|
ـ مقاومة الجنوب و انتفاضة الأقصى
هذه هي أيام الذكرى الأولى، لمرور سنة على انتصار المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان ودحرها جيش الاحتلال الصهيوني من جنوبه المحتل، وهي في الوقت ذاته الأيام الأولى لما أراه تكاتف جهود غربية- عربية لوقف انتفاضة الأقصى تحت وقع ضربات شديدة وجهت إليها من قوة الاحتلال بالأسلحة الأميركية الفتاكة.
وإذا كان الزهو العربي يرافق أيام ذكرى الانتصار الجنوبي على العدو، فإن المرارة والبؤس العربيين يخيمان على النفوس فيما إذا تحقق وقف انتفاضة الأقصى.
المقاومة المنتصرة تقدم دروساً وترتب واجبات، والانتفاضة المحاصرة تستدعي وقفة مع حقائق الصراع ومناخه السياسي العام وأدواته والاستعداد له، ومع ما يعتمل في أعماق الذات العربية من معطيات وأفكار وتفاعلات وانفعالات.
دروس المقاومة المنتصرة تقول:
-إن وحدة الهدف ووحدة الصف والموقف، وخيار الجهاد، وتقديم فضيلة الاستشهاد على ما عداها، والعمل على أرضية حقائق الإيمان وتجلياته وانطلاقاً منه في النظر إلى الذات والمستقبل، إلى العدو وحلفائه، إلى العقيدة وما تمليه من واجبات، كل ذلك يفرض النظر إلى العدو الصهيوني على حقيقته بوصفه كياناً عنصرياً استعمارياً يستهدف الأرض والهوية والناس؛ وعلى ذلك فهو مما لا يمكن التعايش معه، ولا مفاوضته، ولا السعي لإقامة سلام معه.
إنه عدو يُقَاوم بكل الوسائل حتى يتم اقتلاعه تماماً. قد يكون ذلك مكلفاً، وغير واقعي بمنطق اليوم، ولكنه الحل الوحيد لجسم عربي مدخول بمرض سرطاني، ولأمة يغزوها عدو تاريخي لعقيدتها وهويتها وحضارتها ليس هو الصهيوني، رأس حربة العداء التاريخي للإسلام فقط، وإنما حلفاؤه أيضاً الذين يغلفون عداءهم للأمة بأشكال مختلفة وتهمهم مصالحهم المادية وأهدافهم الثقافية البعيدة، التي تمتد منذ ما قبل الغزو الصليبي حتى اليوم؛ وهم يملكون نفوذاً فتاكاً، على الأرض وفي النفوس، يجعلهم يدخلون وسطاء بين العربي والصهيوني ليخدروا الأول ويخضعوه بأداء يؤدي إلى الإحباط، وليحفزوا الثاني مع مزيد من العدوان مقدمين لـه استطلاعاً شاملاً للرؤوس والصفوف والنفوس، وأدوات لإخماد جذوة المقاومة ومشاعر الكرامة؛ فضلاً عما يقدمونه للعدو من مساعدات عسكرية ومدنية، مادية ومعنوية، وما ينهبونه من أموال العرب وموادهم الأولية.
المقاومة تقدم اختيار التحرير بوضوح اختياراً بديلاً للسائد، وتخوض غماره باستراتيجية واضحة، وتخضع لمنطق الحرب التي فرضها علينا من احتل أرضنا واقتلع شعبنا وأعلن علينا الموت والإبادة. وتستند في أدائها إلى من يدعم اختياراتها بوضوح، فقد كانت، ومازالت، تعمل بتأييد ودعم تامين من سورية وايران. وقد فرضت نفسها واحترامها على الشعب والحكومة في لبنان عندما استمرت في أدائها على الرغم من الخسائر الكبيرة، وتصدت لحماية المدنيين من قصف العدو واجتياحه في غياب الدولة القادرة من جهة والدعم العربي العام من جهة أخرى.
لقد عانى حزب الله الأمرين في مرحلة جهاده الأولى، فقد كان محاصراً ومتهماً ومعتَّماً عليه ومقاوَماً من جهات لبنانية وعربية عدة، ومن تنظيمات ومنظمات تقول بالتقدم والوطنية والتحرير ولكنها تهرب من أرض المعركة إلى الكلام، ومن الواقع إلى الأوهام، ومن التقدم إلى معاداة من يصنع التقدم بتحرير الأرض من عدو الإنسانية والتقدم.
ويوم انتصر حزب الله.. أصبحت الأمة كلها/ كلاماً / حزب الله… وهذا نصر للمبدئية العالية، وللروح العربية الشاملة المتسامية التي تحلى بها المقاومون، ولروح الإيمان العميق الذي تجلى بتواضع يكاد يلغي حضور الذات، وبإصرار على متابعة القضية يعلن في كل وقت أن شقيف أرنون
معبر الأمة إلى القدس، فتلك هي طريق صلاح الدين إلى القدس، وطريق المحررين إلى فلسطين.
في الانتفاضة الفلسطينية، عبر امتداد مراحلها ونضالها، خطوط أو توجهات، يضمها خطان أو توجهان عريضان:
-خط أو توجه شعبي عام، هو عمادها وأداتها، وهو مدخول بتوجهات تنظيمات حزبية محكومة بسياسات.
-وخط رسمي وشبه رسمي منظم، تحكمه سياسات متضادة الخطوط والاختيارات والتوجهات، وهو يسيطر على شرائح شعبية يحركها وفق توجهاته واحتياجاته المرحلية وسياساته الآنية.
في التوجه الشعبي العام تتجلى تطلعات وآمال: منها التحرير ومنها تخفيف المعاناة عن الشعب الفلسطيني، ومنها استعادة بعض الحقوق وبعض الحضور والعيش الكريم.
وفي التوجه الرسمي وشبه الرسمي تتجلى اختيارات وسياسات تتنافر على أرضية أفكار وعقائد سياسية واختيارات تنظيمية: منها القومي- والديني- والأممي- والغربي- والمغترب- والمتصهين..الخ.
في التوجه الرسمي: الانتفاضة للتحريك ولتحسين شروط التفاوض لا سيما بعد كامب ديفيد الثانية، وليست للتحرير بمعناه الشامل والكامل بوصفه خياراً استراتيجياً مبدئياً، وسقف أولئك محكوم بأفضل ما يتطلعون إليه وهو سقف أوسلو، التي أعلنوا عن موتها عشرات المرات ولم يدفنوها ولا مرة واحدة؛ أوسلو التي تحيا دائماً في أعماق البعض منهم ويعلن عن قرب موتها بلسانه وصولاً إلى شروط أفضل وتنفيذ أسرع لما تم الاتفاق عليه في إطار الاتفاق المشار إليه.
وفي التوجه شبه الرسمي: تنظيمات لها حضور في شارع الانتفاضة وتطلع نحو أوسلو، إن لها على الاتفاق اعتراض، ولها على السلطة مآخذ، ولكنها لا ترفض الاتفاق كلياً، ولا ترفض السلطة رفضاً مطلقاً، والانتفاضة عندها ليست اختيار مقاومة وتحرير وإنما تحسين وضع خاص ضمن وضع عام غير حسن.
أما التوجهات أو التنظيمات ذات البعد الشعبي، التي تقطع صلتها بأوسلو، وتعارض السلطة التي وقعتها، فهي واضحة، إنها تختار التحرير الشامل بوصفه البديل عن الاختيارات الأخرى، التي تعترف بالعدو على نحو وتحوّل صراع الوجود معه إلى منازعات على حدود وشروط تعايش وحوار وجوار.
ولما كانت الانتفاضة مدخولة بذلك كله فإنها تنتج ما يتصل بكل التوجهات وما يعبر عنها بأشكال مختلفة. وتراها في مرحلة من المراحل تنشدُّ إلى خط التحرير الشامل وتلغي كل تفكير بالتفاوض والحلول "السلمية = الاستسلامية" وبأوسلو، وتراها في مراحل أخرى معرض بعضها لملاحقة بعض، يفتك بها انعدام الثقة والخوف من السلطة كما يفتك بها الخوف من المحتل وأسلحته وأجهزته وعملائه.
ولكنها في الحالات والأوضاع والمراحل جميعها لا تستند استناداً قوياً إلى دعم عربي راسخ دائم قادر على الوصول إليها والحضور معها في ساحة المواجهة، إنها في حالة يتم وانقطاع مدد.
ولنا أن نسأل: هل غياب الدعم العربي ناتج عن غياب الاختيار المبدئي للانتفاضة سواء أكان اختيار التحرير الشامل، أم اختيار تحسين شروط التفاوض، أم أن غياب التوجه والاختيار المبدئيين للانتفاضة أو للشعب الفلسطيني بكامله، وفي كل ظروفه، ناتج عن تضارب الاختيارات العربية وتناقضها، أم عن استراتيجية اختارت الحل السلمي منذ السبعينيات /قمة فاس/ وتوجهت إلى ذلك من دون أن تكرس اختيار التحرير أصلاً وتعمل على تهيئة متطلباته؟!.
الحق أقول: إن التداخل يكاد لا يترك حدوداً للتمييز في هذا المجال، وملخصه أن هذا الطين من ذاك العجين. والنتيجة التي نتجرع كؤوسها المرة هي أننا نخوض كل المعارك من المواجهة بالحجر إلى التفاوض في شرم الشيخ إلى اجتماعات القمة والاجتماع بـ "وسطاء السلام" أو سماسرته، نخوض كل ذلك بفوضى اختيارات تجعل حالنا عجباً وموقفنا مضطرباً وقوتنا شبه معدومة.
ولا أتكلم هنا على موقف بعض الأقطار التي حسمت توجهاتها وسياساتها بوضوح باتجاه التحرير أو تلك التي تتبناه استراتيجية بعيدة الأمد وتخوض تكتيكاً مرحلياً تمليه عليها الظروف والمعطيات والمتغيرات الدولية.
وحين نقف اليوم على منعطفين أحدهما ترسمه وتحدد مساره الذكرى الأولى لانتصار المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان، بما يعنيه اختيارها وثمن ذلك الاختيار؛ والثاني ترسمه وتحدد مساره انتفاضة الأقصى وما تمر به، وما تعاني منه، وما تتعرض لـه، وما يُرسم لها أو يفرض عليها. نجد أنفسنا أمام السؤال المبدئي الجوهري الرئيس من جديد:
ما الذي تريده الأمة العربية تماماً، ما الذي تختاره بمسؤولية ووعي ووضوح؟! ومن ثم كيف نصل إليه؟!.
هل تختار التحرير الشامل.. أي طريق المقاومة مدخلاً للتحرير بما يرتبه وما يحتاج إليه، وما يتطلبه ذلك من استعداد وحسابات وسياسات واستراتيجيات؟! أم أنها تختار الاعتراف بالعدو مع تحسين شروط التفاوض وشروط " الاستسلام " المسمى سلاماً، بوسائل منها تحريك انتفاضة هنا ومقاومة هناك؟!
الأمة رسمياً: إلا من رحم ربك من أقطار وحكام، مع اختيار الاعتراف بالعدو، وتحسين شروط التفاوض بعمل هنا وآخر هناك.
الأمة شعبياً: إلا من شذ من أبنائها تاركاً ربه معتمداً على رب اليهود، مع اختيار التحرير الشامل واقتلاع العدو الصهيوني لإعادة إحلال الشعب الفلسطيني المقتلع من أرضه في أرضه من جديد.
الأمة الرسمية: تملك عملياً كل شيء ابتداء من مظاهر القوة وانتهاء بالمال.
والأمة الشعبية: تملك كل الاستعدادات الطيبة للتضحية والاستشهاد والعمل، الذي يؤدي إلى نتيجة ولو بعد حين.
ولكنها لا تملك إلا أن تصرخ.. ومن يصرخ باسمها معلناً مطالبها تلك.. يكون أحياناً مدخولاً بهم البلوغ إلى سدة الأمة الرسمية متذرعاً بمطلبية الأمة الشعبية، وحين يصل يصبح جزءاً من الترس الرسمي، الذي تديره وتحركه اعتبارات ومعطيات أخرى، وأحياناً مدخولاً بهاجس العدل وأحلام التاريخ.. وغالباً ما يسقط كسيحاً على قارعة الطريق في مرحلة من مراحل السفر النضالي.
في الذكرى السنوية لانتصار المقاومة الوطنية والإسلامية في جنوب لبنان على العدو الصهيوني المحتل، وفي الأيام العصيبة التي تتعرض لها انتفاضة الأقصى، نحن أمام حقائق ووقائع، وأمام مسؤولية واختيار:
أما الحقائق والوقائع فهي بإيجاز:
1-أن العدو الصهيوني ومشروعه الاستعماري شر مطلق على منطقتنا وفيها، وأنه لا سلام معه، ولا سلام مع وجوده في أرضنا.
2-أن حليفه الأميركي عدو لتطلعات الأمة العربية عامة والشعب الفلسطيني خاصة، تطلعات التحرير والاستقلال والتقدم. وهو يريد مصالحه ودمنا وهويتنا الثقافية لكي يحقق أهدافه وأهداف حلفائه الصهاينة. وأن الذين يناصرونه من أبناء أمتنا ويعتمدون عليه يفتكون بجسم الأمة ويغلّون إرادتها ويساعدونه كما يساعدون العدو على تحقيق أهدافهم ضد أمتنا.
ويمكننا في سياق استدلال على واقع الحال أن نرى إلى قرارات الجامعة العربية، وهي حبر على ورق، كيف يُنتهَك حبرها وورقها، ولا نقول صلابتها ومصداقيتها على الأرض، باختراقات مؤذية لكل شعور قومي أو وطني نظيف.
وفي إشارة إلى آخر نماذج ذلك الانتهاك:
أ- زيارة وزير خارجية موريتانيا للكيان الصهيوني/الأربعاء 23/5/2001 بعد قصفه للفلسطينيين بطائرات اف 16 والأباتشي، وبعد اتخاذ لجنة المتابعة العربية خلال الأسبوع الماضي قراراً يوقف الاتصالات مع العدو، وليس قطع العلاقات معه.
ب- دعوة قطر إلى اجتماع وزراء مؤتمر القمة الإسلامي للنظر فيما يتعرض لـه الشعب الفلسطيني من عدوان، مع احتفاظها بوجود مكتب تمثيل صهيوني في الدوحة هو رمز للتعاون مع العدوان بشكل ما.
جـ-ترحيب مصر والأردن باستئناف اللقاء في شرم الشيخ في ضوء تقرير لجنة (ميتشل) الذي لا يعدو أن يكون صيغة لتثبيت ما رمى الكيان الصهيوني إلى تثبيته قبل وفي أثناء اجتماع شرم الشيخ الأخير ـ من مطالب في القدس والحدود ورفض حق العودة والاستمرار في الاستيطان ـ الذي كان مرحلة فيما بين كامب ديفيد الثانية وآخر مراحل تنفيذ مخطط القضاء على انتفاضة الأقصى.
3-أن الغرب لا يخرج عن استراتيجيته الثابتة في دعم الكيان الصهيوني الذي أوجده، وأنه في أحسن الأحوال والظروف يصدر تصريحاً فيه بعض التلميحات الموضوعية التي تثير إعجابنا وتدخلنا في دوامة الوهم لسنوات. وأن هذا الغرب لا يتأثر، كما أن الولايات المتحدة الأميركية لا تتأثر، بما نعلنه من تهديد بإيذاء المصالح الغربية، أو بأن الفوضى التي قد تعم المنطقة إذا ما تدهور الوضع سوف تؤذي المصالح الغربية. لأنه يدرك جيداً أننا نضربه بالورد عندما يقدم الصواريخ لعدونا ليضربنا بها، ونسمعه بعض الصرخات ونحن نموت فلا يأبه بالميتين.. ولا نذهب عملياً إلى ما هو أبعد من ذلك.
4-أن العرب لم يحسموا خياراتهم باتجاه التحرير والمواجهة ووضع سياسة موحدة حيال المشروع الصهيوني، ومن ثم فكل هذا الاضطراب الناتج عن غياب التوجه والقرار الاستراتيجيين سوف يستمر بحماية عربية وإرادة عربية على نحو ما.
5-أن المقاومة ليست خيار معظم الرسميين العرب، وإن كانوا أعجز من أن يعلنوا إدانتهم لها. وأن الانتفاضة لتحريك المسارات وتحسين شروط المتفاوض هي مما يقبلون به إذا ما ارتفع أمامهم شبح المقاومة العربية الشاملة للعدو، بما تعنيه من متغيرات وواجبات واستعداد.
6-أن الانتفاضة مهددة بصورة مباشرة.. وأننا حين لا ننصرها ونحميها ونقدم لها الدعم المادي والبشري والمعنوي لكي تستمر وتتقدم وتكون حاضنة لمقاومة منظمة مسلحة ضد الاحتلال هي المنطلق نحو التحرير، نكون شركاء في وأدها. وأننا حين نطالب باستمرارها من دون أن نقدم لها شيئاً، ونكتفي بالتفرج عليها وعلى دماء أبطالها التي تروي أرض فلسطين والقدس.. نكون أكثر من آثمين بحق أمتنا وعقيدتنا ووطننا وأنفسنا.
فما الذي نختاره يا ترى في عيد الاختيارات الكبرى: عيد النصر بتحرير الجنوب على يد المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان من الاحتلال الصهيوني النازي. وما الذي نقدمه للانتفاضة ولشعب فلسطين البطل لتكون لـه مقاومته التي تفتح باب التحرير، وسلطته الشعبية وسيادته الوطنية على فلسطين كل فلسطين، بعد اقتلاع المشروع الصهيوني منها؟!
إنه السؤال الذي أرى أن نتوقف عنده طويلاً ونحن أمام مسؤولياتنا القومية ووعينا التاريخي وحقائق الحياة المعاصرة ووقائعها، التي تشير إلى هجوم مستمر على أمتنا بكل الوسائل، وإلى مواجهة مطلوبة لهذا الهجوم لابد من أن تقوم بها أمتنا بامتلاكها لكل العلوم والأدوات والوسائل، انطلاقاً من وضوح الرؤية وسلامة الاختيار وصلابة الموقف ووحدة الهدف والصف، على أرضية الإيمان بالله والحق والنصر والوطن.
والله من وراء القصد
|