صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ نسغ حياة من شهيد

الكلمة ترتعش في كياني وهي في طريقها من خلايا الدم إلى خلايا الحبر، وإخالها ترتعد وتصرخ بالسؤال في المخاض وهي تُقتاد من الرقاد: أمن ظلمات السجن الآمن تستلّني وتدّعني إلى ظلمات المقبرة في ليل أجساد أماتت نور أرواحها فتكثف رمادها غيماً بلا مطر، وتقطع بي حبل سرة الود لتعيش في شبح المغفرة على مشارف شاطئ العبور إلى راحة القبور، أما تشدني إليك صحبة تراعى أصولها؟!‏

حرفها المشحون بطاقة الروح والجسد يتفصّد عرقاً وهو يتسلّل إلى مسام الورق باحثاً عن مستقر لـه ما بين لدغة ثعبان وصليل سلسلة في أوتاد وقضبان، ومدلولها ينوس كفتيل مصباح استنفد زيته وأخذ يكلل هامته رمادُ احتراقه. والهدف الذي تنشده يتنأى عنها ويراوغها بسبب من كثافة رمل زوابع المفازات.. المتاهات، التي تفصله عن المسار إليه، لكثرة القاصفين قنابل الدخان في العيون وعلى طرق الرؤية..‏

والكل ينشد الهدف، ويشكو من سحب الدخان التي تحجبه وممن يثير زوابع الرمل ويُضل عنه، وهو يشتد إليه، زاعماً أنه طليعة الحريصين على بلوغه.‏

الكلمة ترتعش في دمي، وترتعد حين يفترّ عنها مبسم قلمي: خوفاً من أهلها الدالفة إليهم وخوفاً عليهم، وهي تناجي ذاتها بهمهمة فاحمة: ماعاد العدل غاية، ولا تبيّن الحق هدفاً، ولا الكلام سيف ضمير ورسالة شرف، ومدماكاً يرفع صرح القيم والعمران.. بل صار نوعاً من أحابيل وأحاجٍ وغثاء أحوى يلفه حواة حول أعناق الناس ليبلغوا غايات خاصة وأخرى أبعد ما تكون عن مصلحة الناس.‏

الكلمة ترتعش في دمي وترتعد بين أناملي.. وأنا أنزف بها وتنزف بي، وما نزال كحصان في أرض المعركة، بُقِرت بطنه والتفّت بعض أمعائه على بعض قوائمه واشتد به الألم، فهو كلما أمعن في الحركة أمعن في الاقتراب من النهاية، وكلما أمعن في السكون دفعه الألم إلى الحركة... وخذ يا زمن وهات مما يصنع جدلية الموت والحياة.‏

الكلمة ترتعش في دمي وترتعد من ألمي وليس لي عنها بديل.. فهي من ألوذ به محتمياً منه مستجيراً به .. وهي اليوم صحرائي بعد أن كانت واحتي.. وقد تدلى من قتادها فقؤ الحنظل البريّ.. لأن تهجينها أثمر عمايات ومعميات وافتراء في حالات كثيرة فأخذت تفقر الحياة وتفتقر إليها، وتصوّح مغانيها من غنى مدلولها ومرامي معانيها.. والكلمة موسيقا الروح التي تهز الكائن الإنسان طرباً من ألم أو من فرح، والعربي طروب بهذا المعنى من المعاني، وكلمته العربية مطراب.. فإلى أي شواطئ الطرب المفجع تفضي بعض ثمار الكلام في زمن بعض العرب وبعض كلامهم هذا؟!‏

إخال أن الفجر يقترب مني: والفجر نهاية ليل.. وقد يكون بداية صباح أو بداية يوم غائم لا مطر فيه، وبداية ضباب أو لألاء سراب.. وقد يكون في غيمه مطر فيه غيث لا مطر غضب وسخط.. ولكنه فجر يقترب على أية حال… والفجر حَبول بآلاف المشاعر والمعاني والاحتمالات.. ومن تراه يركن إلى ولادة سليمة لما يحبل به كل فجر؟! الأيام على مفارق الأرض ومطالع الشمس ذبول أو انتعاش، حسبما تراها العين ويقدرها القلب.. وليس لي إلا أن ألتمس فيها لنفسي كما ألتمس لكلماتي مستنبتاً في مساحة من ذاكرتي يفلحها الزمن ويضربها رعد الحدث الفحل... فتنتش وتنمو وتثمر.. ولكنني أشعر بأن قيظ الصحراء يلفح نوى البذور في مستقراتها من الأرض.. وأرض الكلام نفوس وعقول وقلوب وأرواح.. فهل إلى استصلاح تلك الأرض من سبيل، وقد اشتدت وطأة القحط والقفر واشتدت الحاجة إلى نبت وشجر وخضرة وتنمية؟!‏

السؤال يقودني في مسربين: أحدهما داخل مهمه روحي والآخر في العراء والفضاء المحيطين بها.. واحد يحفر بالإبرة في بؤر الخلايا بحثاً عن تربة تغوص فيها الأوتاد.. الجبال عميقاً، والآخر يتشبث بما يظنه أوتاداً في عري الأرض والناس وفي متاهات الفضاء الرحب.. ويرتد عن كل من المسربين صدى يعيد طرح السؤال وتعميق مراميه ومداه.. من ترى يملك الجواب اليقين.. أو يملك يقيناً في مجيء الجواب الشافي؟!‏

المغامر الذي يركب صهوة العمر ويلج بالنفس مسالك الوعر، قد تنكسر به صهوة القصبة.. العمر، ولكنه يستمر في طلب ثمر المغامرة.. وقد تصبح المغامرة في مجالي الفكر والكلمة العربية المطراب حياة أو مسوغاً للحياة.. وقد يجدد القفر العزم، وتدفع الصحراء إلى الاختراع والإبداع، فتكون الكلمة المنقذَة..‏

وقد تنبت في شقوق صخر في جدران أحد المسربين: مسرب الأعماق ومسرب الفضاء المحيط بالروح، رياحين سحرية ذات شذى يبعث الحياة في ميت القلوب ويشد رميم العظم إلى تألق الحياة.. فما أكثر معجزات الروح وأعظمها...‏

وبينما تشوى الروح والكلمات في لظى خشب مسندة، يضيء عالم النفس والأرض من حولي وقعُ خبر.. طالما كان لأمثاله وقع صرخة الوليد على عتبة الحياة، واندياح دوائر الماء في بركة راكدة يلقى فيها حجركبير.. فيصبح لكل دقيقة معنى ولكل تنفس عمر، ولكل نبض هدف جليل، ولكل دائرة بعد.. تنتعش كل الكلمات المزروعة في الصحراء أو المرشحة لدخول مداها.. ويطرق الروح وقع حياة بعثته الشهادة.. وقع يجعلني أقول: إن الحرف أحياناً نوع من شهادة.. وإذا بي أُبعث من رمادي في فجر يصنعه الصامتون الدائبون على حمل رسالة شرف الحياة وشرف الأمة.. فيزري فعلهم بكل نَفْسٍٍ: صحراء، وبكل كلمة: داء، وبكل حوار خواء... ويصبح للحياة معنى.. وللفعل جدوى، وللقول ميدان، وللإرادة البناءة سطوة.. وإذا بالعربية عربيد من الجن ينقلني من كلمة مطراب إلى أخرى مطربة "ترندح" على وقع الحدث.. فتحملني على صهوات الزمن من تاريخ إلى تاريخ، ومن موقع دفاع إلى موقع إبداع... وأنا أترنح اعتداداً بالبسطاء من أبناء شعبي.. بالشهداء الأحياء الذين رفضوا حرفة الادعاء وثقافة الغوغاء.. وقد مسحوا عن وتر حلقي غباراً عابراً من حزن العتب على أهل النسب.. فتهت فوق الهضاب الممتدة من دمشق إلى غزة لألثم بقعة أرض شهدت أول صرخة حياة لسائق سيارة شهيد حي / علاء خليل أبو علبة(1) ولد في فجر حَبول واستشهد في فجر حَبول، بعد أن أرسل تسعاً من الصهاينة المحتلين إلى مستقراتهم الأخيرة جنوبي "تل أبيب" مسربلين بعار العدوان، وذهب ليستقر على رابية الزمن العربي ضوءاً يبعث فيّ وفي أمثالي وفي حروفنا حياة.. ويدفعني كما يدفع أمثالي إلى العمل والتضحية من أجل أجيال تقرع أبواب الحياة.. أجيال لن يعوقها صَغار من أي نوع، وفساد من أي نوع، وتجارة من أي نوع، عن أن تفترع المعجزات وتكتب حرفاً في سجل النصر العربي القادم، وتتبتل في محراب الشهادة إلى أن يشرق فجر حَبول بصبح التحرير العربي لفلسطين كلها.‏

قبّلت حرفي وأنا أقبّل شعاعاً من فجر نثره الحي ـ الشهيد في فضاء الوطن, وأخذت نفسي تركض نحو ساحل فلسطين لتقبّل أرضاً يموت من أجلها الإنسان وهي تلعن نفوساً تلوث أرض الإنسان وفعله وعطاءه ونقاء الحياة من حوله.‏

(1)ـ قام علاء خليل أبو علبة بدهس ثمانية أو تسعة جنود ومجندات صهاينة بسيارة باص يقودها لحساب شركة إيغد الصهيونية، وجرح حوالي واحد وعشرين آخرين في مفرق " تامبو" ـ قرية/ هازور / جنوب تل أبيب وذلك في صباح يوم الأربعاء 13 شباط 2001 وكان معظم القتلى من المجندات برتبة رقيب ومدنية واحدة. وقالت كتائب العودة إن العملية جاءت رداً على اغتيال المروحيات الإسرائيلية للشهيد مسعود عودة الذي استشهد قبل أيام.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |