صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ قراءة في مشهد الانتفاضة

قراءة المشهد الانتفاضي في فلسطين المحتلة تشير إلى المعطيات الآتية:‏

1-تنامي المواجهة الفلسطينية المنظمة في إطار الانتفاضة المستمرة، وتغلغل اختيار المقاومة بوصفه الاختيار البديل للتفاوض البائس، في مساحات بشرية فلسطينية: عمقاً وانتشاراً.‏

2-توجه جنود الاحتلال الصهيوني إلى العمل في إطار حالتي: حرب وحصار مفروضتين على الساحة الفلسطينية وفق منهج التصفية باتجاهين:‏

أ- التصفية المدروسة لقيادات شعبية فلسطينية مؤثرة في الانتفاضة والمقاومة المنظمة الناشئة في حضنها.‏

ب- القمع الدموي للجماهير مع القصف المدمر لبيوت ومواقع وأماكن يرى العدو تدميرها.‏

والعمل في الاتجاهين يرمي إلى تفتيت إرادة الصمود والمواجهة والقضاء على روح المقاومة في الشعب الفلسطيني.‏

3-ارتباك الأداء السياسي الصهيوني الناتج عن الانتفاضة وانعكاساتها وتفاعلاتها من جهة، وعن التآكل الداخلي في الأطر السياسية والنظرة السياسية للأحداث وسبل التغلب على الصعاب التي أنتجتها، وما نشأ عن ذلك كله من تغيير سياسي بعد أن أسقطت الانتفاضة باراك، واختارت تجمعات المحتلين مجرم حرب إرهابياً عريقاً دموي النزوع ليكون رئيساً لحكومة العدو هو أرييل شارون بنسبة 62.5% من أصوات الذين شاركوا في الانتخابات، الأمر الذي يعبر عن حالة جماعية عامة.‏

وإذا كان الارتباك ظاهراً في فترة انتقال السلطة من باراك إلى شارون، أو من قيادة حزب العمل إلى قيادة حزب الليكود، فإنه لن يبقى كذلك بتقديري، لأن معالم اتفاق الحزبين على تشكيل ما يسمونه "حكومة وحدة وطنية" ـ أي حكومة عدوان مرتقب ـ أصبحت واضحة، والاتفاق على ذلك أصبح جاهزاً، ولكن الاتفاق سيكون مفتاح اختلاف وصراع في الداخل، لا سيما في حزب العمل، ومفتاح مرحلة دموية من الصراع قد تشمل المنطقة بكاملها.‏

وإذا كان باراك قد قرر أخيراً العزوف عن المشاركة في وزارة مشتركة برئاسة شارون يتولّى هو فيها حقيبة الدفاع ـ لأنه رفض غمز شارون به حين قال الأخير لمستوطني الضفة والقطاع: "إن باراك هو ضابط جيد وأنه يستطيع أن يقوم بدور وزير دفاع عندما يكون هو، أي شارون، يشرف على تصرفاته. " ـ فإن أسماء بينها شمعون بيريس مرشحة لذلك بقوة، وهو لا يمانع في ذلك إذا لم يحصل على حقيبة الخارجية رغبته المفضلة.‏

وحاجة شارون إلى حزب العمل ورموزه لا تنحصر في تغطية الجانب الشخصي، وبصراعاته داخل الليكود وخوفه من نتنياهوـ الذي وعد بسقوطه بعد ثلاثة أشهر ـ وبإضافة نقطة مختلفة اللون إلى سجله الدموي الرافض لأي اتفاق يعطي لعرفات شيئاً من القدس، وتنفيذ رؤيته الخاصة بقمع الانتفاضة وفرض حالة أمن بالقوة أو حلولاً بالقوة، بل تنسحب إلى حاجة حزب الليكود إلى حليف من خارج دائرة اليمين المتشدد لكي يخوض معه حرباً إذا لزم الأمر لينهي الانتفاضة وصفحات من الصراع العربي يقدِّر أن الوقت ملائم لحسمها بالقوة إذا لم يصل الكيان الصهيوني إلى حسمها بفرض سلام على طريقته وبشروطه، اعتماداً على الدعم الأميركي غير المحدود لاحتلاله وتوجهاته الاستعمارية – الاستيطانية.‏

4- ومما يلاحظ في المشهد الانتفاضي وانعكاساته وتفاعلاته أيضاً تحرك محدود ذو دلالة لحزب الله في منطقة "شبعا"، والحديث عن وجود تنظيم يعمل في غزة بتنسيق مع حزب الله كما يقول العدو الصهيوني.‏

وتحرك المقاومة الوطنية والإسلامية وعلى رأسها حزب الله، في جنوب لبنان تحرك تحكمه استراتيجية تحقيق الأهداف التي ينشدها، فإن التكتيك الذي يتبعه مرتبط بأوضاع ومعطيات وحسابات معقدة، لبنانية وعربية ودولية، ولكن تعزيز موقف الانتفاضة ببعض العمليات ضد العدو المحتل في شمال فلسطين، يزيد من ارتباك العدو وخسائره من جهة، وقد يدفعه إلى ارتكاب حماقات ينم عنها التهديد المتجدد لحزب الله ولبنان وسورية وإيران من جهة أخرى.‏

هذا الوضع يجعل المشهد الانتفاضي وتفاعلاته وانعكاساته يصبح أكثر تعقيداً وتأثيراً، ويرشحه إلى الاستمرار المتنامي القادر على إحداث تغيير في خريطة العمل السياسي، سواء أكان ذلك لجهة التأثير في آخر ما وصل إليه اتفاق أوسلو من مراحل، أم لجهة نظرة الغرب والكيان الصهيوني لكيفية معالجة القضية قبل أن ينفلت زمام الحرب، التي يمكن للعدو الصهيوني أن يحدد بدايتها ولكنه لا يستطيع على الإطلاق أن يتحكم بنهايتها وبما قد تقود إليه من تفاعلات، لا سيما على الصعيد العربي العام الذي تربطه ببعض دوله اتفاقيات يحرص عليها، وتتحرك الجماهير العربية في تلك الدول لتحقيق تغيير في علاقات تلك الدول مع العدو الصهيوني مما يدركه جيداً.‏

إن المشهد الانتفاضي وانعكاساته سيكون موضع اهتمام وبحث خلال الأيام القادمة، لا سيما في أثناء زيارة كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية للمنطقة، وإذا كان جورج بوش الابن قد جدد التزامه المطلق بحماية الكيان الصهيوني وتعزيز أمنه ورفاه تجمعاته البشرية، كما هو معهود في سياسة الإدارات الأميركية المتعاقبة، وأعلنت إدارته بأن الأفكار التي طرحها الرئيس السابق بيل كلنتون لحلّ نهائي لقضية فلسطين لم تعد قائمة، لأن الإدارة الجديدة لا تتبناها ورئيس الكيان الصهيوني لا يوافق عليها؛ فإنه لم يعلن بأنه غير معني بالقضية وغير مستعد لبذل جهد من أجل التوصل إلى حل توافق عليه الأطراف المعنية. وقد يكون على رأس برنامج كولن باول شيء في هذا الاتجاه إضافة إلى الاستطلاع العام لوزير عهد جديد. وهذا بحد ذاته سيجعل المشهد يفرض نفسه ليس على جدول أعمال الإدارة الأميركية، بل على جدول أعمال القمة العربية القادمة في عمان /أواخر آذار 2001/ الأمر الذي يرشح المشهد الانتفاضي وتفاعلاته لاحتلال موقع الصدارة في العمل السياسي خلال الأشهر القادمة، وإلى فرض تحرك على العرب يتصل بتنفيذ قرارات القمة العربية السابقة، والتفكير بقرارات وتحرك جديد تمليهما تفاعلات المشهد والالتزام العربي بدعم الانتفاضة.‏

5- وتشير قراءة المشهد إلى تحرك أوربي متصل به، وهو تحرك في اتجاهات عدة: منها ما يتصل بمسار التفاوض الفلسطيني – الصهيوني، ومنها ما يتصل بالمسار السوري اللبناني- الصهيوني. وإذا ما قرأنا التحرك البريطاني الحالي نحو سورية بشكل جيد، وعودة الحياة للورد مايكل ليفي، الشخصية اليهودية البريطانية التي دخلت على خط التحرك في هذا المسار في السنوات السابقة، ولاحظنا الاهتمام الفرنسي ببذل جهد في الاتجاه اللبناني – السوري على المسار ذاته، وجدنا أن هذا التحرك التمهيدي يسبق: -القصف السياسي- وربما العسكري- المتوقع من مجرم أحمق مثل شارون، أو يرمي إلى تطويق التهديد الصهيوني والانعكاسات التي يتركها لدى الجهات التي يستهدفها التهديد.‏

وكل الأطراف المتحركة سياسياً في الساحة الآن تعمل على تهدئة ما بانتظار تسلم حكومة شارون زمام الأمور رسمياً والوقوف على برنامجها السياسي، الذي لا يجوز أن تبنى المواقف قبل إعلانه كما يقولون. وهذا مدخل يتلاعب بمنطق على حساب ما استقر عبر استقراءات واستنتاجات منطقية عمرها عقود من الزمن. إذ لم يشكل الكيان الصهيوني حكومة ما يسميه "وحدة وطنية" إلا ليشن عدواناً على العرب ـ خبرنا ذلك في أعوام: 1967، 1984، 1987 ـ أو ليمتن الصف الداخلي باتجاه التشدد في مطالب على حساب الحق العربي.‏

وإذا كنا سنعرف اليوم من هو شارون والليكود، وما هي التوجهات التي يمليها اختيار شارون بنسبة 62.5% من الذين شاركوا في التصويت، وهي اتجاهات يجسدها تاريخ التطرف الإرهابي التوسعي الصهيوني، وتحرك شارون نحو الأقصى في أيلول 2000 باتفاق مدروس مع باراك.. فإننا نكون قد عشنا حالة من العته طوال العقود التي مرت على صراعنا مع العدو الصهيوني.‏

إن المشهد الانتفاضي يؤكد مؤشرات تكرر استنتاجها والتأكيد عليها في معارك سابقة مع العدو، وفي مراحل سابقة من الصراع العربي- الصهيوني.. وخلاصتها أنه لا بد من امتلاك القوة لحسم الصراع لمصلحة الأمة، وأن عودة قضية فلسطين لحقائق أبعادها ومسؤولياتها التاريخية بوصفها قضية قومية ومسؤولية قومية هي الخطوة الأولى على طريق الحل الذي لن يكون إلا بتحرير فلسطين، كل فلسطين، من الوجود الصهيوني، ووضع نهاية للمشروع الصهيوني الغربي الذي يهدد الوجود العربي كله من العراق إلى المغرب ويستنزفه، ويعوق كل نهوض عربي و يلغيه. وإذا كان لنا أن نحمل رسالة ومؤشرات مما يجري في المشهد الانتفاضي اليوم إلى قمة العرب القادمة في عمان، فإنها تنصب على تعميق الصحوة العربية، والالتزام القومي بقضية فلسطين، وتفعيل قرارات مكتب مقاطعة العدو الصهيوني وتفعيل اجتماعاته المعطلة منذ توقيع اتفاق أوسلو المشؤوم، والتشدد التام في وقف كل أشكال تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني، والمضي قدماً في رسم سياسات واستراتيجيات عسكرية واقتصادية وثقافية وتربوية وإعلامية ذات بعد قومي- علمي – عملي تهيء مجتمعنا وأجيالنا لمواجهة حاسمة مع العدو قد يفرضها علينا في أي وقت ولا بد من أن نفرضها عليه في وقت ما، لكي نضع حداً لمعاناة طال أمدها، ولتدخلٍ استعماري يمس بسيادة الأمة وأقطارها، ويشل قدرة الأمة على تحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية وحضارية بشكل عام، ويجعل هوية الأمة وتاريخها وثقافتها وأرضها عرضة لأشكال من الغزو والاختراق ونمو الفطر السام بين ظهرانيها ممن يرتبط وجودهم بوجود المشروع الصهيوني والنفوذ الاستعماري والتمزق القومي، والتخلف، الذي تغذيه أو تنميه أوضاع يساهم في بقائها ونموها بقاء الاحتلال وتهديد الاستعمار، وتبعية من نوع مقيت يخضع لها وطننا وأبناؤه بأشكال مختلفة.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |