|
ـ القنيطرة خان يونس
خان يونس المدمرة بفعل الحقد النازي الصهيوني، الجريحة مثل كل أرض فلسطين، المدماة بظلال قاتمة حزينة فوقها مثل القدس، ذكرتني بالقنيطرة: المدينة الشهيدة التي دمرها الحقد النازي الصهيوني بعد حرب تشرين 1973
ولأن خان يونس، التي دمر العدو فيها أكثر من 31 منزلاً ليل الثلاثاء / الأربعاء 11و12/ أيار 2001 ذكرتني بالقنيطرة ونحن في مطلع حزيران الحزين، فقد سعيت إلى الأخيرة وفي قلبي كل المدن والقرى التي دمرها العدو، وفي ذاكرتي المذابح التي ارتكبها ضد شعبي، وفي قلبي حسرة بلا ضفاف على أمة يبدو أن عجزها بلا ضفاف.
كان طريقي إليها سفراً في الذكرى والعبر، عبر الطبيعة توحدت مع الأحياء في نَفْس، وتجلت في الأعماق بصيرة وتعبيراً، كل مفازة أقطعها درس: صخر خنادق يعيش حداداً ويبكي. أعزة في رمس، وشجر يرمي غدائره إلى الأرض من ألم، وعيون نضب دمعها فغدت حفائر في الظلام ومساكن للهوام، وسهل اتشح بالشوك وصام، ويباس جفاه النعاس فانتصب سهراً وأنيناً وهمساً، وهضاب تلفعت بالأسى من بُعد وفقد، والجبل الأب شاب هماً، وكمد غماً، تراه يرعى تلالاً أسرى، بعين بصيرة ويد قصيرة، ينفث الهم غيماً ويدفع بالتشامخ ضيماً، ويبقى كالشخص الأمثل بارد الرأس دافئ القلب، يعطي ولا يسأل الحياة عطاءً.
والدرب إليها كل يوم، منذ انبثاق الضوء في حضن الشروق، إلى انفجار الدم في عنق الغروب، من رأد الضحى إلى فحم الليل، الدرب إليها هامات تصيح، والتلال مقبرة، وكلها مستنفرة، تقول : " وا قنيطرة .. قنيطرة، مدينتي المحررة، نضارة في مجمرة. " أبو الندى " مكبل، وحوله ألفُ عسس، تطل من مقلته قنابل بلا نَفَس، آذانه صاغية، يشلّه قيد الخرس، يقول " للعرَّام " إيماءً تعال نعانق الثكالى وأشلاء البيوت، لكنها الألغام حقلاً بعد حقل تقطع العناق واللهاث والأفكار، ياشهيدة المدن ".. مدينتي القنيطرة".
كان طريقي إليها سفراً في المشاعر والذكرى، ومن سعسع إلى مخفر الأمم كانت تتداولني أيام حزيران وأيام تشرين، خطاب عبد الناصر الحزين، وقرار حرب التسعين يوماً استنزافاً للعدو على سفوح جبل الشيخ، فأنفطر على جناح الذكرى هلعاً آناً، وأنتشي تيهاً على جناح وقفة عز آناً آخر، وأنا في كل هذا مظلل بجنح غراب، أنظر إلى السهول الأخصب في عمر أرضنا فألتوي كشوكة من ألم ويأس، أقول متى يعود الحي وتدب الحياة في أرض "النُّقْرة"؟ متى يزرع الناس هذا السهل أعراساً وبيادر ومواسم؟ متى يغني التاريخ نشيد نصر " الياقوصة " وينحدر مع اليرموك نصر عربي كاسح يغسل القدس بدم طهور وقداسة شهادة ؟!.
وأجيل النظر في التلال السبعة التي ينثرها جبل الشيخ كحبات مسبحة يرخيها أمامه ،وهي تحيط بالقنيطرة، كنوّاحات يعددن مآثر شهيد فذ ويذكرن محاسنه في مأتم يدوم مادام الأسر والقهر، وإخال أسراباً من طير تنطلق من كل تل صوب الشام تحمل رسائل وتسّاقط دموعاً، وترمق الأهل بعتب في الخيم والمخيمات تقول :" تعالوا ياعز الأرض تعالوا .. ما طعم العسل يجمع من زهر العليق وزهر الدفلى، من نفل مختلف الألوان كمثل العسل المر النابع من قلب الرمل وقلب الغربة .. يا أهل الأرض الأخصب، إن الأرض " بلاكم" قفر، بلقع، لمع سراب يخدع .. يا أهل الأرض الأخصب، إن الأرض تنادي الأهل تعالوا ".
عند مشارف المدينة الشهيدة ارتفع صرح حي، ولوحت أيد، وتراكضت بين أيدينا بيوت، وتراقص شجر وتهادت صور .. أقترب في حلم وأخشى أن يقطع الحلم سيف اليقظة سيف الواقع، أوغل في الحلم نشوان وأوقظ نفسي شيئاً فشيئاً .. وأجد مع اليقظة استمراراً عنيداً للحلم. في واحة .. ابتسم تصميم الإنسان، شدت على أيدينا أيدي العزم :" القنيطرة الجديدة تحيا والأخرى نصب للذكرى ". الأرض الآن غراس أمل تخضر وتنمو، الناس يعودون إلى أرض تحرسها أرواح الشهداء، أشكال من روعة إعمار للأرض يقدمها الإنسان، ليس الإسمنت مهماً، الإنسان الباني أكبر أبقى، أكبر قيمة، والإنسان اليوم يعود إلى أرض تخضر بها أحلام الأطفال.
صار الجبل الشيخ وَسَامة، والمجدل، شمس تحرق أورام الشر وأوهام الأعداء أمامه، صار " العرّام " قلبا ينبض، يخاصر قلب الشرق بحوران، يعيد اللحمة ضلعاً ضلعاً. في قلبي رقص عربدة، شيء من نشوة قلب ممرور يهوى الصبح وطعم العسل البكر بأرض اليرموك، صرت حلوماً مثل الطفل ..رأيت الناس جحافل تمضي .. تبني الأرض الأخصب : قصراً للتاريخ .. تلم الألق المنثور كواكب، رأيت الناس أكفأ .. عزماً .. سيل معاول، والأحداق عزائم أمضى من أسياف الفتح الأول، العود صُمود أحمد والزرع صُمود أحمد، والسكين سلاح أمضى من حجر يحمي ساح الأقصى، هيا مدوا يا ناس الجولان ذراعاً .. كفاَ .. مدوا للأرض الثكلى رمشاً. نظرة شوق .. إن الأرض بكم أرض حبلى بالخيرات وبالتحرير .. بكل الحب .. بروح الشمس الأغنى .. أنتم شيح الأرض، وللشيح شرايين في الأرض ..
تعالوا : شقوا قلب الشيح أحبة
صبوني في الشيح محبة
ما معنى الحرف المنثور على الريح أهلّة!؟
أبغي حرفاً مغروساً في الأرض كجذع الشيح
تعالوا : شقوا قلب الشيح محبة
صبوني في الشيح محبة
فرعاً من شجرة الشعب
لأعطي أعرق أرض ماء
أنشد للشهداء غناء
أصنع من دمعي لؤلؤة
عقداً فوق جبين مدينة
كانت عزاً ..
تبقى رغم الحاقد عزاً ..
|