صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ الصهيونية أسوأ من النازية

يبدو أن الحوار مع أي متعصب، في أي موضوع، هو مضيعة للوقت ونوع من عبث؛ لأن التعصب يغشِّي البصيرة بما يعشيها، ويغلق على الشخص المنافذ حتى لا يرى إلا نفسه وسلامة منطقه ووحدانية رؤيته، وأن العالم لا يتمركز حوله فقط وإنما خلق من أجله ولخدمته.‏

وحين ينبع ذلك التعصب من طبيعة عنصرية تستشعر التفوق وتدَعيه وتعلنه بوصفه "اختياراً منسوباً للرب"، أو حين يضاف التعصب إلى تلك الطبيعة- وهو من لوازمها في الأغلب الأعم- وتكرسه عقيدة وثقافة، تصبح العنصرية سمة جوهرية وحالة عدوانية، وحقيقة يومية، يلغي استمرارها على هذه الحالة شذوذَها، كما يلغي كل منطق سليم يحاول التماس مداخل للتعامل معها. حيث تتكون عقدة أفاع في داخل نفس كل فرد يستشعر هذه الحالة، وفي نفس الجماعة التي ينتمي إليها، ولا يتوقف تأثير عقدة الأفاعي تلك على محيطها والمنصبة شرورهم عليها، بل قد يفتك بذاتها حين لا تجد من تلتفُّ عليه لتخنقه وتنفث سمَها في كيانه.‏

وتلك هي حالنا اليوم- نحن العرب- مع الحركة الصهيونية التي نهلت من التشوه التلمودي- وأساطير مشوهي التوراة، وخرافات سياسية-استعمارية، ووعود تنسب إلى "الرب"، فجاءت إلى الوجود بنوع من المخلوقات والأفكار والمشاريع، لا تحقق حضوراً أو بقاء إلا بانتهاج النهج الملازم للعنصرية والتعصب والنابع منهما، ألا وهو الدموية العدوانية، والافتراء والتشويه المستمرين، وانتفاخ الضفادع في المستنقعات الآسنة.‏

وحين تصبح العنصرية الدموية أخاً شقيقاً للنزعة الاستعمارية-الاستغلالية، ولروح عدوانية مقيتة تتخفى تحت أقنعة "حضارية" و"إنسانية" منها: الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان... الخ، لتفترس مجتمعات ودولاً وتفتك بهويات شعوب وعقائدها وثقافاتها.. لكي يسود منطقها، وتحافظ على مصالحها، وتحقق خططها في تصفية حسابات تاريخية مع الآخرين وتفرض هيمنتها عليهم.. حينذاك يدخل الذين يقع عليهم عبء دفع ضريبة الدم في دوامة الفزع الأكبر.. إذ تتألب عليهم قوى، أو تؤلّب عليهم، ويفرض عليهم أن يواجهوا الحقد الوحشي عراة إلا من إيمانهم بالقيم الخلقية والإنسانية، وبأن الحق الذي يملكون يستحق التضحية من أجله ولا بد سينتصر.‏

وهذه حالنا اليوم مع عقدة الأفاعي الصهيونية التي نهلت العنصرية التلمودية، وأفرغت سمها في أرض العرب، وارتكبت مذابح وفظائع بما يحقق تفوقها المطلق على النازية حتى استحقت بجدارة وصف الرئيس بشار الأسد لها بأنها "أسوأ من النازية" وجاء وصفه ذاك تعبيراً عن وجدان شعبي مقهور.‏

والصهيونية بتحالفها مع الغرب الاستعماري، ذي النزوع الصليبي العدواني الذي لا يرى جرائمه جرائم حين تُرتكب بحق نوع خاص من البشر، وبامتلاكها لأسلحة: مادية ومعنوية، مباحة دولياً ومحرمة دولياً، وباستخدامها لأساطير تبتز بها الآخرين وتهددهم وترهبهم، منها:‏

ـ "الهولوكوست المضخم بإعلام مركز مدروس، الذي أصبح: " حيلة من أجل نزع الشرعية عن كل نقد لليهود" و " سلاحاً أيديولوجياً لا غنى عنه " حسب تعبير اليهودي الأميركي د. نورمان فنكلستين.‏

ـ والعداء للسامية المبرمج للإطلاق مثل صواريخ كروز، وهي تهمة تشهر بوجه كل من يريد أن يدافع عن نفسه ووجوده وحقوقه ضد الكيان الصهيوني.‏

ـ والإرهاب المنظم ضد الفكر والعقل العلمي والذاكرة التاريخية للشعوب.. تحت ذرائع منها المس بتاريخ ينبغي ألا يمسه التاريخ، حيث ضخمت " حقيقة " الهولوكوست إلى درجة لم تعد معها قادرة على الصمود عند من يبحث عن الحقيقة بموضوعية ومنهج علمي سليم.‏

والصهيونية بذلك الذي تملكه، وتستند إليه، وتتحالف معه، وتدعيه؛ تشنّ عدواناً دموياً مستمراً مسكوتاً عنه بعناية أو مغطى سياسياً بعناية، تستطيع بواسطته أن تحتل الأرض العربية، وتهوَد المقدسات الإسلامية والمسيحية، وتقيم المستعمرات وتتوسع في إقامتها، وتضع البرامج لاستقدام كل يهود العالم إلى فلسطين ـ حيث يصبحون جميعاً هناك بحلول عام /2020م/، كما يقول الإرهابي الدموي شارون ـ وتقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وتقتلع الشعب والشجر والحجر من أرض فلسطين، لتقيم قلعة العنصرية-النازية فيها، تلك القلعة التي تهدد مستقبل العروبة والإسلام في هذه المنطقة من العالم.‏

وحين يرتفع صوت عربي بوجه هذا الوحش النازي الجديد تقوم قيامة العالم ولا يقعد، وتبدأ حملات التشكيك والتشهير والإرهاب والحصار من غرب العالم الاستعماري إلى شرقه ضد من يرفع ذلك الصوت.. حتى ليرتجف عرب هم في قوائم المحكوم عليهم بالموت، فيركضون ليباركوا قاتلهم وهو يلغ في دم أخيهم قبل أن يتحول بساطوره إليهم!؟.. ويصبحون وسطاء.. وعقلاء.. وحكماء يقبّلون الأيدي "المباركة" الملطخة بدمهم ليباركهم "رب الجنود" بيد حاخام من يهود قبل الذبح المريح!؟!.‏

وحين ننظر إلى انفراد الوحش الصهيوني بكل قطر من أقطار العرب المحيطة بفلسطين بعد أن انفرد بها خلال العقود الماضية، ونتأمل في امتصاصه دم الأبرياء في عيد مستمر يؤكل فيه فطير صهيون بالدم العربي.. ونرى إلى حالة الفرجة التي تعيشها الأقطار الأخرى بانتظار حلول دورها..‏

نسأل أنفسنا: هل نحن أحياء.. ونعي فعلاً ما يدور حولنا.. وهل نحن عرب ومسلمون..عرب ومسيحيون شرقيون، في ديار آبائنا وأجدادنا والأنبياء الذين كانت أرضنا لهم ولدعواتهم مهداً؟!.‏

وهل نقبل.. ونسكت، ونستمر في القبول والسكوت، بانتظار انتصار الحقد الصهيوني- النازي على كل شيء فينا، واشتفائه من كل بشر وشجر وحجر وعمران وثقافة وحضارة في بلداننا؟!.‏

يبدو أننا نقول: لا، وننفذ نعم.‏

فنحن لا نعني ما نقول، ونقول ما لا نعني في كثير من الحالات. وإذا قال أحد منا الحق بفورة وعي وحماسة وصدق.. تركناه فريسة للوحش الصهيوني- النازي وتشفينا به من بعيد.. حتى لا يرينا شجاعة، أو لا "يتعنتر علينا" أمام من اتخذونا "عناتر" بوجه شعبنا وحملاناً في بساتين أعدائنا!!‏

تشن هذه الأيام حملة على سورية، وضمناً على رئيسها، لأنه قال في مؤتمر قمة القاهرة الاستثنائية وفي قمة عمان العربيتين، ما لا يطيق العدو الصهيوني وحليفه الأميركي أن يسمعاه، وما لايريد البعض أن يقال، مما يوضح حقيقة المواجهة مع الصهيونية ودروب تلك المواجهة للمشروع الصهيوني وقوة الاحتلال، ومما يوصِّف حقيقة الصهيونية ويقدمها عارية إذ هي:‏

كما قال بحق: "عنصرية أسوأ من النازية".‏

ولما كان هذا الصوت قد ارتفع في تجمع رسمي مسؤول، ويصل إلى الرأي العام الذي يُراد لـه أن يخاف من مجرد سماع مثل هذه الأقوال، التي تكشف حقائق التاريخ وتنبه إليها وتدعو إلى التعامل معها بمسؤولية وعقل علمي مفتوح ومنهج سليم ووجدان حي، حتى لا يستمر دفن الحقائق وتشويه التاريخ وولوغ الوحش الصهيوني بدم الأبرياء استناداً إلى ادعاء بالتميز واستغلالاً " للعذاب" السابق..‏

لقد قامت آنذاك قيامة الإعلام الصهيوني ـ الغربي، وحمل حملة قوية على سورية، مستخدماً الهجوم المباشر على قول مباشر، ومستخدماً استنهاض الفتنة وعواملها وعمالها وسدنتها من داخل البيت ليحوله إلى ركام إن استطاع. ولكن ذلك السلاح لم ينجز المهمة التي تم التفكير بتنفيذها.‏

وحين زار الرئيس الأسد إسبانيا في مطلع أيار 2001 وجد من يطرح السؤال عليه مباشرة ليمتحن نتائج الهجوم الإعلامي والسياسي على سورية وعليه بشكل غير مباشر؛ وليعرف من هم وراء الحملات والأسئلة الخبيثة: هل أدى ذلك الهجوم أغراضه!؟. فإذا قدَّم الرئيس مسوغات واستظل بذرائع فيها شيء من التملص مماقال، أو التفسير التراجعي عن جوهر ما قال، اكتشفوا نتائج فعلهم ورسموا خططهم للتحرك اللاحق. ولكن حين جاء رده واضحاً متيناً مقنعاً ومؤكداً حقيقة: أن الصهيونية أسوأ من النازية، بممارساتها ضد الشعب الفلسطيني، وبما تدعيه من تفوق يستند إلى "اختيار إلهي"؟! وفوقية متعالية على الآخرين.. وأنها بذلك تستحق أن توصف بأنها: عنصرية بجدارة ونازية بتفوق، أخذت أحصنة الحقد الصهيوني والغربي تلوك لُجُمَها وتتحين فرص إطلاق صفارة الهجوم.‏

وجاءت لحظة أخرى، مناسبة أكثر من اللحظات كلها، لإيصال الصوت ووضع الرأي العام العالمي أمام سؤال عن حقيقة النازية- العنصرية أو العنصرية النازية في الكيان الصهيوني.. ولم يترك الرئيس الأسد هذه الفرصة تفوت: فأمام البابا.. وفي دمشق.. وفي لحظة حاسمة أكد أن الصهيونية تقوم بممارسات وحشية- نازية ضد الشعب الفلسطيني الذي يتعرض للعدوان المستمر، ويقتل أطفاله ونساءه وشيوخه، وتدمرّ بيوته وتقتَلَع أشجاره، وتُفرَض عليه أنواع من الحصار المتصل الذي يستهدف صموده ووجوده ذاته؛ وأن هذا الشعب الذي يتعذب على يد من عذبوا المسيح، من حقه أن يُنْصَف ويحمى وتقف معاناته عند حد.‏

وعندما أصبح هذا القول، الذي يؤكد للمرة الثالثة وفي محافل رسمية، عربية ودولية: مؤتمر قمة عربية في عمَّان – ولقاء مع رئيس وزراء إسبانيا خوسيه ماريا أزنار - ولقاء مع قداسة بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني في دمشق.. عندها بدأ إطلاق الهجوم الإعلامي- السياسي الرسمي من واشنطن وباريس، بدفع صهيوني واضح، للنيل من موقف سورية ورئيسها، ولإفساد نتائج زيارة ناجحة قدمت فيها سورية نفسها على حقيقتها للعالم في أثناء زيارة الحبر الأعظم لها.‏

إن هذه اللحظة التي تقول فيها الأمة العربية باسم قائد من قادتها: "إن الصهيونية أسوأ من النازية"،هي لحظة الحقيقة.. ولحظة الوعي التاريخي والصحوة القومية، وهي لحظة الاختيار والاختبار. ونحن نشعر أن الرئيس الأسد قال ما قال بلسان الشعب العربي الذي يعاني بعمق، وباسم كثير من المثقفين العرب الذين يتعلق وجدانهم بالحقيقة، وتدمى قلوبهم من ممارسات الوحش الصهيوني ضد أبناء فلسطين ومقدسات المسلمين والمسيحيين في القدس، وضد أبناء الأمة العربية في الأقطار المحيطة بفلسطين على الخصوص، لاسيما تلك التي وقعت فيها مذابح مثل: "صبرا وشاتيلا" التي تجلل شارون بالدم البريء والعار المقيم، و"قانا" التي تلطخ الإرهابي بيريس بدم احتمى بالأمم المتحدة فكانت لـه الفخ أو المصيدة، حتى أريق هناك وانتهكت حرمته. وقد كانت الأمم المتحدة في المركز، فخاً لقضية فلسطين وشعب فلسطين ولموقع العرب وحقهم، منذ نشأتها حتى اليوم.‏

لقد قال الرئيس الأسد ما قال من حقائق، ولفت نظر الرأي العام إلى أننا نحن أبناء إبراهيم الأجدر به، وأننا الساميون الذين يقع عليهم اضطهاد من يشكون من الاضطهاد و"العداء للسامية"، وهم يفترون على الواقع والتاريخ والحقيقة والبشر، ويستثمرون هذا الافتراء.‏

وقد استرعى الانتباه إلى ضرورة مواجهة من يريدون الحَجْرَ على العقل والعلم ووقائع التاريخ، ويتجاوزون الحقائق؛ ليبقى الوحش الصهيوني –النازي منطلقاً ومستخدماً لأساطيره وشاهراً سواطيره على العلماء والمؤرخين الأنقياء، وعلى الأبرياء المسالمين، وعلى العرب والمسلمين، وعلى فلسطين والقدس والشعب الفلسطيني البطل.‏

إن هذا يعبر عن وجدان شعبي وثقافي ليس في الوطن العربي فقط وإنما في العالم.. وهاهي موجة الحقد الصهيوني- الاستعماري الغربي قد انطلقت نحو سورية ورئيسها، وضد من يقول رأياً سليماً صحيحاً موضوعياً في الصهيونية وجرائمها المستمرة.‏

فهل تلقى موجة الحقد الصهيوني ـ الأميركي هذه رداً، وهل يلقى هذا الموقف منها نصراً شعبياً عاماً، وهل يؤدي إلى استنهاض وعي وإرادة في بلاد العرب والمسلمين وفي بلدان تمتلك الرؤية السليمة والشجاعة والإرادة الحرة؟‍! أم أننا سنعيش حقبة أخرى من التردد والتردي، ونبتلع الوهم والخوف ونتائج الإرهاب حتى تأتي اللحظة التي يتناولنا فيها حامل الساطور الصهيوني حاخاماً كان على نمط كاهانا، أو وحشاً إرهابياً على شاكلة باروخ غولد شتاين أو بيغن أو شامير أو نتنياهو أو بيريس أو شارون؟!‏

إننا ننتظر رد الفعل العربي الملائم.‏

أما الفعل الهجومي الغربي فقد بدأته الصهيونية من واشنطن وباريس ثم من برلين، حيث أعلنت احتجاجات ووجِّهت اتهامات ضد سورية بأنها " تعادي اليهود" مستغلة زيارة البابا!؟..وصرح الناطق باسم الخارجية الأميركية ريتشارد باوتشر " بأنها أحسنت فهم ما قاله الرئيس السوري.. وهي أقوال "مرفوضة ومؤسفة " على حد قوله. وهذا أول موج الافتراء الحاقد ضد سورية ورئيسها في هذه المرحلة، ومطر السخط الصهيوني هذا الذي يقع على صخورنا الصلدة.. لا أظن أنه سيخرقها.. ولكنه ليس من دون تأثيرمن جهة، ولا هو من دون فائدة من جهة أخرى، إذا ما أحسن العرب القراءة بعد كل هذا الدم والظلم الذي نتعرض لـه في عقود مؤلمة ومضنية من المعاناة والانحياز الأميركي والغربي للعدو الصهوني.‏

2‏

العنصرية الصهيونية والقدس‏

شكراً للراب عوباديا يوسيف الصهيوني العنصري بامتياز ، وهو شكر يعيد إلى الذاكرة من يستحقون الشكر من العنصريين أمثاله: حاييم وايزمن ، دافيد بن غوريون ، إسحق شامير ، مائير كاهانا، باروخ غولد شتاين، أرئيل شارون ، بنيامين نتنياهو ، دافيد ليفي ، إيهود باراك، والقائمة من بعد طويلة جداً، ولكن هذه الرموز تكفي للدلالة على جوهر ما نرمي إليه من وراء ذلك التذكر والتذكير.‏

فهؤلاء وأمثالهم قدموا للعرب والمسلمين جرعة الحقيقة المرة عن الصهيونية وطبيعتها ومشروعها وأهدافها في وقت تهاوت فيه قناعات عرب ومسلمين عند أعتاب " السلم الصهيوني المزعوم" وتراموا على عدو يتعشمون فيه الصداقة"!؟ وشر البلية ما يضحك، حين تقع على تسويغ لقول الشاعر القديم " ومن نكد الدنيا". لقد تميز ذلك العدو بتقديم الصورة الحقيقية لليهود وليس للصهاينة فقط، وجدد رسم الأهداف الكامنة وراء المشروع الصهيوني ـ الاستيطاني العنصري بما لا يدع مجالاً للشك في نوايا العدو حتى عند أكثر الواهمين تفاؤلاً.‏

بالأمس القريب كان منتجع " كامب ديفيد" يعج بالصهاينة والمتصهينين وأتباعهم من أميركيين وعرب فلسطينيين، تجمعهم وحدة الأضداد في عمل درامي من نوع فريد ، هدفه النهائي إخراج اتفاق يقبله العرب ويقبلون عليه.. اتفاق يكرس الكيان الصهيوني دولة ذات حق وحضور تاريخيين في المنطقة، عاصمتها القدس، وذات لاءات مشهورة ومرتفعة الصوت تجعل الفلسطينيين مجرد عمال ومستهلكين في السوق الاقتصادية العربية، وتنهي نضالهم من أجل فلسطين، وتضع الشهداء والتضحيات والبعد القومي للقضية الفلسطينية ومعطيات الصراع العربي- الصهيوني والقدس بأبعادها الروحية والعربية والإسلامية في سلة مهملات الذاكرة، وتشطب كل ما يتعلق بذلك من الوجدان الجمعي العربي، وتقيم الفلسطيني المحارب القديم جسر تطبيع وتسويق وترويج للعدو؟! غريب هذا .. وعجيب أيضاً .. نعم هذا صحيح ولكنه بكل أبعاده يأتي من كتلة بشرية تدعي الحق في إقرار كل ما يتعلق بهذه القضية، وتقف وراءها " شرعية دولية" تجسدها، وتروجها الإدارة الأميركية برموزها الصهيونية وغطرستها الدولية ونزوعها للهيمنة على العالم.‏

وفي الوقت الذي دار ويدور فيه الرئيس ياسر عرفات على عواصم العرب والعالم ليحشد تأييدها لتصفية القدس والقضية، موهماً أنه يحشد ذلك من أجل القدس وقضيتها، قام الراب عوباديا يوسيف ، ممثل شاس والصهيوني العنصري بامتياز، قام بتأكيد حقائق كاد ينساها وينسى طعمها العرب الراكضون وراء وهم " السلام" الأميركي الصهيوني ـ أو الصهيوني الأميركي لا فرق فكل منهما وجه آخر لعملة واحدة؛ قال الراب يوسيف: إن الرب يندم على أنه خلق أبنا إسماعيل ، وأن الفلسطينيين خاصة والعرب عامة: أشرار وأفاع، وهو لا يقبل التعامل مع الأفاعي !؟؟‏

وفي اليوم التالي صحح يوسيف لليهود ما فهموه خطأً من وعظه المتصل بمن يسمون ضحايا الوحش النازي الذين وصف مأساتهم بأنها نتيجة لتوارث الشرور والذنوب وتجددها فيهم، صحح ذلك الفهم بصيغة الاعتذار المتعالي، ولكنه أكد من جديد وصفه ذاك للعرب والفلسطينيين، معطياً ظهره للأصوات المحتجة هنا وهناك، آخذاً بحقائق الطبيعة العنصرية للصهيونية التي تتجدد وتتجسد بأشكال مختلفة وتتأكد عند كل مفصل حدث وزمن، مؤكدة حقيقة حضور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 الذي ينص على أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، على الرغم من اغتياله على أيدي الولايات المتحدة الأميركية والعرب.‏

شكراً للراب العنصري عوباديا يوسيف ولأنصاره وأمثاله، لا سيما أولئك الذين أقاموا نصباً عند مدخل " كريات أربع" لباروخ غولدشتاين، مرتكب مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل، شكراً لهم لأنهم جرعوا عرب الوهم والهرولة واتفاقيات الإذعان وسلام الاستسلام، ثم أيقظوهم على حقائق الموقف المستمر لليهود وليس للصهاينة منهم فقط، على الطبيعة الأصيلة للتلموديين والتوراتيين معاً، للمتطرفين يميناً ويساراً، ممن يجمعهم المشروع الصهيوني على الحقد المزمن على العرب، والممارسة المستمرة للإرهاب بكل أشكاله ضد العرب الفلسطينيين بالدرجة الأولى، الذين وصفهم يوسيف بالأشرار والأفاعي ، وشتمهم مع كل أبناء إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه السلام، وجد العرب كلهم، من زوجه هاجر.‏

إن فيما قدمه يوسيف درس لمن يحسنون القراءة ، وفيما قدمه ويقدمه سواه من الساسة الصهاينة والموالين لهم والمتحالفين معهم ، درس أشد وضوحاً من كل مامر، ولكن… هل نقرأ جيداً ؟؟ وهل أتيح لنا أن نفهم ما نقرأ الأداء الصهيوني بشكل جيد منذ بداية القرن العشرين وحتى انتصار حزب الله في لبنان على جيش الاحتلال الصهيوني وعملائه؟!‏

أظن أن قراءتنا أشبه بقراءة المنوّم ، أو المشغول حتى نقي العظام ودقائق خلايا الأعصاب، بأمور وشواغل أخرى، وهو يقلّب صفحات كتاب يمر عليها بصره من دون أن يستوعبها وعيه… فارق كبير بين التصفّح والتبصّر، بين تركيز قدرات العقل والذات في موضوع، وزوغان كل قدرات العقل والذات عن التركيز على موضوع… وهذا يجعل بعض الوجود " دويخة" أو دوامة في خضم متناقضات وشواغل تأكل الذات وتورث الحسرات.‏

نحن وحقائق الحاخام عوباديا يوسيف على موعد مع تفجّر الحقد الكريه ممارسات صهيونية عنصرية دموية وتدميرية، إذا لم يتحقق تنازل آخر عن القدس وفيها، تنازل من نوع مؤثر على الحق والمقدس والكرامة، وإذا لم ينجز الاحتلال مكسباً آخر على الأرض يتمثل باعتراف عربي شبه شامل بشرعيته ودولته، وإقامة علاقات رسمية عربية طبيعية معه، في ظل ما تبقى من ولاية كلنتون وإدارته اليهودية.‏

لقد أعلن باراك، في محادثات كامب ديفيد الثانية، أنه سوف يعيد بناء الهيكل الثالث الذي يوجد -حسب ادعائه- تحت المساجد -الأقصى والعمري وقبة الصخرة- التي يطالب عرفات بالسيادة عليها؛ ومعنى هذا التأكيد من جانب باراك تنفيذ ما دأبت الصهيونية على التخطيط له منذ احتلال الجزء الشرقي من القدس في التاسع من حزيران عام 1967 وهو تدمير المسجد الأقصى لإقامة ما يسمى بالهيكل الثالث على أنقاضه.‏

وإذا كان حريق المسجد الأقصى في 21/آب 1969 إحدى المحاولات لتنفيذ الخطط الصهيونية في هذا المجال، فإن سلسلة المحاولات لم تتوقف، ومنها المذبحة داخل الأقصى، وحفر الأنفاق تحته لاضعاف بنيانه وتعريضه للانهيار، بعوامل طبيعية أو صناعية، وقيام التنظيمات السرية الصهيونية المتخصصة بإنجاز تدمير المقدسات الإسلامية في القدس لإقامة "الهيكل" في مكانها بأعمال متصلة ومحاولات مستمرة لإنجاز هذا الهدف.‏

إن تأكيد باراك على أن ما يسمى "الهيكل" موجود تحت المساجد في القدس يشكل إنذاراً شديد الوضوح والخطورة، وإعلان الكونغرس والإدارة الأميركية إقامة سفارة للولايات المتحدة في القدس أمر بالغ الدلالة، وتصريح كلنتون بأنه سوف يقوم بمراجعة السياسة الأميركية حول هذا الموضوع وسواه قبل نهاية عام 2000، يضيف إلى الدلالات السابقة عمقاً كبيراً، لا سيما حين يترافق مع دعم عسكري جديد للكيان الصهيوني، وتدخل واسع لدى العرب للموافقة على تصفية موضوع القدس والقضية الفلسطينية برمتها، وتأتي عنصرية الحاخام يوسيف في أيام إحياء اليهود لذكرى تدمير الهيكل / 9 آب / .‏

ومن اللافت للانتباه بشكل مقلق تركز حملة مثلثة الشُّعَب: أميركية- عرفاتية- صهيونية "إسرائيلية" على الدول العربية والإسلامية ودول العالم، يدعي كل طرف فيها أنه يحشد الدعم العربي والدولي لموقفه، والمرجح أن هذه الجهود تتكامل بتنسيق وتدبير لإيجاد تغطية شاملة لاتفاق تم التوصل إليه في كامب ديفيد الثانية، ويحتاج إلى:‏

1-تهيئة الرأي العام المعني لقبول ذلك والموافقة عليه، بعد افتعال زوابع خلافية للتمويه، يتنفس العالم الصعداء حين يتم الإعلان عن إيجاد حلول لها.‏

2-حشد تغطية عربية وإسلامية لموقف عرفات لكي يدخل مرحلة تصفية للقضية، ورمزها المقدس.. القدس، بقوة ، على أرضية دعم له وموافقة على ما يقبل به؛ وقد عودنا على مثل هذا الأمر في مراحل التفاوض السابقة، حتى غدت الدعوة لأية قمة عربية أو تنسيق هي دعوة لتغطية التفريط وتسويغه و "تلبيسه" للقمة أو للتنسيق العربي.‏

3-الحصول على موافقة من دول عربية وصناعية على الخصوص، لتمويل الاتفاق المستتر خلف ظلال "كامب ديفيد".‏

ويقدر المبلغ المطلوب بـ (70) سبعين مليار دولار، يدخل فيها تعويض "اللاجئين" عن وطنهم وشراء "حق العودة؟! وهذا المبلغ الكبير تبدي الإدارة الأميركية شبه استعداد لتحمل /30/ثلاثين ملياراً منه على مدى سنوات وتريد أن تجمع ممولين لأربعين مليار أخرى.‏

ويأتي التركيز هنا على العرب ليمولوا خسرانهم المبين، كما جرت العادة في كل الحروب والمعارك والتنازلات!!‏

ويبقى السؤال مشروعاً عن مدى إمكانية تحقق الأهداف التي أشرنا إليها، لأن تسارع الأحداث وتركز الاتصالات، يرمي إلى إنجاز هذا الأمر للإعلان قبل الثالث عشر من أيلول 2000، الموعد غير المقدس للإعلان عن دولة الحكم الذاتي، التي لن تخرج بحال من الأحوال عن محمية هزيلة تابعة للكيان الصهيوني ومؤتمرة بأمره.‏

ولكن…‏

ما هو الموقف الشعبي العربي.. موقف المثقفين والمؤسسات القومية الشعبية والمهنية، موقف الأحزاب والتنظيمات القومية، التي تأخذ بالثوابت والحقوق التاريخية وبالبعد القومي للقضية الفلسطينية من هذا الموضوع برمته.. موضوع القدس وموضوع القضية التي ترمز لها القدس وتشكل مداخلها ومفاتيح السلم والحرب فيها؟!‏

هل تتفرج على المشهد "المضكي" الذي يتم، وتضرب كفاً بكف وتحوقل وتبسمل وتكتفي بالغضب المكتوم، وتلوك حديد اللّجُم التي تدمي الشفاه؟!‏

أم أنها تطلق حركة مقاومة فاعلة ورفض شامل لكل هذا المسار وأشباهه، التي أوصلت الأمة إلى هذا الدرك، وأوصلت العدو إلى هذا الحد من الغطرسة، وأوصلت العنصرية التلمودية إلى حد إطلاق الإهانات بوجه أمة وتاريخ وعقيدة من دون أية روادع من أي نوع؟!‏

هل تراها تسمع وتعي وتدرك جيداً أبعاد ومعاني ودلالات قول حاخام شاس عوباديا يوسيف، وتقرأ الطبيعة والعقيدة التي صدر عنها قراءة صحيحة ودقيقة، وتقرأ الأفعال والمواقف التي هي من هذا النوع منذ بدأ المشروع الصهيوني يرسم خطوطه على الورق حتى اليوم الذي أسال فيه دم الأطفال، ودمر فيه القرى، وأقام ذعر المذابح في أرض العرب، وغطى الأرض والنفوس بالإرهاب العنصري "المبارك" غربياً؟! أم أنها ستبقى في حالة تبلد وتسليم، في حالة تواكل وتآكل، وتهالك على ما تقدمه القوى الحاكمة للشعب المحكوم؟!‏

هل تأخذ بمقارنة بسيطة بين ما حققته المقاومة في جنوب لبنان وما يمكن أن تحققه المقاومة الجذرية للاحتلال ومشروعه، أم أنها ستركن للراحة، وتترك المد الصهيوني يكتسح وثبتها المهيضة وثورتها الكامنة، ويؤجج نار حزنها العميق ليحرق منها الأعماق؟!‏

إن موقفاً يصنعه رأي حكيم مسؤول، وشعب متعلق بالحق والكرامة، والأرض والهوية، والعقيدة والمقدسات؛ هو الذي يبقى وينقذ ويوصل إلى التحرير والحرية والعدالة ولو بعد حين.‏

فليكن للقدس ما تعنيه، روحياً وجغرافياً ونضالياً وقومياً، من فعل خلاق معبر في النفوس وعلى أرض الواقع، وليكن للأمة العربية وطلائعها المؤمنة بالله والوطن والحرية تأثير منقذ وبناء، وفعل مؤثر مهيب.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |