صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ سلام العدو عبث بدم الشهداء

حينما يقوم جيش الاحتلال الصهيوني، خلال أسبوع واحد، باجتياح أرض "أوسلو" ثلاث مرات وتدمير بيوت في خان يونس، ومواقع للشرطة الفلسطينية في رفح ودير البلح وغزة، في الوقت الذي يتابع فيه العدوان على فلسطينيي الضفة الغربية والقدس؛ ويقوم أيضاً بضرب موقع للقوات السورية في ظهر البيدر – لبنان، وتوجه رموز الصهيونية –النازية رسائل تهديد لسورية ولبنان، لأنهما لم تقمعا قوات المقاومة الوطنية والإسلامية وعلى رأسها حزب الله؛ ويتوعد بنيامين بن اليعازر، وزير الحرب الصهيوني، كل جوار فلسطين المحتلة بأن ما يقوم به جيشه من قتل وتدمير وعدوان مكشوف هو بداية لسلسلة من الأعمال، التي من شأنها أن تفرض ما يراه أمن كيانه على الآخرين بالقوة.. وكل هذا يتم في ظل إعلان شارون ممثل "كل إسرائيل" يميناً ويساراً ووسطاً بأنه يقبل بسلطة فلسطينية "دولة" على 42% من أرض الضفة وغزة – بعد أن كان باراك يعد بـ 95% من تلك الأرض لدولة فلسطينية – وعن القدس: "عاصمة أبدية" لدولته، وعن قفص مقطَّع الأوصال داخلياً محكم الإغلاق من الخارج، يضم الفلسطينيين في إطار قبضة من حصار وجحيم.. بعد هذا كله يحق لنا أن نسأل دعاة السلام مع العدو الصهيوني من العرب: أين هو السلام الذي تطبلون له، بعد اثنتين وعشرين سنة من كامب ديفيد، وثماني سنوات ونيف من أوسلو، وسبع عجاف من وادي عربة؟! أين الازدهار والاستقرار و "الصداقة" التي حشدتم لها أبواقاً وطاقات عربية وغربية وصهيونية حتى كدتم تخرقون سقف سماء الواقع القاسي الذي يلف أمتنا العربية منذ بداية الصراع مع العدو الصهيوني.. منذ سبعة عقود عامرات بالموت والتشريد وتدمير القرى والمدن وفرض وجود العدو في أرض العرب بقوة السلاح وصيغ القهر وصور التزييف وأنواع التحالف والتواطؤ؟!‏

وحين يستخدم حليف الكيان الصهيوني الأول، الولايات المتحدة الأميركية، حق النقض "الفيتو" ضد مشروع قرار لمجلس الأمن الدولي، يرمي إلى وضع مراقبين، وليس قوة حماية دولية، لتوفير بعض الحماية للفلسطينيين من الهجمات الوحشية للنازيين الجدد، ويدافع عن ممارسات الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني وشباب الانتفاضة تحت غطاء تبادل العنف وحق " إسرائيل" في الأمن، ويسوّغ العدوان على لبنان وسورية بذريعة أن العنف يجر العنف، ليجر كلاً من سورية ولبنان إلى منع حزب الله من مقاومة الاحتلال الصهيوني في شبعا، ومنع التقارب مع فلسطينيين في أرض أوسلو المستباحة –أدركوا أن موقف سورية ولبنان هو الأصوب، وأن العدو مستمر في عدوانه حتى في ظل "اتفاقيات سلام" من صنعه –منعهم من التواصل مع أرض المد القومي والعمل التحريري المبني على منطق استقراء التاريخ ووقائع الصراع ودروس الماضي الصهيوني الأسود، بأبعاده العنصرية وممارساته النازية؛ حين يفعل الأميركي ذلك، ما الذي يبقى من رعايته لما يسمى مفاوضات السلام، ومن حرصه على القيام بدور في عملية تؤدي إلى الأمن والاستقرار في هذه المنطقة؛ وما الذي يبقى لـه من مصداقية عند أصدقائه من العرب، الذين يكيل لهم بمكيالين فيكيلون لأمتهم بأربعة؟!‏

تعالوا نقرع باب الحقيقة: الشعب الذي ننتمي إليه، الشعب العربي من المحيط إلى الخليج، يرفض العدو الصهيوني وحليفه الأميركي، ولا يؤمن بسلام من أي نوع مع الاحتلال على حساب عروبة فلسطين، والقدس، والشعب الفلسطيني المشرد؛ قد تكون بين ظهرانيه نماذج موالية للولايات المتحدة الأميركية، وحتى للحركة الصهيونية؛ ترفع صوتاً في الظلام، وتنعق في أرض الأمة بما تقشعر لـه الأبدان السليمة والأرواح النظيفة؛ ولكن أولئك لا يساوون حفنة رمل في محيط.. فكل الأمة ترفض العدو، ولا ترى خلاصاً منه إلا بالتحرير، ولا تجد ما يسوِّغ أي نوع من الكلام عن "السلام" معه، لا من ذلك الذي يصدر عنه أو عن حلفائه، ولا ذاك الذي يصدر عن صنائعه وأعوانه والموالين لحلفائه.‏

وحين يكون هذا هو رأي الشارع العربي، الذي وقف مع انتفاضة الأقصى وخرج إلى الشوارع، وفرض قمتين استثنائيتين: عربية وإسلامية، من أجل نصرة الانتفاضة والقدس والشعب الفلسطيني المناضل، وثورة فلسطينية تعود إلى نقائها وميثاقها الوطني وتاريخها النضالي، وما زال على رأيه وموقفه وسيبقى.. فما الذي يتوجب على الساسة والمثقفين العرب أن يعملوا من أجل تجسيد إرادة شعب يمثلونه أو ينطقون باسمه؟!‏

ليس أقل من الإعداد والاستعداد لساعة الحسم بكل الوسائل والأدوات والامكانات.. وليس أقل من وضع حد للتردد، وإعادة نظر جذرية بخيارات للحل ثبت عجزها وقصورها وانعدام جدواها، وأنها لا تعبر عن وجدان الشعب العربي ولا تمثل مصالحه على الأقل، وليست اختياراته بأي حال من الأحوال.‏

إن الأنظمة العربية، مطالبة الآن بالاستجابة لمطالب الشارع العربي المؤيد للانتفاضة والمقاومة الوطنية الإسلامية في لبنان، ولموقف سورية ولبنان المبدئي من الصراع العربي- الصهيوني، وأبسط تجليات تلك الاستجابة تكون بموقف واضح موحد داعم للشعب الفلسطيني وانتفاضته، وللمقاومة الفلسطينية وخيارها الوطني السليم، وللمقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان، ولكل من سورية ولبنان، في موقف يتجلى بلسان عربي مبين وفعل عربي واضح، وتعبر عنه بصورة جلية: إعادة نظر باتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، وبالموقف من المصالح الأميركية والبضائع الأميركية والنفوذ الأميركي على سياسات وقرارات وإرادات عربية، في ضوء الوقائع والدروس المستفادة من كل ما مر على الأمة من أحداث.‏

ويكون ذلك أيضاً بتعزيز العلاقات العربية- العربية، ورفع الحصار العربي عن الأقطار العربية المحاصرة بشكل فوري، وإصلاح البيت العربي بأيد وإرادات عربية… كما يكون أولاً وقبل كل شيء بطرح سؤال على القادة أمام الشعب العربي كله: ما هو موقفكم والشعب الفلسطيني يذبح وتدمر على رؤوسه بقايا بيوته؟!. وما هو موقفكم والمقاومة ضد العدو تلاحق، ومن يناصرها يهدد وتقصف قواته، وتفتعل ضده القضايا والمواقف لإضعافه وشل قدرته على الصمود، ولإجباره على أن يقف حارساً لأمن الاحتلال الصهيوني، مباركاً "سلاماً" لا "سلم" فيه، ولا سلم ولا كرامة لأمة العرب من بعده؟!‏

هل تحركون قواكم الفاعلة، أياً كانت، لتوضع خلف موقف قومي واضح صارم حازم.. أم تعطون لشارون مزيداً من الفرص حتى يتضح لكم أنه أخطر من كل من تعاملتم معه وتقاتلتم معه من النازيين الصهاينة، الذين يفترسون أرض القدس ويغرقون أرض الشام بالدم والنار والعدوان والحقد والتهديد؟!‏

إن اجتماعاً لمجلس الجامعة سيكون اليوم السبت /21/ نيسان 2001/ فهل سنعلك فيه الكلام، ونسوِّد الورق، ونصرخ عند عتبات الجامعة مهيبين ببوش أن يتحرك، ليمنع انهيار اتفاقيات "سلام" أماتت في أرضنا كل استعداد وإعداد للتحرير الذي لن يقوم في المنطقة سلام من دونه؟!‏

أم أننا سنناشد كوفي عنان ليدعو إلى جلسة مجلس أمن، هو أرض محتلة عملياً من الإدارة الأميركية والحركة الصهيونية… وأرض لا ينبت، ولا يستنبت فيها السلام والحق والأمن والعدل، لأنها نشأت على صوت القوي الغاصب المنتصر ومنطقه، واتخذت بشأن فلسطين وقضية الشعب الفلسطيني، والصراع العربي- الصهيوني عشرات القرارات، التي لم ينفذ منها قرار واحد يحترم حقاً عربياً أو شعباً عربياً أو دماً عربياً.‏

نحن لا نحتاج إلى سياسة المراوغة، ولا إلى ديبلوماسية الأقنعة.. لقد ملّت أسماعنا كلام المناشدة والمناصرة والشجب.. تلك التي تتحطم تحت أقدام الخارجين من الاجتماعات التي أقرتها.. وشعبنا يتوق إلى فعل واحد منقذ لمرة واحدة نضع فيها أقدامنا على طريق التحرير والكرامة في ضوء الشمس.. فهل يكون لنا ذلك في أيام يكتب فيها الأطفال تاريخ الإرادة العربية بالدم، ويواجهون دبابات العدو ومدفعيته وصواريخه بالحجر.. بينما تقبع الجيوش العربية في ثكناتها.. ولا تستنفر إلا للدفاع عن حدود الأقطار التي رسمها الاستعمار، وعن مصالح الأقطار المتورمة، وكرامات الحكام الذين لا يرون في انتهاك حرمة أمتهم ومقدساتهم وشعبهم انتهاكاً لكرامتهم؟!‏

إن الوضع العربي محزن وبائس إلى حد مثير.. والقدرة العربية هي أيضاً بائسة في تفرقها وتنازعها الداخلي وتصادمها وتنافر حكامها على أساس من انعدام الثقة يكاد يشكل القاسم المشترك الأعظم فيما بينهم والعنوان الأكبر للأمة في عهدهم.‏

ونحن نكاد نصاب بالإحباط من المواقف الرسمية العربية حيال القضايا الرئيسة، ولكننا لن نصاب أبداً باليأس من أمتنا وقدراتها وشبابها.. ونكاد نستمع إلى صوت الشارع العربي الناهض في حركة صحوة لم تخمد، ولا نريد لها أن تخمد، وهو يطلب موقفاً وتحركاً ورداً للكرامة ومحافظة على الشعب الفلسطيني وانتفاضته، وعلى المقاومة الوطنية الإسلامية ووهجها، ويقف خلف سورية بمبدئيتها وصلابة موقفها، ويفرح للقاء نضالي بين فلسطين الميثاق الوطني وخط الكفاح والتحرير وبين سورية التطلع القومي إلى التحرير والرؤية القومية الصائبة.‏

إن أوسلو دفنت بأيدي اليسار واليمين الصهيونيين/العمل والليكود/ تحت ركام بيوت خان يونس ومقرات الشرطة الفلسطينية المدمرة.. وعلى الذين يراهنون على شارون ولا يذمونه انتظاراً ((لحسناته)) أن يدركوا أنه الشر المطلق والوجه الذي يعري حقيقة الحركة الصهيونية العنصرية وممارساتها النازية. وإذا كانوا سيعملون على استبداله بآخر فإنهم سوف يحصدون الزؤان لأن لون العنصرية واحد، ومشروع الاستعمار واحد، والصهيونية شر مطلق.‏

أما الذين يصخبون في الإعلام من خارج الوطن ليتهموا الأمة العربية باللاسامية ـ وهي من نسل إسماعيل الإبن الأكبر لإبراهيم الخليل عليه السلام ـ حين تتحرك باتجاه كشف الممارسات النازية والأساطير الصهيونية، ويعملون في الوقت الذي يسيل فيه الدم الفلسطيني ويعتدى على سورية في لبنان وعلى لبنان في الجنوب وبيروت والبقاع، يعملون على مناصرة الحركة الصهيونية وعدوانها ومشاريعها، فلهم مزيد من الحق في الصخب.. ولهم مزيد من الحق في الاختيار الذي اختاروه.. فهناك حلفاء لهم يخدمونهم في الإعلام، ويزجون لهم النصح، ويكثرون لهم الوعود والعطايا، ويفسحون لهم فرص العيش الفاره مع من يحبون.. في عواصم مترعة بالحقد على العرب.. وهؤلاء ليس لهم في الشارع الشعبي العربي نصيب.. ولا في وجدان الأمة الذي يسكنه الشهداء والمقاومون والمنتفضون نصيب.. فليناصروا التطبيع مع العدو، وليراهنوا على يسار ويمين في تجمعات تتبارى في قتل العرب لتبرهن على إخلاصها الأشد لمشروعها الاستعماري، وليوظفوا ثقافتهم في خدمة سلام الاستسلام، وليعلوا شأن بيريس الأخبث من شارون، وشارون الأكثر دموية وعنصرية من باروخ غولدشتاين.. وغولدشتاين الأقل نازية من مائير كاهانا، وكاهانا الأقل دموية وإرهاباً من شامير.. وبيغن.. الخ.. فليفعلوا كل ما يزينه لهم ولاؤهم وكل ما يطلب إليهم الصهاينة أن يفعلوه.. فإنهم لن يفلحوا في اختراق وجدان الأمة وتلويث ذلك الوجدان بأفكار تدعو إلى الهزيمة باسم الواقعية، وإلى الاستسلام باسم السلام والمحبة، وإلى مناصرة الصهيونية باسم إدانة النازية والسكوت على جرائم رموزها الجدد في فلسطين.. فليفعلوا كل ما يزينه لهم الأعداء.. فإن لهم عند شعبنا ومقاومتنا وانتفاضتنا الباسلة وشعبنا الفلسطيني المقاوم: صورة وصوتاً وقامة لا يحسدون على أي منها..‏

وما داموا يستطيبون الوهم الذي يخلقه حولهم إعلام الحركة الصهيونية، ويزينهم بنظر أنفسهم، فعليهم أن يحصدوا الزؤان من حقول العرب.. ولن يكونوا إلا غربان سلام الاستسلام في أرض آمنت بالسلام ورفضت الاستسلام، وأدركت أن الوجود الصهيوني كله يتعارض جوهرياً وجذرياً مع أي مفهوم حقيقي وراسخ وباق للسلام في أرض المحبة والسلام.. أرض العرب والرسالات السماوية، والحضارية العربية الإسلامية، والروح المشرقية السامية.. أرض محمد والمسيح.. التي تدعونا إلى التأسيس للسلام الحق بتحريرها من دنس الصهيونية بالكامل.‏

فلا يكون سلام في أرضنا من أي نوع مع وجود الكيان الصهيوني فيها.. وكل كلام عن سلام معه عبث بدم الشهداء وإهانة لهم. وشعبنا العربي لا يهين أكرم من في الدنيا وأنبل بني البشر.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |