صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ من مؤتمر ((الإرهاب)) إلى راعي الإرهاب الأول: أميركا

نحن في طهران، والوقت صحوة عربية- إسلامية، والموضوع: دعم انتفاضة الأقصى المبارك وحقوق الشعب العربي الفلسطيني في المقاومة ودحر الاحتلال واستعادة الأرض والسيادة والأقصى وكنيسة القيامة، والحاضرون رؤساء مجالس نيابية وأعضاء مجالس ومفكرون ورجال دين ومناضلون وشخصيات مسؤولة عن جمعيات وتجمعات إسلامية وثقافية، وأساتذة جامعات.‏

وإلينا في طهران تناهى حكم الإدارة الأميركية والحركة الصهيونية على مؤتمرنا وعلينا بأنه مؤتمر الإرهابيين وأننا على قائمة الإرهاب الأميركية، ولم يؤثر ذلك الغضب فينا على الإطلاق بل أثار التحدي والسخرية في آن معاً: التحدي للإدارة الأميركية والحركة الصهيونية برموزها النازية الملطخة بدم الأبرياء، والسخرية من الببغائية المفروضة على الإدارات الأميركية من اللوبي الصهيوني الأميركي ومسؤولي الكيان العنصري-الاستعماري في فلسطين، حيث تردد تلك الإدارة اتهامات وعبارات وأحكاماً من دون أن تفقه المعاني البعيدة والمراد القريب وحقائق الأمور، ومن دون أن تدرك حقيقة من هي، وما هو الدور الذي تقوم به.‏

إن المقاومة ضد الاحتلال حق مشروع، وقد اعترفت إدارة كلنتون بهذا الحق المشروع لحزب الله الذي كانت وما زالت تتهمه بالإرهاب عندما كانت عضواً في لجنة تشرف على خرق ما كانت تراه فعلاً هدنة بين حزب الله والكيان الصهيوني، واستمر ذلك حتى هزم حزب الله قوات الاحتلال وحرر معظم جنوب لبنان، وما زالت تسميه ((إرهابياً)) وتسمي عمله ((إرهاباً))، ولكنها لا تدرك أنها بذلك تخالف القانون الدولي وإرادة شعب يريد أن يحرر أرضه، ومن حقه أن يقاتل المحتل.‏

ومقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال الصهيوني، سواء أكانت من الواقعين تحت الاحتلال أم من المشردين من وطنهم بفعل الاحتلال، أم من الذين عقدوا اتفاقاً مع الاحتلال –أوسلو- واعترف لهم بجزء من الأرض وبسيادة عليها ثم اخترق اتفاقه معهم وسيادتهم على ما هم فيه من أرض.. وسواء أكان ذلك بالتظاهر الجماهيري، أم بالحجارة أم بالعمليات الاستشهادية، ومظاهر الانتفاضة والمقاومة الأخرى، فإن ذلك الفعل يسمى مقاومة، وهو فعل مشروع، ومن يدعمه ويسانده بكل الوسائل يدعم شرعية دولية وحقوق شعوب، ويقف إلى جانب المعتدى عليه ضد الظالم المعتدي والمحتل الغازي، سواء أكان دولة أم منظمة أم شرائح من المفكرين والكتاب والأدباء والصحفيين.‏

ولكن الولايات المتحدة، بإداراتها المتتالية ومجالس الكونغرس المتعاقبة لم تخرج، ويبدو أنها لن تخرج، من قبضة الفهم العنصري الصهيوني الذي يفرق بين مقاوم ومقاوم واحتلال واحتلال، فيبيح ما يتصل به ويمنع ما يتصل بمن يتأذون من عدوانه.‏

والإدارة الأميركية التي ترعى الإرهاب عملياً كأفضل ما تكون الرعاية: مادياً ومعنوياً، ترعاه بالمال والسلاح والتغطية السياسية والإعلامية وبحق النقض في مجلس الأمن الدولي، وبفرض الحصار على دول وتوجيه التهديد والضغط على دول أخرى، وتصنيف أشخاص ومنظمات وتنظيمات بوصفها إرهابية في قائمة وزارة الخارجية الأميركية؛ الإدارة الأميركية تمارس ذلك من دون تفكير يستحق التقدير ومن دون احترام للعقل والوعي والمنطق.‏

وهذه الدولة، التي قامت على إبادة ملايين الهنود الحمر وحضارة الأزدك، وكان رموزها من المغامرين والمقامرين ورعاة البقر وصيادي الهنود الحمر، تتفهم عنصرية الحركة الصهيونية وتدافع عنها وتتبنى كل ما تقوم به، لأن العنصري يفهم العنصري ويناصره ويسوِّغ عمله.‏

إن الإدارة الأميركية قدمت عشرة مليارات دولار لدعم الاستيطان في فلسطين المحتلة، والاستيطان عدوان على حياة الفلسطيني ووطنه وبيته وحقه في العيش بأمان، وهو تهديد مستمر لـه ولأمنه، واقتلاع لـه ولتاريخه وهويته الثقافية من الوجود في بيئته التي شهدت ميلاد حضارته ووجوده فيها منذ آلاف السنين قبل الميلاد واستمر فيها حتى اليوم.. وهي تساند من ترعاهم وتقدم لهم الدعم والمال للقيام بهذا النوع من الإرهاب بكل الوسائل الممكنة، وتغطي عدوانهم، وتمنع من يفكر بالتصدي لعدوانهم وعنصريتهم وكشف حقائق تتصل بأساطيرهم، تغطي ذلك وتمنعه بكل الوسائل والأساليب. فكيف يحق للولايات المتحدة، الراعي الأول لإرهاب الدولة- إرهاب الكيان الصهيوني- في العالم، كيف يحق لها أن تتهم الآخرين بالإرهاب؟! وكيف تسوِّغ لنفسها أن توجه اتهاماً لمفكرين وكتاب ومناضلين ورجال دين وممثلي شعوب: عربية وإسلامية، بأنهم من الإرهابيين؟! هل لأنها تملك قوة وحشية ومعايير مزدوجة وقوة اقتصادية وإعلامية ضخمة تهدد بها العالم؟! أم لأنها تملك صداقات وعلاقات في كثير من الدول العربية والإسلامية تجعلها قادرة على اتهام الأشخاص والحركات التحررية التي لا تطيقها الحركة الصهيونية؟! أم لأنها دخلت في النفق العنصري- الصهيوني وما عادت ترى ضوءاً خارجه و لا حياة إلا في عتمته؟!‏

الحقيقة التي أريد أن أؤكدها هي أن المؤتمر الدولي المنعقد في طهران لدعم الانتفاضة هو نقطة مضيئة في تاريخ الجمهورية الإسلامية في إيران، وفي سجل من حضره سواء أكان دولة أم تنظيماً أم شخصاً؛ وأن كل من سمع وصف الإدارة الأميركية، والحركة الصهيونية لـه وللمؤتمر بأنه "إرهابي يحضر مؤتمراً للإرهاب" احتقر نظرة الولايات المتحدة، وعزز قولها ذاك في نفسه اختياراً عميقاً بدعم الانتفاضة ومقاومة الوجود الصهيوني، وتكرس لدى الحاضرين كلهم أو الكم الأعظم منهم أن كل حديث عن التسوية والتفاوض و "السلام" مع الكيان الصهيوني المتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية هو نوع من فرض إرادة القوي على الضعيف والتوصل إلى اتفاق إذعان ترفضه القوانين والشعوب والشرائع؛ وأن الاحتلال الصهيوني لا بد أن يقاوم بكل الوسائل، وأن تدعم المقاومة التي تتصدى لـه دعماً متصلاً حتى تصل الأمة إلى امتلاك مقومات القوة التي تحقق بها التحرير الشامل والتام، تحرير أرض العرب والمسلمين… وقرارات العرب والمسلمين.. وإرادة العرب والمسلمين من أشكال الوجود والنفوذ والهيمنة الأميركية- الصهيونية.‏

إننا نخرج أكثر قوة وأكثر التصاقاً بالمصداقية الثورية وبالواجب الذي يفرضه الانتماء القومي والاعتقاد الديني- مسلمين ومسيحيين مشرقيين- بأن الصراع العربي- الصهيوني هو صراع وجود، وأنه لا يمكن أن يقوم سلام مع وجود سيادة صهيونية في فلسطين واستمرار تشريد الفلسطينيين خارج وطنهم، ومع تهويد القدس والاستيطان فيها وتدنيس ما تمثله مقدساتها من مكانة في العقيدة والنفوس.‏

إن المقاومة سوف تستمر، والانتفاضة سوف تدعم بكل الوسائل، ونحن لا ننظر إليها بوصفها ورقة تحسن شروط التفاوض كما يرى بعضهم، ويريد لنا أن نرى؛ بل ننظر إليها في حقيقة نزوعها وأهدافها البعيدة: حركة تحرير تبدأ بالحجر والصدر العاري والإرادة القوية وتنتهي باستخدام كل أنواع الأسلحة لطرد المحتل ووقف الاستيطان وإنهاء مسلسل الإبادة الكريه الذي تمارسه الصهيونية، وكشف طبيعتها العنصرية وممارساتها الأسوأ من ممارسات النازية.‏

إننا نخرج من المؤتمر الدولي لدعم الانتفاضة/ طهران 24-25 نيسان 2001 أكثر إيماناً بحتمية انتصار الشعب الفلسطيني ومن خلفه الأمة العربية والعالم الإسلامي، وأكثر قدرة على رؤية الكيان الصهيوني يتهاوى حتى وهو يستخدم القوة الوحشية ضد أطفال فلسطين والمواقع السورية في لبنان وحركة المقاومة الوطنية والإسلامية في الجنوب، وأكثر اقتناعاً بضرورة تلاحم صفوف العرب والمسلمين حول ما يوحدهم ويقوي شوكتهم ويحفظ مصالحهم، لأنهم بذلك يكونون معسكراً ويضعون حداً لطمع المعسكرات الأخرى بهم.‏

ويسعدنا أن يصنفنا كولن باول، ومن قبله أولبرايت بأننا أعداء للصهيونية لأننا بذلك نملك شرف مقاومة العنصرية الكريهة والنازية الجديدة في فلسطين المحتلة، كما يسعدنا أن نوصف "بالإرهاب" حين ندعم مقاومة ضد الاحتلال وانتفاضة تلطخه بالعار أو حين نكون عناصر مجندة في صفوف المقاومة والانتفاضة، لأن من يقاتل ضد الاحتلال والصهيونية العنصرية وممارساتها النازية البغيضة يكتسب شرفاً وكرامة لا يفهمهما الأميركيون –الصهاينة، ولا يبدو أنهم مؤهلون لفهمهما.‏

نحن عرب ومسلمون نتوق إلى الشهادة دفاعاً عن الحق والوطن والعقيدة والمقدس في تاريخنا وحياتنا ووجودنا، ونحن حين نتخلى عن الانتفاضة ومقاومة تهزم الاحتلال نكون جبناء ولا نستحق الحياة والانتماء لأمتنا العربية وعقيدتنا الإسلامية وشرف لغتنا وحضارتنا؛ ونحن حين نخاف الإعلام الغربي والصهيوني، ونتملقهما أو نتزلف لهما – كمن يفعل طمعاً بنوبل وبانتشار سريع ودعاية لا تستند إلى قيم الفن ومعاييره السليمة –نكون مزيفين من الداخل ومشوهين، وأصحاب وجوه ملونة وأقنعة متعددة.. لا نستحق الانتماء لدم الشهداء وزيتون الأرض والقمح الذي تغذينا به أرض مباركة بالديانات السماوية الثلاث.‏

إننا، ونحن في مؤتمر "الإرهاب" حسب التعبير الأميركي –الصهيوني نشعر أننا أقرب ما نكون إلى حقائق الحياة التي تفرض علينا مقاومة الاحتلال وحصاره والقضاء على وجوده في أرضنا، كما تفرض علينا مقاومة مصالح حماته وشركائه ورعاته وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية الراعي الأول للاستعمار الحديث والارهاب، والعنصرية، والنازية والصهيونية. إن لنا هذا الشرف وللإدارة الأميركية والحركة الصهيونية وممثلها الملطخ بالدم والعار: شارون الخزي والهزيمة والانتماء لعصر الاستعمار والعنصرية.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |