صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ لكل اختيار قيمة و ثمن

في دمشق.. في الخامس من حزيران، والذكرى السنوية للراحل حافظ الأسد، الذي رحل ولم يصافح العدو ولم يوقع معه اتفاقاً، تقرع الأبواب؛ تدفق نهر بشري من ساحة الشهيد يوسف العظمة إلى النصب التذكاري للقائد المحرّر صلاح الدين الأيوبي، يعلن الدعم المطلق لانتفاضة الأقصى، والوقوف إلى جانب شعبنا الفلسطيني البطل في مقاومته للوحشية النازية الجديدة، التي تمثلها قوة الاحتلال الصهيوني، ويفتح بوابة جديدة للعمل والأمل، تلِجُها جموع شعبنا بثقة وقوة متطلعة إلى الأمة كلها ليكون لنا موقف مغاير مما يحدث في فلسطين الآن.. موقف لا يكتفي بالاحتجاج والاستنكار والندب والاستعبار، وإنما يمضي إلى الفعل الخلاق دعماً للصمود وتوجهاً مبدئياً نحو التحرير.‏

وإذا كان لنا أن نستشرف لهذا الموقف تأثيراً فليس أقل من تحرك جماهيري عربي يضع حداً لفوضى العمل العربي وتضاربه، ولازدواجيّة الصوت الرسمي العربي في بعض الأقطار، التي خرجت قبل أيام تعلن قرار لجنة المتابعة العربية بقطع الاتصال مع العدو الصهيوني لممارساته العدوانية الوحشية ضد أهلنا في فلسطين، وبادرت إلى الاتصال بوزير خارجيته أمس /الثلاثاء 5/ حزيران/ واستنكر بعضها العملية البطولية ضد المستعمرين في الدولفيناريا على شاطئ تل أبيب المحتل؟!‏

نحن لا نتكلم عن موريتانيا وإنما نتكلم عن الأردن وعن اعتذار الرئيس عرفات، ونحن ندرك الضغوط الأميركية والأوربية التي تقع عليه في هذا المجال. وما نخشاه، وربما كان قادماً بسرعة، أن لا تجد السلطة الفلسطينية سنداً عربياً يمكنها من رفض مطالب شارون باعتقال عناصر حماس والجهاد الإسلامي ـ القائمة تتضمن 120 معتقلاً بدأت ملاحقة بعضهم ـ توطئة لاستئناف مفاوضات التواطؤ في شرم الشيخ ضد ما تبقى من الأرض والقدس وحيوية الناس، الذين يقدمون دماً وينشُدون الكرامة وينادون الأمة بأعلى الصوت: أن تعالوا إلينا فنحن شُراة، نريد الله والوطن، ونمهر حقنا وحريتنا والقدس بالدم.. تعالوا خذوا قسطكم من الهم القومي والعمل القومي ولا تكونوا عبئاً علينا مع من هم تاريخياً أعداء لنا أو أعباء علينا.‏

في دمشق ارتفع صوت يضج بما يضج به كل ذي ضمير في شارعنا العربي.. ونريد لهذا الصوت ألا يبقى هواء في فراغ.. وألا يبقى هتافاً عند صلاح الدين.. وألا يبقى أمنية جماهيرية على مسؤوليات رسمية.. بل أن يتحول إلى قوة تؤثر في الرسميين العرب، وتشكل حضوراً للشعب وإرادته في ساحة القرار، حيث يكون قرار رسمي لمصلحة الانتفاضة يحميها ويبقيها ويديم المساندة المادية والمعنوية لها، ولا يسمح بإيقافها تحت أية ذرائع.‏

وإذا كان السؤال موجهاً إلى السياسات العربية والرسميين العرب في هذا الاتجاه فإنه موجه بالقدر ذاته إلى أقلام عربية في الإعلام سوّغت لنفسها إدانة عملية تل أبيب /الدولفيناريا/ ولا ندري من أي موقع يصدر هذا الكلام في منابر إعلامية عربية؟! أهو من مواقع صهيونية أم أميركية أم غربية.. أم من مواقع "إنسانية" ترى إلى الأمور من منظور مزدوج وتكيل بمكيال مزدوج، ولا ترى في عمل العرب الذين يقاومون الاحتلال الصهيوني وممارساته النازية الجديدة سوى عمل إرهابي، وتخريب، وانتحار، ولا سامية مؤسفة‍؟؟ من أية مواقع يأتينا الرشق بنار الكلام وسمه يا ترى وبلسان عربي ؟!‏

إن مسوّغهم الأول أن هذا يلحق ضرراً بالقضية الفلسطينية وبصورتها لدى الآخرين، وبالعرب الذين يؤيدون هذا الفعل..‏

وإذا كان هذا هو المنطلق الظاهر والباطن، ومبعث الحرص "الإنساني –القومي –الوطني" أو الوطني القومي الإنساني، فإننا نناشد أصحاب المواقع "الإنسانية" تلك – ولا أقول المواقف الإنسانية.. أن يصرحوا لنا بمواقفهم من اجتياح العدو لأرضنا بالاستيطان، ولشعبنا بالرصاص الحي، ولمقدساتنا بأنواع التدنيس والتهويد.. وأن يعلنوا لنا صوتهم من استخدام الرشاش الثقيل ضد محمد الدرة، والدبابة والبلدوزر ضد بيوت خان يونس وأشجار الفلاحين في كل فلسطين، وطائرات الـ F16 والأباتشي ضد المدن الفلسطينية.. وهل ألحق هذا أذى بما يتبنونه من "قضية صهيونية" في المجتمعات التي يعيشون فيها وينعقون منها؟!‏

إن عمليات شارون ضد شعبنا في فلسطين، وتهديده لسورية ولبنان، واستمرار مخططه الاستيطاني .. كل ذلك لقي دعماً أميركياً بلا حدود، وتأييداً أوربياً فيه بعض الغمغمة التي تكبت فرح الانتصار له.. فأين كانت الأصوات الحكيمة.. "الإنسانية" من ذلك كله؟!..‏

ونسأل: ماذا ترانا نخسر، بعد الذي خسرناه طوال سنين، إذا ما قدمنا دمنا لنحرر أرضنا.. هل نخسر القضية أم سمعة: الضحية الطَّيِّعة، أم الاتفاقيات الهزيلة..‏

أم تخسرون من مواقعكم "الإنسانية" ابتسامات التشجيع إذا لم تهاجموا أمتكم حين تدافع عما تبقى لها من وجود؟!‏

إذا كان المكسب الذي نجنيه بتجنب العمليات الاستشهادية هو انتصار المفاوض في شرم الشيخ ونجاح اتفاق أوسلو.. فلا يغرّن أحداً ذلك الانتصار.. فهو ريش الطائر المتطاير في عاصفة الريح الهوجاء؟! وإذا كان ما تكسبون من إدانتكم لاستشهاديي الأمة الذين يقدمون دمهم من أجل الحرية والكرامة..هو ضحكة من شقراء… و(طبطبة) على الظهر والكتف من مسؤول غربي قد يكون رجل موساد أو عنصراً في الـc.i.a وبرقية شكر من صهيوني يحتل الأرض ويعمل على مشروعه وفق مراحل ذلك المشروع..فبورك لكم كسبكم، وبارك الله لنا في دمنا الذي يسطر حرفاً مضيئاً يقرؤه أبناؤنا القادمون ليتابعوا مسيرة التحرير، التي لن تتم إلا بالقوة وبالجهاد والاستشهاد.‏

تأسون من مواقعكم "الإنسانية" على شباب وطلاب صهاينة يرقصون على شواطئنا ليلاً ويلغون في دمنا نهاراً، وتنسون أن معظم من يحمل السلاح ويقتل أهلنا وأطفالنا وشبان الانتفاضة هم من أولئك الذين لا تزيد أعمارهم على خمسة وعشرين عاماً.‏

لكن يبدو من بعض ما قرأت أن هناك من هزه ذهاب شاب وفتاة للرقص فعادا بين جريح وقتيل.. وهذا التوجه نحو الفرح لا يجوز أن يكون حصاده الدم والموت.. وأنا أشاطر صاحب هذه النظرة نظرته فيما إذا كان أولئك في وطنهم الأم أو سائحين في وطننا، وليسو طغاة وبغاة في أرضنا التي يحتلونها بالقوة. وأشاطره الرأي والمشاعر فيما إذا كان أولئك لا يكوّنون قوة قتل واحتلال في النهار تروح عن نفسها في الليل لتعود في الصباح أشد شهوة لسفك الدم وقتل العرب.‏

إن العرب الذين يكتبون إدانات لفعل الشهداء يشاطرون السياسيين العرب الذين يتصلون بالعدو ويقدمون اعتذاراً لـه عن النضال المشروع.. ولكن أولئك وهؤلاء لا يعبرون عن وجدان الأمة، ولا يؤثرون في توجه الشارع العربي نحو دعم الانتفاضة والتمسك بخيار التحرير، كما أنهم لن يضعفوا هذا الشارع، الذي يرفض الاعتراف بالعدو الصهيوني كما يرفض كل شكل من أشكال تطبيع العلاقات معه.. ويستشعر خطر مشروع العدو في كل لحظة وخطوة وموقف كما يستشعرون المهانة بعد كل مذبحة يتعرضون لها ولا يردون عليها.. ولذلك يختارون الدفاع عن النفس انطلاقاً من إيمانهم بأن صراعنا مع العدو الصهيوني هو صراع وجود وليس نزاعاً على حدود.‏

إن الدم يكتب التاريخ.. ولن يستطيع الحبر الأسود أن يوسخ الصفحات الذهبية المكتوبة بدم الشهداء على طريق تحرير فلسطين والجولان وجنوب لبنان.‏

فنحن اخترنا طريق التحرير وهم اختاروا دعم الاستعمار والتعاون مع الاحتلال.. ولكل اختيار قيمة ولكل اختيار ثمن.. والحكم للتاريخ والجماهير والأجيال القادمة.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |