صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ دعوة لقادرين كثر

أن يحاكم شارون في بلجيكا على جرائم ارتكبها عام 1982 في صبرا وشاتيلا عمل طيب، وإن كان هذا الأمر قد تأخر ما يقرب من عشرين عاماً. وأن يبث من لندن شريط يعيد إلى الذاكرة تلك الوقائع البشعة التي تسجل جريمته في صبرا وشاتيلا، شيء طيب أيضاً ويستحق من قام به الشكر والمساندة على ما تعرض وما قد يتعرض لـه من ضغوط.‏

ولكن أن نبقى في عداد من يشملهم السبات، ولا نقوم بتحريك الدعوى ضد الحركة الصهيونية وجرائمها، التي تضاهي الجرائم النازية وتتفوق عليها في سرقة وطن الفلسطينيين ومحاولة طمس وجودهم، وتشويه صورة نضالهم وحضارة أمتهم؛ وأن يكرس على حسابهم كياناً عنصرياً استيطانياً بغيضاً.. فذاك قصور أول لا يفوقه إلا قصورنا الثاني، نحن العرب، في امتلاك قوة ندافع بها عن أنفسنا وأرضنا ومقدساتنا، التي تنتهك وتدمر معالمها ويعاد صوغ جغرافية وتاريخ عمرانيين لها، منذ أكثر من نصف قرن، تحت سمعنا وبصرنا ونحن لا هنا ولا هناك!؟.‏

وإذا كان أبطال الانتفاضة وأطفالها قد سجلوا تقدماً رائعاً في نقل معاناة الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه واستعداده للموت من أجل الحرية والاستقلال واستعادة تلك الحقوق، وأبطال المقاومة النوعية، وعلى رأسهم المجاهدون الاستشهاديون، قد حققوا نقلة نوعية في الأداء النضالي بالمقاومة الفذة ضد الاحتلال، سواء أكان ذلك من جنوب لبنان أم من داخل فلسطين المحتلة عام 1948 وبعده، فإن ذلك يوجب على شرائح معيَّنة ومعنية من مثقفي الأمة العربية أن تقوم بالإعداد الدقيق لإجراء محاكمة للحركة الصهيونية ورموزها وإرهابييها، الذين ارتكبوا أبشع الجرائم بحق الإنسانية منذ تفجر حقدهم من عصابات: الهاغانا وليحي- وزفاي ليومي، وشتيرن.. حتى آخر عمليات القتل الجماعي والمذابح التي ارتكبها شارون في صبرا وشاتيلا، وبيريز في "قانا"، وباروخ غولد شتاين في الحرم الإبراهيمي، لتكشف الطبيعة العنصرية- الإجرامية للصهيونية، والجرائم التي ارتكبها أولئك بحق البشرية؛ ولتضع حداً لمن يدعم هذه الحركة العنصرية ومن يدعم مشروعها الاستعماري الموجه ضد أمة مستقرة في وطنها منذ أقدم العصور، قدمت للحضارة ما لم تقدمه حضارة، وما زالت تعاني من الاستعمار والصهيونية ومشاريعهما منذ أكثر من مئتي سنة.‏

إن ملفات دقيقة ينبغي أن تُعَدَّ في مجالات كثيرة ضد أولئك المجرمين وحركتهم العنصرية، نذكر منها:‏

1-ملف المذابح المرتكبة ضد المدنيين في القرى والأحياء والمدن العربية، مثل: دير ياسين- كفر قاسم- قبية- نحالين- اللد-بحر البقر- داعل- المسجد الأقصى-الحرم الإبراهيمي- صبرا وشاتيلا- وقانا.‏

2-ملف الأسرى الذين قُتِلوا مقيدين في الحروب العربية الصهيونية، والمعتقلين، وحالات التعذيب الجسدي والنفسي، والموت في المعتقلات.‏

3-ملف معسكرات الاعتقال الجماعية في صحراء النقب وجنوب لبنان مثل أنصار 1 و 2 و 3 وترحيل البشر وعرضهم في أقفاص متحركة، ومخيم مرج الزهور للمبعدين الفلسطينين تحت ثلج الشتاء.‏

4-ملف القرى والمدن المدمرة /400/ قرية في فلسطين، وما يقرب من ذلك العدد في الجولان، وتدمير القنيطرة، وغزو بيروت.‏

5-ملف تشريد الشعب الفلسطيني واقتلاعه من أرضه وتشتيته في أصقاع الأرض، ومحاولة محو هويته وتشويه حضارته وإنكار مجرد وجوده.‏

6-ملف القدس ومحاولات تدمير المجسد الأقصى، ومخطط تهويد المدينة، والقضاء على هويتها العربية- الإسلامية.‏

7-ملف الأسلحة المحرمة دولياً/ ذات قوة تدميرية شاملة: نووية وجرثومية أوسواها مما هو محرم/ واستخدام بعضها والتهديد باستخدامها ضد المدنيين العرب، وتهديد الدول العربية المستمر بتلك الأسلحة.‏

8-ملف القرصنة والعدوان والقيام بعمليات إرهابية في بيروت وتونس والعراق /مفاعل تموز/ وعنتيبي.‏

9-ملف الاقتلاع والإحلال. أو ملف الاستيطان بما يشكله من ظاهرة إرهاب وعدوان فاضحة على الحقوق المدنية للإنسان، ومن إرهاب مموَّل ومحمٍ بقوى عالمية/ الولايات المتحدة الأميركية/ لسرقة وطن وإحلال قلعة استعمارية في محل شعب ذي هوية وتاريخ وكرامة وسيادة.‏

10-ملف حقوقي عن قضية فلسطين في المحافل الدولية، من وجهة نظر القانون الدولي، وما تم ويتم من تواطؤ استعماري أميركي- أوربي مع الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني وأقطار الوطن العربي.‏

11-ملف عن عنصرية الصهيونية من التربية التلمودية إلى الشراكة النازية، مروراً بقرار الأمم المتحدة رقم 3379 .‏

12-ملف عن تعاون الحركة الصهيونية مع النازية في الثلاثينيات من القرن العشرين.‏

13-ملف عن انتهاك حقوق الإنسان كما سجلته لجان تقصي الحقائق في فلسطين والمنظمات الدولية المعنية في هذا المجال وبهذه القضية، منذ وعد بلفور حتى اليوم.‏

إن هذا العمل الذي ندعو إليه يحتاج إلى ثقة لا تتزعزع بالحق الذي نملكه وبالنصر الذي نستحقه، كما يحتاج إلى حماسة المؤمنين بحقوق الإنسان بالمعنى العلمي الدقيق والشامل للكلمة، وليس لتخريب من يوظفون للتخريب باسم حقوق الإنسان وهم مستأجرون من قبل مؤسسات من خارج مجتمعاتهم، تمولهم : " لوجه الله والإنسانية التي تنتهك كرامتها كل دقيقة!؟ "، مؤسسات معنية بتخريب قيم مجتمعات الشعوب وتشويه صورة تلك المجتمعات، لا سيما في وطننا العربي والعالم الإسلامي اللذين يعانيان من تراكم ذلك التوجه وتوظيفه بتغطية سياسية وإعلامية غربية ـ صهيونية واضحة.‏

ويحتاج أولاً وقبل كل شيء إلى جهود القادرين على القيام بالبحث العلمي والتحقق والتوثيق والتقصي بموضوعية صارمة وفق معايير بحث وتقويم تُبنى على منهج ومنهجية سليمين.‏

وينبغي أن يكون واضحاً أن كل من سيقوم بمثل هذا العمل أو يدعو إليه سوف تنصب عليه نقمة الصهيونية وحلفائها والمتعاونين معها، وأولئك الذين يرتعدون فرقاً ويركضون في ركابها لتُنْعِم عليهم بنظرة رضا ليبقوا ممن تراهن عليهم وتمنحهم بقاء في الإعلام وحيث هم يرتزقون بفتاتها.‏

وهذه الدعوة موجهة لكل القادرين المؤمنين بالله والحق والوطن، ليتراص صفهم ويعملوا من أجل محاكمة علنية /محكمة ضمير/ تُجرَى للحركة الصهيونية ورموزها ومجرميها وإرهابييها في بلد غير عربي، يُنتخب لها فريق يمثل شعوباً وحضارات وضمائر يقظة من قارات الأرض، مشهود لكل فرد فيه بالنزاهة والقدوة والجرأة في الدفاع عن الحق والعدل… ومتميز في موقفه المبدئي والخلقي والإنساني.‏

ندرك أن هذا من أصعب الأمور ولكنه من أعدلها أيضاً، وهو لهذا يستوجب التضحية والمعاناة. وإذا كان هذا بنظر البعض شيئاً من وهم وتخييلاً جميلاً فإن التخييل مدخل تفعيل الخيال، والوهم يدحضه الحلم المشروع لتغيير الواقع، ومعظم الأعمال الجليلة بدأت أحلاماً جميلة ثم حولها الفعل الجاد إلى وقائع وحقائق لم يلبث خيال وحلم جديدان أن تجاوزاها إلى آفاق أعلى.‏

إننا مدعوون، والموت يلف أهلنا في الأرض المحتلة، وهم يواجهونه متزنِّرين بشرايينهم وأوردتهم، التي يتدفق فيها الدم منذراً بالانفجار.. إننا مدعوون للقيام بواجب على هذه الجبهة من جبهات العمل الثقافي والإعلامي والاجتماعي ـ السياسي ضد العدو.‏

لنخاطب رأياً عاماً كثيراً ما استخدم ضدنا من خلال التضليل والتوظيف العدواني- الاستعماري الصهيوني المخطط لـه بعناية.‏

وحين يستنفر شارون قواته ضد شعب أعزل ومدنيين يملكون الحجارة، وتعجز جيوشنا العربية عن أن تطلق مجرد إشارة تعلن عن وجودها في الفضاء العربي، فلا أقل من أن نطلق صرخاتنا المنذرة بعدل يستصرخ الضمائر وبشعب يستحث قواه الحية على اليقظة والعمل- أي نوع من أنواع العمل- يشعر أبطال الانتفاضة بأنهم ليسوا وحدهم، وبأن انتفاضتهم المباركة يجب أن تستمر لأن الأمة تحتضنها، وبأن أمتهم معهم على نحو ما… وأن النصر قادم بعون الله.‏

لقد أعطي شارون فرصة المئة يوم ليقضي على الانتفاضة.. وغاب الصوت الأميركي عن الساحة ليعطي لآلة الحرب الصهيونية فرصة العمل، وغُيِّب الرئيس عرفات وطاقمُه في الظل.. وتم التغاضى عن كل فعل إجرامي صهيوني وضُخِّم في الوقت نفسه كل فعل يؤدي لـه استشهاد جهادي أو حجر انتفاضي.‏

وامتدت المئة من الأيام إلى أكثر.. وأكثر.. وبعد عملية "الدولفيناريا" على ساحل تل أبيب المحتل عاد العمل الأميركي إلى النشاط وحضر تينت ليضع مبادرته على جثة لجنة ميتشل. وكل هذا النشاط يدل دلالة واضحة على ما أصيب به التجمع الصهيوني من ذعر بسبب العمليات الاستشهادية النوعية التي " تقرر وقفها"!؟. وها هو باول يجيء إلى المنطقة ليثبت ما بادر به "تينت" فهل هذا سوى دليل على أن الانتفاضة التي يراد لها أن تهدأ.. فتذبل.. فتموت، لا سمح الله، قد وضعت شارون في قبضتها المحكمة.. وجعلت كل صهيوني في العالم، وليس في فلسطين المحتلة فقط، يكشف عن عنصرية كريهة تريد شن الحرب التي يقول اليمين الصهيوني إنها واجبة الحدوث فوراً، ويقول اليسار الصهيوني: إنه لا بد منها ولا يمكن دفعها، والكل بهذا ـ يمين ويسار لمن راهنوا على اليمين أو اليسار من عرب اليوم ـ يستهدف حامل الحجر والمتزنر بشرايينه وأوردته من أجل الحرية والكرامة والقدس وحق العودة وكرامة الشعب الفلسطيني.. بل كرامة الأمة العربية.‏

إن هناك عملاً كثيفاً للقضاء على الانتفاضة، وهناك بالمقابل تصميم رائع على أن تستمر.. ولكن ما هو موقفنا نحن الذين نتفرج ونصفق أو نصرخ من بعيد؟!‏

هل نبقى حول حلبة المصارعة أم يتوجب علينا أن ندخلها على نحو ما.. ولو بفعل من أفعال الكلمة.. يكون لـه صداه وتأثيره ومردوده؟!‏

إن واجبنا أن نفعل شيئاً.. وأن نقوم بعمل لا تحده حدود.. فالذين يموتون من أجل فلسطين وكرامتنا.. يكتبون على جباهنا بدمهم كلمات إن نحن أحسّنا قراءتها توجب علينا أن نقوم بأحد أمرين:‏

-إما الاندفاع في الأداء النضالي إلى المدى الذي بلغوه.. أو نبلغ التحرير.‏

-وإما الانكفاء في العار خجلاً من دم لا نستحقه.. يُبذل من أجل أن نبقى وأن نتكلم وأن نفاخر بأمة ننتمي إليها.‏

إن الزمن يسجل علينا كل ثانية ما نقوم به وما لم نقم به وما يتوجب أن نقوم به.‏

وإن ما تستطيعه أمة عظيمة هو أكبر وأعظم من كل التوقعات.. وعلينا ألا نترك الانتفاضة وحدها.. والمجرم الإرهابي الصهيوني طليقاً… والمارد العربي في سبات مقيم.‏

وإنها لدعوة للقادرين على الأداء المنقذ وهم في أمتنا كثر.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |