|
ـ الوطن
الوطن: هل هو مجرد أرض تعيش عليها كما يمكن أن تعيش على سواها، أم أن خصوصية أرضه في النفس والعيش فيها تكاد تنتزع معنى العيش ومضمونه في أية أرض أخرى، وأنه يعني للمرء ما هو أكثر بكثير من التراب والماء والعمران والمادة المرتبطة بالطين والناتجة عن العمل فيه، وأن خصوصية ذات أبعاد روحية وعاطفية وتاريخية، فردية وجماعية، تجعل لأرض وبيئة وموقع مكانة لا تعوض؟!
كثيرون يغتربون عن الوطن لأسباب مختلفة، وكثيرون يغتربون في الوطن لأسباب كثيرة، ولكن من يحمل الوطن في الأعماق، بكل ما يعنيه الوطن للمنتمي إليه، يبقى ملتصقاً به، حاملاً لهمه، مسربلاً بألمه ودمعه وربما دمه، ويبقى حيوية حضور لحالة من الطموح لا تتحقق إلا بانسجام وتداخل عضوي مع الوطن.. ولا تتآتى هذه الحالة إلا لمن يتوسد أرضه ويعمل على خلاص مشترك – عام لـه ولكل من وما يعنيه لديه مفهوم الوطن ومعناه.
بعيداً عن الأرض والبيئة والناس، يعيش المرء غربة قاتلة لا يعوضه فيها عن الوطن مال واستقرار وازدهار، وبعيداً عن الوطن يعيش أشخاص حياة حافلة على حساب الوطن، وباسم الغربة عنه؛ ومن يصبح وطنه الدولار أو المرأة أو العمل المجزي يقوم بعملية استبدال سهلة عليه لأنه يكون مهيأً لها، ولا أعرف كم هي شدة اللحظات المُرّة التي يمر بها الشخص من أولئك أحياناً، عندما يقارن بين ما كسبه وما خسره من تلك المقايضة.
وبعيداً عن الوطن يعيش أشخاص حالة إكراه على الاغتراب لأسباب منها ما هو مشروع ومسوّغ، ومنها ما هو نتيجة فعل مبني على خطأ أو ناتج عن تقدير وطموح غير محسوبين جيداً، ومنها ما هو نتيجة تطرف في التصرف أو التطلع أو الطموح، ومنها ما هو نتيجة فعل بعض من في الوطن ممن يرغبون في الاستحواذ على كل شيء فيه مما يخص الآخرين، ادعاء منهم لوعي أعلى وانتماء أشد وفهم أشمل، أو إشباعاً لطمع وطموح وتعبير عن مرض أو تشوّه في الرؤية والممارسة والانتماء.
وكل أولئك يعيش مأساة أو يتسبب للآخرين والوطن بعيش هو المأساة، مع اختلاف في الدافع والباعث والنية والغاية وشرف الوسيلة ونوعها.
والوطن عند أشخاص بقرة حلوب، والكلام في الوطنية تجارة كسوب، وعند أشخاص متاهة انتماء لا يكاد يتبيّن مسالكها ولكنه يُعْجن فيها ومعها، وعند أشخاص الوطن أمٌ، شجرة، لا يستطيعون تصور الانفصال عن ظلالها وثمارها وحنانها، ويتحولون من تمثال شمع إلى بركة دمع عند فراقهم لها أو غضبها منهم. وهو عند أشخاص ظل عال لكل المعاني والقيم والواجبات يعرفون أنه يملكهم وما يملكون، ولا يرون أن لهم فيه أو عليه حقاً من أي نوع.. وحين يحرمهم من فرصة العمل الشريف والعيش الكريم فيه يبتعدون عنه جسداً باكين مشتعلين بالحنين إليه ويذوبون فيه روحاً.. وحين يصرخ حاجةً لهم يتراكضون إليه ويسفحون دمهم من أجله بصمت وامتنان.. تاركين لأسرهم من بعدهم المعاناة وبعض الذكريات التي لا تلبث أن تنسى، وهي في وقت سخونتها وراهنيتها لا تقيم لأولئك المترامين على الموت الكريم من أجل حياة الوطن، عند بعض مواطنيهم، أية ملامح لأشخاص وذوات.. وإنما تدخلهم مجهل الذاكرة بوصفهم كتلة غائمة تصعّد بتسامٍ في حالات إلى مرتبة الشهادة والشهداء.. وهي كلمة تبقى لدى كثير من شرائح الناس، وفي مساحات من الذاكرة والوجدان، مجرد ومضة تشبه رفرفة العلم عند أداء التحية لـه في صباح يوم شديد البرودة.
ولك أن تقارن هذه الشريحة الأخيرة ممن يعني لهم الوطن هذا المعنى مع شريحة أخرى في الوطن تأكل الأخضر واليابس أو تسعى لتأكل الأخضر واليابس، وتتعالى على الناس بفسادها في الناس أو باحتكارها الوطنية من دون الناس، وترى أن من حقها أن تضع في رصيدها الخاص تضحيات الآخرين ودماءهم ودموعهم لتجبل من ذلك لبنة تقف عليها لترتفع فوق الرؤوس والمقامات والهامات بوصفها الوطن.
ولك أن تعقد مقارنة بين المتزاحمين على أبواب الوطنية من هذا الاتجاه، وهم يستلون سيوفهم لينتزعوا قمر الوطن ممن يمسكون به أو ليحافظوا عليه وهم يمسكون به، بدعوى أنهم الأحرص عليه والأقدر على خدمته، والأكثر وعياً باحتياجاته واحتياجات الناس فيه.. وتراهم في اشتجارهم الشديد ذاك كالمقاتلين حول الهودج في وقعة الجمل يصيحون "يا أمنا.." مع فارق في العمق يتصل بدرجة الإيمان وأهداف الطّعان وأثمانه.
الوطن قيمة والحياة منظومة قيم، والإنسان الحي بوصفه مواطناً حريصاً على حقه في الحياة وعلى نوع الحياة التي ينشد، هو مجموعة من الاختيارات والمبادئ والاحتياجات والمصالح والعلاقات ومقومات الانتماء والاعتقاد، تجعل منه قيمة في الوطن والحياة أو عبئاً على قيم الوطن والحياة، إنه يعيش.. ومن حقه أن يعيش، ولكن كيف، وبأية وسائل وأدوات، ولأية أهداف، وماذا ينشد في الحياة؟ وهل يراها تكليفاً، أو ممراً لمستقر، أو أنها نموٌ طبيعيٌ نتيجة تفاعلات حيوية لا ترتب شيئاً من بعد الفناء، ومن ثم هي انفلات طاقة شيطانية من كل قيود العقائد والقيم، ومن قيود المجتمعات والقوانين والدول إن استطاع صاحبها إلى ذلك الانفلات سبيلا؟!
إنه يعيش ومن حقه أن يعيش.. ولكن هل يكون ذلك على حساب الآخرين وحقوقهم في العيش؟! وإذا انفلتت فئة من الناس من كل قيمة وقيد وقانون، مستفيدة من فهم خاص للحرية والشطارة والقوة والمواطنة، وبطشت بالآخرين أو بحقوقهم.. وأفسدت بذلك أو من أجل ذلك شروط العيش جماعة، والبيئة الخلقية والاجتماعية، ومفاهيم المواطنة والشراكة الاجتماعية.. فما الذي يفضي إليه فعل من هذا النوع، وما هو مردوده على الوطن والناس ومعنى الحياة؟!
نحن في مناخ محتمل من هذا النوع أمام شرائح من البشر قادرة على العيش في أية أرض مختارة القرش وطناً، مُسخرة الوطن من أجل أن تعيش في أي مكان أو مستوى على حساب الوطن، ولا تشعر بخوف من دفع ثمن من أي نوع جراء ممارساتها، أو بأن يدفع الوطن أي ثمن جراء تلك الممارسات.
وحيال شرائح من البشر قادرة على التعاون مع الشيطان في سبيل أن تصل إلى امتلاك قمر الوطن، وتشويه صورته وهو بيد الآخرين وتزيينها إن هي آلت إليها.. تظهر وطنية على حساب الوطن، ولا وطنية على حساب الوطن..وتخوض حرباً من "أجل الوطن" عليه، مستبيحة كل شيء وكل وسيلة وكل قول … تدخل السوق بكل أنواع البضائع والهدف واضح.
نحن في الحالين أمام شرائح تجبل لبنات "مجدها" بدم الشهداء ودموع البسطاء من أبناء الوطن، الذين يرون المواطنة واجبات ولا تصلهم منها حقوق، وأمام مشهد تدافع نحو السلطة بادعاءات عريضة.
ويتساوى في هذا المشهد من يمارس تجارة بسياسة، ومن يمارس سياسة بأسلوب تجاري. والفرق، وهناك ثمة فرق، بين تاجر يمتلك بضاعة وطنية، وتاجر وكيل لبضاعة أجنبية.. ولكن الهم هو الربح والمتسوق والمستهلك ودافع القيمة، والربح هو المواطن الذي يعيش متاهة الانتماء للوطن من دون أن يعرف مسالكها.. فهو في جبلّتها ومن تلك الجبلّة، والمواطن الذي يشقى في الوطن ويحرم من المواطنة ويركض، عندما يصرخ الوطن طالباً نجدة وحماية، يركض ليقدم دمه معترفاً بأنه، وهو في منفى فرضته عليه لقمة العيش، كان مقصّراً بحق الوطن، الذي لم يفسح لـه فرصة لكسب لقمة العيش في الأرض التي أحب، الوطن إن لم يكن حضناً دافئاً يجتمع فيه أبناؤه على الحب والاحترام والمساواة والاخلاص لـه والاستعداد للتضحية في سبيله، يفقد الكثير من معانيه ومنزلته في النفوس، ويفقد الانتماء إليه خير مافي الانتماء من معان واستعداد للتضحية، واعتزاز بذلك الانتماء…
والوطن حين يفقد سلم المعايير الاجتماعية والخلقية والقومية والروحية، يصبح جثة لمجتمع يتفسخ ويُخترَق بأشكال مختلفة، ويصبح عبئاً على أفراده بصور مختلفة أيضاً.
ومن مصلحة كل من يعيش في وطن أن يعلو شأن القانون والقيمة والمعيار والضوابط السليمة للأداء والسلوك في ذلك الوطن، وأن تسود حالة من الاحترام المتبادل والثقة المتبادلة بين أبنائه وفئاته، وأن يعرف فيه الناس أقدارهم وقدراتهم العملية على الأداء والإنجاز. ويعترفوا بفضل ذوي الفضل، وبإنجاز من أنجز، وبما يحتاج إليه الوطن ليصبح ذلك برنامج الجميع من أجل الجميع الذي يوضع موضع التنفيذ حسب الآلية الدستورية والقانونية والإدارية فيه.
وحينما يكون وطن شعب ما تحت الاحتلال جزئياً أو كلياً، ويتعرض للتهديد دورياً، يصبح عبء المواطنة أثقل على من تعني لهم المواطنة تدبيراً وتقديراً للأمور، ولمن تشغلهم مصلحة الوطن ويدركون المخاطر المحيقة به. أما وقود نار المعركة في كل الأوطان من أجل حريتها وتحريرها واستقلالها، فهم معروفون وهم على استعداد لأن يلبوا نداء الوطن في كل حين.
أما الأشخاص الذين يحسنون انتهاز الفرص، ويركبون الموجة المندفعة، ويشوهون صورة الأداء أو صورة الأشخاص فهم جزء الداء ولا يملكون دواء.
والخلاصة تطرح سؤالاً: هل يحق لدم يحفظ تماسك اللبنات التي يقف عليها الماجدون والمالكون، والمتاجرون ووكلاء البضائع الأجنبية أن يقول: أنتم دم ونحن دم.. نحن نقيم مداميك الوطن وأنتم تقفون فوقها.. ألا يحق لنا أن نقول: لا تدنسوا تلك المداميك بادعاء عريض يتزلزل لـه صمتنا الرهيب؟!
|