صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ مزدوجو الولاء

عندما تتزامن حملة اليهود الفرنسيين المزدوجي الولاء والصورة والاسم والهوية على الرئيس الأسد وعلى سورية مع حملة عون وأنصاره و"المعارضة" السورية في باريس؛ علينا أن نقرأ ما يتفاعل خلال هذه المدة مع ما يطرح من فكر وما يتخذ من موقف وما يروَّج من أخبار لنصل إلى استنتاجات أكثر منطقية ودلالة.‏

وإذا ترافق ذلك، بشكل مباشر أو غير مباشر، بأحداث وإعلانات وتصريحات من مواقع روحية وسياسية وإعلامية أخرى؛ فعلينا أن ندرج ذلك في قائمة المعطيات التي تساهم في الاستنتاج السليم، أو القراءة الصحيحة للحوادث والوقائع.‏

ويجب ألا تخدعنا على الإطلاق الهوامش التي تحاول أن تقيمها التفسيرات الإعلامية- الإعلانية، التي تواكب هذا التزامن وتصدر في أثنائه، من أي طرف جاءت.‏

-يهود فرنسا، وهم صهاينة بامتياز لـه من الصهيونية عنصريتها المقيتة وعدوانيتها ضد العرب، وإرهابها وجرائمها المستمرة في أرضنا، يشنون حملة إرهاب وتشويه على سورية والرئيس بشار الأسد، وقد أصدروا بيانات، وسيروا مظاهرتين، في أثناء زيارته لفرنسا/ 25 ـ 28 تموز 2001/ إحداهما في مرسيليا سار فيها 3000 متظاهرتقريباً، والثانية في باريس وسار فيها‏

/6000/ متظاهر تقريباً؛ وحرضوا فرنسيين رسميين على مقاطعة احتفالات الزيارة.‏

واستخدموا كلمات وقحة كعادتهم، وتقدمت كتائبهم العاملة في تنظيم "بناي بريت" في أوساط الشباب والطلاب. " بدعوى" ضد الرئيس الأسد تتهمه بمعاداة السامية وهو من العرب الساميين. وعلى الرغم من السخف المطلق لمثل هذا التحرك، وعدم جدواه أو قيمته في أوساط شعبية ورسمية فرنسية كبيرة إلا أنه تم ليغذي الإعلام بمادة يُراد لها أن تؤدي إلى تسميم الأجواء والإساءة إلى سورية، وإعطاء صورة سلبية عن الزيارة ونتائجها.‏

وهؤلاء الصهاينة المزدوجو الولاء: لفرنسا وللكيان الصهيوني في آن معاً، يتذرعون بما قاله الرئيس الأسد في خطابه في أثناء زيارة قداسة البابا لدمشق، عن تعذيب المسيح والفلسطينيين بأيد آثمة واحدة ما زالت تمارس عنصريتها وكراهيتها للآخرين، وحقدها على الأنبياء والعقائد منذ وجدت؛ ليكرسوا تهمة معاداة اليهود وهم الذين يربون أبناءهم على العداء ضد العرب خصوصاً وبقية "الغوييم" عموما،ً بحجة أنهم ـ أي اليهود ـ من سلالة أرقى وأنهم "شعب الله المختار"، في اندلاق سخف تاريخي لا يضاهيه سوى سخف من يناصرهم ويرى فيهم "ثقافة" ينبغي أن نتعامل معها متجاوزين العداء وما يسميه "التطبيع البائس"، وما البؤس إلا فيه وفيما يدلقه علينا من ظلام الرؤية وظلامية الأفكار المستنيرة بأضواء الـ C.i.A وبقية الأجهزة، التي يرتبط بها معلياً شأنها على المؤسسات الثقافية، التي يتهمها بتعالٍ تافه وجهل بها مقيم.‏

إن صهاينة فرنسا، ولا أقول يهودها، ينطلقون من دفاع عن "اليهودية واليهود" كما يزعمون ضد اتهام وجه إلى اليهودية واليهود.. وإذا كان من حق كل صاحب عقيدة دينية أو أفكار "أيديولوجية" أن يدافع عن عقيدته وأفكاره، فليس من حقه أن يفتري، ويمارس الإرهاب بأنواعه، ويتجاوز عن الوقائع والحقائق الدامغة.‏

لقد قال الرئيس بشار الأسد إن الفلسطينيين يعانون من عذاب على أيدي الذين عذبوا المسيح. فهل هذه حقيقة أم لا؟!‏

ألم يُعذَّب المسيح على أيدي اليهود لأنه حامل رسالة سماوية تختلف عن رسالتهم؟! ألم يعذب اليهود الصهاينة، الذين يأتون إلى فلسطين على أرضية دينية: توراتية- تلمودية وعلى أرضية "قومية- صهيونية " بادعاء أن لهم حقاً في فلسطين، ألم يعذبوا الفلسطينيين ويضطهدوهم ويشردوهم في أرجاء الأرض؟! أليس فعلهم ذاك مستمراً بروح عنصرية مقيتة، وبكراهية متأصلة فيهم للمسيحيين كما للمسلمين.. وللعرب مسيحيين ومسلمين؟! ألا يرتكبون المذابح ويمارسون الإرهاب ويقتلعون الفلسطينيين من أرضهم ليحلوا في محلهم يهوداً مجلوبين من أوطان لهم مستقرين فيها ليقيموا دولة يهودية- عنصرية على حساب شعب آمن مستقر في أرضه منذ آلاف السنين!!‏

أليس هذا الفعل الإجرامي قائماً في التاريخ والواقع المعيش والممارسة اليومية المستمرة منذ نيف وخمسين سنة، التي تجاوزت في قسوتها وعنصريتها ودمويتها الممارسات النازية؟!‏

إن اليهود أجرموا بحق عيسى ومحمد " ص "، وما زالت أيديهم ملطخة بدماء العرب منذ أريحا قبل الميلاد إلى قانا بعد ألفي سنة من الميلاد. وقول هذه الحقيقة شرف يباهي به من يعليها بشجاعة ومن لا يخاف من عصابات اليهود وإعلامهم وأموالهم وإرهابهم... فيرتجف.. ويعتذر.. ويدين من يدين جرائمهم. الجرائم الصهيونية ثابتة.. والصهيونية حركة عنصرية بموجب القرار 3379 الذي لم يمت عندنا ولن يموت، والصهيونية أكثر عنصرية من النازية.. وأسوأ من النازية بكل المقاييس.‏

واليهودي الذي يأتي إلى فلسطين على أرضية المشروع الصهيوني الذي دعت الصهيونية له، وعملت من أجله، وأقامته في فلسطين على حساب شعبها وأمة العرب كلها، بقوة الإرهاب والتواطؤ الدولي؛ هو يهودي- صهيوني يعرف ما يفعل ويتحمل مسؤولية جرائم الصهيونية وممارساتها لأنه أداتها وحلمها ومادتها ومشروعها في الأصل.‏

واليهود الذين يعملون للحركة الصهيونية، في بلدان يقيمون فيها، ويمولونها بالمال، ويغطونها سياسياً وإعلامياً؛ ويرون أنفسهم جزءاً عضوياً منها ومن الكيان الذي أقامته في فلسطين، سواء أكانوا في أوربا أم في أميركا أم في أي مكان من العالم، هم شركاء في العنصرية والقتل والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، سواء أنادى بها وسوغها وقام بها حاييم وايزمان وبيغن وشامير وموشيه دايان أم رابين وبيريس وشارون وباروخ غولد شتاين. كلهم شركاء في الدم وشركاء في الإثم وشركاء في المشروع العنصري الذي أقاموه على أرضية التعصب الديني أو "القومي"، واليهودية دين وليس قومية.‏

إن الذي يحرك اليهود ضد الرئيس الأسد أربعة مواقف تُحْمَد له، وقد عبر فيها عن وجدان الأمة، متجاوزاً الأقنعة والخوف والدجل السياسي وأشكال الممالأة العربية والدولية، وتلك المواقف هي:‏

1-خطابه في قمة عمّان، وذروة ذلك الخطاب قوله: "الصهيونية أكثر عنصرية من النازية."‏

2-تذكيره العالم.. كل العالم.. أمام الحبر الأعظم في دمشق بأن الأيدي الآثمة التي عذبت المسيح هي الأيدي الآثمة نفسها التي تعذب الفلسطينيين وتقتل الأطفال الأبرياء اليوم.‏

3-دعمه المستمر للانتفاضة، ولحق العودة، وللقدس عربية، وللمقاومة ضد الاحتلال من أي موقع أتت.. المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان، ومقاومة شعبنا في فلسطين وانتفاضته الباسلة.. خطوة العرب الأولى على طريق التحرير.‏

4-عدم تنازلـه عن إرث الرئيس الراحل حافظ الأسد، والإرث النضالي المبدئي لسورية العربية، التي وضعت قضية فلسطين فوق القضايا جميعاً، وجعلتها على رأس معايير التعامل مع المواقف والمواقع والسياسات.. واتخذت مواقف واضحة في هذا المجال في القمم العربية وفي مؤسسة الجامعة العربية.. داعية إلى رفض التطبيع.. وتفعيل المقاطعة للعدو، والمحافظة على حقوق الشعب الفلسطيني كاملة.. وعلى تنسيق عربي يضمن عملاً شاملاً متكاملاً يحقق فيه العرب حضوراً وقوة باتحادهم أو تضامنهم.‏

لقد ألقى الرئيس الأسد حجرين في بركتين راكدتين.. ولا يريدون أن يغفروا لـه ذلك:‏

-حجراً في البركة العربية الراكدة التي أخذ ماؤها يأسن..‏

فقال بفلسطين لأهلها.. وقال بتحرير الجولان وجنوب لبنان.. وقال برفض الحصار على العراق.. وقال بتضامن عربي فعّال.. لا بمجرد لون من الأقوال للاستهلاك السياسي.‏

-وحجراً في البركة الدولية حين ذكّر بجرائم اليهود ضد المسيح.. وقارن بين عنصرية الصهيونية وعنصرية النازية.. مستثمراً الوقائع التي قدمتها وتقدمها انتفاضة الأقصى.. وتلك التي يقدمها الصراع- العربي الصهيوني والتاريخ الأسود للعنصرية التلمودية- الصهيونية.‏

لقد سخر يهود فرنسا الصهاينة بعض الأسماء الفرنسية في حملتهم البشعة، ولكن عند التدقيق نجد أن معظم رؤساء البلديات الباريسية الستة، الذين وقعوا بياناً ضد الزيارة هم من اليهود الصهاينة ومن المسؤولين عن الحركة الصهيونية في فرنسا.‏

ولقد سخر يهود فرنسا الصهاينة بعض الأقلام ووسائل إعلام.. ولكنها تلك التي يملكونها أو تخاف من إرهابهم، أو تطمع في أموالهم. وفي الجوائز التي يسيطرون عليها.‏

أما دعوى فتيان "بناي بريت" فلا تستحق الورق الذي كتبت عليه.‏

ولكن المؤسف.. والمفيد في الوقت ذاته هو تزامن حركتهم، التي لم تنفصل عن التهديد المتصاعد ضد سورية منذ مجيء الإرهابي شارون إلى الحكم حتى الآن.. مع حركة عون ومن ولاه.. ومع "المعارضة السورية"؛ تلك التي التقت جميعاً في باريس مع الحركة الصهيونية الدامية ضد سورية ورئيسها وموقفهما المبدئي من حقائق تاريخية، وجغرافية قومية، ومعطيات حقّانية وإنسانية، تتعلق بالحركة الصهيونية وبجرائم ضد الإنسانية ارتكبها التعصب اليهودي- ولا نقول الإيمان اليهودي القائم على شريعة موسى قبل التحريف والتزييف.. هذا إن وجد- ضد الأنبياء والأبرياء من بني البشر.‏

المؤسف: أن يتم ذلك في هذا التوقيت وفي فرنسا.. وبالتزامن مع حملة صهيونية- عنصرية ضد سورية.‏

والمفيد: أن يكشف ذلك الذين قاموا به ويسقط عنهم ورقة التوت..‏

رغم الذرائع والادعاءات.. والهوامش التي يحاولون نحتها لتبعدهم عما يقوم به اليهود المزدوجو الولاء في فرنسا ضد سورية ورئيسها في الوقت ذاته والمكان ذاته ولتحقيق الأهداف ذاتها.‏

أما التزامن الآخر، البعيد عن الموقع الساخن للحدث الذي نتحدث عنه، فهو لافت للنظر، ولا بد أن يصب في الجدول الجاري ذاته، ليغني الاستنتاج أو يجعله أكثر دقة وموضوعية، وأعني به: زيارة قداسة البابا لأوكرانيا ولموقع (بابي يار) تحديداً، الذي يُقال إنه قتل فيه حوالي ستة وثلاثين ألف يهودي على أيدي الوحش النازي؛ ليعلن الحبر الأعظم من هناك، وبتزامن ملحوظ، تضامناً مع ألم اليهود، معتذراً للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية عما سببته لها الكنيسة الكاثوليكية.‏

بينما لم تصدر منه في الجامع الأموي بدمشق أية كلمة أو إشارة تشير إلى معاناة الفلسطينيين على يد اليهود ـ الصهاينة ولا إلى ما سببته الحروب الصليبية، التي كان وراءها الفاتيكان على نحو تحريضي سافر، من آلام ومعاناة ودمار للعرب والمسلمين في ديارهم، التي غُزيت ونُهبت ودُمرت واحتلت مدة مئتي سنة تقريباً.‏

إن هذا كله..‏

إن هذا الازدواج.. أو التغاضي.. أو التعتيم.. أو… الخ..- سمّه ما شئت ـ الذي يمتد على مساحة جغرافية تمتد من واشنطن إلى أوكرانيا.. وأوربا.. وفلسطين، ومن زمن مدمر أريحا وحارقها إلى زمن مدمر القنيطرة وقاتلها.. إن هذا الازدواج المقيت يُنْبِت شوكاً في القلب والجفنين.. ولكنه يرفع صوتاً مديداً في اتجاهين:‏

1-اتجاه العالم الذي يدعي الحضارة والدفاع عن حقوق الإنسان.. والتمسك بالحرية والديمقراطية والعدالة.. على حد ادعائه.. ليقول له: لماذا؟!‏

لماذا يكون الظلم مباحاً مسوغاً.. يحمى ويزود بالبركات ويمسح بالزيت المقدس؟!‏

ولماذا يكون الدفاع عن هذا الظلم ذاته هناك.. جريمة وإرهاباً وعنصرية.. الخ…‏

لماذا يُتَّهم باللاسامية كل من يفكر بكلمة تردع الظلم العنصري الدموي الصهيوني؟!.‏

ولا يُنصف "السامي" من أبناء إبراهيم، ومن الأولى منهم بأبيه: ابن الابن الأكبر حسب التقليد الغربي، عندما يضطهده "السامي" الآخر أو المستعمر الغربي أو العنصري الذي يضطهد الآخرين باسم الاضطهاد الذي يدعيه..؟!‏

أليس أولئك جميعاً أبناء الله.. حسب رسالة المسيح ؟! أم أن المسيح جاء برسالة "يهوه" لقوم من دون قوم؟! أم لأن أولئك من أتباع ديانة أخرى ومن قومية أخرى.. ومن ثم هو تمييز ديني وقومي على نحو يثير الاشمئزاز؟!‏

2-اتجاه العرب: مسلمين ومسيحيين، والمسلمين بشكل عام.. ليقول لهم: إلى متى تسكتون.. وتؤكلون.. وتتآكلون.. وتُظلمون في دياركم.. وتهملون ما فطرتم عليه.. وما أرسل إليكم وأنزل فيكم من رسالات السماء.؟!‏

أين التاريخ.. والقيم.. والمبادئ.. والحقائق التي لا يصنعها إلا الوعي المعرفي العميق، والعلم الذي يُنتفع به، والإرادة الطيبة.. التي تحمى بتسامح.. وتدافع عن نفسها وعقائدها ومبادئها وحقوقها بقوة الإيمان والانتماء والحق والسلاح؟!‏

أين أنتم جميعاً.. فقد ضاقت الأرض بنا.. وضقنا بالظلم.. وضاق الظلم والتمييز بنا.. ولا يضع حداً للعدوان والظلم سوى القدرة على ردع العدوان والظلم..‏

أفيقوا.. وتناصروا.. وتعاونوا على البر والتقوى.. وحققوا انتماءً مشرفاً لأرضكم ورسالات أنبيائكم.. ولتاريخكم العريق.. وأمتكم المجيدة.. وإلا…‏

فإن سيوف العدو العنصري وحلفائه وعملائه سوف تبقى تقطر دماً من رقابكم.. وتبقى مصلته فوق رؤسكم. فالصحوة.. الصحوة.. والتضامن.. التضامن… وإلا أكلكم مزدوجو الولاء ومزدوجو الضمير.. ليس من يهود العالم فقط وإنما من أولئك الذين ينبتون بين جلدكم ولحمكم ويضربونكم بسيوفكم.‏

ولينصرن الله من ينصره.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |