراث الأمة وتاريخها وواقعها، والتابعون لمركزيات ثقافية وسياسية غير عربية، حاملين دفوفهم وبراقعهم الوطنية ليحجبوا الوطنية والوطن عن معاركهما الحقة.. وليقدموا بديلاً مزيفاً على حساب الوطن.. والتاريخ يعلمنا "ألا وطنية على حساب الوطن".
إننا في مرحلة الامتحان الصعب، مرحلة نحتاج فيها إلى الوعي التام، والانتماء الواضح، والمواجهة الصلبة الشجاعة، والموقف القومي الحق.. ليكون الوطن فوق الجميع.. وللجميع، ومن أجلهم أولاً وأخيراً.. ولتكون الحقيقة ومعطياتها التي تكون تاريخها وتاريخ الرجال والتيارات والأنظمة والأقطار والحكام.. هي التي ننشدها وندافع عنها ونتمسك بها.. لأن الحقيقة تخدم العدل، وتستحق أن تكون هدفاً سامياً ترفعه الكلمة عالياً كما ترفع الحرية والوطنية والعدالة والديمقراطية والنقاء الروحي والوجداني والسمو العقلي والمبدئي والأخلاقي فوق كل صنوف الدعاية والتجارة، ومنها التجارة بالوطن والمواطنية والوطنية.
إننا في مرحلة نحتاج فيها إلى كل ذرة وعي بمعنى الانتماء القومي والوطني وترجمته عملاً وسلوكاً وقولاً مسؤولاً، وفي مرحلة نحتاج فيها إلى كل كلمة شريفة تعلو فوق الزيف، وكل رجل شريف يسند الحقيقة ويكون وعيه حقلاً للكلمة الطيبة والحرية المسؤولة.. نحن في مرحلة يحتاج فيها الوطن إلى من يفهم المواطنة تضحية من أجل الوطن، والتزاماً بالقانون، ورعاية للتقدم والتطوير والتنمية، ومحافظة على صلابة الصف والموقف من أجل تحرير الأرض والإرادة، وحشد طاقة روحية مادية تجدد الرؤية وتنميها، وتحشد القوة خلف حقيقة أن صراعنا مع العدو الصهيوني –ورمزه الجديد شارون النازي – هو صراع وجود وليس نزاعاً على حدود، وأن الواقع تغيره الإرادات التي تكتب التاريخ وتعيد صنعه وكتابته بما تملك من قدرة على توظيف العلم والوعي المعرفي والإيمان لخدمة الحياة وترسيخ منظومات القيم السامية عند الناس.
|